تحميل رواية خادمة بموافقة ابي بقلم اماني السيد pdf
بقلم اماني السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تجلس في بهو المنزل منتظرة وصول زوجها ليتناولوا الغداء ككل يوم. ولكن اليوم كان مختلف. فقد أتى زوجها ومعه فتاة لم يكن شكلها غريب عليها، فهي تشبه زوجها كثيراً. وقفت سماح من مجلسها واقتربت من زوجها لتتعرف على تلك الفتاة، ولكن أمر زوجها تلك الفتاة بالدلوف لغرفة المكتب. "خشى يا شيماء المكتب على ما أنادى عليكِ." دخلت شيماء ولكنها لم تستطع العثور على المكتب، فعادت مرة أخرى واستمعت لحديثهم. "مين دي يا ناجي؟" "اقعدي يا سماح وتعالي نتكلم بالراحة." جلست أمامه سماح منتظرة أن يبدأ بالحديث. "دي بنتي يا سم...
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اماني السيد
بدأت شيماء تقص فكرتها، ونظر عدى ونادين إليها بحماس. ظل عدى يشجعها، ونادين تعطيه أفكارًا إضافية.
زاد الحماس في عيون شيماء، وتشجعت أكثر لعرض كل أفكارها أمام إخوتها. ظلت تتحدث بثقة إلى أن انتهت.
"حلوة قوي قوي الفكرة دي يا شيمو، وأنا هدخل شريكة معاكي."
تحدث عدى مشجعًا إياهم: "بصراحة يا شيماء، فكرة ممتازة. بس بدل ما تأجري المكان، تقدري تشاركي نادين ويبقى المكان بتاعكم. ما يجيش بعد فترة الإيجار يخلص وتضطري إنك تشوفي مكان تاني وتوضبيه وتبدأي فيه من جديد، والمكان القديم يفتح نفس مجالك ويكسب هو."
تحدثت شيماء معبرة عن ترحيبها وقلقها: "صح يا عدى، أنت صح. بس أنا مش حابة نادين تدخل بفلوسها وحد يقول إني بستغلها."
تحدثت نادين مطمئنة إياها: "لأ طبعًا ما فيش الكلام ده. أولًا البيوتي سنتر ده مشروع ناجح، كل الستات بتحب كل فترة تروح تهتم بنفسها وببشرتها. وفكرة إنك تعملي أتيليه لبيع وتأجير الفساتين، أنتِ كده ضربتي عصفورين بحجر. يعني هتاخدي مكسب من العروسة والفستان، وكمان الكوافير."
"بس السؤال هنا، أنتِ بتعرفي تشتغلي شغل الكوافير؟"
"آه طبعًا، أنا قعدت فترة طويلة شغالة في المجال ده، وكنت ناوية أحوش فلوس وأفتح واحد على قدي كده. لكن بعد الفلوس اللي بابا اديهالي، قررت أفتح واحد كبير."
تحدثت نادين بحماس: "وأنا معاكي يا ستي ونبدأ سوا."
"طيب، قولي لمامتك الأول."
"ما تشغليش بالك أنتِ، أنا هقنعها."
تحدث عدى مطمئنًا إياهم: "بصي يا شيماء، أنا وأنتِ هننزل بعد بكرة نروح للأماكن اللي بتبيع لوازم الكوافيرات ونشوف الأسعار، مش هنشتري حاجة. هنشوف الأسعار فقط، تمام؟ ونشوف سعر المكان اللي هنشتريه وتوضيبه هيتكلف كمان، تمام؟ وأنا هبدأ أعملكم دراسة جدوى."
"خلاص اتفقنا، وأنا كمان هنزل معاكم."
"ما فيش مشكلة."
ثم استكمل عدى حديثه بجدية: "خلال الفترة دي يا شيماء، عايزك تاخدي كورسات ودورات احترافية في أماكن بتعلم الميكب آرتيست والعناية بالبشرة والجسم، وتتفرجي على فيديوهات كتيرة على النت تاخدي أفكار جديدة خاصة بيكي أنتِ. ونادين ممكن تصمم لكِ ديكور المكان وبعد كده تساعدك في إدارته. وأنا ماما هكلمها وهفهمها إن هيكون في عقود تحفظ حقك أنتِ ونادين."
"تمام، اتفقنا."
في الجهة الأخرى، كان يعقوب يجلس برفقة صديقه أنس يباشر العمل.
تحدث أنس ناقلًا أخبار الشركات والصفقات: "عارف شركة عبد العزيز، حماك السابق؟ دخل مع مين شراكة في الصفقة الأخيرة؟"
"مع مين؟"
"مع مؤنس صاحب شركة *****. واحتمال كمان يدخلوا معاهم شريك تالت عشان يضمنوا ياخدوا الصفقة قصادك."
"تلاتة على واحدة، يادوب 😉. أنا داخلهم بعرض مختلف بس باسم شركة عدى."
"وهو عارف؟"
"آه طبعًا، حكيت له وعرفته."
"بس لو تمت الصفقة، هتبقى لحسابك ولا حساب عدى؟"
"لحساب عدى طبعًا، أنا عايزاه يكبر ويستقل بنفسه. الصفقات كتيرة ومش دي اللي هتزودني ولا تنقصني، بس لازم يعرفوا إن انقسام الشركتين مش معناه انقسام الإخوات، بالعكس، في شبل صغير بيكبر لازم يتعمله حساب."
"ربنا يخليكم لبعض. لكن كده خلاص ما فيش رجوع بينك أنت وفتون تاني؟"
"هي كبرت الموضوع أوي، ولما كلمتها بعدها صممت تمشي. البنت عايزة تمشي كلمتها من دلوقتي وتبقى ند بند مع ماما."
"لأ طبعًا ماينفعش، ومالهاش تحكم في مال غيرها. بس أنت مش زعلان؟"
"لأ، نصيب بقى. أنا كنت واخد الموضوع بجد وفعلاً كنت هتجوزها، وكنت هعدي موقف الحفلة. لكن هي بتكبر المواضيع وصاحبتها عندها أهم من والدتي، فمينفعش طبعًا."
"استاذ ناجي صحاه عاملة إيه؟"
"إلى الآن ما فيش أي استجابة."
"طيب هتفضلوا سايبينه كده، ولا ناوين تعملوا إيه؟"
"هيفضل سايبينه لحد ما يفوق."
"طيب يعني من غير ما تفهمني غلط، لو ما فاقش..."
"سيبها بظروفها، مش عايز أفكر في حاجة وحشة."
"عندك حق."
في الجهة الأخرى، في المشفى، كانت تجلس سماح برفقة ناجي وتتحدث معه عن الماضي وكل ما مروا به سويًا. حاولت دعمه حتى يفيق، ولكن لم يعطها الطبيب أي أمل، ولكن أخبرها أن تستمر لعله يستجيب.
انتهت سماح من زيارة ناجي كما تفعل دائمًا هي وأبناؤه، فكل واحد منهم يحدد يومًا لزيارته.
ذهبت سماح للمنزل ووجدت عدى يجلس برفقة نادين ينتظران عودتها.
دَلفت سماح إليهم وجلست برفقتهم وتحدثوا عن حاله، ثم سألتهم سماح عن سبب اجتماعهم.
"خير، متجمعين في الخير."
تحدثت نادين بحماس: "بصراحة يا ماما، في موضوع مهم عايزاكي فيه أنا وعدى."
"موضوع إيه؟"
"بصراحة يا ماما، شيماء هتعمل مشروع وأنا عايزة أشاركها، وعدى كان معانا وعارف كل التفاصيل."
"وهي شيماء عندها خبرة في حاجة عشان تعملها مشروع؟"
"بصي، أنا هحكيلك فكرة المشروع."
وبدأت تقص نادين على والدتها فكرة المشروع كاملة، وكانت سماح تستمع إليها إلى أن انتهت. ثم وجهت سماح حديثها لعدى:
"وأنت يا عدى، إيه رأيك؟ ولا ناوي تشاركهم أنت كمان؟"
"لأ أشارك إيه، ماليش أنا في الشغل ده. بصي يا ماما، بصراحة شيماء كانت عايزة تعمل المشروع ده لوحدها، لكن نادين شَبَطت إنها تعمله معاها وتدخل شريكة. عشان كده أنا قررت إني أعمل الأول دراسة جدوى وهيكون في عقود عشان كل واحدة تضمن حقها. ولو دخلوا شركة، كل واحدة فيهم هتدفع جزء من فلوسها عشان لو لا قدر الله المشروع خسر، ما يخسروش كل حاجة."
دَلَف إليهم يعقوب وهم يتحدثون عن ذلك المشروع.
"مشروع إيه وبتاع إيه اللي بتتكلموا عنه؟ مين ناوي يفتح مشروع؟ أنتِ يا ماما؟"
"لأ يا يعقوب، أنا شيماء هتفتح مشروع وأنا قررت أشاركها، وكنت بحكي لماما التفاصيل."
"مممممم، مشروع مع شيماء هانم، سيدة الأعمال اللي خبرتها مالية السوق."
"لأ بجد يا يعقوب، من غير تريقة. المشروع فكرته حلوة، وعدى كمان موافق وهيساعدنا."
"وهتدخل معاهم شريك بالمرة يا عدى؟"
"ياريت كان ينفع، بس ده مشروع حريمي."
ثم بدأ يقص مرة أخرى ليعقوب عن مشروع سماح من وجهة نظره.
"وأنت ضامنها ولا متعاطف معاها؟"
"أنا ضامنها يا يعقوب، وعلى فكرة إحنا لما جينا من ألمانيا، أنا سألت عنها في الحارة اللي كانت فيها وقالوا نفس الكلام اللي هي قالته. يعني أختي ما بتكدبش."
"انتوا أحرار، من حكم في ماله ما ظلم. وأنتِ رأيك إيه يا ماما؟"
"طول ما عدى معاهم، أنا هكون مطمنة."
"يعني نبلغها بالموافقة؟"
"ما عنديش مشكلة، طالما هيكون في عقود تحمي حق كل واحدة."
"تمام."
مر شهر. خلال ذلك الشهر، تقربت شيماء من نادين وعدى كثيرًا. وساعدت نادين شيماء أن تطور نفسها، سواء في طريقة ملابسها أو طريقة حديثها. كان تعاملها مع سماح بسيطًا للغاية، ولم تبين سماح رفضها لشيماء.
وبالفعل، بدأ عدى في دراسة السوق وعمل دراسة جدوى ووضع ميزانية بالأسعار. وانشغلت شيماء في الدورات التدريبية التي أخذتها في عمل الميكب. وظلت هي ونادين تتابعان فيديوهات للميكب وغيرها، وكل فترة يذهبان لمركز تجميل مختلف حتى يتعرفوا على طريقة إدارته.
صممت نادين ديكور الصالون، واشتروا فساتين زفاف وسهرة، وبدأت اللمسات النهائية.
لم يحاول يعقوب خلال تلك الفترة الاحتكاك بشيماء مطلقًا، ولكن دائمًا كان يضع من يراقبها دون علم أحد غيره.
كانت شيماء تذهب للنادي برفقة نادين، وأحيانًا كانت سماح تجلس معهم. وعرفتها على الأعضاء. لم تتحدث كثيرًا عن الماضي، ولكن أبلغتهم أنها ابنة ناجي قبل أن يتزوجها، وكانت تعيش مع والدتها، وتقبل الجميع الوضع ولم يتحدث أحد عن التفاصيل.
انتهت التجهيزات، وتم عمل مقابلات مع المتقدمين للعمل، وتم اختيار من هم أكثر خبرة.
***
داخل المشفى، كان يعقوب كعادته يزور ناجي، وكان يقص عليه ما فعلوه عدى ونادين وشيماء ومدى اقترابهم من بعضهم. شعر يعقوب بحركة بسيطة في عينى ناجي، كأنه شعر به.
نادى سريعًا على الأطباء الذين قاموا سريعًا بقياس مؤشراته الحيوية.
أثناء الكشف، كان يعقوب ينتظر بالخارج، وبعدها خرج إليه الطبيب.
"خير يا دكتور، عمي ناجي فاق؟"
"للأسف لسه، لكن واضح إن في تحسن وتغير بمؤشراته الحيوية."
"معنى كده إيه؟"
"معنى كده إنه هيفوق، بس للأسف مش هنقدر نحدد امتى. لكن واضح إنه سامعكم وحاسس بيكم، عشان كده عايزكم تزودوا الزيارات وتكلموه في حاجات تبسطه عشان يبقى عنده حافز ويحارب أكتر."
"الحمد لله، دي بداية كويسة إنه هيخف."
"على فكرة، الغيبوبة حاليًا مفيدة ليه."
"إزاي؟"
"مش بيحس بألم الأدوية وكورس العلاج، إحنا قربنا ننتهي منه."
"تفتكر لو خلص العلاج هيفوق؟"
"نتمنى ذلك، خاصة إن الجسم متقبل العلاج."
"الحمد لله."
ذهب يعقوب للمنزل وأبلغ والدته وإخوته بحديث الطبيب وبدء استجابة ناجي للعلاج.
سعدوا كثيرًا بهذا الخبر، وأصبح هما أيضًا لديهم حافز أقوى للنجاح.
مر أسبوع، واليوم كان يوم الافتتاح. حضر كثيرًا من المعارف من أعضاء النادي، وحضرت سماح أيضًا.
وووتفتكروا يعقوب هيحضر؟
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اماني السيد
كان الافتتاح بسيطًا، لم يكن به موسيقى صارخة، بل كان راقيًا. وكان الجميع يعمل على قدم وساق، وكانت شيماء تعمل بيدها وتساعد العاملين لديها، وكانت نادين تستقبل العملاء، الذي كان أغلبهم من النساء. وكانت سماح تراقب سير العمل، ومن داخلها سعيدة لطموح ابنتها وتواصلها مع الغرباء بشكل احترافي.
لم يستطع عدى أو يعقوب الحضور، لأنهم رأوا أن ذلك المكان لا يتناسب معهم، فهم رجال وهذا المكان خاص بالحريم. فقرروا الذهاب في نهاية اليوم لتوصيلهم والاطمئنان عليهم.
كان المكان يعج بالزبائن، وكانت الضحكة مرسومة على وجه الجميع، واستطاعوا إرضاء العملاء، سواء من الاستقبال إلى مستوى خدمة وكفاءة عالية.
انتهى اليوم وكان الوقت متأخرًا، ذهب يعقوب برفقة عدى ليوصلوهم للمنزل، ولسؤالهم عن ما تم في يومهم. كان الحديث بين يعقوب وشيماء نادرًا، ولكن لم يكن يعقوب يتعامل مع شيماء كما كان في الماضي، فقد أصبحت أمرًا واقعًا بالنسبة له.
مر شهر على تلك الأحداث، وكان التعامل بين الجميع بود وألفة.
في المشفى، كانت حالة ناجي الصحية تتحسن بشكل ملحوظ، وانتظروا أن يفيق في أي لحظة.
دلفت الممرضة إليه كعادتها، حتى تقوم بروتينها اليومي في تنظيفه وإطعامه عبر وصلات التغذية، فوجدته يفتح عينيه وينظر لسقف الغرفة. شعرت بخضة، وذهبت مسرعة لتنادي الطبيب المشرف على حالته، والاتصال على أقاربه ليأتوا لرؤيته.
دلف الطبيب إليه، وظل يفحصه ويفحص مؤشراته الحيوية، ووجد صحته قد تحسنت. جلس الطبيب بجانبه، وظل يسأله بضع أسئلة.
الطبيب: ازيك يا ناجي باشا؟ الحمد لله، أنت فقت وصحتك بقت أفضل وعلاجك انتهى، أنت ربنا بيحبك.
