كانت الأرض في القرية مخضرة بعد أن شبّت سنابل القمح وعيدان البرسيم والفول البلدي، مسطّح لا نهائي يكسوه ندى الفجر وتتصاعد الأبخرة من بين الحشائش، حيث إنك إذ كنت تتمتع بحدة نظر لا يمكنك ملاحظة فلاح يسير وسط عتمة الشبور يجر حيواناته نحو المراعي. وارتفعت أدخنة الحطب في البيوت الطينية من بين فسحات أسقف البوص والجريد، وكان هناك ديك يصيح رغم أن الشمس احتلت الأفق وديلا لم تغمض عينها بعد.
الطفل مزعج لا يتوقف عن الصراخ وديلا لا يمكنها تركه مع الخدم ولا تعرف علته، فكل الأطباء أخبروها أن الطفل لا يعاني أي أمراض. وكانت قد اقترحت على آدم أن يعملا سويًا على العناية بالطفل، كل واحد منهم أربع ساعات، ورغم أن آدم أبدى موافقته إلا أنه لازال نائمًا منذ منتصف الليل في غرفة مجاورة وديلا لم ترغب بإزعاجه، فقد كانت لديه وجهة نظر أن ما تحتاجه المرأة الكلام الطيب ثم هي ستقوم بكل شيء.
سعل آدم عندما اقتربت الساعة من التاسعة صباحًا وسمع نداء ديلا: "آدم، الطفل لم ينام وأنا لم تغمض لي عين، من فضلك أكاد أن أُقتل وأُغمض جفني." حمل آدم الطفل ملتزمًا بتعليمات ديلا: "الغطاء يكون ثقيل، رأسه لا تكشف للريح، الرضاعة كل ساعتين." رفع آدم يده بتذمر: "يمكنني من هذه التعليمات أن أفهم أنك قررتِ النوم النهار بطوله؟
رفعت ديلا عينين تعستين مهزومتين وشدت الغطاء فوق جسدها. نزل آدم درجات السلم والطفل الشقي لازال يتملل ويرفص بأقدامه. خرج من باب القصر نحو الحديقة وتجول داخلها وسط ترنيمات عشق العصافير التي تحلق من شجرة لشجرة أخرى. "اسمع يا ابني هذه ستكون حديقتك مثلما كانت حديقتي وحديقة آبائي وأجدادي من قبل، ستتعلم أن تحافظ عليها مثل عينك ولا تفرط فيها أبدًا."
ولم يُبدِ الطفل أي انتباه، كانت عينيه تجول بين الأشجار الضخمة التي لا يعرف بعد أن كانت وحوش أم مجرد منظر يسر العين. ثم واصل تقدمه حتى وصل الحظيرة وقال بفخر وهو يشير بيده: "هذه باكي مهرة والدك التي أنقذ بها والدتك قبل زمن ليس ببعيد، عندما تكبر." ورفع آدم نبرة صوته: "سأدعك تركب الحصان، سأسمح لك بذلك، والدتك حاولت مرة من قبل وسقطت على الأرض لكني أعتقد أنك ستنجح لأنك من صلبي!
ونظر الطفل تجاه المهرة التي تقف على أربع وترفع رأسها بفخر يزين عنقها شعر بني لامع، ورغب أن يتلمسها. كان لديه فضول رهيب أن يفعل ذلك، لكنه لا يستطيع الكلام ولا حتى أن يعبر عن رغبته، فأطلق من فمه مخاط أبيض لزج وهز ساقيه وحرك يده وضم أصابعه وفرطها في حركة متواترة. وكان آدم يفكر: "المهرة لم تناول طعامها بعد، هايدي نسيتها مثلما تفعل في كل مرة."
ونظره بعيد عن الطفل الذي شعر بلامبالاة الرجل وعدم اهتمامه بتلبية رغباته، وأنه بدا واضحًا أنه ليس مثل الرجل الآخر الذي كان يحمله ويدلله ويلبي رغباته وهو يدندن ويغني له ويمسح مخاطه أولًا بأول حتى أنه كان يتعمد أن يسعل أو يتمخّط عندما تكون مزاجيته متعكرة أو يريد أن يخرج ريح حتى يحظى بتلك العين اللامعة الملهوفة التي تتفانى في خدمته. إنه رجل آخر تعس محطم وفي قلبه بقايا حب، وعليه أن يمنحه درسًا حتى لا يشرد مرة أخرى وهو يحمله معتقدًا أنه في نزهة مع حبيبه أو يتمشى على شاطئ البحر.
فأطلق صرخة وهو يتملل وكان حريصًا أن تكون الصرخة طويلة مولولة لأنه يعلم أن صوته لازال ضعيفًا. انتبه آدم لطفله الباكي وهمس بصوت رقيق: "إش، إش بااااااس." وزاد الطفل من صراخه بكل عناد لأنه لا يقبل أن يدلله ذلك الرجل مثل دجاجة أو ذكر بط. همس آدم مرة أخرى وهو يهدئ الطفل: "ما رأيك أن نخرج للحقول؟ مما أثار انتباه الطفل وتوقف عن الرفص. "سوف آخذك في جولة في الهواء الطلق."
وخرج من القصر ومر بين الحقول الرطبة التي تتراقص على أنسام شتوية باردة، وبلل الندى بنطال والده النظيف الأنيق الأسود ماركة أديداس، مما زاد من سعادة الطفل وأطلق ابتسامة مرحة من تلك التي يرسمها الأطفال الصغار على أشفاههم. وسار آدم داخل فجوة يابسة قاصدًا النهر، أكثر من خمسة عشر دقيقة من السير على الأقدام، وهرب طائر أبو فصاد كان يكمن لدودة أرض وحلق لبعيد في حقل قريب، ولمح آدم من بعيد هر كهل يتمشى ببطء على ضفة النهر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!