غاض النهر عدة أمتار في التحريقة الشتوية، وأصبح ماؤه أنقى واختفت عفرة المفيض وظهرت حشائش قصب النهر والقصبة على جوانبه. ارتفعت أشجار التوت والصفصاف على الشاطئ ونمت الحشائش بين الأحجار التي زرعتها وزارة الري على الضفتين، وشق الهريف النهر جزأين وقطع قلبه النابض مكونًا جزرًا صغيرة ترعى فوقها طيور الزعاق والبط العراقي ودجاج البحر والسكساكة. وكانت المياه تسيل في فحاير الفلاحين تروي الأرض المعزوقة حيث تتلهف حقول القمح والبرسيم والثوم والبصل لشربة ماء، وتحولت الأرض خلف مياه الري إلى قطعة من القطن الأبيض يرعى من خلالها أبو قردان مشكلًا إحدى اللوحات الزيتية لكلود مونيه، وتزينت الغيطان بأجساد الفتيات الشابات اللائي يساعدن عائلاتهن في الفلاحة.
كيمو واكا لا يغادر بيت ميمي، يظل اليوم بطوله راقدًا هناك يقلب ذكرياته على سطح فرش الرمل، وتوتا تتحمل وتحاول أن تجذب انتباهه، وفي كل مرة ينهرها كيمو واكا: "قلت لك أنا هر بلا قلب ولن تفلح محاولاتك في تغييري، ولكل شخص قدره على التحمل والعطاء بعدها ينضب ويختفي الشغف."
فكانت تخرج من القصر، تتسكع في الحقول وطرقات القرية وهي شاردة تتأسى على حالها. جلست بين دغل حشائش مستقبلة الشمس تعلق شعرها الناعم، وكانت مستغرقة في تأملاتها عندما اقترب منها هر شاب وقف يراقبها لدقيقة قبل أن يتجرأ ويقول: "مساء الخير هرتي الجميلة." رفعت توتا رأسها: "من أنت؟ كيف تقول هرتي؟ أنا لست هرة أحد." "هذا لا يمنع أنك جميلة وحزينة." "ما شأنك أنت جميلة أو لست جميلة؟ نهرته توتا بكبرياء. "ابتعد عني!
"الحقول ليست ملك وحدك." دافع الهر الشاب عن حقه. "يمكنني أن أتجول، أنام في أي حقل أحبه." نهضت توتا، نفضت شعرها: "سأرحل أنا إذا." ومشت بخطوات بطيئة مبتعدة عن الهر الوقح. "توقفي ماء القط! أنت أجمل هرة رأتها عيني ولا يمكنني أن أتركك ترحلين بمثل كل ذلك الحزن! وتساءلت توتا: "أحزنها يفضحها لهذا الحد؟ حتى الحزن له لغة تفضحه عند الذين يشعرون به." "ليس شأنك! صرخت توتا. "أحزاني تخصني وحدي." ركض الهر وقفز
برشاقة حتى أصبح قرب توتا: "الحزن يحتاج لرفيق مثل الفرح يا جميلة الهرات، وحزنك يشق عينيك مثل نهر جارٍ." "فقط ابتعد عني." قالت توتا بنبرة منكسرة. بقفزة أخرى أصبح الهر في مواجهة توتا واشتم داخلها الحاجة لمن يسمع بوحها. "تحدثي، لن أفتح فمي." "أفرغي حزنك داخلي، سأحمله عنك وأرحل، لا تقلقي، لن تري وجهي مرة أخرى." ترددت توتا دقيقة ثم انهمرت في البكاء، وعندما تضعف الأنثى تمنح بلا حساب:
"أجل أنا أحتاج من يستمع إليّ، فرفيقي قليل كلام يعيش مع ذكرياته." تسللت يد شاهندة، استكانت بين يد آدم الفهرجي، يد رطبة دافئة وحزينة، ضمها آدم بحنان: "كل الأوقات السيئة ستمضي، عليكِ أن تتحملي أكثر." "ما عدت قادرة على التحمل، تعبت من الجفاء وخواء المشاعر." "أنت لا تعرف أنني في ورطة؟
"ابني الوحيد يطالبني بقتلك ويحتاج دليل وقلبي يرفض ذلك، أنت تستحق حياة مليئة بالفرحة، سأفعل ما يمليه علي ضميري، أنا معك يا آدم، معك ضد ابني حتى تجد راحتك، أما بالنسبة لي فراحتي في قربك." احمر وجه آدم الفهرجي، لم يعرف ما عليه قوله، إنه محتل بحب أبدي ولا يمكنه الفكاك منه. بحنان قالت شاهندة: "لا تضغط على نفسك، أنا لا أطالبك بشيء." "فبعض البشر كتب عليهم الشفاء." "لكن لدي رجاء...