ناجي: هو إيه اللي حصل وعلاج إيه؟
الطبيب: حضرتك كان عندك ورم كبير في المخ ودخلت عملت عملية صعبة جداً، وللأسف دخلت في غيبوبة ٥ شهور.
ناجي: بس أنا مكنتش تعبان خالص وصحتي كانت كويسة وماعنديش أي ورم.
الطبيب: حضرتك عارف إحنا سنة كام دلوقتي؟
ناجي: إحنا في ٢٠١٩.
صمت الطبيب، فمن الواضح أن ناجي فقد آخر سنوات من الذاكرة من قبل بداية مرضه، وقد يكون نسي بعض الأشياء الأخرى من حياته، وكل ذلك سيظهر تدريجياً. بدأ الطبيب يتحدث معه بهدوء ويوضح له أن العملية أثرت على جزء من الذاكرة، وأنه بالفعل فقد ذاكرة آخر خمس سنوات في حياته. شعر ناجي بقلق داخله، وظل يحاول أن يتذكر شيئًا عن تلك الفترة، لكنه لم يستطع.
قامت الممرضة بالاتصال بسماح وأخبرتها خبر إفاقة ناجي من الغيبوبة. عندما سمعت سماح ذلك الخبر، شعرت أنها عادت للحياة مرة أخرى. ذهبت مسرعة لغرفتها لتبدل ملابسها وتحضر ملابس لناجي، وأثناء ذهابها قامت بالاتصال على أبنائها، وقرروا الذهاب للمشفى لرؤية والدهم والاطمئنان عليه.
بعد قليل، ذهب الجميع للمشفى، وقام موظف الاستقبال بإبلاغهم بضرورة الذهاب للطبيب أولاً. اجتمعوا جميعًا في غرفة الطبيب، والقلق يزداد داخلهم خوفًا على صحة أبيهم.
دلف الطبيب الغرفة بوجه مبتسم، مما جعلهم شعروا بالراحة داخلهم.
بدأ يعقوب الحديث.
يعقوب: بلغونا إن عمي فاق.
الطبيب: هو فعلاً فاق وصحته كويسة جداً، وممكن كمان يخرج معاكم.
تحدثت سماح بفرحة.
سماح: الحمد لله، طيب إحنا عايزين نشوفه ونطمن عليه ونقابله.
الطبيب: هتدخلوله كلكم دلوقتي، بس في حاجة لازم تعرفوها.
سماح: خير يا دكتور؟
الطبيب: طبعًا كلنا عارفين أن العملية كانت كبيرة وصعبة جداً، وكان ممكن الأستاذ ناجي مايفقش، لكن الحمد لله إرادة ربنا فوق الجميع. ولكن الأستاذ ناجي فقد ذاكرة آخر خمس سنين من عمره، وللأسف مش هترجع تاني.
تحدثت سماح.
سماح: مش مهم، المهم إنه كويس وفاكرنا وعارفنا، خمسة من عشرة مش هتفرق.
الطبيب: تمام، اتفضلوا معايا أدخله.
تحرك الجميع للتوجه لغرفة ناجي، لكن ظلت شيماء جالسة بوجه شاحب، لم تتحرك من مقعدها. نظر لها الجميع، وأشار لها عدى أن تقوم لتذهب معهم، ولكنها ظلت جالسة. فاقترب منها عدى.
عدى: مالك يا شيماء؟ انتي تعبانة ولا إيه؟ ووشك عامل كده ليه؟ تعالي أخلي الدكتور يكشف عليكي.
حركت شيماء رأسها بالاعتراض.
شيماء: لا، أنا كويسة. مافيش حاجة.
عدى: امال في إيه؟ في حاجة خايفة منها أو قلقانة من حاجة؟
شيماء: تفتكر بابا هيعرفني أو هيعترف بوجودي أصلاً؟
علم الجميع بقلقها، ولم يستطع أحد الرد عليها، فهم لا يعلمون كيف سيتقبلها ناجي.
تحدثت نادين مطمئنة إياها.
نادين: حتى لو نسي، فهو عارفك. وهو قبل العملية اعترف أنك شبهه، فهو من جواه من زمان بيحبك. ولما يلاقينا كلنا معاكي ومتقبلينك، هو كمان هيتقبلك حتى لو نسي.
شيماء: طيب ادخلوا انتوا دلوقتي، وأنا ابقى أجي مرة تانية لوحدي.
تحدث عدى محاولًا إعطاؤها القوة.
عدى: قومي يا شيماء وخليكي قوية واجمدي. لو نسيكي، فكريه بنفسك تاني. خليه يحبك. افرضي نفسك عليه. وبعدين ما يمكن يتقبلك ومايقولش حاجة. تعالي ندخل ونشوف رد فعله، وأنا معاكي.
سماح: يلا يا شيماء. ناجي طيب، وما افتكرش إنه ممكن يزعلك. نشوف رد فعله الأول وبعدين نقرر.
ذهبوا جميعًا لغرفة ناجي ودلفوا سوياً. كان ناجي ينظر في وجوههم بابتسامة. وظل ينظر إليهم واحدًا تلو الآخر ويعلق عليهم.
ناجي: ما كنتش أعرف إن خمس سنين هيغيروا من شكلكم كده، وخصوصاً انتي يا نادين بقيتي عروسة. وانتي يا عدى كبرت وبقيت شاب، يارب تكون عقلت. وانت يا يعقوب ما شاء الله العضلات دي ربتها امتى. وانتي يا سماح زي ما انتي، ما شاء الله عليكي، ما بتكبريش.
وعندما أتت عيناه على شيماء، تبدل وجهه من الابتسامة إلى الغضب.
ناجي: انتي اسمك شيماء صح؟ انتي إيه اللي جابك هنا؟ ثم نظر لهم مستفسرًا.
ناجي: تعرفوها منين دي وإيه اللي جابها هنا؟
تحدث عدى مهدئًا إياه.
عدى: يا بابا دي شيماء اختنا، وحضرتك قبل العملية عرفتنا عليها، وهي طيبة وإحنا حبيناها.
كانت سماح تبكي من كره أبيها لها. هو سعد برؤية الجميع ما عدا هي. لما يحملها دائمًا ذنب الماضي؟ هل هي أخطأت يومًا بحقه؟ هي تحبه، كانت تدعو الله كل يوم أن يقوم بالسلامة، كانت تريد أن يفيق ويعوضها بحنانه. وعندما فاق ونجاه الله، هل يريد إبعادها عنه وعن إخوتها بعد أن شعر بالدفء والأمان وسطهم؟ حتى سماح التي كانت تظن أنها امرأة ظالمة، كانت تعاملها بود. لم تكن تشعر من جانبها بالنفور. ويعقوب الذي تقبل وجودها وأوقف الحرب الباردة بينهم. وعدى، و آه من عدى، كان عوض الله لها هو ونادين. لما يريد أن يسحب كل هذا منها؟
اقترب عدى من شيماء ضاممًا إياها لصدره.
عدى: يا بابا شيماء بقالها كتير عايشة وسطنا، ماشوفناش منها حاجة وحشة، وانت بنفسك قبل العملية وصيتني عليها.
تجاهل ناجي حديث عدى ونادين، ونظر لسماح ويعقوب الواقفين يتابعون الموقف.
ناجي: انت كنت فين من كل ده؟ إزاي ساكت وسامح بالمهزلة دي؟ وانتي يا سماح نسيتي؟ نسيتي اللي حصل زمان عشان كده سايبة الماضي يعيد نفسه؟ أهو تلاقيها سحرتلهم زي أمها زمان.
انهارت شيماء من البكاء وهي تتحدث.
شيماء: أنا مسحرتش لحد ومعملتش حاجة أذي بيها حد أبدًا. بالعكس، أنا حبيتهم وحبيتك. أيوه حبيتك انت كمان، رغم إني ماشوفتش حنية منك أبدًا، ورغم إنك جبتني في الأول وشغلتني خدامة لخواتي. وطالما وجودي مضايقك كده، أنا هخرج من حياتك. هخرج من حياتكم كلكم.
ثم تركتهم وذهبت. خرج عدى مسرعًا خلفها. نظرت نادين لأبيها ببكاء.
نادين: ليه يا بابا عملت كده؟ انت ماتعرفش هي فرحت إزاي إنك فقت تاني؟ عشان خاطري اديها فرصة مرة تانية وبلاش تعملها كده. هي شافت في حياتها كتير، بلاش إحنا كمان نيجي عليها. ثم نظرت ليعقوب.
نادين: واسأل يعقوب كمان، اهو يأكد كلامي.
يعقوب: فعلاً يا عمي، أنا عيني عليها من ساعة ما جت، وعيني هتفضل عليها. اطمن وسبها عشان خاطر عدى ونادين.
نظر ناجي لسماح.
ناجي: عجبك اللي بيحصل ده؟ عاجبك اللي ولادك بيقولوه ده؟ أنا مش قادر أستوعب أبداً اللي بيحصل. ياريتني ما فقت.
سماح: أهدى يا ناجي. أنا الأول كنت معترضة طبعًا ومتقبلتهاش بسهولة، بس البنت فعلاً طيبة. وسواء قبلنا بيها أو لا، ده مش هيغير من الأمر الواقع حاجة، وإنها أختهم.
ناجي: ما تقوليش أختهم. انتي فاهمة؟ ماسمعكيش تقولي كده تاني.
ظلوا جميعًا يحاولون إقناعه بإعطاء فرصة أخرى لشماء.
وفي الجهة الأخرى، خرج عدى خلف شيماء وأخذها وذهبوا بمكان هادئ.
عدى: اهدى يا شيماء، أنا معاكي ومش هسيبك.
شيماء: ليه؟ ليه بيحصل معايا كده؟ ليه مش بيحبني؟ ليه؟
عدى: هو بيحبك، يمكن خايف.
شيماء: وأنا ذنبي إيه؟
عدى: مالكيش ذنب طبعًا.
شيماء: أنا هبعد وهسيبهاله كل حاجة.
عدى: لا طبعًا، تبقي غلطانة.
شيماء: امال عايزني أعمل إيه؟ أقعد معاه عشان يهيني ويبهدلني؟ أنا خلاص مش هقبل كده مرة تانية.
عدى: صدقيني، هيتقبلك وهيحبك كمان أكتر واحدة فينا.
شيماء: أنت بتحلم يا عدى. أنا أخدت خبرة كبيرة في شغلي. لو روحت أي مكان يرحب بيا، أنا هرجعله فلوسه وأبدأ من جديد.
عدى: ومين هيسيبك تعملي كده؟ اسمعي كلامي، ولو متغيرش معايا وقتها اعملي اللي انتي عايزاه.
شيماء: وانت عايزني أعمل إيه؟ أبقى أروح أتحايل عليه؟
عدى: طبعًا لا. اسمعي.
وحشتوني اليومين اللي فاتوا دول. يارب البارت يعجبكم وتتوقعوا اللي جاي.
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اماني السيد
ظل عدى جالسًا برفقة شيماء يحاول تهدئتها وطمأنتها.
"يا شيماء، أنا مقلتش أبدًا تروحي تتحاولي عليه، بس عايزك تركزي معايا."
"أركز في إيه؟"
"إيه اللي خلى بابا يحبك في الآخر ويكتب لك نصيبك وهو عايش ويساويكي بينا؟ أكيد فيه حاجة حصلت هو نسيها."
"ما يمكن لما حس إنه تعبان حب يرضي ضميره."
"لا، بابا مش من النوع ده."
"أنت عايز توصل لإيه؟"
"بابا بيحبك يا شيماء، والمشاعر مبتتنسيش. أنا واثق ومتأكد إنه بيحبك ومشاعره..."
"خلاص يا عدى، سيبني أمشي خالص."
"هتروحي فين؟"
"كان فيه شقة أجرتها قبل ما أسافر، هرجع لها تاني وأدور على شغل وأبدأ من جديد."
"وتهدي كل اللي بنيتيه في لحظة؟ ترمي تعبك من أول مواجهة قابلتك؟ هتنسحبي يا شيماء؟"
"يا خسارة يا شيماء، كنت فاكر إنك أقوى من كده والشغل علمك، لكن واضح إنك هتفضلي طول عمرك ضعيفة وأي شغل هتشتغليه من أول مشكلة هتسيبيه وتمشي. عمومًا، انتي حرة، أنا مش هحارب عشان واحدة سلبية زيك. عن إذنك، أنا ماشي، وشكرًا على الفترة الحلوة اللي عشناها سوا."
شعرت شيماء بداخلها بخجل من حديث عدى، فهو محق. هل ستترك كل عمل عندما يقابلها به مشكلة؟ والواقع أن لا عمل أو حياة بدون مشاكل.
تركها عدى تفكر، وتحرك من أمامها في اتجاه الباب ببطء، منتظرًا أن يرى تأثير حديثه عليها.
نظرت شيماء على عدى وقامت تركض خلفه.
"عدى، استنى!"
"عايزة إيه؟"
"أنا هروح معاك."
"فين؟"
"الفيلا."
"مش فاهم."
"مش بابا هيخرج من المستشفى يروح الفيلا؟"
"آه."
"أنا هروح أعيش معاكم هناك."
"ناوية على إيه؟"
"ناوية أفرض نفسي عليه."
"إزاي؟"
"هاجي أعيش معاكم في الفيلا، خليه يطردني بقى. يلا بينا عشان منتأخرش، وكل حاجة هتيجي بوقتها."
"يلا بينا، وربنا يستر."
أثناء ذهاب عدى وشيماء للمنزل، قامت نادين بالاتصال بعدى للاطمئنان على شيماء.
"الو، عدى."
"إيه يا نادين؟"
"أنت مع شيماء؟"
"آه، وهنطلع على الفيلا دلوقتي. شيماء قررت تعيش معانا."
"بجد؟ ده خبر حلو أوي."
تحدثت شيماء بسخرية.
"بس مش الكل هيرحب بيه يا شيماء."
"بكرة كل حاجة تتغير يا شيمو، ماتقلقيش. فيه ضهرك يا كبير."
"هنشوف هتقفي جنبي ولا هتبعتيني من أول قلم."
"هبيع من أول قلم طبعًا."
"صحيح يا عدى، بابا هيخرج دلوقتي من المستشفى وهيروح البيت."
"حمد الله على السلامة. إحنا هنسبقك على هناك."
"تمام، يلا باي."
ذهب عدى برفقة شيماء لمنزلها أولًا لتجلب أشياءها المهمة، ثم ذهب بعد ذلك على الفيلا. وظلوا جالسين في الصالون منتظرين وصول أبيهم.
وصل ناجى ومعه يعقوب ونادين وسماح.
دلفوا للمنزل، وجدوا عدى وشيماء جالسين في انتظارهم.
عندما رأت شيماء والدها، قامت وتوجهت إليه وذهبت إليه وضَمَّته.
"حمد الله على السلامة، نورت بيتك."
نظر لها ناجى بغضب.
"إنتي إيه اللي جابك هنا؟"
"منا عرفت إنك خرجت من المستشفى وقولت إنك محتاج حد يخدمك ويشوف طلباتك، عشان كده أنا جيت عشان أخدمك."
"مش عايز منك حاجة، مش عايز أشوفك قصادي، إنتي فاهمة؟"
"شكلك مش محتاج حاجة دلوقتي، تمام. عن إذنك عشان أروح على الشغل."
ثم نظرت لنادين.
"لو مش عايزة تيجي النهاردة يا نادوا، أجزي براحتك. باي."
ثم تركتهم وذهبت لعملها.
جلس ناجى على أقرب كرسي ينظر في أثرها.
لا يعلم ما بداخله، يريد رؤيتها ولكن يرفض وجودها. يخشى أن تكون كوالدتها.
نظر ناجى لأبنائه يستعلم منهم عن ما حدث خلال الخمس سنوات السابقة.
