خارج البيت، كان القمر يصبغ الحقول باللون الفضي، وظلال عيدان الذرة متطاولة كوحش دون عينين بأذرع طويلة. المياه تجري في القناية مُحدثة خريرًا محببًا، والمرأة تصلي رافعة يديها فوق رأسها تقول: "الله أكبر، سبحان الله العظيم".
وكان النهر يبدو تحت أشعة القمر كصفحة من فضة، وأسماك الشلب تبقبق بين حشائش القصب المتأخمة للشاطئ، وصوت مقرئ قرآن يتلو بسكينة في مذياع صياد يستعد لرمي شبكته، ودخان ينبعث من بيت فلاح يشوي كيزان الذرة. كان الجو ساكنًا والكون كله يسبح بحمد الله. وآدم ممدد على حصيرة من القش، أنفاسه بطيئة، وكل نفس يخرجه من فمه يقربه من الحياة.
وكان الهر كيمو واكا قد وصل القصر للتو، وميمي تسير جواره متأخرة خطوة احترامًا وخشية. وكان القصر حزينًا، مظلمًا وصامتًا بعد أن رحل الخدم عنه. وقف كيمو واكا على العشب في مواجهة ظلال القصر الكئيبة. كيمو واكا يشعر أن هناك خطرًا تحرر داخل القصر، كيمو واكا يريد أن يهرب. ميمي: عن أي خطر تتحدث يا كيمو واكا؟ القصر خالي ونحن قطط. ألم تخبرني أنك كنت تتسكع في الأزقة المظلمة؟ الله أعلم ماذا كنت تفعل هناك؟ أردفت ميمي كلماتها بغيرة!
كيمو واكا: أنتِ لا تفهمي، وكيف يمكنك أن تفهمي؟ أشعر أن الخطر تحرر واستوطن القصر. كيمو واكا فقد شهيته، كيمو واكا لن يأكل السردين. قالت ميمي في محاولة للفهم: البشر رحلوا، لا يأتي الشر إلا من البشر. والأرواح، قال كيمو واكا، والسحر. كيمو واكا أول مرة أحس بعمل مختفي داخل الشجرة، لكن العمل تحرر وبدأ عمله. وتذكرت ميمي الحية التي كانت تقطن القبو وتختفي داخل الحديقة، وشعرت بالخوف، الجان يسكنون الحيات والقطط.
ثم فجأة شهقت ميمي وكأن ذاكرتها عادت إليها، تذكرت نرجس، نرجس كانت تحضر عمل قبل رحيلها، عمل من أجل ديلا. همست ميمي: هل تعتقد أن العمل بدأ مفعوله؟ كيمو واكا: بلا أدنى شك، أشعر بلعنة السحر داخل القصر. اسمعي، قال كيمو واكا: سأدخل القصر، أحضر بعض السردين ونرحل، إذا حدث لي شيء اركضي نحو المرأة. سحب كيمو واكا ودخل من الباب الموروب حتى وصل الثلاجة، وكان يشعر بالخطر، وحركة غير مرئية تراقبه.
سحب كيمو واكا كيس السردين ثم ركض، وخلفه طيف من دخان يتشكل. على الباب وجد عقدًا لبنيًا مرميًا على الأرض أخذه في طريقه. وهناك حيث الفيلا الفخمة كانت ديلا تتلوى من الألم وتصرخ داخل غرفتها، ومعدتها تتقطع بسكين تلم. مرعوبة الفتاة، منكمشة على نفسها، ترغب بالدخول في الجدار من الخوف. اقتحم محسن هنداوي الغرفة وأخذ ديلا في حضنه وهو يحاول أن يعرف لماذا تصرخ؟
وكانت ديلا لم تتحدث بعد، لكن عينيها كانت مصوبة على الخزانة تكاد تقفز من الخوف. عندما وصل كيمو واكا وميمي بيت المرأة، لاحظت العقد الذي تضعه ميمي على رقبتها. تغيرت ملامح المرأة وسألت ميمي: أين وجدتِ العقد؟ كيمو واكا وجده، قال كيمو واكا بلا مبالاة. همست المرأة: الشر في كل مكان، يسكن الخلاء والأشجار والبحار والمغارات والإنسان. كيف لإنسان أن يعيش بين كل ذلك القبح؟
ومدت يدها على العقد وأحجاره الكريمة ونزعته من عنق ميمي المستسلمة. متى بدأتِ التذكر؟ سألت المرأة ميمي. أعني كيف عادت لكِ تلك الذكريات عن نرجس؟ قالت ميمي: خارج القصر عندما تحدث كيمو واكا عن سحر داخل القصر. المرأة: القصر لابد أن يتطهر، لكن الوقت لم يحن بعد، القصر خطير الآن لا تذهبوا هناك مرة أخرى. لقد تبعكم الخطر حتى أبواب بيتي وأشارت بيدها للحقول لكنني تعاملت معه.
كان الوقت قبل الفجر، عندما خرجت المرأة من باب البيت ورقد كيمو واكا وميمي جوار آدم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!