كانت تجلس في بهو المنزل منتظرة وصول زوجها ليتناولوا الغداء ككل يوم. ولكن اليوم كان مختلف. فقد أتى زوجها ومعه فتاة لم يكن شكلها غريب عليها، فهي تشبه زوجها كثيراً. وقفت سماح من مجلسها واقتربت من زوجها لتتعرف على تلك الفتاة، ولكن أمر زوجها تلك الفتاة بالدلوف لغرفة المكتب. "خشى يا شيماء المكتب على ما أنادى عليكِ." دخلت شيماء ولكنها لم تستطع العثور على المكتب، فعادت مرة أخرى واستمعت لحديثهم. "مين دي يا ناجي؟
"اقعدي يا سماح وتعالي نتكلم بالراحة." جلست أمامه سماح منتظرة أن يبدأ بالحديث. "دي بنتي يا سماح، أمها ماتت وما كان ينفع أسبها لوحدها." "يعني إيه؟ "يعني هتقعد معانا هنا وسط أخواتها." ظلت سماح تضحك بدموع من حديث زوجها، فهي بالكاد استطاعت أن تطفئ النار التي كانت بداخلها طوال تلك السنوات وهو الآن عائد يفتح تلك النيران مرة أخرى. "أنت بتحطني قدام الأمر الواقع." "البنت مالهاش ذنب في اللي حصل زمان."
"وأنا ذنبي إيه أشوفها قدامي وأفتكر الماضي تاني ليه؟ الماضي مات من زمان وهي كمان ماتت." "لأ الماضي ما ماتش بدليل إنك جايب بنتها هنا وبتقول لي بنتي، وياترى بقى كنت بتروحلها وكنت معيشني مخدوعة." "والله أبداً، أنا كل فترة ببعت مصاريف للبنت مع السواق وهو اللي بلغني بموتها وأن بنتي بقت لوحدها وأنا مقدرش أسيبها لوحدها. البنت مالهاش ذنب في الماضي." "أه فقولت تجبها وتعيش مع ولادي." "ولادك دول ولادي وأخواتها."
"لأ ماتقولش كده، ماتسويهاش بيهم. وغير كده يعقوب مش ابنك يا ناجي ومش أخوها." "بس أنا بعتبره ابني من يوم ما اتجوزتك وعمري ما فرقت بينه وبين ولادي، طول عمري بعتبره ابني. ليه بتقولي كده؟ ده أنا حافظتله على ماله لحد ما كبر واستلمه مني." "أه فدلوقتي مقابل ده أعتبرها أنا كمان بنتي وتعيش معانا صح كده." "مقولتش كده ومطلبتش منك تتقبليها، بس سبيها عايشة معانا تاكل وتشرب وخلاص."
"مش طايقة أبص في وشها، بتفكرني إنها منك ومنها، بتفكرني بأيام ما صدقت نستها." "لو مش عايزة تشوفيها هلبسها نقاب كده إنتي مش هتشوفيها خالص." "ولادي ما يعرفوش هي مين ولا بالنسبالهم إيه؟ "إزاي الكلام ده وهتقعد معانا بصفتها إيه؟ "قولهم الشغالة الجديدة." "يا سماح دي بنتي."
"ده شرطي يا ناجي، موافق يبقى تديها اليونيفورم بتاعها وتقعد في غرفة الشغالين وتلبس نقاب. غير كده أنا آسفة. خدها قعدها في أي مكان تاني وهيكون أريح لي برضه." "يا سماح هي مالهاش ذنب."
"لأ يا ناجي أنا مستحيل أحط البنزين جنب النار. ماتنساش إن يعقوب عايش معانا ودي مش بنت أي واحدة، دي بنت أكتر واحدة آذتني في حياتي. يعقوب خاطب ومش خاطب أي بنت، لا، وحتى لو مش خاطب شيماء بنت بسيطة وطيبة ومالهاش في حاجة وهو لو عرف إنها بنتي هيعتبرها زي أخته." "لأ يا ناجي أنا قولت شرطي وانت حر." "اللي تشوفيه يا سماح، أنا هروح أبلغها. وأهم حاجة يعقوب ما يشوفهاش وما يتعرفش عليها أصلاً، لا هو ولا أخواتها."
نظر لها ناجي وأومأ برأسه وذهب ليرى ابنته. هو يعلم أن زوجته طيبة القلب ويمكن بعد مرور بضع من الوقت أن تنسى غضبها وتتقبلها وتتعامل مع ابنته بشكل طبيعي. هي محقة في رغبتها بإبتعادها عنهم، ولكن يجب أن تتعرف سماح على اخوتها ويتعرفوا عليها، فقد أصبح أمر واقع حتى لو كان دون رغبتهم. خرج من الغرفة ووجد ابنته واقفة تبكي وتأكد أنها سمعت الحديث الذي دار بينه وبين سماح. أقترب منها وضمه إليه وقبلها من رأسه.
"معلش يا حبيبتي، سماح طيبة وبكرة تحبك. هي مش واخدة الموقف ده منك انتي بالتحديد، بس انتي فكرتيها بذكرى قديمة. مامتك عملتها واستحالة الأيام دي تتنسى." "هي ماما كانت وحشة أوي كده يا بابا؟ "هي دلوقتي في قبرها، ما يجوزش عليها غير الرحمة واللي عملته هي زمان ربنا هيحاسبها عليه. ووعد مني لو الموضوع طول وسماح متقبلتكيش، أنا هاخد لك شقة بره في أي مكان، بس أنا كنت نفسي تتعرفي على أخواتك وهما يعرفوكي. حاولي تقربي منهم."