ظلوا يقصون له ما تم في المنزل وفي الشركة وعن تقسيمة أمواله لأبنائه. وقصت له نادين عن مشروعها مع شيماء.
"كل ده حصل وأنا في ٦ شهور وأنا نايم؟"
"آه، بص يا بابا، الفلوس بتاعتك أنا مصرفتهاش كلها. أنا صرفت منها جزء وممكن أردلك اللي اتبقى معايا."
وافقها عدى الرأي وأكمل هو الحديث.
"وأنا كمان يا بابا، ممكن اتنازلك مرة تانية عن الشركة ونرجع زي الأول."
استكملت سماح حديث عدى.
"فعلاً يا ناجي، الفلوس أنا مش بعمل بيها حاجة. بكرة هروح البنك وأحولهالك كلها."
أوقفهم ناجى قبل أن يكملوا حديث.
"اهدوا، اهدوا. أنا مش عايز حاجة. أنا عايز أشوفكم ناجحين، واللي اتبقى عندي يكفيني. أنا مش محتاج حاجة. وإنت يا عدى، ابعتلي نسبتي من الأرباح على حسابي في البنك. إنما أنا عايز أرتاح بصراحة، حاسس إني مش هقدر أشتغل تاني. أنا عايز أرتاح وأجوزكم وأشيل عيالكم."
"ربنا يديك الصحة يا عمي."
تحدث عدى مستفسرًا عن وضع شيماء.
"صحيح يا بابا، دلوقتي الناس كلها عرفت إن شيماء أختنا، ولازم تعيش معانا عشان خاطرنا. حاول تتقبل الوضع."
"إنتي موافقة على كلامهم ده يا سماح؟ عيالك بيلعبوا بالنار."
"إنت لما جبتها هنا، أنا الأول كنت معترضة نهائي ورافضة وجودها. وهي فضلت هنا فترة وخلناها تشتغل خدامة، والبنت تقبلت الوضع. واضح إنها مالهاش غيرنا. ولما دخلت الغيبوبة، أنا كنت خايفة إنها تعمل زي مامتها زمان. والفرصة جت لها أكتر من مرة، لكن واضح إنها طيبة. اديها فرصة وشوف، مش هنخسر حاجة. ما ياما دقت على الراس طبول."
"وإنت يا يعقوب، رأيك إيه؟"
"في الأول والآخر دي بنت عمي وأخت إخواتي. الأول تقبلت الوضع وأنا مضطر، لكن بعد كده اعتبرتها أختي. آه، صعب أنسى الماضي، لكن خلاص، ده أمر واقع ولازم نتقبله، وخصوصًا بعد ما الناس عرفت إنها أخت عدى ونادين."
"طيب، هسيبها تقعد، بس مش عايز أشوفها."
"ربنا يسهل."
سعدت نادين وعدى كثيرًا بموافقة أبيهم على وجود شيماء. ثم استأذنت شيماء ولحقت بشيماء في العمل وأخبرتها أن والدها تقبل وجودها.
لم تصدقها سماح في بادئ الأمر، ولكنها قررت أن تكمل حياتها. فعدى محق. لو تركت كل شيء وذهبت، صعب عليها البدء من جديد وسيظن الناس بعد ذلك في نسبها بالسوء. عليها أن تصبح أقوى وتحارب لتعيش عيشة كريمة.
ظلوا يتحدثون بعد ذلك عن العمل.
"بقولك إيه يا نادين، إحنا دلوقتي بنجيب الحاجة من تجار بيعلوا علينا السعر عشان المكان. إيه رأيك لو جبناها من المصنع نفسه؟"
"فكرة حلوة، بس أنا معرفش حد."
"أنا بقى فيه واحدة كلمتني وعندها حد من قرايبها عنده مصنع وشركة لاستيراد كل مستلزمات التجميل. ممكن نقابلهم ونعاين المنتجات دي ولو حلوة نجيبها بسعر حلو ونعمل عروض للزباين. منها هنوفر ومنها هنكسب زباين أكتر بسبب العروض."
"فكرة حلوة أوي أوي."
"خلاص، أنا هتصل بيها وأخليها تحدد الميعاد."
وبالفعل تواصلت شيماء مع تلك المرأة، وقامت المرأة بتحديد موعد في اليوم التالي.
انتهت نادين وشيماء من العمل وعادوا لمنزلهم لتناول العشاء.
كان ناجى يجلس على رأس الطاولة وبجانبه سماح، وفي الجهة الأخرى يعقوب وبجانبه عدى. جلست نادين بجانب والدتها، وجلست شيماء بجانبها.
لم ينظر ناجى لها بشكل مباشر، كان يختلس النظر إليها من وقت لآخر، وهي تعمدت تجاهله وتحدثت مع عدى.
أثناء الطعام، ظل عدى يسألها عن أنواع الطعام التي تفضلها والتي لا تحبها، وهي كانت تجاوب.
"تصدقي يا شيما، بابا برضه مش بيحب نفس الأصناف دي وبيحب الأكل بنفس الطريقة اللي إنتي بتقوليها دي."
"فعلاً يا عدى، ناجي دايماً مغلبني معاه في الأكل. زمان كان لازم أعمله هو صنف مختلف عن الأصناف بتوعنا."
ظل ناجى يتابع حديثهم، وهناك ابتسامة بسيطة استطاع أن يخفيها. هي تشبهه حقًا، أكثر ما تشبهه والدتها. ليتها لم تكن بنت شوق، كانت ستصبح الأقرب لقلبه. هي طيبة من داخلها وعنيدة.
ظل صراع يدور بداخله بين قلبه الذي يريدها وعقله الذي يريد إبعادها عنه.
ظلوا يتحدثون، وكانت شيماء من وقت لآخر تنكش والدها في الحديث الذي يظهر امتعاضه، مما يجعلها تضحك على وجهه وهو غاضب.
إذا لم يتقبلها، ستغضبه وتأخذ حقها، وستظل هكذا إلى أن يتقبلها. فالطالما صمتت كثيرًا وذات الصمت النفور بينهم، لعل الحديث والمشاكسات يكون لها رأي آخر.
انتهى اليوم وصعد الجميع لغرفته حتى يرتاح.
في اليوم التالي، ذهبت شيماء للنادي لمقابلة تلك العميلة التي ستعرفها على ذلك الموزع.
وأثناء جلوسها، أتى عليهم شاب طويل، عندما ذهب إليهم حجب عنهم الضوء. نظرت شيماء وعميلتها عليه، ثم قامت بتعريفهم.
"أهلاً أهلاً، أستاذ ثائر. اتفضل، دي آنسة شيماء اللي كلمتك عنها امبارح."
أومأ لها ثائر رأسه بترحاب، وبادلته شيماء الترحاب، ثم جلسوا جميعًا وظلوا يتحدثون عن العمل والأسعار والكميات، وتمت الصفقة بينهم.
في الشركة عند يعقوب، كان يجلس يباشر عمله، وأثناء مباشرته عمله، دلفت إليه فتاة، وعندما رآها يعقوب، قام بابتسامة لاستقبالها.
ياترى مين تلك الفتاة؟
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اماني السيد
في مكتب يعقوب كان يجلس يباشر عمله. دلفت إليه فتاة جميلة وعلى وجهها ابتسامة رقيقة. دخلت دون طرق الباب.
"أقدر أدخل؟"
نظر يعقوب للصوت واتسعت ابتسامته وقام للترحيب بها.
"أسيل! مش معقول. حمد الله على السلامة. جيتي من السفر امتى؟"
"من ساعة تقريباً. حطيت شنطتي عندكم في الفيلا وجيتلك على طول. انت عامل إيه وأخبارك إيه؟"
"أنا كويس الحمد لله. تصدقي جيتي في وقتك."
"أنا ما صدقت عمي ناجي فاق، قولت لازم أجي أطمن عليه بنفسي. وديت شنطتي الفيلا واطمنت عليه وقعدت معاه شوية وبعدين سيبته يرتاح وجيتلك. ده خط سيري من ساعة ما جيت من السفر."
"نورتي مصر كلها. يارب المرة دي تستقري هنا بقى."
"هقعد هنا. لمين هناك بابا."
"لأ هنا هتبقي وسطنا ومعانا."
"هشوف ربنا يسهل. على فكرة فتون كلمتني."
"خير. عايزة إيه؟"
"بتقولي أصالحكوا على بعض وترجعوا تاني."
ضحك يعقوب بصوت عالٍ. فبعد خسارة والدها لآخر صفقة وكانت لصالح شركة عدي، وهم علموا وضعهم داخل السوق. وحاولت فتون أكثر من مرة العودة له بشكل غير مباشر، لكنه أغلق موضوعها.
"وانتي رأيك إيه؟"
"بصراحة..."
"أنا مبسوطة إنك سبتيها."
"ليه؟"
"مش شبهك هالص يا يعقوب. ومتصنعة كده. لأ محبيتهاش خالص."
"لو كلمتك تاني قولي لها يعقوب ارتبط."
تحدثت أسيل بتقضيبة بين حاجبيها وتوجس أن يكون ارتبط مرة أخرى. فهي عند ارتباطه بفتون لم تستطع البقاء وسافرت مع والدها.
"قولي لها كده بس عشان تحل عني."
"حاضر. مش هنتغدى بقى؟ أنا جايه من آخر الدنيا جعانة."
"مش هتبطلي فجعة طيب؟ مثلي قدامي إنك رقيقة طيب."
"حاضر. آكل وبعدين أمثل."
"مش هتتغيري. يلا بينا."
ثم أخذها وخرجا سوياً لتناول الطعام في أحد المطاعم.
***
في الجهه الأخرى كان ثائر يجلس داخل مكتبه. ولم تفارق شيماء مخيلته. ظل يتذكر حديثها العفوي معه. تارة تتحدث بشكل شعبي وتارة أخرى تتحدث بشكل راق. من هي؟ هل هي فتاة عصامية أم ولدت وبفمها ملعقة ذهب؟
لكن الواضح من حديثها وخبرتها أنها لم تولد وبفمها تلك الملعقة. فهي كانت تفاوضه وتأتي له بأسعار براندات أخرى شعبية وأخرى عالمية. من تلك الفتاة التي لديها عالمان وهي تنتمي لأي عالم منهم؟
اتصل ثائر على قريبته التي عرفته على شيماء. وظل يسألها بشكل غير مباشر. وأرسل أحد رجاله للسؤال عليها لمعرفة حقيقتها.
وقام بالتوصية على الطلبية التي سوف يرسلها إليها. وراقب بنفسه تجهيزها.
في البيوتي سنتر كانت نادين تجلس برفقة شيماء ويتناقشون في أمور عامة. إلى أن سألت شيماء نادين عن حياتها الشخصية.
"نادو، هو انتي مش مرتبطة؟"
"للأسف لأ."
"معقول واحدة زي القمر زيك كده تكون مش مرتبطة؟"
"طيب ولا في حد كده ولا كده؟"
"بصراحة يا شيماء، أنا بحب واحد من طرف واحد. وللأسف مش شايف غيره. وللأسف برضوا هو مش شايفني أصلاً."
"معقول يا نادين؟ انتي حلوة وجميلة وطيبة وأي حد يتعامل معاكي يحبك."
"أنا عايزاه هو مش عايزة أي حد. محدش مالي عيني غيره."
"ومين هو الشخص ده؟"
"أنس صاحب يعقوب وبيشتغل معانا في الشركة."
"طيب ما يمكن هو بيحبك بس خايف يتكلم؟ تكوني مش بتبادليه المشاعر أو خايف أخوكي يعترض؟"
"مش عارفة بصراحة ومش عارفة أعمل إيه."
"وضع صعب حقيقي. بس لو فكرنا أكيد هنلاقي حل."
"طيب وانتي يا شيماء؟"
"أنا إيه؟"
"مش مرتبطة؟"
ضحكت شيماء بأسى.
"ارتبطت بمين يا نادين؟ الحارة اللي كنت ساكنة فيها كلهم كانوا سوابق. يعني رد سجون. والناس المحترمة كانت بتسيب الحارة وتمشي. عشان كده كبرت وسط ناس خايفة منهم. كنت بلبس واسع ووحش عشان معلقش في دماغي حد ويضايقني. والوحيد اللي خد باله مني كان ميكانيكي وحاول يتعرضلي كذا مرة. ووقتها لجأت لأبوكي عشان أستنجد بيه. قالي هتصرف. وماما كانت ماتت بعديها. فبابا عشان ما يسبنيش في الحارة لوحدي وحد يتعرضلي، رجع الشقة لصاحب البيت وجابني عندكم. والباقي انتي عارفاه."
"طيب ما حياتك اتغيرت أهي. ليه ماتفكريش في الموضوع؟"
"الحاضر اتغير، إنما الماضي والوصمة اللي اتوصمت بيها مين هيرضى بيا؟ عشان كده أنا شلت أي أمل من جوايا في حب أو جواز."
"أنا واثقة إن بإذن الله هتعيشي قصة حب كلنا هنحسدك عليها. وبكرة تقولي نادوا قالت."
"هنشوف يا ستي. يسمع من بوقك ربنا."
***
في جهة أخرى كان يعقوب يجلس مع أسيل ويقص لها ما حدث خلال الفترة السابقة. وحكى لها عن شيماء. والغريب ليعقوب أن أسيل تقبلت شيماء.
تحدثت شيماء معقبة على حديث يعقوب.
"عارف يا يعقوب مين اللي غلطان في كل اللي حصل ده؟"
"شوق طبعاً."
"لأ. خالو ناجي."
"إزاي بقى؟"
"خالو مر بظروف صعبة. هو ومامتك. ما قولناش حاجة. وللأسف دخلت حياته إنسانة غير سوية بالمرة. وده ما فيهوش جدال. واتسببتلهم في أذى. والحمد لله قدروا يتخطوا الأذى ده وترجع حياتهم أحسن من الأول. لكن في حاجة نسيتوها إن نتج عن الظروف دي طفلة مالهاش أي ذنب في الحياة. زي ما كانت مامتها ست وحشة. باباها كان راجل كويس. والمفروض خالو ما كانش سابها أصلاً لست زي دي تربيها من البداية. مش يمكن كانت الست دي مشتها في طريق غير سوي. ورغم ده كله البنت دي معملتش زي مامتها دي. اشتغلت واتبهدلت في حياتها ومكملتش تعليمها. كل ده عشان خالو رافض وجودها أصلاً. ورغم كل الظروف دي لكن فضلت محافظة على نفسها ورضيت تشتغل خادمة بموافقة أبوها وتشوف إخواتها إزاي متنعمين. بجد البنت دي صعبانة عليا والمفروض عمي يعوضها."
صمت يعقوب يفكر بحديثها. فهي محقة. فكل ما قالته.
"اتفضل بقى دلوقتي كلم نادين وخليها تجيب شيماء وخرجنا كلنا. اتفضل يلا."
"يا بنتي انتي مش جايه من السفر؟ روحي نامي."
"هو أنا جايه عشان أنام؟ يلا بقى وبطل كسل."
"حاضر يا ستي."
وبالفعل اتصل يعقوب على نادين وأخبرها إنه سوف يمر عليها هي وشيماء لتتعرف على أسيل ابنة خالهم. فرحت كثيراً نادين ووافقت. وبالفعل خرجوا جميعاً. وتغيرت معاملة يعقوب مع شيماء. فأصبح يعاملها كأخت. فقد جعلته أسيل يرى شيماء بشكل مختلف. ففي النهاية هي ابنة عمه.
(أسيل تبقى بنت عمهم وناجي ووالد يعقوب يبقوا خيلانها)
***
في الجهه الأخرى في الشركة كان عدى يعمل في مكتبه. دلفت إليه السكرتيرة الخاصة به ومعها بعض الأوراق كي يراجعها عدى ويقوم بالإمضاء عليها.
