ظل محسن الهنداوي صامتًا في طريق العودة، ورغم سعادته، كان قلبه يخفق بقوة حزنًا على ديلا. في سبيل الوصول لغايته، جعل قلبها يتألم، وهو غير راضٍ عما فعله، لكن فكرة فقدان ديلا كانت غير مرحب بها تمامًا. إن ديلا بالنسبة له أهم شيء في الوجود، أهم من والدته وكل أعماله، فلم يكن سهلًا عليه أبدًا أن يفضح والدته أمام زوجته من أجل راحته الخاصة. لكن لحظة التشفي من آدم أعجبته وجعلت مزاجيته معتدلة جدًا. كان آدم يظن دومًا أنه أفضل منه، إنسان لا يخطئ، بينما كان هو غارقًا في ملذاته الخاصة مثل نحلة يرتشف رحيق امرأة ليذهب لامرأة أخرى. وكانت ديلا تبكي بحرقة، عقلها غير قادر على استيعاب ما رأته بعينها.
قال محسن الهنداوي بعد طول صمت: "عرفتي ليه مكنتش عايزك تشوفي آدم؟ "كنت عايز نظرتك ليه تظل كما هي، بس انتي أجبرتيني أعمل كده." صرخت ديلا: "متجيبش سيرته قدامي! وعرف محسن الهنداوي أنها اللحظة المناسبة للهجوم، اللحظة التي سمح بها القدر لتنفيذ خططه وطال انتظارها لشهور. فهمس وقلبه يتقطع: "لو عايزاني أطلقك وترجعي لآدم هطلقك، وأوعدك أبعد عنك وعن آدم خالص." صرخت ديلا: "قلتلك متجيبش سيرته، أنا مش عايزاه خلاص!
محسن الهنداوي بلهفة: "يعني مش عايزاني أطلقك؟ ديلا ببكاء: "أنا مش عارفة عايزة إيه، أنا عايزة أموت وأرتاح." محسن الهنداوي بتصميم: "ديلا عايزاني أطلقك؟ همست ديلا: "اعمل اللي انت عايزه." تمالك محسن الهنداوي نفسه، فقد كان يظن أن ديلا ستنهار وتطالب بالبقاء في عصمته. "ديلا، انتي عارفة إني بحبك ومقدرتش أعيش من غيرك، مش عارف الحب دا وصل إزاي أو كيف، لكن أنا بحبك وبعمل كل حاجة عشان أرضيكي، وكل أملي إنك تفضلي معايا."
"من فضلك ردي عليا، عايزاني أطلقك؟ همست ديلا وقد تذكرت كل ما فعله محسن الهنداوي من أجلها: "لا." وطار قلب محسن الهنداوي من الفرحة: "يعني هتفضلي معايا طول العمر؟ ديلا: "أيوه." أبعد آدم الفهرجي جسد شاهندة المتكوم فوق رجليه بعيدًا عنه، بعد أن تحرك ضميره العفيف. "أنا مش هقدر أعمل كده يا شاهندة، مش هقدر أعمل حاجة تغضب ربنا بعد أن وجدت لذة الإيمان. ربنا ساعدني كتير وأنا متأكد إن نجاتي إني استمر في طريق الهداية."
وشعرت شاهندة بالخيبة، فقد كان آدم قريبًا منها جدًا، قريبًا للسقوط في الوحل، لكنه الآن في نوبة شرف يرفضها. وتدللت أكثر وظهرت جمالها، لكن آدم الفهرجي أدار وجهه بعيدًا عنها. كان كلام المرأة صحيحًا، فقد قالت له إن الاختبار الأصعب ينتظره وعليه أن يعبره بمفرده، وإن شر الإنسان أقوى من شر السحر والجان. فابتعد عنها وكله ندم على ما فرطت فيه يداه وإن كان فعله بحسن نية. "أنا لازم أمشي من هنا، مش هقدر أقعد تاني! "تمشي تروح فين؟
محسن لو شافك هيقتلك! وأحس آدم الفهرجي أن بقائه في الفيلا أشد خطرًا من محسن الهنداوي وحراسه، وأنه إن كان أغضب الله بعصيانه فعليه أن يبتعد لأبعد حد ويطلب مغفرته. وظهرت له شاهندة على حقيقتها فما عاد يراها أنثى عادية بل شيطان يحاول الإيقاع به، وتحول جمالها في عينيه لقبح فتغيرت ملامحه وأصر على الرحيل. صرخت شاهندة: "انت فاكر نفسك في لعبة؟ آدم طلب مني أقتلك، يعني مش هتمشي من هنا." صرخ آدم:
"محدش هيقدر يمنعني إني أمشي من هنا! "آه؟ تحركت شاهندة من مكانها، وكانت لها مشية تجسد الإغراء في أكمل صورة. "متطرنيش أوريك وشي التاني! آدم، بطيبة: "شاهندة هانم أنا بشكرك على كل اللي عملتيه عشاني، لكن صدقيني لازم أمشي من هنا عشان مصلحتي ومصلحتك." "الكلام دا مش بياكل معايا يا آدم، "إما أنا وإما لا شيء"." "يعني؟ صرخ آدم بغضب. شاهندة ببرود: "يعني هتعمل اللي أنا عايزاه، لاما مش هتشوف مراتك تاني."
وكان آدم يعرف ما ترمي إليه شاهندة، فصرخ: "لا! "انتهى الكلام." همست شاهندة بخيبة: "كنت فاكراك ذكي، لكنك طلعت غبي زي محسن." ثم ضغطت على قابس فظهر رجلان أشداء على باب الغرفة لم يرهما آدم من قبل. "خدوه على تحت وضبوه وكتفوه واحبسوه زي الكل*ب." دافع آدم عن نفسه، شعر أن يمتلك قوة لم يحس بها من قبل.