"وهما هيبقوا زيها كده ومش هيتقبلوني." "أنا عارف إنك مش هتصدقيني بس سماح ما فيش في حنيتها أبداً. ولو انتي مكنتشي بنتها أكيد كان الوضع اختلف. وأخواتك حنيين برضوا زيها." "ويعقوب أخويا برضو؟
"لأ يعقوب ابنها وباباه مات من زمان من قبل ما أجوز والدته، بس أنا ربيته وهو عنده ٣ سنين، فبيعتبرني أبوه وأنا بعتبره ابني. وإنتي اعتبريه أخوكي. لكن ولادي من سماح اتنين. نادين ودي أصغر منك بسنتين، وعدي أكبر منك بسنة تقريباً. عدي هتلاقيه مدلع شوية وبيخاف من يعقوب وبيعمله ألف حساب هو ونادين لأن طبعه شديد وجد حبتين. إنما نادين دي دلعها مالهوش حدود ومالهاش في حاجة نهائي."
"بصي أنا دلوقتي هنزل أجيب لك نقاب تلبسيه وهتيجي مديرة المنزل تديكي اليونيفورم بتاعك. ماتتكلميش معاها في حاجة الفترة دي واعتبري أن ده بيتك وأنك أي حاجة بتعمليها بتعمليها في بيتك تمام." أومأت شيماء رأسها بقله حيله. "طيب ينفع تحكي لي اللي حصل زمان؟ "مش هينفع دلوقتي، بعدين هحكيلك كل حاجة." ثم تركها وذهب واشترى لها ذلك النقاب لكي تبدأ بمباشرة عملها. *****************
في مكان آخر، كان يجلس داخل مكتبه وتقف أمامه السكرتيرة تنتظر إمضائه على بعض الأوراق وما سيطلبه منها. "هو أستاذ ناجي لسه مجاش؟ "لأ لسه يا فندم." "طيب تمام. خدي الورق ده أنا مضيته وزعيه على مدراء الأقسام." "حاضر يا فندم." ثم خرجت بعد ذلك وتوجهت لتنفيذ ما طلبه. قام يعقوب بالاتصال على ناجي للاطمئنان عليه. وأجابه عليه ناجي مباشرة. "الو عمي ناجي، انت مجتش ليه انهارده؟ "كان عندي مشوار كده بعمله ومش هقدر أجي." "يعني انت كويس؟
"أه الحمد لله، بس مش هاجي النهارده." "براحتك يا عمي، أنا بس حبيت أطمن عليك. مع السلامة." بعد الانتهاء من مكالمته، دلف إليه صديقه وجلس أمامه. "خير يا أنس؟ "كل خير طبعاً. وعرفتلك كمان مين داخل المناقصة قدامك ومش هتصدق." "عبد العزيز؟ "إيه ده؟ عرفت إزاي؟ "مش مهم عرفت إزاي، المهم دخلها إزاي." "دخلها باسم شركة جديدة فتحها. بس أنت ناوي تعمل إيه؟ "ولا حاجة. وأنا أصلاً معرفتش إنه دخل. 😂😂😂" "مش فاهم."
"قدم باسم الشركة الجديدة." "مش هتقول لفتون؟ "لأ طبعاً. 😉" "مش بتثق فيها؟ "مش مسألة ثقة، بس بلاش ندخل العلاقات الشخصية في الشغل. إحنا بكرة هنتجوز وممكن يحصل خلافات بيني أنا وأبوها، وقتها مش هسمح ليها إنها تدخل." "تمام يا صاحبي، فهمت." مر اليوم سريعاً، ثم عاد يعقوب للمنزل. استقبلته والدته بحنان، فهي تعلم جيداً كثرة مشاكله رغم عدم إخباره لها بما يحدث معها.
ثم أتى بعد ذلك ناحي وإخوته وجلسوا سوياً يتناولون الطعام سوياً، وبعدها ذهب كل منهم لمباشرة يومه. دلف يعقوب المكتب ودخل بعده ناحي وظل يتحدثون عن العمل وما تم خلال اليوم. "تمام يا بني، بكرة هروح أراجع تاني على الحسابات وبرضه هكلم حسابات الفرع الجديد بتاع الشركة عشان أحصر لك إيراد كل شركة لواحدة وتشوف الغلط منين." "تمام، ربنا يخليك يا عمي. انت أكتر واحد أنا بثق فيه وبأستأمنه." "ده عشان انت ابني يا يعقوب."
أثناء حديثهم، دلفت إليهم شيماء وهي ممسكة بصينية القهوة ووضعتها أمامهم. لاحظ يعقوب النظرات المتبادلة بين شيماء من خلف النقاب وناجي. وضعت شيماء القهوة وخرجت. وسأل يعقوب ناجي عنها. "مين دي؟ "دي بنت بتشتغل هنا جديدة." "جت امته؟ "انهاردة أول يوم ليها." "انت تعرفها؟ صمت ناجي وشعر بتوتر. هل يكذب على يعقوب أم يبلغه بهويتها الحقيقة؟ ياترى ناجي هيقول حقيقة بنته؟ ولا يعقوب هيدوي بمعرفته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!