سلسبيل فتاة ثمينة نوعاً ما (كيرفي) ذات جمال جذاب. ترتدي ملابس محتشمة. تحب عدى من طرف واحد ولكن لا تظهر مشاعرها. تعلم جيداً علاقاته المتعددة ولكنها ترى به جانب آخر مختلف وتحب ذلك الجانب. فهي تراه طيب القلب ويفصل العمل عن العلاقات الشخصية.
تحدث عدى وهو يقوم بالإمضاء على الأوراق.
"ده كل الورق ولا في ورق تاني؟"
"لأ. ده بتاع النهارده بس. واستاذ يعقوب كلم حضرتك وسبلك رسالة إنك تكلمه لما تخلص الاجتماع."
"حاضر. أنا هكلمه دلوقتي."
وأثناء عملهم دلفت فتاة لمكتب عدى. كانت ترتدي ملابس تظهر أكثر مما تخفي.
نظرت لها سلسبيل بغضب.
"انتي مين وازاي تدخلي كده؟ هي وكالة من غير بواب؟"
نظرت لها الفتاة بدهشة. هل تلك الفتاة البسيطة تتحدث معها بتلك الطريقة؟
"انتي إزاي تتكلمي معايا كده يا بتاع انتي؟ انتي فاكرة نفسك إيه؟ عجبك يا عدى كده؟"
"اهدوا بس. اصبري يا سلسبيل. دي هند."
"وانا مالي ومال هند؟ ده مكان عمل والمفروض تحترمه."
"انتي اللي سايبة مكتبك وقاعدة هنا؟ المفروض كنت أعمل إيه؟"
"آه معلش. قاعدة بلعب أنا مش بشتغل. بس معلش أنا هعلمك إزاي تتعاملي. المفروض دخلتي لقيتي المكتب فاضي تنتظري لحد ما أبقى موجودة وتاخدي إذن. لكن تدخلي كده بدون استئذان ما يصحش."
نظرت لها هند بشك.
"ومالك محموقة أوي كده ليه؟"
"أنا مش محموقة بس بتكلم في آداب المفروض تلتزمي بيها."
"بقولك إيه يا بتاع انتي؟ أنا مش هجادل معاكي كتير. أنا جايه هنا لعدى مش ليكي."
"للأسف مفيش مواعيد فاضية النهارده. واتفضلي بقى."
صدم عدى من رد سلسبيل وسبب تلك العصبية المفرطة. فقرر التدخل.
"إيه يا سلسبيل؟ أنا واقف على فكرة وهلاص الموضوع مش مستاهل الغضب ده كله. اتفضلي يا هند. اقعدي."
ازداد الغضب داخل سلسبيل. هل حقاً يمشي كلام تلك الفتاة عليها؟
"طيب والشغل المتعطل؟"
"مش هيحصل حاجة لو استنى شوية."
خرجت سلسبيل غاضبة من مكتب عدى وظلت تتوعد له.
داخل المكتب جلست هند بابتسامة انتصار. فهي شعرت أن تلك الفتاة تحمل مشاعر لعدى. حسناً ستتسلى قليلاً.
"ازيك يا عدى؟ وحشتني. قولت أعدي عليك."
"وانتي كمان يا هند. إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
"بجد حلوة؟"
"آه طبعاً."
"مش باين. السكرتيرة بتاعتك عملت الواجب بزيادة. انت مستحملها إزاي دي؟"
"على فكرة هي طيبة بس بتحب النظام أوي وملتزمة في شغلها جداً. بصراحة صعب تتعوض."
"دي بتطفش العملاء دي."
"لأ. بيتهيألك. العملاء بيحترموها جداً."
"طيب إيه رأيك نروح نتغدى سوا؟"
"النهاردة صعب. خليها بكرة."
"خلاص بكرة هعدي عليك ونخرج سوا. أنا أصلاً فاضية."
"خلاص. هستناكي."
قبل خروج هند من مكتب عدى، حركت شعرها بعشوائية. وعندما وصلت لمكتب سلسبيل، ظلت تعدل من شعرها وملابسها حتى توصل رسالة لسلسبيل.
ابتسمت له بقرف واستكملت عملها وتجاهلت بعد ذلك طلبات عدى لها. (بتعلمه الأدب) 😅😅
قام عدى من مكتبه وذهب لمكتب سلسبيل ووقف غاضباً.
"أنا عايز أفهم. طلبت منك كام مرة تكلمي الأوفيس بوي تجيب لي فنجان قهوة ونفضتيني. وطلبت منك تصوري لي نسخ من العقود دي وطنشتي برضه. واتصل بتليفون المكتب مابترديش. ممكن أفهم إيه؟"
"أولاً ماسمحش لحضرتك تكلمني كده."
"ثانياً انت دخلت المكتب فجأة. شوفتني بعمل إيه؟ بشتغل ومركزة في الشغل."
"ثالثاً واضح إن حضرتك فاضي النهارده. فممكن تطلب بنفسك من الأوفيس بوي. هو يعملك القهوة. والعقود أنا صورتها إيه وكنت هجيبها لحضرتك."
"سلسبيل لو سمحت لما أكلمك ردي عليا."
"منا رديت. أرد تاني أقول إيه؟"
"انتي فاهمة قصدي كويس."
نظرت له بطرف عينيها ثم نظرت على الحاسوب أمامها مرة أخرى. واجباته.
"حاضر إن شاء."
دخل عدى مكتبه مرة أخرى وهو يحاول السيطرة على غضبه من تجاهل تلك الفتاة له. لما تتعامل معه بهذه الطريقة؟ هل هو أحرجها أمام هند؟ لكن هي من تشاجرت معها أولاً.
حسناً سيأجل ذلك الأمر حالياً ويذهب لمقابلة يعقوب وإخوته.
دلف للمكتب وأخذ أشياءه وخرج مرة أخرى لسلسبيل.
"أنا ماشي دلوقتي. ممكن تروحي لو خلصتي شغلك."
أومأت سلسبيل رأسها بالموافقة دون النظر إليه.
لم يستطع عدى أن يؤجل الحديث معها. فاقترب منها وأزاح تلك النظارة التي ترتديها.
"ممكن أفهم إيه؟"
"مافيش."
"سلسبيل انجزي."
"إنك صغرتني."
"أنا؟"
"آه. المفروض لما البتاعة دي دخلت المكتب كده من غير معاد مكنتش تقابليها. لكن انت استقبلتها ومردتش عليها وهي بتزعقلي."
نظر إليها عدى مدهشاً.
"سلسبيل حبيبتي ركزي. انتي بهدلتها يا ماما شوية وكنتي هتجيبيها من شعرها."
"وهي سكتت يعني؟"
"خلاص يا ستي حصل. أنا هنبه عليها لما تيجي بكرة تستأذن منك الأول."
"هي جاية بكرة؟"
"آه. أصلنا خارجين سوا."
ثم غمز لها وتركها وذهب.
نظرت سلسبيل في أثره بعيون دامعة وقررت تجاهله.
ذهب بعد ذلك عدى للقاء إخوته وابنة عمته. وقضوا يوماً لطيف خارج المنزل. كان الجميع سعيد. حتى شيماء لم تشعر شيماء بتلك السعادة وذلك الفرح من قبل.
انتهوا من اليوم وذهبوا للمنزل. وجدوا سماح وناجي بانتظارهم. دعت شيماء داخلها أن يمر اليوم بخير.
استقبلهم ناجي بترحاب. معاد شيماء التي تجاهلته هي الأخرى. شعرت أسيل بالوضع. فقررت فك التوتر بينهم بطريقتها الخاصة.
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اماني السيد
حاولت أسيل التقرب من شيماء، ولم تتطرق بالحديث لحياة شيماء السابقة، فسمعت من يعقوب كثيراً عنها.
بعد الانتهاء من الطعام، صعد الجميع لغرفتهم ليأخذوا قسطاً من الراحة.
بينما دلف ناجي المكتب برفقة يعقوب، ودلفت معهم أسيل التي جلست بجانب خالها وظلت تتحدث معه عن شيماء.
"عارف يا خالو، أنا حبيت شيماء قوي. طيبة ودمها خفيف."
لم يجيبها ناجي، فاستكملت حديثها.
"بس صحيح يا خالو، هي سامحتك بسرعة كده إزاي؟"
نظر إليها ناجي بسخرية.
"وتسامحني على إيه بقى إن شاء الله؟"
"على إنك سبتها عايشة السنين دي كلها مع واحدة زي شوق."
"مش أمها وهي اللي خلفتها."
"وأنت أبوها والمفروض كنت تخاف عليها وتسيبها في مكان آمن. لكن أنت سبتها مع مامتها والله أعلم كان ممكن تعلمها إيه. لكن واضح إن شيماء مكافحة ومعتمدة على نفسها في كل حاجة، وما أخدتش حاجة من طبع مامتها. بالعكس يا خالو، دي شبهك في كل حاجة. بدأت من الصفر واشتغلت واعتمدت على نفسها زي ما حضرتك كنت بتشتغل محاسب في بداية حياتك. ورغم كل الظروف اللي عدت بيها، إلا إنها مامشيتش في طريق غلط. بالعكس، المفروض إن حضرتك كنت خدتها من مامتها وربيتها وسط إخواتها. ولو طنط سماح اعترضت، كنت على الأقل جبتلها مربية خاصة بيها. لكن حضرتك رميتها لمامتها وكنت بتبعتلها يا دوب اللي يكفيها عشان تريح ضميرك. لكن هل اللي كنت بتبعتوه كافي ولا لأ، حضرتك سألت نفسك قبل كده؟"
صمت ناجي يفكر في حديث أسيل. هل حقاً ظلم ابنته؟ هل هو الآن أصبح الشرير؟ فلم يجيب ناجي أسيل على حديثها، ولكنه استأذن للذهاب لغرفته.
وأثناء طريقه، ظل يفكر في حديث أسيل. هل حقاً ظلمها؟ ولماذا كان يخشى منها؟ وماذا حدث له قبل العملية ليوافق أن تعيش معه، بل ويعطيها نصيبها كاملاً؟
صعد لغرفته ووجد سماح تنتظره.
عندما رأته سماح بتلك الحالة، سألته ماذا به.
"خير يا ناجي، في حاجة ضيقتك ولا إيه؟"
"مافيش، كنت بتكلم مع أسيل."
"قالت لك حاجة ضيقتك ولا إيه؟"
"هو أنا ظلمت شيماء؟"
"عايز الصراحة."
"طبعاً."
"أنا لما اتعاملت معاها ورجعت للماضي، لقيت إننا فعلاً ظلمناها. يمكن أذى مامتها خلى عنينا اتعمّت عن الصح. أنت رميتها وكنت رافضها، وأنا كمان مكنتش متقبلة وجودها ونسينا إنها طفلة مالهاش ذنب. وأنت لحد دلوقتي غير متقبلها وبتعاملها وحش. أنا دلوقتي معنديش مشكلة معاها ومتقبلاها ومش خايفة منها خالص، وأنت كمان محتاج تراجع نفسك."
دلف ناجي للشرفة وظل يفكر في حديثهم. ظل فترة طويلة شارد في الماضي والحاضر، يحاول أن يتذكر شيئاً قبل العملية، لكنه لم يستطع.
انتهى ناجي من التفكير، وقرر أن يتعامل مع شيماء بشكل مختلف ويحاول أن يعوضها عن الماضي.
خرج ناجي من غرفته وتوجه لغرفة شيماء. دلف إليها دون أن يطرق الباب. ظل ينظر إليها بضعة من الوقت، ثم قبلها وخرج بعد ذلك وذهب لغرفته.
بعد أن تأكدت شيماء من خروج ناجي من الغرفة، جلست على التخت وشردت في الباب في أثر والدها. هي تحبه، تنسى له أي شيء فعله معها. تتمنى أن يضمها فقط، يضمها ويشعرها بأمان الأب. لو طلب منها وقتها جميع النقود التي أعطاها لها، ستعطيها له دون نقاش.
في المكتب، مازالت أسيل تجلس مع يعقوب.
"مش كان صعب الكلام اللي قلتيه لعمي ناجي ده؟"
"كان لازم حد يفوقه. المفروض ده كان يبقى دورك. عاجبك تجاهله ليها ده؟ كأنها هي السبب في كل حاجة."
"كان ممكن تكلميه بطريقة أهدى."
"عشان يراجع نفسه قبل فوات الأوان. المهم بقى دلوقتي كلكم بتشتغلوا، وأنا كمان عايزة أشتغل."
"وقررتي تشتغلي إيه؟"
"قررت أنزل أشتغل معاك. إيه رأيك؟"
"وهتشتغلي إيه؟"
"رئيس مجلس إدارة طبعاً."
"وأنا أقعد في البيت بقى؟"
"خلاص، ماتزعلش. أبقى المساعدة بتاعتك."
"سبيني أفكر."
"فكر براحتك لحد الصبح وهتلاقيني لابسة وجاهزة. يلا، تصبح على خير عشان أنا عندي شغل الصبح بدري."
ثم تركته وذهبت لغرفتها.
أتى صباح يوم جديد على الجميع.
لم يذق ناجي طعم النوم وقام مبكراً. طلب من الخادمة عمل أصناف من الطعام التي يفضلها، وبالفعل نفذت الخادمة ما أراد.
استيقظ الجميع في الصباح واجتمعوا على الطاولة. طلب ناجي من يعقوب الجلوس أمامه على رأس الطاولة، وجعل مقعد يعقوب لشيماء لتجلس بجانبه. فهم يعقوب ما يريده ناجي، وفهم الجميع ما أراده وساعدوه دون أن يتحدثوا أو يعلقوا، حتى لا يشعروه بالحرج.
أثناء تناولهم الطعام، ظل ناجي يضع في طبق شيماء أكثر الأصناف التي يفضلها.
كان الحديث بينهم متوتراً بعض الشيء، وكانت شيماء تتحدث معه بحذر، لا تريد أن تعلق نفسها بشيء مرة أخرى.
عندما انتهوا من الطعام، جلست شيماء برفقة نادين، فالوقت ما زال مبكراً على الذهاب للعمل.
أتى ناجي وجلس بجانبهم، وظل يسألهم عن مشروعهم وأعجبه حماسهم.
"يعني يوم ما تعملوا مشروع، تعملوا حاجة معرفش أجي أتابعها أو أشوفها؟"
تحدثت نادين بحماس.
"اعتبرنا عينك، أنا عين وشيماء عينك التانية."
نظر ناجي لشيماء.
"طيب خدوا بالكم من عيوني عشان مش هقدر أعيش من غيرها."
ثم أخرج من جيبه المحفظة وأعطى كلاهما فلوس.
نظرت له شيماء بعدم فهم.
"إيه ده؟"
"مصروفكم."
تحدثت نادين بمزاح.
"مصروف إيه؟ إحنا بقينا سيدات أعمال."
"انتوا مهما تكبروا، فانتوا عيال في نظري. انتوا فاهمين؟"
ابتسمت شيماء وذهبت بعدها هي ونادين لعملهم.
في جهة أخرى، في مكتب ثائر، دلف إليه أحد الرجال الذي أرسله ثائر للسؤال عن شيماء وأعطاه الملف الذي يحتوي على بياناتها.
نظر ثائر للملف بصدمة. لا يعرف مشاعره، حزن أم غضب، تعاطف أم قسوة. يشعر بالشيء ونقيضه. ظل يسأل نفسه: كيف لأب أن يترك ابنته في تلك الحياة؟ هل سيتقبلها أهله إذا علموا بالماضي الخاص بها؟ هل سيستطيع هو تقبلها؟
خرج من مكتبه وذهب يجلس في مكان هادئ يفكر دون أن يقطعه أحد. بعد مرور وقت طويل، قرر أن يعطي نفسه فرصة للتعرف عليها، وإذا نجح الأمر سيمسح الماضي كأنه لم يكن، فالحاضر كافٍ.
