كما عليك أن تبتلع هزيمتك بمفردك، الحياة تجبرك على اتخاذ بعض القرارات المصيرية. وجد آدم نفسه بمفرده في مواجهة قوى الشر الساخرة، وليس هناك أقدر على خلط الأمور من الشيطان الذي يتخذ من إحباطك طريقًا يتسلل داخل روحك. يهمس، يقول: "لقد حاولت مرة وفشلت، لا فائدة، كيف تتوقع أن تعود والسفر طويل وزادك نضب؟ وفرضًا إذا ما قررت العودة، من أدراك أن تُقبل بعدما فرطت؟
لكن، كل ما عليك فعله هو الوصول إليه، إنه بانتظارك، لن يردك ولو حتى بعد ملايين المرات. هل يمكنك أن تحصي؟ واصل، إذًا لديك الأسبقية، لا تضيعها. كان الطيف الأسود القبيح يبتسم بكل وقاحة، وظن آدم لوهلة أنه غير قادر على مجابهة الأمر. وجود المرأة إلى جواره كان يمده بالطمأنينة. تسمّر آدم في مكانه، منذ شهور حذّرته المرأة من دخول القصر بمفرده، لكنها الحياة تبقينا أوقاتًا كثيرة بمفردنا دون سند أو مؤازرة.
ثم حرّك قدمه وقلبه ينبض بقوة، لا أحد يهرب من مصيره، لكل شيء سبب، ولكل طامح أمل وحلم. وسمع الأصوات المرعبة تصدح في أذنيه تشتته، وما أكثر الملاهي في هذه الحياة. وكان بمقدور آدم الفهرجي أن يدور حول الكيان ويبتعد عنه، لكنه أراد إثبات على أنه قادر. مضى آدم الفهرجي في طريقه وهو يردد اسم الله، مضى نحو الكيان المشتعل بالنار، ثم في غمضة عين عبر من خلاله ووجد نفسه داخل القصر المظلم الذي تنبعث منه رائحة العفونة. القصر بارد، مثلج، جعل جسد آدم يرتعش واصطكت أسنانه.
سمع آدم صوتًا قادمًا من مطبخ القصر، خطوات ثقيلة تمشي بهدوء، فتقدم وأشعل مصابيح الإضاءة. كان محمود الجنايني يسير بجسد متخبط وفمه يسيل دمًا، كرشه متدلٍ فوق بنطال قذر. أغلق النور. طلب محمود الجنايني وهو يحمي عينه بيده: "الظلام يلائمني." تفاجأ آدم بهيئة محمود الجنايني المزرية وعيونه التي تبرق بالسواد كقطعة فحم كبيرة، ولاحظ أطرافه المرتعشة وفمه الذي يتلوى بالكلام كأنه مرغم. "تأكل؟
"جسدك يخبرني أنك من زمن لم تذق طعم اللحمة." وكان آدم مثبتًا نظره على محمود الجنايني ينتظر منه أن يأتي بحركة شيطانية من التي سمع وقرأ عنها. أطلق محمود الجنايني ابتسامة مختلطة بالشر، وعاد ليفتح باب الثلاجة. "تعالَ." أمر محمود الجنايني آدم. سار آدم تجاه الثلاجة الكبيرة التي كانت ممتلئة بقطع اللحم والأطراف البشرية. صُعق آدم وفتح فمه عندما قضم محمود الجنايني إصبع جثة طفل كأنه قطعة نقانق كبيرة.
"ليس هناك ما يدعو للاندهاش يا سيد آدم، أنا لا أعيش هنا بمفردي، لقد أصبحت ساكنًا للقصر معهم ومعك." ولم يفهم آدم الفهرجي ماذا يعني محمود الجنايني بقوله "معك؟ لقد توضأ وقرأ القرآن والسكينة تغمره وليس هناك بمقدور شيء، أي شيء أن يؤذيه. صرخ آدم الفهرجي: "أنا لست معك ولا معهم! "هراء." قهقه محمود الجنايني ومن جوفه خرج صوت غريب. "أنا من سمح لك أن تدخل." "ليس إيمانك." ثم ضحكة تعيسة وطويلة.
وارتجت جدران القصر وانغلقت شرفاته ونوافذه وأبوابه وارتفع صوت معكّر: "أنت واحد منا." واختل آدم وتعكّر صفو سكينته وبدأ ذهنه يعانده، كيف أكون واحدًا منكم؟ "أنا لست واحدًا منكم." "أنت واحد منا." وانطلق الصوت كالسيل داخل أركان القصر وغرفه والحديقة وكل مكان من الممكن أن يصل إليه عقل آدم. وانبطح محمود الجنايني على الأرض وأتى بأفعال مقززة ومن فمه يسيل اللعاب الأسود المتقيح.