تعارك مع الرجلين وضرب أحدهما ضربة قاتلة ودفع الآخر بعيدًا عن الباب، ثم تلقى ضربة في مؤخرة رأسه من سلاح شاهندة جعلته يترنح. سقط آدم على الأرض، شل الرجلان حركة آدم وقيدوه بالحبال. "خدوه من وشي وكتفوه، أنا هشرب سيجارة وأنزل." قيد آدم من قدميه ويديه في ماسورة الصرف وظل يصرخ دون فائدة حتى نزلت شاهندة ولفافة التبغ في يدها. "أنا مترفضش يا آدم، دي كانت أكبر غلطة في حياتك." "انت كده كده ميت، لكن هأدبك الأول."
وسحبت كرباجًا بشراشف جدلت به جسد آدم حتى أدمته وهي تهمس: "اصرخ يا شريف يا عفيف." تمزقت ملابس آدم ولم يصرخ، تقطع جلده ولم يصرخ، كان لديه يقين عميق أنه يستحق ما يحدث له عندما استعان بإنسان وابتعد عن توكله على الله. ظلت شاهندة تجلده حتى فقد وعيه.
وكان كيمو واكا يحاول أن يبتلع هزيمته، رأى رفيقته في حضن هر آخر، لكن كل فلسفة العالم التي ينطق بها لم تمنع الحرائق التي اشتعلت داخله. بحث وفتش عن ذكرى تشفع لتوتا دون فائدة، فأرتمى على الرمل في بيت ميمي وهو يردد: "هذا ما يحدث عندما تضع ثقتك في امرأة." "لماذا فتحت قلبك مرة أخرى أيها الهر اللعين؟ "ألم يكفيك جرح واحد حتى تفتح أبواب الجحيم على نفسك؟ "ربما أهملتها؟ همس كيمو واكا.
"لكنها كانت تعرف أنني رجل محطم داخله أشلاء قلب يعيش على ذكريات الماضي، كانت تعرف ذلك وقبلت به." عندما وصلت توتا القصر وجدت كيمو واكا في انتظارها، من خلال نظرة عيونه أدركت أنه عرف ما حدث بينها وبين الهر، فما كان منها إلا أن ألقت بنفسها تحت أقدامه وطلبت منه أن يسامحها. وكانت ديلا مرمية على السرير داخل غرفتها، وجهها غارق في الوسادة تبكي بحرقة. تبكي حب ملك كل قلبها ثم انتحر. "ليه عملت كده يا آدم؟
"أنا كنت عايشة عشانك تخوني؟ "انت الشخص الوحيد اللي حبيته ومنحته كل قلبي، اللي اتمنيت أعيش تحت رجليه عمري كله." وكان عقلها ينادي بالانتقام بينما قلبها يطلب الرحمة له. ونبض قلبها بفكرة، ربما كل ذلك من ترتيب محسن الهنداوي. "ألم يراك آدم في حضن محسن الهنداوي وغفر لك؟ "غفر لأنه كان يعرف أنك كنت مجبرة، وهذا ما حدث لآدم." ثم فكرت أنها غبية جدًا، آدم لم يكن مرغمًا، لقد رأته بنفسها مرتاحًا في حضن شاهندة.
وفشلت كل محاولات قلبها في إيجاد الرحمة داخلها، فلو كان آدم مرغمًا ربما كانت وجدت عذرًا يبقى على حبه في قلبها. وشعرت بغضب عارم وحنق ليس له آخر، وأرادت أن تعاقب آدم على خيانته، ستعاقبه بكل ما تملك من قوة. محسن الهنداوي ليس مثل آدم.
إنه رجل حقيقي ولا يرفض لها أي طلب طالما كانت بعيدة عن آدم، إنه لا يعاملها كخادمة بل كأميرة متوجة، لقد ملكت كل كيانه وما عليها إلا أن تنطق بأي رغبة سينفذها بلا تردد نظير ابتسامة رضا واحدة من شفتيها. دفع كيمو واكا توتا بعيدًا عنه: "انت هرة رخيصة وكيمو واكا لا يرغب بوجودك هنا." "يمكنك أن ترحلي معه، كيمو واكا قرر أن يعيش ما تبقى من حياته وحيدًا بائسًا." همست توتا: "أنا آسفة، أرجوك سامحني!
"كيمو واكا لن يسامح أي كائن أرضي مهما تبقى من حياته." "كيمو واكا لن يتعرف على أي أنثى أخرى." "هيا، ارحلي، اذهبي إليه، ذلك الهر اللعين الذي وجدتِ عنده ما لم أستطع أن أمنحه لكِ." "أرجوك! وبكت توتا بنواح: "لم يحدث شيء بيننا، كانت لحظة ضعف." نخر كيمو واكا: "لقد رأيتك في حضنه يا توتا، عيني لا تكذب." "لكنني نهرته يا كيمو، أقسم لك نهرته وابتعد عني، أنا أحبك." قال كيمو واكا: "الحب وحده لا يكفي، يا لك من هرة غبية."
"كان عليكي أن تدركي أن كل علاقة تتخللها أزمات." "لا أرغب رؤيتك مرة أخرى ولا تختبري صبري." ثم همس كيمو واكا لنفسه: "كل الذين يمتلكون قلبًا كبيرًا يعانون في هذه الحياة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!