صعد ثائر مرة أخرى لسيارته وقام بالاتصال بشيماء.
رن هاتف شيماء، وجدت اسم ثائر ينير الشاشة. شعرت برفرفة داخل قلبها وأجابت بصوت هادئ لامس قلب ثائر.
"ألو."
"إزيك يا شيماء؟ عاملة إيه؟"
"الحمد لله، أنت عامل إيه؟"
"بخير الحمد لله. كنت عايز أقابلك."
"خير، في حاجة؟"
"اه، استوردت مجموعة من أدوات التجميل حلوة قوي وأسعارها حلوة. ممكن تيجي الشركة تشوفيها، ولو عجبك حاجة ممكن أقسطهالك."
"تمام، مافيش مشكلة. بس هتعلي السعر عليا زي المرة اللي فاتت؟"
"خديه من غير فلوس خالص، ولا يغلى عليكِ. شوفي أنتِ فاضية إمتى وأنا هستناكي."
"خلاص، بكرة بإذن الله. هعدي عليك على 12 الضهر كده، كويس؟"
"كويس جداً، هستناكي. مع السلامة."
"مع السلامة."
أغلقت شيماء الهاتف، وظهرت ابتسامة على وجهها. اقتربت منها نادين وأشارت بكفها أمام وجهها.
"إيه؟ سرحانة في إيه؟"
"لا أبداً، ثائر كلمني وجايب شغل جديد، هروح أشوفه."
"بس إحنا لسه مخلصناش الحاجة اللي اشتريناها منه."
"أنا هشوف بس، وبعدين الحاجة بتخلص بسرعة. لو لقيت الحاجة تستاهل، هجيب منها بس مش نفس كمية المرة اللي فاتت. كده كده الحاجة مش بتخسر ومش بتقعد أصلاً."
"تمام، أنتِ أدرى."
في الشركة عند يعقوب، كان يجلس بمكتبه وكانت أسيل تجلس أمامه تعمل وتنفذ ما طلبه منها من أعمال. وأثناء جلوسهم، دلفت إليهم السكرتيرة.
"خير يا مي؟"
"آنِسة فتون بره وعايزة تقابلك."
نظر يعقوب لأسيل، الذي بهتت ملامحها، وطلب من السكرتيرة أن تسمح لها بالدخول.
دلت فتون وتفاجأت بوجود أسيل وشعرت بغيرة داخلها.
اقتربت فتون من مكتب يعقوب وجلست أمامهم.
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل السادس عشر 16 - بقلم اماني السيد
دلفت فتون غرفة المكتب وجلست في المقعد المقابل لأسيل وجهًا لوجه. كانت الحرب باردة بين الطرفين. أسيل التي تحب يعقوب وقررت هذه المرة الحفاظ عليه والقتال من أجل حبها وعدم السفر مرة أخرى. وفتون التي رأت يعقوب زوجًا مناسبًا وسيحقق لها جميع أحلامها.
كانت فتون ترى نظرات أسيل تجاه يعقوب. في البداية، كانت تعتقد أنها مثل أخت تغار على أخيها. إلى أن شعرت بفرحة أسيل عندما علمت بانفصالها من يعقوب. وبعدها عادت مرة أخرى.
بدأت فتون بالحديث بود مصطنع:
"حمد الله على السلامة يا أسيل. مش كنتي قولتيلي إنك رجعتي مصر، على الأقل نعمل معاكي الواجب."
أجابتها أسيل بتحدٍ مستتر خلف ابتسامة صفراء:
"الله يسلمك يا فتون. معلش مكنش عندي وقت، واديكي عرفتي. وماتقلقيش، يعقوب عمل الواجب بزيادة."
"يعقوب طول عمره صاحب واجب. ده عشرة برضو وكنا مخطوبين وبيننا أيام مبتتنسيش، صح يا يعقوب؟"
لم تعطِ أسيل فرصة ليعقوب أن يجيب على فتون:
"ياااا يا فتون على ذكرى الأيام الحلوة اللي مبتتنسيش. فكرتيني بأيام زمان لما كان يعقوب بيجي يقعد معانا ويبات معانا ونسافر سوا المصايف. أيام ما ماما كانت عايشة، الله يرحمها يارب. مكناش بنسيب بعض أبدا. بس ملحوقة، هنعوضها بإذن الله."
ثم نظرت لرحيم:
"مش صح يا رحيم؟"
ازدادت الغيرة داخل فتون من هذه الفتاة، فواضح أنها أعلنت بشكل غير صريح ملكية يعقوب لها:
"ربنا يخليه ويعوضك. انتوا فعلاً متربيين سوا وهو زي أخوكي، مش كده يا رحيم؟"
شحب وجه أسيل خوفًا من اعتراف يعقوب أنه أخاها. وقتها سيكسر قلبها للمرة الثانية.
لم يعطها يعقوب إجابة، ولكن أجاب على سؤالها بسؤال:
"صحيح يا فتون، إيه سر الزيارة بتاعت النهاردة دي؟ بصراحة آخر حاجة كنت أتوقعها إنك تيجي النهاردة."
"أنا كنت جاية عايزك في موضوع مهم. لكل واضح إنك مشغول جداً في الشغل. بص، هبقى أكلمك ونتقابل ونتكلم براحتنا، تمام؟"
"تمام يا فتون. أنا فعلاً مشغول أوي أوي الفترة دي. لما أفضي بإذن الله."
***
في البيوتي سنتر، كانت شيماء تجلس برفقة نادين وتنظر في الساعة، فقد اقترب موعد لقائها بثائر.
كانت نادين تنظر لها باستغراب لتوترها:
"مالك يا شيماء؟ في إيه؟"
"عندي كمان نص ساعة معاد مع ثائر."
"طيب، تقدري تتحركي دلوقتي عشان تلحقي المعاد."
"بقولك إيه يا نادوا، تعالي معايا."
"ليه؟"
"أصل حاسة إني تعبانة شوية. تعالي معايا عشان لو تعبت مبقاش لوحدي."
"طيب، اجلي المعاد ونروح لدكتور."
"لا، مش محتاجة. يلا بينا عشان منتأخرش."
ذهبت شيماء برفقة نادين لمقابلة ثائر، الذي كان يجلس منتظرًا قدوم شيماء.
وصلت شيماء الشركة وقامت السكرتيرة بإدخالها مكتب ثائر مباشرة. تفاجأ ثائر بوجود نادين وشعر بضيق، ولكنه لم يظهر ذلك ورحب بهم:
"إزيك يا آنسة شيماء؟ عاملة إيه؟ وانتِ يا آنسة نادين؟"
"إحنا بخير الحمد لله."
"تشربوا إيه؟"
شيماء: "شكراً، مالوش لزوم."
تحدث ثائر وهو ينظر في عين شيماء متجاهلاً نادين:
"لأ طبعاً مايصحش، لازم تشربي حاجة، انتي ضيفة."
تحدثت شيماء بخجل، جعل نادين تصمت وتشاهد الحديث الدائر بينهم:
"بجد مش هقدر أشرب حاجة."
"مهو لو مشربتيش، يبقى تتغدي بقى."
"لأ، مستحيل. أنا مش قادرة أشرب، هتغدى إزاي؟"
"طيب، بصي. إحنا ناخد لفة في الشركة وتشوفي المنتجات الجديدة، وبعدين نشوف هناكل ولا هنشرب. اتفقنا؟"
"تمام."
ثم نظر لنادين، التي لاحظت النظرات المتبادلة بينهم:
"تشربي إيه يا آنسة نادين؟"
"لأ شكراً، مش دلوقتي. يلا نشوف المنتجات الجديدة."
ذهبوا جميعًا للمخزن لرؤية المنتجات، وكان ثائر مهتمًا بالحديث مع شيماء، ونادرًا ما يوجه حديثه لنادين. شعرت نادين بفرحة بداخلها من إعجاب ثائر بأختها. تمنت أن يكون العوض لها.
اندمج ثائر وشيماء في الحديث عن العمل وأكثر المنتجات التي يتم الإقبال عليها. وقام ثائر بإعطائها تلك المنتجات بأسعار أقل من أي متجر يمكن أن تشتري منه.
انتهوا من العمل وأصر ثائر على أن يتناولوا الفطور سويًا، وقام بشراء بعض المأكولات من إحدى الأماكن المشهورة.
زاد إعجاب ثائر بشيماء وبطريقة تسويقها للمنتجات وبعملها واجتهادها. شعر تجاهها شعور مختلف، ولكن هذا الشك الذي بداخله يريد أن يمحيه قبل أن يزداد تعلقه بها، حتى لا ينغص عليهم النظر في المستقبل.
تناولوا الفطور سويًا، ثم استأذنت شيماء وغادرت برفقة نادين. وعندما خرجت من الشركة، أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته ببطء، كأنها لم تتنفس في الداخل.
حاولت نادين فتح حديث مع شيماء، ولكنها ترددت، ولكن قررت أن تسألها حتى تطمئن عليها:
"مش ناوية تشتري عربية بقى بدل مانتي وخداني معايا في كل حتة زي الشوفير؟"
"لأ، مش ناوية. أنا عايزكِ تفضلي معايا في كل حتة كده."
"بس كده، هبقى عزول."
"عزول على مين؟"
"على فكرة أنا واخده بالي من النظرات المتبادلة بينك انتي وثائر."
"بطلي أوهام. الراجل بس محترم بزيادة واحنا بناخد منه منتجات بكميات."
"يا شيخة، إحنا بناخد منه قطاعي يا شيمو، وهو أصلاً بيتعامل مع تجار بس، مش عليا أنا الكلام ده."
"قصدك إيه؟"
"قصدي إنه معجب بيكي."
"مستحيل طبعاً، وماتفتحيش الموضوع ده تاني."
"ليه بس تنكري؟ إنك انتي كمان معجبة بيه؟"
تحدثت شيماء باندفاع، كأنها ما صدقت أحد يسألها ذلك السؤال حتى تجيب على نفسها قبل أن تجيب على نادين:
"نادين، تفتكري لو ثائر معجب بيا وسأل عليا وعرف الماضي المشرف وإني مش مكملة تعليمي، هيكمل معايا؟"
"لو بيحبك، آه. وبعدين بلاش تبصي للماضي، بصي للحاضر. انتي بقيتي إيه؟"
"الماضي ده للأسف بقى زي الوصمة اللي هتفضل ملازمني طول عمري. مش عايزة أعلق نفسي بحاجة وتطلع وهم في الآخر."
ضغطت نادين على يد شيماء وهي تبتسم لها:
"الناس الضعيفة اللي بتفكر كده يا شيماء، وانتي مش ضعيفة. والراجل اللي بجد الواثق من نفسه مابيبصش للماضي أبداً. ولو ثائر راجل بجد مش هيبص للماضي وهيقبلك زي ما انتي. وأنا قلبي بيقولي إن ثائر ده راجل بجد وبيحبك."
"سيبيها للأيام يا نادوا، بس بلاش نتكلم في الموضوع ده تاني."
***
في الشركة عند عدي.
كانت سلسبيل تتعامل معه بشكل طبيعي، لكن مختلف. كانت تتجاهل بعض التفاصيل التي كانت تقوم بها في العادة. كانت تفعل ما يطلبه منها فقط.
هذا الوضع الجديد جعل عدي يشعر بعدم راحة، بينما ثقل الحزن على قلب سلسبيل، وكأن صخرة ضخمة قد استقرت عليه. كان الوضع مؤلمًا، مؤلمًا لدرجة أنها قررت تجاوزه بكل الطرق. قررت أن تتجاهل مشاعره المتصاعدة، وأن تدفن عميقًا في داخلها ذلك الحب الذي ازدهر وترسخ في قلبها كشجرة عملاقة. كانت تعلم أن هذا الطريق سيكون شاقًا ومؤلمًا، لكنها كانت مصممة على أن تقطع هذه المسافة مهما طال الزمن.
أثناء جلوسها، أتت هند وتحدثت مع سلسبيل بفوقية:
"انتي يا أنا، واخدة معاد مع عدي. أظن إنه قالك امبارح."
أجابتها سلسبيل دون أن تنظر إليها:
"آه، عارفة. تقدري تدخلي."
ازداد الغيظ داخل هند من هذه الفتاة، فهي لم تعطها فرصة للشجار معها أو التقليل منها.
دَلفت هند لغرفة عدي وجلست معه بعض الوقت، وتعمدت هند أن تلقي المزحات على عدي حتى يعلو صوت الضحك بالمكتب. فهي متيقنة بداخلها أن هذه الفتاة تحب عدي، وهي تحب التحدي.
في الخارج، كانت سلسبيل تحاول تجاهل الوضع وتلك الأصوات القادمة من المكتب.
قامت هند من مكانها وذهبت لكرسي عدي كأنها تريه شيئًا بهاتفها، وظلت تشغله بمتابعة بعض التعليقات على منشور ما. وضغطت على الزر الخاص باستدعاء سلسبيل، وقبل دخول سلسبيل، مثلت أن كعب حذائها انزلق ووقع على قدم عدي.
تفاجأ عدي بهذا الوضع وبدأ يساعد هند لتقوم من على قدمه. دخلت إليهم سلسبيل. نظرت إليهم باشمئزاز وخرجت مسرعة من المكتب وجلست في مكتبها تكتب شيئًا ما.
داخل المكتب، شعر بغضب من هذا الوضع الذي رأته به سلسبيل:
"ينفع كده يا هند؟ هتقول إيه دلوقتي بس؟"
"هو بمزاجي، مهو غصب عني الكعب اتنى وأنا ماشية. وهي إزاي أصلاً تدخل من غير ما تستأذن كده؟"
"ده مكان شغل، وطبيعي تدخل كده. اللي مش طبيعي الوضع اللي شافتنا فيه."
"خلاص، سيبك منها وتعالى نتغدى."
"آه، عشان تقول بقى إننا خارجين نكمل في حتة تانية."
"ماتقول، انت فارقة معاك كده ليه؟"
"لأننا كل يوم في وش بعض، وماينفعش اللي حصل ده. روحتِ النهاردة يا هند وهكلمك أحدد معاكي معاد تاني."
أثناء حديثهم، دلفت إليهم سلسبيل ومعها ورقة استقالة وأعطتها لعدي بعصبية:
"اتفضل."
"إيه ده؟"
"استقالتي. أنا ما أقبلش أبداً أشتغل في مكان زي ده."
تحدثت هند لتجعل الموقف أكثر حدة:
"وماله المكان ده؟ وانتي تطولي أصلاً؟"
"انتي مالك انتي؟ وانتي أشكالك أصلاً تعرف الحياء منين؟"
"احترمي نفسك يا بنت انتي، صحيح قليلة أدب."
"مش عارفة البجاحة دي انتي جايباها منين."
تدخل عدي مشيرًا لهند بالذهاب:
"اتفضلي يا هند، امشي دلوقتي لو سمحت."
"لأ، خليها وكملوا. أنا ماشية."
اقترب عدي من سلسبيل وأمسكها من معصمها حتى لا تهرب، وأشار لهند بالانصراف. خرجت هند من المكتب خشية من وجه عدي البادي عليه الغضب.
داخل المكتب، كانت سلسبيل تحاول الإفلات من يد عدي، ولكنه محكم الإمساك بها:
"سيب إيدي، ماينفعش كده. سبني بقى."
"لما تهدّي وتفهمي الأول اللي حصل، مش زي ما تفكيرك بيصورلك."
"بيصورلي إيه؟ أنا شفت بعيوني المنظر."
"فهمتي غلط. اصبري وافهمي وشوفي."
