لاحظت شيماء النظرات المتبادلة بين أخيها وتلك الفتاة، فهو لا إرادياً تذهب نظراته إليها. اقتربت شيماء من تلك الفتاة ووقفت بجانبها هي وزملائها، وبدأت بالحديث معهم: ـ منورين الفرح. ـ بنورك يا فندم. ـ حلو أوي الفستان اللي أنتِ لبساه ده يا سلسبيل، مش سلسبيل برضو؟ ـ آه يا فندم، سلسبيل. وميرسي لذوق حضرتك. ـ إحنا في فرح، بلاش بقى الرسميات دي، أنا شيماء بدون ألقاب، أبقى أخت عدي. ـ أهلاً بيكي، أنا سلسبيل، سكرتيرة عدي.
ـ وعدي عامل معاكي إيه؟ مطلع عينك في الشغل ولا هادي كده؟ ـ أستاذ عدي محترم وبيحب شغله، صراحة. ظلت شيماء تتحدث مع سلسبيل في مواضيع مختلفة، وعدي تركهم وذهب ليقف برفقة نادين ووالدته الذين تولوا استقبال المعازيم والترحيب بهم. أتى أنس، صديق يعقوب، هو وأسرته، وذهبوا لمباركة يعقوب وعروسته. كان يعقوب في عالم منفصل مع أسيل، كان ينظر إليها بعشق غير مصدق. ـ مالك يا يعقوب بتبصلي كده ليه؟ أول مرة تشوفني؟ ـ لا، بس مش مصدق.
ـ مش مصدق إيه؟ ـ إن الطفلة الصغيرة سيلا اللي كانت مابتسبنيش لحظة وكانت بتصحى بالليل تيجي تنام جنبي، كبرت وبقت عروسة. ومش أي عروسة، لا، عروسة زي القمر كمان. وبرضو هتنام جنبي. ـ بتحبني. ـ قليل والله، كلمة حب قليلة عليكي يا سيلا. قاطع حديثهم مكبر الصوت وهو يبلغهم بموعد رقصة السلو. صعد يعقوب ومعه أسيل للمسرح لرقصة السلو، وصعد بعدهم بعض المدعوين. أخذ ناجي سماح للرقص سوياً، ونادين رقصت برفقة عدي.
وأثناء رقص عدي برفقة نادين، وجد عدي ثائر ذاهباً باتجاه شيماء وسلسبيل. نمت غريزة الغيرة بداخله، وأخذ نادين وذهب إليها قبل وصول ثائر، وأخذها للرقص سوياً، وترك نادين برفقة سلسبيل. ضحكت شيماء بصوت عالٍ: ـ على فكرة مكنتش هرقص معاه. ـ ده واد بايخ، فارض نفسه، معرفش ليه. ـ حرام عليك، ده دمه خفيف. ـ اسكتي أنتِ مش فاهمة حاجة. وبعدين إيه دمه خفيف ده؟ اتعدلي كده بدل ما أرفضه، وأنا أصلاً بتلكك. ـ خلاص خلاص، ده وحش، مش هجيب سيرته.
ـ أيوه كده، اتعدلي. أثناء رقصتهم، أتى ناجي وأخذ شيماء للرقص معها، وظل يتحدث معها وينا كشها، ووقف عدي برفقة نادين وسلسبيل، وانضم إليهم أنس. أخذ ناجي ينا كش في شيماء حتى يفك الجو بينهم: ـ عدي عامل كماشة عليكي. ـ مش فاهمة قصدك إيه. ـ واخد بالي أنا من ثائر، بس أنا بثق فيكي وعارف إنك مش هتعملي حاجة غلط. ـ وعرفت منين إني مش هعمل حاجة غلط؟ ـ ربتني مثلاً على الصح والغلط؟
ـ لا، بس لو كنتي عايزة تغلطي، كنتي غلطتي من زمان. عارفة يا شيماء، أنا بحبك حقيقي. ـ حبتني قصدك. ـ لا، كنت بحبك من زمان، وكنت ببعد نفسي عشان مكنتش متقبلك في حياتي. أنا آسف يا شيماء، وعارف إن أسفي دلوقتي ماليش منه فايدة، بس إحنا لسه فيها وممكن نعوض الماضي. ـ إزاي بقى؟ ـ مش عارف، سيبيها للوقت، وهو اللي هيقولنا. ودلوقتي تقدري تروحي تتكلمي مع ثائر، عشان شكله كده بقى على آخره، وأنا هتصرف مع عدي. ثم غمز لها وتركها. ذهبت
شيماء لثائر ووقفت أمامه: ـ مالك متضايق إيه؟ ـ وهو فيه حاجة تضايق؟ أخوكي مش مديني فرصة أكلمك دقيقتين على بعض، وكل شوية ينطلي، وأنتِ بترضي تقابليني بره. ـ طيب أعمل إيه؟ عدي غيور. ـ اللي يشوفه دلوقتي يقول الشيخ عدي، وهو ما شاء الله سمعته سبقته. ـ لا، ده كان زمان، دلوقتي ربنا هداه. ـ عدي! أشك. ـ هههههههههههه، بكرة نعرف السبب. جذب ثائر شيماء من يدها وذهب بها لخارج الفرح. حاولت التملص منه لكن بدون فائدة.