انفتح باب القبو وكانت الجثث متكدسة داخله، جثث فتيات شابات اختفين في ظروف غامضة يراها آدم بعينه. التوكل على الله ليس سهلًا، ليس مجرد كلمة، إنه شعور يحتل كل أركانك، تسليم مطلق بقدرته وآخر على أنك في معيته ويقين عميق بالبلاء والابتلاء، لا تجعل ضربة واحدة تسقطك. همس آدم: "أنا ليس معكم، لا يمكن أن أكون معكم." قهقه محمود الجنايني: "ستظل معنا هنا يا سيد آدم، لقد حُكم عليك بالنفي الأبدي، لن تجد روحك مرة أخرى."
"لن تخرج من القصر، لن ينقذك أي شخص." "الله سينقذني." كرر آدم الكلمة: "الله سينقذني، لا أحتاج مساعدة أي مخلوق مادام الله معي." وسكنت الأصوات، هدأت واختفت وعيون آدم الدامعة تراقب لسانه الموحد بذكر الله. والقصر مغلق الأبواب لم يفتح بعد وكل شيء من حول آدم يلف ويدور كأنه في مجرة خارج حدود الأرض. مضت الليلة بأكملها وآدم محبوس داخل القصر، جالس على الأرض رأسه بين ركبتيه يردد اسم الله، ومضى النهار وجاء الليل مرة
أخرى وصوت في أذن آدم يهمس: "لا فائدة أنت تحت السيطرة المطلقة، ومهما تحاول ستفشل، كلما اقتربت أبعدك." ثم انبثق نور مضيء خارج القصر قادم من الحديقة مثل قنديل زيت، هالة مضيئة وشخص يتلو القرآن وتمكن آدم من رؤية المرأة خارج القصر، ككيان نوراني مضيء وتعجب كيف لم يلحظ ذلك من قبل؟
رفع آدم رأسه وخطى على البلاط المثلج وسط رائحة العفونة المقززة واللحم الملقى في كل ناحية، انفتح الباب أمامه ووجد نفسه خارج القصر ورأى المرأة جالسة في الحديقة. مشى تجاهها ودون كلام جلس إلى جوار المرأة. "تعلمت الدرس؟ سألت المرأة. "أجل." أجاب آدم بقناعة: "تعلمته، لست مستعدًا بعد." المرأة: "إذًا أنت مستعد يا آدم، ضع يدك هنا واقرأ معي." وضع آدم يده على المصحف وراح يتلو معها.
"إذا لم تكن مستعدًا فأنت مستعد، أنت الروح الثانية المطلوبة التي كانت تغذي الشر." "الآن يمكننا أن نتخلص من الشر."
وفي غرفة مغلقة أخرى، وسط القاهرة كان هناك من يحاول فك سحر ديلا، وكانت الأخبار تنتقل من مكان لمكان ينقلها شيطان مسترق، وراح السحر يضمحل وينزوي والمرأة ترش الماء الطاهر حول القصر ومحمود الجنايني يصرخ مثل الطفل والأطياف تخرج من جسده، هبت عاصفة وتكسّرت شرفات واندحست مقاعد وأواني حتى سكن كل شيء وخرج محمود الجنايني من باب القصر يتقيأ بلغم أسود نتن مقزز.
تطهّر القصر من الشر، الشرطة التي حضرت على مضض وجدت جثث الفتيات المختطفات والأطفال كانت ممزقة بطريقة وحشية، وفُعل بها الكثير من الأشياء المقززة الإنسانية. قُيّد محمود الجنايني بالحديد ووُضع داخل السجن تحت حراسة مشددة بعد أن تجمّع أهالي القرية حول نقطة الشرطة يريدون قتله. استعمل آدم الكثير من الناس لتنظيف القصر وتطهيره وكان يعمل معهم بنفسه، يساعد هذا وذاك والناس مستغربة. آدم الفهرجي، الباشا، يعمل معهم؟
وكان آدم يتفهم كل ذلك فقد وجد الراحة أخيرًا. بعد أيام طُهر القصر تمامًا، وكانت المرأة لم ترحل بعد، حتى اطمأنت على آدم وعلى أن الشر رحل بلا رجعة. خارج القصر ودّعت المرأة آدم، انتهى دورها هنا، لديها مكان آخر تذهب إليه. "اسمع يا آدم، الشر الصغير رحل، تبقى الشر الكبير، عليك مواجهته بمفردك." واختفت المرأة تاركة آدم يفكر هل هناك شر أكبر من الذي رآه بعينه؟
ولم تمضِ سوى ساعات حتى وصل رسول شاهندة هانم لآدم الفهرجي، محسن الهنداوي تزوج ديلا وأنجب منها طفل. "ضع يدك في يدي لتستعيد زوجتك وأستعيد ابني." وانصدم آدم كيف يتزوج الفهرجي امرأة متزوجة؟
لكنه ميت في نظر القانون، عليه أن يفهم ذلك، وطالما أنه ميت في نظر القانون فهو ميت حتى لو كان حيًا يتنفس أو واقفًا أمام قاضي العدالة، الأوراق أوراق، وربما نُسبت إليه تهمة الاحتيال ووجد في نفسه شيئًا على ديلا ولم يفلح عقله بإيجاد مبرر لزوجته في حضن محسن الهنداوي وأحس أن جسده يتصدع، قالت المرأة أن ديلا بأمان، من أجل ماذا قد تكذب؟ القصه بقلم إسماعيل موسى.