"من فضلك اسمح لي أن أظل قربك، اليوم أرغب بالنوم تحت قدميك هنا." وكما كانت توتا تحكي للهر الشاب أحزانها وطموحاتها كانت شاهندة تتسحب ببطء نحو قلب آدم ومشاعره، تقص عليه ما عانته في حياتها حتى الآن. وتوقف الزمن لحظة، الهر لعق دموع توتا بلسانه ويد آدم زحفت على شعر شاهندة القصير الناعم.
قبل الهر فم توتا على استحياء، حاولت الهِرة أن تمنع نفسها أن تبتعد لكن الهر حاوطها وفرك جسده بجسدها، بينما استكانت يد آدم على شعر شاهندة برقة. وكان محسن الهنداوي بعد مضي يومين يسأل نفسه لماذا تكذب عليه والدته وتقول أنها تخلصت من آدم بينما هي تحتفظ به داخل الفيلا الخاصة بها؟
وقرر أن يراقب الفيلا ليعرف ما يحدث داخلها من خلال أعوانه المنتشرين في كل مكان، فكر محسن الهنداوي، كان لدي الحق أن أتشكك من نوايا والدتي وكان يحاول إيجاد مبرر لاحتفاظها بآدم، فوالدته لا تمنح أي شيء دون مقابل. وكيمو واكا يتابع نزهات توتا التي تعددت في الفترة الأخيرة بقلب قلق.
توتا كانت لا تخرج نهائيًا من القصر، لكنها الآن تتأنق وتخرج كل عصرية ولا تعود إلا قبل انتصاف الليل، وقرر أن يذهب خلف توتا ويراقبها داخل الحقول، إن كان هناك سر فعليه اكتشافه، إنه يفضل الحقيقة عن العيش كمغفل. انتظر كيمو واكا حتى خرجت توتا ثم تسحب خلفها دون أن تشعر وراقبها من بعيد بينما كان محسن الهنداوي يجذب ديلا من يدها.
لأنه يحضر لها مفاجأة وكانت ديلا تتساءل ما تلك المفاجأة التي تدفع محسن الهنداوي لإخراجها بره الفيلا للمرة الأولى منذ لحظة وصولها، ولم يرد محسن الهنداوي على تساؤلات ديلا واكتفى بابتسامة ساخرة تظهر كل بضع دقائق، قاد محسن الهنداوي سيارته حتى وصل الفيلا التي تملكها والدته. ثم طلب من ديلا أن تتحرك ببطء ولا تحدث أي صوت وقال إنه سيشرح لها كل شيء لاحقًا.
وكان كيمو واكا كامنًا خلف جذع شجرة عندما قابلت توتا الهر الشاب والذي ما إن رآها حتى قام بتقبيلها ولعق خدها وفمها. بينما كانت ديلا تنظر بعيون منكسرة منهزمة من خلال الباب المفتوح حيث شاهندة في حضن آدم، تلك العيون التي ما لبثت أن نزلت دموعها بلا توقف ومحسن الهنداوي يراقب كل ذلك بابتسامة ساخرة، ولم تحتاج ديلا لشرح محسن الهنداوي فقد غادرت الفيلا بروح ميتة وقلب منهزم.
وكان كيمو واكا يركض نحو القصر بفم مفتوح وهو يلعن كل الهِررة وقلبه يحترق كشمعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!