"مش عايزة أفهم ولا أعرف ولا أشوف."
"مش بمزاجك." ثم سحبها لكرسي المكتب الخاص به، وجعلها تجلس عنوة، وفتح تسجيلات الكاميرات وشرح لها الوضع.
لما أتأخر في نزول الوقت، حقيقي مش ليكون بمزاجي خالص.
عشان كده لو اتأخرت، ادعولي ولكم بالمثل.
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل السابع عشر 17 - بقلم اماني السيد
أجلسها عدى عنوة على كرسى المكتب وثبت يداها جيداً ثم فتح تسجيلات الكاميرا وجعلها تشاهد الذي حدث.
ظلت سلسبيل صامته لم ترفع عيناها من الشاشة، لا تعرف كيف تبرر له سبب غضبها وغيرتها المندفعة، فالأمر لا يعنيها في شيء.
سواء أقترب من تلك الفتاة أم لا.
كيف ستبرر له ذلك الغضب؟
حاولت أن تقوم من على ذلك الكرسى لتذهب لمكتبها، لكن عدى كان ينظر فى عينيها بتركيز.
حاولت سلسبيل الهروب من نظراته لكنها لم تستطع.
ـ مش هتخرجى من هنا غير لما تعتذرى.
ـ اعتذر على إيه؟
ـ الكلام اللى قولتى واتهامك ليه.
ـ أنا برضه معذورة وأى حد فى مكاني هيعمل كده.
ـ لا طبعاً مش أي حد هيعمل كده، انت تصرفك كان مبالغ فيه، وحتى لو فعلاً الوضع ده كان حقيقة مش سوء فهم، انتي زعلانة ليه؟ كان ممكن تتجاهلي الموضوع.
تحولت عين سلسبيل للغضب مرة أخرى.
ـ لا طبعاً ما يصحش أشوف حاجة زي كده، عيب في حاجة اسمها حياء.
ـ سلسبيل هو انتي ارتبطتي قبل كده؟
ـ لا طبعاً، وده ايه علاقته بموضوعنا؟
ـ أنا برضه خمنت كده.
ـ ليه يعني مش بشبه اللي بيرتبطوا؟
ـ أنا مقصدش، بس انتي مقفلة أوي يعني، ولو ارتبطتي ممكن خطيبك أو حبيبك يطلب منك حاجة زي كده.
ـ أنا مش مقفلة بالعكس، بس بحب معملش حاجة عيب أو حرام، وأخالف شرع ربنا، إيه الممتع أني أكلم واحد واتنين وأرتبط بده وبده وأنا مش بحب حد فيهم وعارفة أني مش هتجوزهم؟ افرض حد منهم اتعلق بيا وحبني من قلبه أشيل ذنبه ليه؟ المشاعر مش لعبة يا أستاذ عدى.
أنا يوم ما أرتبط هيبقى ارتباط رسمي قدام الكل وهحافظ على نفسي للشخص اللي هرتبط بيه مش لجميعهم مع بعض.
ـ وانتي تعرفيه؟
ـ لا هتقي ربنا فيه حتى قبل ما أشوفه.
ـ طيب ما إحنا أصدقاء برضو أنا وهند وغيرها وبنتقابل قصاد الكل، وبيرتبطوا واللي بيرتبطوا بيهم معندهمش مشكلة.
ـ والوضع اللي كان في المكتب هنا برضو ممكن تعمليه قدام الكل؟ هل ممكن تسمحي لنفسك إنك تشوف أختك أو مراتك أو خطيبتك في الوضع ده؟
ـ لا طبعاً مستحيل.
ـ شوفتي بقى إن عندي حق.
ـ ما انتي شوفتي أنه غلطة مش مقصودة.
ـ تمام أنا فهمت غلطتي، بس أنا بتكلم بشكل عام وعموماً حصل خير.
عن إذنك.
ثم تركته وذهبت مسرعة لمكتبها.
نظر عدى في أثرها يفكر في حديثها.
هو يحب التحدث مع البنات وتقضية الوقت برفقتهم، لكنه لم يفعل شيئاً أكثر من هذا.
ودائماً البنات التي يتعرف عليهن ليس لديهن أي تحفظات، لم يفكر من قبل إنه بهذه الطريقة يتلاعب بمشاعر الآخرين.
انتهى اليوم على الجميع وذهبوا للمنزل ومر باقي اليوم.
كان ناجي يحاول أن يتقرب من شيماء، ولكنها لم تكن كباقي الأيام تجادله كما اعتادت، بل كانت شارده.
كانت نادين على علم بسبب شرودها، وودت لو بيدها شيء لتساعدها به.
ازداد التقرب بين يعقوب وأسيل، فهم يعيشون في عالم منفصل مع كل يوم يمر.
كان يعقوب يكتشف جوانب جديدة في أسيل لم يلاحظها من قبل.
لم تعد الفتاة الصبية التي اعتاد أن يراها كأخته الصغيرة، بل امرأة ناضجة وجذابة.
تغيرت نظراته إليها، وتحولت المشاعر الأخوية البريئة إلى مشاعر أعمق وأكثر تعقيدًا.
الغيرة بدأت تتسلل إلى قلبه، فلم يعد يرتاح لفكرة أن تكون بعيدة عنه.
أرادها دائمًا بجانبه، يشعر بوجودها في كل لحظة.
كانت أسيل عيناها تتبعان نظراته المتيمة، وكأنها ترصد كل حركة فيها.
كانت تدرك جيدًا ما يدور في داخلها، تلك المشاعر التي بدأت تتأجج من جديد.
ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها وهي تدرك أنها في طريقها لتحقيق انتصارها، انتصار الحب الذي طالما انتظرته.
قررت أن تنسج حصارًا حوله، حصارًا عاطفيًا يمنعه من الهرب.
ستغمره بعواطفها، وستدفعه إلى حافة الهاوية ليبوح بكل ما يخفيه في قلبه.
لن تسمح له بالتراجع، لن تسمح له بالهروب من شباك حبها.
انتهى الجميع وصعدوا لغرفهم.
وبعدها قرر ناجي أن يتحدث مع نادين لعله يعرف منها ما بها شيماء، فهو أصبح يتذكر الماضي وكلما تذكر يزداد بداخله البغض من نفسه.
دلف غرفته نادين وجلس معها.
ـ ازيك يا نادين انتي كويسة ومبسوطة بشغلك مع شيماء؟
ـ بصراحة مبسوطة جداً، النجاح طعمه حلو أوي، كل أما المشروع يكبر بحس أني بكبر معاه، بحس بفرحة جديدة من نوع جديد.
ـ طيب الحمد لله أنا كده اطمنت عليكي، وبصراحة كنت عايز أسألك على شيماء.
ـ مالها شيماء؟
ـ حاسس أنها مش مبسوطة وبتسرح كتير، في حاجة حصلت زعلتها أو حد قالها حاجة ضيقتها.
ـ شيماء يا بابا طول الوقت الماضي قصادها، خايفة تحب أو تتحب لحسن يأثر عليها.
ـ بس هي بنتي في الماضي والحاضر.
ـ الناس مش بتعترف بكده، هيقولوا اللي ربتها بتاعت أعمال وهي زيها، أنا بقولك تفكيرها.
ياريتك يا بابا مكنتش سبتها وكانت اتربت وسطنا.
ـ هو في حد عجبها يعني وكده أو حد لمحلها بحاجة؟
ـ ماينفعش أتكلم، دي حاجة ماتخصنيش، وغير كده أنا مش متأكدة برضو.
ـ طيب قوللي ووعد مش هتكلم معاها ولا هعمل حاجة.
ظلت نادين تقص عليه ما حدث على مدار اليوم بين ثائر وشيماء ونظراتهم المتبادلة.
شعر ناجي بحيرة من حديث نادين وقرر أن يتدخل بشكلٍ غير مباشر، ولكن عليه أولاً السؤال عنه حتى يتأكد من أنه لا يتلاعب بمشاعر ابنته.
تركها ناجي ورحل وجلس في غرفته وقام بإرسال أحد رجال يعقوب للسؤال عنه.
حتى لو كان ذلك الموضوع احتمالات، فهو لن يخسر شيئاً، سيطمئن على بناته ومع من يتعاملون.
في اليوم التالي قرر الجميع تقضية اليوم في النادي وتناول الطعام هناك.
جلسوا جميعاً على إحدى الطاولات المطلة على حمام السباحة.
وأخذ يعقوب أسيل يريها النادي إلى أن يأتي الغداء.
وأثناء جلوسهم وجدوا ثائر داخل حمام السباحة برفقة أحد أصدقائه.
عندما شاهدهم ثائر خرج من المسبح وابدل ملابسه وتوجه لهم.
وأثناء ذلك الوقت أشارت نادين لوالدها على ثائر حتى يتعرف عليه.
بعد قليل اقترب منهم ثائر وسلم عليهم.
وقرر ناجي أن يستغل تلك الفرصة وطلب منه الجلوس لتناول الطعام برفقتهم.
ورحب ثائر بالدعوة وجلس معهم.
قررت شيماء تجاهله وشغلت نفسها بالحديث مع عدى.
شعر ثائر بالضيق من تجاهل شيماء، فهو ظن إنها سترحب به كما فعلت معه نادين وناجي، ولكن ما حدث العكس.
حاول ثائر الانصراف لكن ناجي لم يعطه الفرصة وقرر أن يجعل شيماء تشاركهم بالحوار، فقرر الحديث عن العمل المشترك بينهم.
لاحظ عدى نظرات ثائر لأخته ولاحظ هروب شيماء الدائم من نظراته.
قام عدى بتغيير مجلسه وجلس بجانب ثائر وتولى دفة الحديث وأصبح يسأله عن عمله ويتعرف عليه.
شعر عدى بالإعجاب تجاه ثائر ولكنه قرر عدم التحدث مع شيماء بشيء، لعل ما يشعر به تجاه ثائر مجرد ظنون أو شكوك.
أثناء جلستهم تعمد ناجي الحديث عن شيماء كثيراً حتى يوصل له أن علاقة الجميع بشيماء طيبة ودائماً ما يوصل له مدى حبهم لشيماء.
ودائماً ما تؤكد نادين من حديث والدها وكانت تنظر لهم شيماء بتعجب، فهي لم تفهم شيئاً، لم جعلون الحديث دائر عنها.
شعر ثائر بالاطمئنان تجاه شيماء وأن الماضي لم يؤثر عليها، لو كانت مثل أمها لم تكن ستحبها عائلتها بهذا الحد.
وقرر فرض حصاره عليها وسيجعلها تخضع لقلبه مهما كلفه الأمر.
أتى الطعام ووضعه النادل على الطاولة.
وأتى يعقوب وأسيل لتناول الغداء برفقتهم وتفاجئوا من وجود ثائر.
وقام عدى بتعريفهم على بعض.
شعر ثائر في بداية الأمر بالضيق من وجوده، ولكنه عندما رأى نظراته المتبادلة مع أسيل شعر براحة، فهو يعلم أن يعقوب ابن عمها وليس أخاها كعدى.
أثناء تناولهم الطعام بدأوا يتحدثون عن الطعام والمطاعم وأفضل المطاعم التي تقدم الأطعمة.
فاستغلها ثائر فرصة وقام بالحديث عن مزرعته.
ـ تعرفوا أنا عندي مزرعة في الفيوم بقضي فيها الإجازات وبعزم أصدقائي هناك وبعمل حفلات شواء ليهم، وبصراحة الجو هناك تحفة صيف شتاء.
ناجي: ـ وأنا كمان عندي مزرعة بس نادرا لما بروحها وبصراحة مش بهتم بيها خالص.
ـ طيب إيه رأيك يا ناجي بيه الجمعة الجاية أعزمكم هناك وتشوفوا الجو، يمكن الأجواء تعجبك وتهتم بمزرعتك.
ـ تصدق فكرة حلوة.
ثم أخذ رأي الباقي ولم يمانع أحد.
ابتسم ثائر داخله وقرر استغلال تلك الفرصة وأن يعرفهم على عائلته.
شعرت شيماء بتوتر شديد، لا تعرف لما كلما يقترب ثائر أكثر كلما يزداد القلق والخوف بداخلها.
شعر ثائر بما تشعر به وقرر طمئنتها، ولكن ليس الآن، عليه أولاً أن يقتحم حصونها بلا استئذان، فالحب كالحرب.
نظرت شيماء لثائر وجدته ينظر لها وعلى وجه ابتسامة لا تعرف كيف تفسرها، لكن ما جعلها تشعر بالدهشة تلك الغمزة التي أرسلها لها بعينيه، كأنه يرسل لها أن تستعد لحرب المشاعر.
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اماني السيد
ظلوا جالسين في النادي وطوال الوقت ظل ثائر يفتح حديث مع شيماء، وكانت شيماء تجيب باقتضاب إلى أن انتهى اليوم.
أصر ثائر على دفع الحساب، رفض يعقوب وناجي وعدي، ولكن تحت إصرار ثائر المبالغ جعلهم يرضخون. قرر ناجي رد العزومة لثائر، وهذا ما كان ثائر يريده حتى يزداد تقربه من عائلة شيماء.
بعد انقضاء اليوم، ذهب الجميع لمنازلهم وصعدت شيماء لغرفتها مباشرة دون الحديث مع أي شخص، تحت نظرات ناجي الممتلئة بالندم. كان يشعر بها ويعلم بما تفكر، ولكنه لا يجرؤ على الحديث معها. وقتها سيسمع منها ما لا يريد سماعه. سيفعل لأجلها أي شيء دون أن تشعر هي.
***
دَلَفَت أسيل إلى المكتب، وجهها شاحب كشمعة ذابلة. لم يستطع يعقوب أن يخفي دهشته وهو يراها هكذا. كانت عادتها أن تدخل المكتب كعصفور يغرد، ولكن اليوم كانت كظلٍ هزيل.
"مالك يا أسيل؟ حصل حاجة ولا إيه؟" سألها بصوت هادئ.
نظرت إليه بوجوم، ثم قالت بصوت خافت:
"بابا كلمني النهاردة وقالي إنه هيبعتلي تذكرة عشان أسافر له."
شعر يعقوب وكأن الأرض انشقت من تحته. كان قد اعتاد على وجودها في حياته، على ضحكاتها، على نظراتها التي كانت تبعث الدفء في قلبه.
تحدث معها محاولًا أن يطمئنها:
"أنا هكلمه وأطلب منه يسيبك وكمان هخلي بابا يكلمه."
"مش هيرضى أنا عارفة. عموماً قدامي يومين كده وهسافر بإذن الله."
صمت يعقوب يشعر أن قلبه يعتصر. فأسيل لم تعد تلك الطفلة الملتصقة به، بل أصبحت بنتًا بالغة استطاعت تحريك قلبه. لم يعد يشعر تجاهها كالماضي، بل أصبح يشعر تجاهها بشعور مختلف، شعور يزلزل داخله، شعور جميل لم يكن يعلم بوجوده ولم يسمع عنه من قبل. فقط شعور يحرك داخله، يشعره بسعادة، يغير مجرى اليوم.
"ماتقلقيش، أنا هتصرف."
"بابا عنده حق يا يعقوب. هيفضل سايبني هنا شهر اتنين تلاته، منا كده كده مسيري هرجعله تاني. فدلوقتي من بعدين مش فارقة."
وقف يعقوب، وخطواته ثابتة نحوها كأنه يتجه إلى شيء ثمين. جلس أمامها، ونظراته غاصت في عينيها. لم تستطع أسيل أن تفسر تلك النظرة، تلك اللوعة التي لم ترها من قبل في عينيه. همس بصوت خافت، وكأنه يخاطب نفسه أكثر منها:
"طيب، وأنا؟"
"أنت إيه؟"
"هتبعدي عني."