وكانت الحياة في القرية تمضي وكيزان الذرة استوت والفلاحون يجذون أعواد الذرة ويطرحونها أرضًا ويدوسونها بالنعال بلا رحمة بعد أن حملت إليهم الخير الكثير، كانت هناك مذبحة كبيرة هكذا وصف كيمو واكا أعواد الذرة الملقاة على الأرض، وكان قلبه لازال يتألم فليس هناك أجزع من اجترار الذكريات، وإنسان عاش مع ذكرياته من الصعب أن يخرج منها. أطلق كيمو واكا سُبة، لقد خانته العديد من الهررة لكنها الوحيدة التي شقت قلبه.
وتساقطت عليه أوراق شجرة الصفصاف مع هبة ريح عاتية. رفع كيمو واكا بصره نحو الأفق الممتد وتساءل إلى متى سيظل هكذا؟ فنهض من مكانه وودّع ميمي: "سأختفي لبعض الوقت يا حبيبة، لا تقلقي سأعود مرة أخرى." وسار وسط الغيطان العارية من الخضرة نحو النهر.
وسارت توتا في محاذاته وهي تنظر إليه بإجلال وحب حتى وصل كيمو واكا شاطئ النهر وهناك جلس ينظر نحو الماء الجاري، النهر يغسل كل شيء وكان على وشك أن يقفز في النهر دون أن يحرك ساقيه لكن توتا ظهرت له. كانت على وجهها ابتسامة عريضة ولاحظ كيمو واكا نحولها. "لماذا لم ترحلي؟ ها؟ قلت لك كيمو واكا انتهى، ليس لدي ما من الممكن أن أعطيه لك." قالت توتا: "وأنا لا أريد منك شيئًا، أريدك هكذا."
نخر كيمو واكا: "لكنني محطم يا امرأة، ألا تفهمي؟ محطم وبائس وتعيس." وأحست توتا بالجزع واقتربت من كيمو واكا وتوقعت أن يصرخ في وجهها كعادته. لكن كيمو واكا سكن وسمح لها أن تتلمسه ثم أطلق تنهيدة ألم طويلة وقال: "أنا متعب حقًا." ونزلت الدموع من عينيه، وضعت توتا رأس كيمو واكا تحت رأسها وقالت: "أنا أشعر بك." "لا يمكنك تحمل الألم بمفردك، أرجوك اسمحي لي أن أتقاسمه معك." "لكن قلبي مات."
قال كيمو واكا بحشرجة: "قلبي لا يمكن إحياؤه." "لا أريد أن أظلمك معي." "أرغب بك هكذا." همست توتا وهي تقبل كيمو واكا. "ماذا تنتظرين من هر محطم يا توتا؟ توتا: "أنتظر كل شيء." "لا أنتظر أي شيء." وفكر كيمو واكا في الأخير هذه الهرة ليست ساذجة كما توقعها، فالذين يرغبون بكل شيء لا يحصلون على أي شيء. "ليست خدعة؟ سأل كيمو واكا: "اليوم تقولين ذلك وبعد يومين تطالبينني بالمزيد؟
"أنت المزيد يا كيمو واكا وجودي إلى جوارك يعني لي كل شيء." "وصدقني أنا مكتفية بك عن كل العالم." تحضر آدم للذهاب للقاهرة، بعد أن استعاد القصر وعين الخدم واستخرج ورقة تثبت أنه حي، وكان عليه أن يقابل شاهندة بعيدًا عن الفيلا والبدراوي وحرسه، أن يسمع منها ما ترغب بقوله، فآدم يعرف أن شاهندة ليست سهلة، امرأة لئيمة، لكن ديلا تستحق منه أن يطرق كل باب حتى لو كان مغلقًا.
وصل آدم القاهرة، وانتظر شاهندة على ناصية شارع العقاد حيث رافقها لكافيه شبابي، وكان في طريقه يتأمل شاهندة وهيئتها، كانت المرأة تبدو صغيرة السن عن آخر مرة رآها فيها، متصابية هكذا استشف آدم، بتنورة قصيرة وقميص أبيض لامع وحذاء شانيل أرضي، تاركة شعرها كيرلي وتخفي عينيها بنظارة ريبان واضعة حقيبة فكتوريا سيكرت على كتفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!