ـ شيماء، عارفة لو حاولت تهربي هشيلك وأخرج بيكي. ـ اهدى بقى. ثم ذهبوا وصعدوا لسيارته وتحرك بها بعيداً. ـ هو أنت كده طول الوقت خاطفني؟ ـ بكرة لما نتجوز هخطفك خالص، ومن عدي ده بالذات. ـ لا، إلا عدي، مقدرش استغنى عنه. ـ وقتها أنا هكون مليت كل حياتك ومش هخليكي تفكري في حد غيري. ـ أنت عايز تبعدني عن العالم.
ـ مش ده قصدي يا شيماء، بس عايز أبقى رقم واحد في حياتك. حبي ليكي يخليني أستحق ده. يمكن أنتِ لسه ما حبيتينيش بالشكل الكافي، بس أنا واثق إني هخليكي تحبيني، وتحبيني بالشكل اللي أبقى فيه كل حياتك يا شيماء. قال ثائر بصوت خافت، وعيناه تتأملان عينيها بعمق. أجابت شيماء بصوت مرتجف: ـ كلامك بيخوفني. ابتسم ثائر بلطف، ومسك يدها: ـ مش عايزك تخافي أبداً طول ما أنا موجود. ثم وضع يدها على قلبه: "حاسة بإيه؟ "بيدق."
ـ بيدق بسرعة، عارفة الضربات الزيادة دي لمين؟ ليكي يا شيماء، بتدق ليكي. أغمضت شيماء عينيها، وشعرت بدقات قلبه القوية أسفل كفها، وكأنها تمسك قلبه بيدها. شعرت وأن روحه تتحدث إليها. مسك ثائر كف يدها وقبلها قبلة رقيقة: ـ حسيتي بإيه؟ صمتت شيماء، لم تستطع الإجابة عليه، فأكمل هو: ـ حسيتي إن قلبي بقى ملك إيدك صح؟ حافظي عليه يا شيماء، واوعي، أوعي تفرطي فيه. أنا مش هقبل بده ومش هسمحلك.
ساد الصمت في السيارة، فقط النظرات المتبادلة بين ثائر وشيماء. تحدثت شيماء محاولة الهروب من ذلك الوضع الجديد عليها: ـ ثائر، لو سمحت ممكن نمشي؟ أكيد عدي بيدور عليا. ـ حاضر يا شيماء، حاضر. هانت خلاص. عاد ثائر للفرح مرة أخرى برفقة شيماء، وسبقته شيماء للقاعة، وجدت عدي يبحث عنها. ـ كنتي فين؟ ـ مافيش، كنت بعدل الميكب. ـ بس هو معدول، متغيرش. ـ بعدين نتكلم يا عدي. أمال فين نادين؟ أشار عدي برأسه تجاهها:
ـ واقفة مع أنس وسلسبيل هناك أهي. ـ طيب يلا نروح لهم. ذهبت شيماء نحو نادين وأنس وسلسبيل. لاحظت شيماء نظرات نادين المتوهجة وهي تتحدث مع أنس، ولمعة عيناها تجاهه، وتأكدت من مشاعر أختها تجاه أنس، أنه ليس فقط مجرد إعجاب. وقررت مساعدة أختها في التقرب منه. ذهبت شيماء وعدي للوقوف برفقتهم: ـ عدي، أنا جعانة، هو البوفيه فتح ولا لسه؟ ـ مش عارف. ـ طيب ممكن تشوف كده عشان جعت جداً، روح أنت وأنا هستناك هنا معاهم.