"منا كده كده كنت بعيد ومسيري أرجع مكان ما جيت."
"بس رجعتي وقربتي مني. قربتي لدرجة كبيرة خلتني مش هعرف أسيبك تسافري ولا تبعدي تاني."
"تقصد إيه؟"
"مسك يدها بلطف، وكأنه يمسك بأغلى ما يملك، ورفعها إلى شفتيه ليقبلها برفق. "مش عارف هقولك وإنتي قوليلي ده إيه، لما بحس بوجودك قبل ما تتكلمي، لما أبقى عايز أشوف صورتك آخر حاجة قبل ما أنام وأبقى عايز أصحى عشان أشوفك ويبدأ يومي بيكي ده يبقى إيه؟"
اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنها لم تستطع أخذ الهواء لرئتيها. فجأة أدركت أسيل ما يشعر به يعقوب، وما تشعر به هي تجاهه. قلبها ينبض بسرعة، وهي تحاول أن تستوعب كل ما يحدث.
"ها يا أسيل ده اسمه إيه اللي بحس بيه؟" سألها يعقوب بصوت خافت، وعيناه تتأملان وجهها.
تحدثت أسيل برعشة في صوتها:
"ي.. يعقوب أنت بتحبني؟"
ابتسم يعقوب ابتسامة عريضة، وكأن سؤاله قد أجاب عليه:
"لا، الحب كلمة قليلة، كلمة عادية عن الشعور اللي بحسه. أنا عديت كلمة حب دي من زمان. أنا بتنفسك يا أسيل، بعشقك، مش هقدر أبعد ولا أسيبك تبعدي."
نظرت أسيل في عينيه، وشعرت بأن العالم يتوقف حولها. كانت كلماته كالموسيقى الساحرة التي تلامس أعمق أوتار قلبها. همست بصوت خافت:
"أنا..."
"ساكتة ليه؟ كلامي ضايقك؟ ردي عليا عايز أعرف بتحسي بإيه ووصل لك إحساسي عامل إزاي؟ بتحبيني يا أسيل؟"
صوته يرتجف قليلاً وهو ينتظر إجابتها، وكأن العالم يتوقف لحظة. كان ينظر في عينيها بشوق، يبحث عن أي إشارة تدل على مشاعرها. كان يشعر برعشة يدها بين كفيه وامتلأت عيناها بالدموع.
"أنا عديت مرحلة الحب دي من زمان من وأنا صغيرة ولما خطبت فتون وقتها حسيت قلبي بيتكسر كنت زي الطير المجروح عشان كده سافرت مع بابا ومرجعتش تاني. مكنتش قادرة أتخيلك وأنت قاعد معاها أو أتخيل إنك بتقولها كلمة بحبك. كنت أصلي وأدعي ربنا يريح قلبي."
نظرت إليه بعيون دامعة، وكأنها تعيد فتح جرح قديم.
"أيوه يا يعقوب بحبك. بحبك من زمان."
قبل يعقوب يدها وأقترب منها وضمها لصدره:
"أنا آسف. آسف إني محستش بيكي من زمان. آسف لو سببتلك أي حاجة زعلتك من غير ما أقصد. أنا آسف. أنا بحبك يا أسيل وهكلم باباكي وأطلبك منه. مش هسيبك ترجعي. هخليه هو اللي ييجي ونتجوز."
أومأت أسيل رأسها بنعم.
***
في مكتبه، كان عدى يعبث بهاتفه، يتجاهل مكالمات هند وغيرها من الفتيات اللواتي يتصلن به باستمرار. كان قد اعتاد على هذا النوع من الاهتمام، لكن اليوم، كان هناك شيء مختلف. حديث سلسبيل أثار داخله شيئًا لا يعلمه جعله يريد ترتيب حساباته مرة أخرى. فعندما شعر أن أحد ما يحاول الاقتراب من أخته أخذ موضع الهجوم. ماذا إذا أراد أحد الارتباط بها دون علمه؟ عند هذه النقطة قرر عدى أن يعيد ترتيب حساباته مرة أخرى.
قام عدى بالاتصال على سلسبيل واستدعاها لمكتبه بحجة السؤال عن بعض الأوراق.
دَلَفَت إليه سلسبيل كعادتها مؤخرًا، تجيب على سؤاله فقط. ذلك البرود يجعله يشعر بضيق داخله. ظلت الأسئلة تراوده. هل أصبحت تراه بشكل مختلف بسبب تلك الفتاة؟ قرر أن يتحدث معها لعله يعيدها تتعامل معه كما السابق.
"سلسبيل إنتي زعلانة مني؟"
"وهأزعل من حضرتك ليه؟"
"أصلك بتتعاملي معايا بطريقة غريبة مش متعود عليها بعد ما هند جت. عموما يا ستي أنا مش هخلي حد ييجي المكتب تاني ولو حد جه هسيبك تطرديه وتتعاملي معاه بطريقتك."
"استاذ عدى دي شركتك وحضرتك حر تقابل اللي تحبه."
"ده مكان شغل محترم مش كافتيريا. وغير كده أنا بصراحة عايز أخلع منهم."
نظرت له سلسبيل وهي تضيق بين حاجبيها باستفهام. وفهم عدى ما تريد أن تسأله له ومترددة، فقرر أن يجيبها:
"بصراحة بكلامك آخر مرة خلاني آخد بالي من حاجة مكنتش في دماغي أصلاً، وخاصة لما لقيت حد بيحاول يقرب من أختي. وقتها راجعت كلامك تاني واللي بعمله لقيت إني استحالة أتقبل كده على أختي. يبقى ليه أنا أعمل كده؟ عشان كده قررت أقطع علاقتي بكل البنات اللي أعرفها."
شعرت سلسبيل بسعادة داخلية وسرعان ما اختفت. فاليوم قطع علاقاته القديمة، ولكن يمكن أن يرتبط في المستقبل بأخرى، وتلك المرة سيكون الارتباط مختلف بشكل جدي. وقتها ستكون النهاية. ستبعد بدون رجعة.
"تمام يا أستاذ عدى. ربنا يوفقك يا رب ويوفقك للصالح. عن إذنك."
خرجت سلسبيل مسرعة من مكتب عدى لا تريد أن تبني أحلام كبيت العنكبوت وأقل ريح تهدمه. لا تريد أن تعشم نفسها مرة أخرى. ستبقى كما هي وستحاول إخراجه من قلبها مهما كلفها الأمر. هو لم ولن يراها.
***
عند شيماء اتصل بها ثائر أكثر من مرة وكانت هي تتجاهل اتصالاته.
كانت نادين تجلس معها وترى تجاهلها لتلك المكالمات. لا تعرف كيف تقنعها أن تعطى لنفسها فرصة. تخشى من داخلها أن تشجعها أن تقترب منه وبعد ذلك لا يتقبلها ثائر، وقتها سينكسر قلب أختها. ظلت تحدث نفسها: وهل هي الآن لم ينكسر قلبها؟ هي تحبه وبداخلها مشاعر. ماذا لو خاضت التجربة؟ لعلها تنجح. قررت نادين الحديث مع أختها.
"شيماء هتفضلي كده التليفون يرن وماترديش؟ ردي وشوفي عايز إيه."
"هو مش عايز حاجة. ولو عايز حاجة يتصل بيكي."
"طيب شوفيه يمكن في حاجة مهمة."
"مش هرد. نظراته مابقتش تريحني يا نادين."
"ليه عملك حاجة أو قالك حاجة ضايقتك؟"
"لا بس..."
"بس إيه؟"
"مش عارفة أوصفلك. هي ما بتتتوصفش. هي بتتحس بتتلاحظ."
"أنا مش فاهمة حاجة."
"نظراته لما ببصله بحس فيها كلام عايز يقوله. كلام لو قاله هيندم عليه بعدين وأنا بعدها قبلي ممكن أنجرح."
"طيب جربي."
"خايفة. خايفة مش عايزة."
"مانتي برضو حزينة وقلبك مكسور."
"بس كده هتفضل في مشاعر عنده ليه. إنما الماضي ممكن يحول المشاعر دي لكره، إنتي فهماني؟ وممكن يتقبل الماضي وتعيشي مشاعر حلوة معاه."
قاطعت حديثهم السكرتيرة وهي تبلغ شيماء بأن أحد يريدها في الخارج.
خرجت شيماء وتفاجئت بوجود ثائر أمامها. شعرت برعشة في جميع جسدها جعلتها لم تستطع الحركة. اقترب منها ثائر وجذبها من يدها للخارج وقام بوضعها في السيارة. فاقت شيماء من دهشتها رافضة الذهاب معه، لكنه تحرك مسرعاً.
"فيه إيه؟ أنت بتعمل كده ليه؟ رجعني تاني لو سمحت."
"لما نتكلم مع بعض الأول."
"مافيش حاجة نتكلم فيها."
"عندك حق. مافيش حاجة واحدة، ده في حاجات كتير هنتكلم فيها."
"أنا مش عايزة أتكلم. لو سمحت رجعني."
"اسكتي لحد ما نوصل."
بالفعل وصلوا لمكان هادئ على هضبة عالية. خرج ثائر من السيارة ولحقته شيماء. وقف أمامها ثائر وكان ينظر في عينيها وأجبرها أن تنظر في عينيه.
"ممكن أعرف في إيه؟"
"بتهربي مني ليه؟ مش بتردي عليا ليه؟"
"وههرب منك ليه؟ هو إحنا بينا حاجة؟"
"أه يا شيماء بينا حاجات. أنا شفتها في عينك وحسيتها في كلامك. ليه بتهربي منها؟ مش عايزاها تكبر ليه؟"
حاولت شيماء الهرب بعينيها لكنه لم يعطيها فرصة.
"مش هتمشي غير لما نتكلم."
"ثائر أنت ماتعرفش عني حاجة. سبني أمشي وانسى أي حاجة."
"مش همشي ومش هخليكي تمشي. مش هسيبك تهربي مني، إنتي فاهمة؟"
"أنت عايز إيه؟"
"عايزك تحبيني زي ما بحبك."
شعرت شيماء بدلو ماء بارد سقط عليها جعل جسدها يرتعش. ورغم ذلك شعرت بحرارة جسدها تعلو لحد التعرق. تحدثت بصوت هامس وهش ضعيف:
"مش هينفع."
"ليه؟"
ياترى هيقولها إنه عارف كل حاجة ولا هيخليها هي تحكي؟
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اماني السيد
اقترب منها ثائر ومسك يدها ووضعها بين كف يده وضغط عليها يحثها على الحديث ويطمئنها. نظر داخل عينيها الدامعة يشجعها أن تحكى له. ودّ داخله لو يخبرها أنه يعلم الماضي، وده لو يطمئنها أنه متقبلها، لكنه يريدها أن تحكي له حتى يطمئن قلبه.
تحدث بصوت دافئ مشجعًا إياها:
ـ ليه مش هينفع؟ ليه يا شيماء؟ قولى لي ليه؟ واديني سبب.
ـ أنت ما تعرفش حاجة عني. ما تعرفش حاجة.
ثم صمتت، لا تعلم ماذا تقول.
ـ قولي يا شيماء. أنتِ إيه؟ ووعد مني وعد يا شيماء، هقدر كل اللي هتقوليه.
ـ أنا ماما زمان سحرت لبابا عشان يتجوزها وأذته وأذت ناس كتير جدا. أنا ما كنتش عايشة مع بابا، أنا كنت عايشة معاها هي. كنت عايشة في مشاكل وصراعات، ولما هديت هديت بسبب المرض، بس بعد ما كل الناس بقت تكرهنا.
سبت المدرسة، كنت في الإعدادية ما كملتهاش عشان أشتغل وعشان مصاريفها. بابا كان بيبعت فلوس لي، بس للأسف كانت بتتصرف على أدوية ماما. اشتغلت حاجات كتير، تعبت واتبهدلت لحد ما ماما ماتت. وقتها لجأت لبابا. الأول ما كانش متقبلني عشان كنت بفكرة بالماضي، وبعدين قرب مني وتقبلني وجابني أعيش معاه في الفيلا. في البداية طنط سماح ويعقوب رفضوا وجودي، لكن بعد كده اتقبلوا وجودي، وبابا عمل عملية ونسيني تاني وبدأت معاه من الصفر تاني لحد ما بقى كويس معايا.
ظلت تقص له تفاصيل من الماضي لم يكن يعلم عنها شيئًا. كانت تقص له وهي تبكي. كان ثائر ينظر لها بشفقة. لما تطلب أن يتقبلوها ويسامحوها، ومن المفترض أنهم من يطلبون منها السماح.
جذبها لصخرة لتجلس عليها وجلس أمامها واقترب منها ومسح دموعها بيده.
ـ أهدي يا شيماء، أهدي يا حبيبتي ومتعيطيش تاني. كل اللي قولتي ما يزعكيش في حاجة، بالعكس. كل اللي حصل ده خلاكي قوية، بالعكس ما يقللش منك. كان ممكن تقلدى مامتك وتستسهلي الحياة، لكن انتي تعبتي واشتغلتي عشان ماتعمليش حاجة حرام. سبتي التعليم والمدرسة، لكن الحياة علمتك كتير. عارفة أول ما شفتك كنت مستغرب إزاي واحدة بالرقة دي تبقى عارفة وفاهمة السوق أوي كده، لكن دلوقتي فهمت.
كانت شيماء تنظر له بحب. هل حقاً تقبلها؟ تقبل الماضي؟ هل ستعيش كباقي البنات؟
ـ يعني إيه؟
ـ يعني كل اللي حكيتيه عليكي في نظري أوي وخلاني أتمسك بيكي أكتر. عشان كده أنا عايز أكمل حياتي معاكي يا شيماء.
سحبت شيماء يدها من يد ثائر وابتعدت عنه.
ـ لا، مش موافقة.
ـ ليه؟
ـ كلامك ده انت قلته لحظة اندفاع من باب العطف والشفقة.
ـ لا طبعاً، أنا مش صغير وكنت بحاول أقرب منك من بدري.
ـ بص يا ثائر، خد وقتك وفكر كويس. مش عايزاك تتسرع، ولو رجعت في كلامك صدقني أنا هتقبل موقفك.
نظر لها ثائر وقرر مجاراتها إلى أن يثبت لها صدق حديثه وحبه لها.
ـ حاضر يا شيماء، هفكر. بس لما أكلمك ردي. أظن مبقاش عندك حجة.
ـ حاضر. مش يلا بقى عشان ترجعني تاني؟
ـ لا، لما نشرب حاجة سوا. انتي فكراني بخيل ولا إيه؟
ـ لا طبعاً، ما يصحش. كفاية قعدتنا كده.
ـ خلاص، هجيب لك حاجة تشربيها وأنا بوصلك، تمام كده؟ وبعد كده لو مردتيش هخطفك بجد المرة الجاية.
ـ لا يا سيدي، خلاص هرد.
قام ثائر بتوصيل شيماء للبيوتي سنتر ثم ذهب لعمله. عندما رأتها نادين ذهبت إليها مسرعة.
ـ شيماء! انتي كويسة؟ أنا كنت قلقانة عليكي أوي وكنت هكلم بابا وعدي.
ـ كويس إنك ما كلمتيهمش.
ـ طيب طمنيني عليكي، وليه سبتي تليفونك؟
ـ ده ثائر يا ستي، طلع مجنون. لقيته شدني في العربية ومشي.
فتحت نادين عينيها بصدمة. خطفك المجنون؟ بس بصراحة تستاهلي عشان بعد كده تردي على اتصالاته.
ـ لا، حرمت خلاص وهرد عليه.
ـ كان عايزك إيه؟
ـ نرتبط.
ازداد اتساع عيني نادين بفرحة من الخبر.
ـ بجد؟ بجد يا شيماء؟ ألف مبروك! أنا مبسوطة أوي.
