الفصل 61 | من 68 فصل

رواية خادمة القصر الفصل الحادي والستون 61 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
18
كلمة
961
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

كان الهر يمشي الهوينا شاردًا يرمق الأفق بنظرة تعسة غارق في الحزن، وغراب الفقد ينعق فوق رأسه. جسده الهزيل يترنح، يلعق ذهنه ويتقيأ ذكرياته، ويتساءل: لماذا لا تتبخر ذكرياته القديمة مثل مياه النهر التي تتكاثف جواره؟

كانت الشمس لا زالت في كفاحها المستميت لإغراق الأرض بأشعتها، وبدأت تظهر كلما أتاحت لها الغيوم الفرصة. وهنا وهناك تظهر فلوكة يجدف عليها صياد كالح يرتعش من البرد، وفي بوكسته عدد قليل من سمك الشبار لا يكفي ثمنه لابتياع إفطار لائق، يتمتم بحمد الله طامحًا أن يكون نصيبه في الغد أفضل. وتمضي الحياة بين حلم وواقع مرير نعيشه، ويبقى الأمل الذي يدفعنا أن نفتح عيوننا كل يوم.

جلس الهر تحت شجرة سرو عملاقة وحيدة نبتت على شاطئ النهر، أغصانها وارفة وجذعها قوي، على أنها لا تمتلك أي عائلة وتتساقط أوراقها دون أن تجد من يحزن عليها، فيكنسها الريح نحو النهر الذي يجرفها نحو مقبرة النسيان. وكان الهر لا زال يفكر: لم لا يكون التخلص من الذكريات بمثل تلك السهولة؟ تكفي هبة ريح لإسقاطها من العقل وجرفها نحو المجهول؟

وجسده يرتعش ليس من البرد بل من الحزن الذي كاد يقتله، فهو لا يرى أي معنى لحياته بينما لا توجد أي بارقة أمل تساعده على المضي قدمًا. فكل مكان يحمل لديه ذكرى تغرس أنيابها في قلبه وتنهشه بلا رحمة. حملق كيمو واكا بالأفق الشاحب، الشابورة التي تغطي مياه النهر وتمتم: "يوم مناسب للموت."

إلى الآن لا يعرف السبب الذي دفعه للحضور لأرض القرية، ولا يعرف لم ظهرت ميمي في أحلامه وطالبته بالركض نحو القرية التي يكرهها ويكره كل من يعيش فيها. ثم سمع سعال إنسان بشري. بصق كيمو واكا، آخر ما ينقصه كائن متطفل يزيد من أوجاعه. رجل يمشي ببطء وعلى وجهه ابتسامة. كيمو واكا يشعر أنه يعرف الرجل لكنه لا يتذكره، وعندما رأى الطفل الوقح شعر باستياء، سيستخدمه الإنسان البشري كلعبة من أجل إرضاء طفله اللعين.

توقف آدم قرب كيمو واكا وراح يرمقه مطولًا، وآدم الصغير ينظر نحوه يحاول أن يكون فكرة عن هذا الحيوان الذي لمحه مرة يأكل من زبالة الشارع. قال آدم: "مرحبًا أيها الهر، أنا أعرفك." وسمع كيمو واكا الكلمات وفهمها وحاول أن يرد. إنه لا يرحب بأي رفقة حاليًا، فمزاجيته متعكرة ويرغب بالموت، وخرج صوته على هيئة مواء غريب حانق. ظل آدم مبتسمًا والطفل يحملق

بوجهه باندهاش يتساءل: لماذا لم يقم ذلك الرجل الذي يحمله منذ الصباح بضرب الهر ردًا على إساءته؟ انحنى آدم بلطف وربت على ظهر كيمو واكا ومرر يديه بين شعره. "أها! " نخر كيمو واكا باستنكار "يعاملني مثل كلب؟ " أخرج الطفل رغاء من فمه، بعد أن لاحظ الخدوش التي تغطي جسد كيمو واكا، فقد تعرض كيمو واكا في الأيام الماضية لضرب لا يتحمله ثور حقل من كل الهررة التي قابلها. "ترغب في طعام؟

" سأله آدم "لدي السردين الذي تحبه وديلا ستسعد برؤيتك." "يعرف نقطة ضعفي." تأوه كيمو واكا بامتياض "يوم ما معدتي ستكون سبب في قتلي." قال كيمو واكا: "اسمع أيها الرجل الذي أعرفه، لكني لا أتذكره بوضوح، أنا أفكر جديًا في الموت، لكني سأذهب معك وهذا لا يعني أننا سنصبح صديقين أو أن سعادة زوجتك البدينة برؤيتي تعنيني في شيء."