ذهب عدي لإلقاء نظرة على البوفيه، وجده لم ينته من التحضيرات. قرر الانتظار قليلاً وبعدها سيحضر طبقاً لشيماء. استغلت شيماء الوضع وقررت إعطاء فرصة لنادين وأنس الحديث بمفردهم. ـ سلسبيل، بقولك إيه، أنتِ جعتي أنتِ كمان؟ ـ لا، مش قوي. ـ طيب تعالي معايا نروح لعدي عشان أختار اللي أنا عايزاه بدل ما عدي يجيب بمزاجه. ـ طيب يلا بينا. ذهبت شيماء وسلسبيل ووجدوا عدي واقف مع الشيف يتحدث معه. ذهبوا ووقفوا معه. ـ إيه ده، جيتوا ليه؟
ـ قولت أختار اللي أنا عايزاه بنفسي، وأسيبك بدل ما تقف لوحدك. ـ طيب تمام، هو خلاص أهو هيفتح البوفيه دلوقتي، شوفي بقى اللي أنتِ عايزاه قبل ما يتزحم. ثم نظر لسلسبيل: ـ تحبي تاكلي مشاوى ولا معجنات؟ ـ مشاوى. ـ طيب كويس، زيي هنا المعجنات وهناك المشاوي. أنا هاخد من هنا ومن هناك. ثم مسك طبقين بيده: ـ بصي، أنا هاخد الأطباق وأشاورلك، وإنتِ حطي فيها، تمام؟ ـ تمام. طيب وشيماء؟
ـ لا، شيماء بتنسى نفسها في الأكل، سيبها براحتها، وهي هتخلص البوفيه قبل الناس ما تيجي أصلاً. ظل عدي وسلسبيل يختاروا أنواع الطعام المفضلة لديهم ويتحدثوا عن الطعام المفضل لهم. وجد عدي صفات كثيرة مشتركة بينهم. بينما شيماء قامت بتجهيز طبقين، واحد لها وواحد لثائر، وانتهت من تجهيزهم وذهبت إليه وأعطته طبقه. ـ أنا مبسوط أوي بيكي. ـ كنت جعان أوي كده ولا إيه؟ ـ لا، عشان فكرتي فيا.
ـ خلاص بقى كل وبطل طريقة كلامك دي، أنت بتكسف على فكرة. ـ لا، اتعودي بقى على كده، إحنا لسه بنسخن. ـ تصدق، أنا غلطانة. ـ خلاص يا ستي، أنا آسف. عند نادين وأنس، اندمجوا سوياً في الحديث وظلوا يتحدثون عن العمل. ـ بس ليه يا نادين اشتغلتي مع شيماء وما جتيش مع عدي أو يعقوب الشركة واشتغلتي أو فتحتي مشروع في تخصصك مثلاً؟ بتحاولي تساعديها عشان كده شاركتيها؟ ـ لا، بالعكس، دي هي اللي ساعدتني وخرجتني من القوقعة اللي أنا فيها.
ـ مش فاهم. ـ خلتني أشوف الحياة بطريقة تانية، دايماً شايفاها من مكان عالي، اللي عايزاه بيجي من غير تعب. لكن مع شيماء شفت ناس تانية، اتعاملت مع ناس مختلفة من أعمار مختلفة، خدت خبرة كبيرة في الناس. كان أنس ينظر لها بإعجاب من تغيرها، فلم تعد تلك الصغيرة المدللة. وأراد أن يكتشفها أكثر. ـ إزاي مش فاهم؟
ـ يعني بقيت أتعامل مع ناس أعمارهم مختلفة، الأصغر مني والأكبر مني، ومن ماما كمان. وبقيت أسمع شكوى الناس وهم بيتكلموا، منهم فعلاً اللي مشاكلهم حقيقية، ومنهم اللي بيختلق المشاكل، ومنهم التايه. عارف ده بقى يديني خبرة في حياتي أنا، وبيكون لي شخصية جديدة، بيخليني عندي خبرة في الناس الكويس والوحش، كده يعني. ـ فهمتك يا نادين، بس أنتِ كبرتي كده إمتى؟
صمتت نادين بخجل، لم تجاوبه، لا تعلم ماذا ستقول له. يكفي أنه رآها، تتمنى ولو يشعر بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!