تحرك كيمو واكا داخل فحل شق حقلين وهو يحاول نسيان ذكرياته، فقد كان يعرف طريق القصر الذي عاش داخله أسعد أيام حياته. وتبعه آدم وهو يستحضر ذكريات الماضي محاولًا إحيائها مرة أخرى. وكان الطفل صامتًا، ينظر أمامه للهر العجوز الذي يمشي مترنحًا، وشعر أن هناك هالة جاذبة تسير معه.

"لا بأس به." فكر الطفل "هر أحمق لكن أفكاره تعجبني." وقرر بينه وبين نفسه أن يحتفظ بالمخلوق داخل المكان الذي يعيش فيه، فسيشكل إزعاجه متعة حقيقية بالنسبة له. وصل آدم رفقة كيمو واكا وطلب من هايدي الخادمة التي كانت تعرف كيمو واكا أن تعد له الطعام على وجه السرعة قبل أن يسقط من طوله. سمح كيمو واكا لهايدي أن تلمس شعره، كان السردين يشغل أفكاره ولا يرغب بإفساد الوجبة.

التهم كيمو واكا الوجبة قبل نزول ديلا من غرفتها، واستمتع بموسيقى هايدن وهو يحملق بلوحة بول سيزان "لاعبي الورق"، وكان ينظر خلسة نحو الطفل اللئيم الساكن في حضن والده. كان الرواق نظيفًا حتى من بيت ميمي، شعر كيمو واكا بالاستياء، البشر قليلو الوفاء حطموا بيت ميمي التي ضحت بحياتها من أجلهم، وحرك قدميه صوب باب القصر وبدأ الطفل في الصراخ، نحيب متواصل طاغي. توقف كيمو واكا ونظر تجاه الطفل، سكت الطفل وهدئ. قال كيمو واكا:

"اسمع، لن تنجح خطتك معي، منذ أول نظرة وأنا أعلم أنك تعد لمصيبة." وانطلق صوت كيمو واكا مواء متقطع حاد: "لن أظل دقيقة واحدة هنا، لم تنجح خطتك! صرخ آدم الصغير أكثر يستجدي قلب كيمو واكا الطيب. قال كيمو واكا: "لا تضغط عليّ! " ونهره "أنت لا تعرف ما فعلوه ببيت ميمي؟ حطموه وكأنها لم تمر من هنا." قفز كيمو واكا وابتعد عن القصر واختفى في الحقول.

"لن أعيش مع البشر مرة أخرى." وتناهى لمسمعه أنين خافت جعله ينتبه. تسحب كيمو واكا بين أعواد البرسيم حتى اقترب من الصوت، كانت توتا تمارس الحب مع هر جلف يوسعها ضربًا.

لم يصدق كيمو واكا عينيه وكاد يصرخ عليها ويتدخل لإنقاذها، لكن لسانه علق في بلعومه. كل شخص يختار طريقه ويتحمل مسؤوليته. أدار كيمو واكا ظهره مبتعدًا عن المكان ولمحت توتا آخر جزء منه وشعرت أن قلبها يتحطم، لقد هجرها الهر الشاب الذي كان معها بعد أن ارتشف رحيقها وباعها لهر آخر ووجدت توتا نفسها بلا قوة منها تتحول لعاهرة ليل تنتقل من هر لهر آخر. "كيمو واكا، كيمو واكا!

" سمع كيمو واكا صرخات توتا المنادية عليه لكنه هرب، اختفى بين الحقول وعاد للقصر. كان الطفل لا زال يبكي عند وصوله رغم محاولات ديلا المستنزفة لإسكاته. "اصمت! " صرخ كيمو واكا وهو يقفز جوار ديلا "لا أسمع صوتك! لقد عدت ولن أسمح لك باللعب بي، أتفهمني؟ إذا مدت شعرة من يدك التي لم تنبت بعد على جسدي أقسم أنني سوف أقضمها! هدأ الطفل واستكان. "المهم أنك رجعت، دعنا نؤجل الإشكاليات لوقت آخر."

"سأذهب للحديقة، هناك شيء عليّ رؤيته قبل أن أقيم في القصر. لا تفتح فمك حتى رجوعي." اختفى كيمو واكا ولزم الطفل الصمت. تمشى كيمو واكا حتى وصل الشجرة التي يذكرها جيدًا، لعق جذع الشجرة بحذر وكان جذع الشجرة مرًا مالحًا. "أها، لا زال بعض الشر موجود." قال كيمو واكا وهو يمسح المكان بعينه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...