ـ لا، اهدى شوية كده. أنا أصلاً رفضت.
ـ ليه؟
ظلت شيماء تقص لها الحديث الذي دار بينها وبين ثائر وعن مخاوفها.
نادين: على فكرة يا شيمو، ثائر بيحبك ومش هيسيبك.
ـ تفتكري؟
ـ أفتكر جدا.
ـ حتى لو هو تقبل ده، أهله هيتقبلوني؟
ـ سيبيه منه لأهله. مالكيش دعوة. المهم انتي مشاعرك إيه؟
ـ مش عارفة. الخوف والقلق مسيطرين عليا أكتر من أي مشاعر تانية.
ـ بالعكس، انتي بتحبيه وعشان بتحبيه قلقانة. عموماً اطمني، أنا متفائلة جداً وبكرة تقولي نادين قالت.
ـ لما نشوف.
***
في شركة يعقوب، قام بالاتصال على والد أسيل وطلب يدها منه للزواج. رحب كثيراً والدها بالزواج وقرر الرجوع لمصر لزواج ابنته والاطمئنان عليها ثم العودة مرة أخرى.
في منزل ناجي، علم كل من في المنزل وسعدوا كثيراً بذلك الخبر. وقرر يعقوب تجهيز كل شيء إلى أن يأتي والد أسيل، وبعدها سيعقد قرانهما ويتزوجون فوراً.
مر أسبوع. خلال ذلك الأسبوع عاد ناصر والد أسيل من السفر وحددوا موعد الزواج ووافق يعقوب على شروط ناصر. وعزم يعقوب جميع أصدقائه.
وفي جهة أخرى، قطع عدي علاقته بجميع الفتيات التي كان يعرفهن وقرر البعد عن أي ارتباط إلى أن تأتي من تسرق قلبه.
في منزل ثائر، تحدث مع عائلته عن شيماء ووضع عائلتها. لم يخض بالحديث عن حياة شيماء السابقة كثيراً، فهم لهم الحاضر. والحاضر أنها امرأة ناجحة من عائلة معروفة. وافق أهله مبدئياً على الارتباط إلى أن يتعرفوا عليها.
في يوم الجمعة، اجتمعت العائلتين في المزرعة التي يمتلكها ثائر. فأهتم ثائر بتجهيز المجلس والإشراف على العاملين واختيار الطعام الذي سيقدم للضيوف.
حضرت عائلة ناجي واجتمعت مع عائلة ثائر. وقام يعقوب بعزومتهم على زواجه. وافق الجميع وقرروا الحضور.
انشغل الجميع بالتعارف ببعضهم. وقرر ثائر استغلال الموقف والاقتراب من شيماء والحديث معها، فهو بالكاد يستطيع التحدث معها بالهاتف.
وقف ثائر برفقة شيماء التي كانت شاردة بالنظر للخضرة.
ـ إيه يا جميل؟
ـ ثائر.
ـ عيون ثائر.
ـ ماينفعش كده، في ناس حوالينا وممكن حد يسمعك.
ـ أنا نفسي يسمعوني ويعرفوا إني بحبك وعايز أتزوجك، وإنتي اللي بتتقلّي.
خرجت تنهيدة من جوف شيماء تحمل ما تفكر به.
ـ على فكرة يا شيمو، أنا كلمت أهلي وهما موافقين. وبصر وراكي كده، شوفي إزاي متفاهمين مع بعض.
ـ وحكيتلهم عن الماضي.
ـ الماضي ده ميخصش حد غيرك، ومحدش ليه دعوة بيه. أنا حكيتلهم عن شيماء بنت ناجي، سيدة الأعمال الصغيرة، اللي ناجحة في حياتها، اللي بنت نفسها بنفسها.
ـ افرض عرفوا الحقيقة؟
ـ لو عرفوكي وحبوكي زيي، الماضي مش هيفرق معاهم حاجة. ها، قولتي إيه بقى؟
ـ انت مديني فرصة أتكلم؟ انت واخد قرارك وبتنفذه.
ـ يا شيخة، يعني إنتي مش بتحبيني؟
ـ مش هرد.
ـ إنتي بتموتي فيه، مش بس بتحبيني.
ـ قالك إنك مغرور قبل كده؟
ـ يوووه، كتير.
لم يكملوا حديثهم واقترب منهم عدي ووقف في المنتصف، قاطعاً حديثهم، فهو يشعر بالغيرة من اقتراب أحد من إخوته.
ـ الجو حلو النهارده، صح؟
ـ آه.
ـ وإنت عامل إيه في شغلك يا ثائر؟
ـ الحمد لله. منور يا عدي.
ـ بنورك يا حبيبي. عيلتك دمها خفيف أوي ولطيفة.
ـ طيب الحمد لله إننا عجبناكم. صحيح، الأكل عجبك؟
ـ أه جميل، شكراً على العزومة.
كانت شيماء تبتسم على الحوار الدائر بين عدي وثائر، فالغيرة واضحة في عيني عدي عليها. لم تشعر بانزعاج، بالعكس شعرت بفرحة داخلها بسبب خوف أخيها عليها. كانت الضحكة تزداد على وجهها كلما زاد الحديث بين عدي وثائر.
ثائر: وأنت يا عدي، مش ناوي تخطب زي يعقوب كده؟
ـ لا، مش دلوقتي، لسه بدري. وإنت صحيح يا ثائر، مش مرتبط؟
نظر ثائر لشيماء وهو يجيب على عدي.
ـ لا، هأرتبط قريب أوي أوي. هنسمع أخبار حلوة كلنا.
اقترب عدي من شيماء وضمها لصدره وقبلها من رأسها. فهو فهم تلميح ثائر وكان يوضح له بتلك الحركة أهمية شيماء لديه.
***
كان يعقوب وأسيل يجلسون يتحدثون وهم يشاهدون الخضرة أمامهم ويخططون لفرحهم. وأثناء حديثهم رن هاتف يعقوب برقم فتون.
تجاهل يعقوب الاتصال، لكنها عادت الاتصال مرة تلو الأخرى.
نظرت أسيل بغيرة ليعقوب.
ـ أنا عايزة أعرف بتتصل ليه دلوقتي؟ هي.
ـ مش عارف، وما يهمنيش أعرف.
ـ طيب رد.
ـ مش وقته.
ـ بقى كده. طيب.
أخذت أسيل الهاتف من يد يعقوب وكانت الغيرة مرسومة على وجهها وأجابت على فتون.
ـ ألو.
ـ مين معايا؟
ـ أنا أسيل يا فتون. عايزة إيه؟
ـ عايزة يعقوب.
ـ ليه؟
ـ وإنتي مالك؟
ـ إيه ده يا حرام؟ ما تعرفيش إنه بقى بتاعي ومالي أوي أوي كمان. هو حبيبي عزمني على فرحنا. تؤتؤتؤ، ما يصحش. أنا هخليه يكلمك يعزمك على فرحنا، بس بصراحة أنا لو مكانك ما أجيش.
ـ ليه بقى؟
ـ هيقولوا إنه سابك، ويا حرام انتي بتجري وراه لدرجة إنك جيتي تحضري فرحه.
ـ احترمي نفسك وانتِ بتكلميني.
ـ أنا محترمة أكتر منك، على الأقل ما بجريش ورا واحد خاطب وفرحه قرب. خلي عندك دم يا باردة وما تتصليش عليه تاني.
وأغلقت الهاتف بوجهها.
رواية خادمة بموافقة ابي الفصل العشرون 20 - بقلم اماني السيد
كان يعقوب ينظر إلى أسيل وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، ولكن عينيه كانتا تتأملانها بحب عميق.
ـ ارتاحتِ كده خلاص؟
سأل يعقوب بصوت هادئ.
نظرت إليه أسيل بخجل، وقلبها يطرق بسرعة.
ـ دي إنسانة متطفلة.
ردت ببرود مصطنع.
ابتسم يعقوب.
ـ وإنسانة ليه بقى بعد كل ده، بس مكنتش أعرف إنك شرسة أوي كده.
ضحكت أسيل بسخرية، ولكنها شعرت بغيرة في قلبها.
ـ جرب أنت بص بره ووقتها هتشوف الشراسة اللى بجد.
هز يعقوب رأسه بابتسامة.
ـ لا يا ستي أنا كده تمام أوي مش قد قلبتك.
ـ أيوه كده شاطر.
قالتها أسيل وهي تنظر في عينيه.
"""""""""""""""""
تأكد ثائر أنه لن يترك له مساحة للحديث مرة أخرى مع شيماء فقرر أن هذا الوقت المناسب لتحديد موعد لزيارة ناجي وطلب يد شيما.
ـ طيب إيه رأيكم أننا نروح كلنا نقعد معاهم عشان أنا عايز باباك في موضوع.
قال ثائر بصوت حازم، ولكن عينيه كانتا تتحدثان قصة أخرى، كانت عيناه تنظران لشيماء بحب.
وافقه عدي الرأي حتى ينتهي من تلك الوقفة.
ـ مافيش مشكلة ده رأيي برضه يلا بينا.
قال عدي وهو يمسك يد شيماء بلطف، وذهبوا وجلسوا برفقة الجميع.
تحدث ثائر فجأة، موجهاً حديثه لناجي.
ـ أستاذ ناجي أولًا مبروك مرة تانية على فرح يعقوب وأنسة أسيل بس أنا كنت حابب أجيلك الجمعة اللي بعد الفرح أنا وأهلي.
شعر ناجي بالفرحة، ولكن حاول إخفاءها.
ـ أهلاً وسهلاً هتنورنا طبعاً أنت وأهلك.
انتهت الزيارة وذهب الجميع لمنازلهم، وصل ناجي وأسرته لمنزلهم وصعدوا جميعاً لغرفهم، ولكن عدي أوقف شيماء للتحدث معها.
ـ شيماء استنى عايزك.
ـ خير يا عدي؟
ـ تعالي نقعد في جنينة شوية عايزك في موضوع مهم.
ـ حاضر.
خرج عدي وشيماء مرة أخرى وجلسوا في حديقة المنزل وبدأ عدي في الحديث.
ـ شيماء إنتى عارفه أنا بحبك إزاي وبثق فيكي على فكرة عشان كده عايز أسألك على حاجة.
ـ أكيد طبعاً يا عدي اسأل.
ـ إنتي وثائر في حاجة بينكم.
ـ مش بالظبط أوي زي ما أنت ما متخيل.
ـ طيب فهميني.
بدأت تقص شيماء لعدي ما حدث بينها وبين ثائر ومخاوفها وظل عدي يستمع لها محاولاً طمئنتها.
ـ بس يا سيدي هو ده كل اللي حصل هو بيحاول يقرب بس أنا خايفة يا عدي خايفة من أهله أو بعد فترة يعايرني بالماضي.
أمسك عدي كف شيماء ووضعها بين كفيه وقبلها.
ـ شيماء إنتي اسمك شيماء إيه؟
ـ شيماء ناجي.
ـ يعني اختنا من لحمنا ودمنا هل الكلام ده ممكن نادين تقوله أو تخاف منه؟
ـ لا عشان طنط سماح مش زي ماما نادين كملت تعليمها عاشت حياة مختلفة عندي طول عمرها عايشة وسطكم في حمايتكم.
ـ بغض النظر عن أي حاجة يا شيماء إنتي منا معروف مين عيلتك وأهلك محدش يقدر يقولك كلمة أو يقربلك وقتها شوفى أنا ويعقوب هنعملك فيه إيه عايزه تكملي تعليمك كملي وأنا معاكي وتكوني إنتي عايزة كده، مش عايزة إنتي حرة ده ما يقلش منك إنتي واحدة ناجحة وليكي حياتك وأي حد هيتشرف إنه يعرفك، الماضي اللي إنتي عشتيه ما يخصش حد غيرك وماتدييش فرصة حد يتكلم فيه أصلاً ولو حد ضايقك بكلمة رديها اتنين وتعالي احكيلي وأنا هجبلك حقك إنتي فاهمه.
أماءت شيماء رأسها بالموافقة واقتربت من عدي وضمته وبكت في حضنه.
ـ إنت أحن وأحلى إنسان في الدنيا دي بحالها أنا بحب حياتي يا عدي عشان إنت بقيت فيها.
ـ أنا برضو.
ـ آه إنت على فكرة إنت ونادين.
ـ وإنتي كمان يا شيماء أقرب واحدة لقلبي افتكري كده دايما.
""""""""""""""""
مرت الأيام سريعاً وانشغل الجميع في فرح يعقوب وأسيل.
في الشركة عند يعقوب قام بعمل دعاوى لجميع الموظفين ورجال الأعمال وقامت أسيل بإرسال دعوة لفتون وقام يعقوب بعزيمة أنس.
""""""""""""""""
في الشركة عند عدي قام باستدعاء سلسبيل واعطائها دعوات زفاف أخيه لترسلها لجميع العاملين في الشركة.
وأثناء حديثه مع سلسبيل اتت هند للشركة.
نظر عدي لهند ثم نظر لسلسبيل ولم يتحدث ترك دفة الحديث لسلسبيل.
قامت سلسبيل بسحب يد هند لخارج المكتب.
ـ إيه ده إنتي ماسكاني كده ليه إنتي مجنونة؟
ـ لا بس دي شركة محترمة والمفروض إنك تستأذني قبل ما تدخلي كده.
ـ وإنتي غيرانة ليه؟
ـ أنا مش غيرانة أنا بشوف شغلي اللي قالي عليه أستاذ عدي.
ـ وهو عدي قالك تطرديني وماتدخلنيش؟
ـ آه حاجة زي كده واتفضلي بقى.
ـ لا إنتي مش طبيعية يا عدي يا عدي.
وصارت تصرخ باسم عدي فخرج لها.
ـ عجبك اللي بيحصل ده أنا يتعمل فيا كده.
نظر عدي لسلسبيل وجدها تنظر له بترقب.
نظر مرة أخرى لهند وأكد حديث سلسبيل.
ـ آه يا هند ده شغلها وأنا اللي قولتلها مافيش أي حد يدخل غير بميعاد سابق.
ـ بقى كده يا عدي.
ثم تركته وذهبت بغضب.
نظر بعدها عدي لسلسبيل.
ـ تمام كده.
ـ إنت حر دي شركتك وإنت اللي قولتلي أعمل كده.
ـ آه طبعاً أنا اللي قولت آمال إيه.
المهم وزعتي الدعوات؟
ـ اه بعت مع الأوفيس بوي يوزعها.
ـ تمام هستناكي في الفرح إنتي والباقي.
ـ بإذن الله.
ربنا يسهل.
""""""""""""""""
في الفيلا.
كانت شيماء تهتم بأسيل من تجهيزات العروسة من ماسكات وصبغات وميكب وتركت أسيل شيماء تفعل بها ما تريد.
قرر يعقوب عمل الزفاف في الفيلا وبعدها سيسافر هو وأسيل لإحدى الدول الساحلية.
قامت شيماء بتحضير كل ما ستحتاجه أسيل إلى الفيلا وقررت تجهيزها بنفسها.
في غرفة أسيل كانت تجلس نادين وسماح وشيماء.
حاول يعقوب أكثر من مرة الدخول لأسيل لكنه قوبل بالرفض التام.
يعقوب:ـ افتحي يا ماما عايز أكلم أسيل هقولها حاجة مهمة وهخرج بسرعة.
ـ لا يا يعقوب وروح شوف بتعمل إيه.
ـ طيب أشوف الفستان وأتأكد إنه مش عريان.
تحدثت شيماء بمشاغبة.
ـ بعينك يا يعقوب لو شفت حاجة انسى.
ـ طيب أشوف الميكب.
ـ على فكرة إنت بتعطلني كده هنتأخر زيادة وهتبقى إنت السبب.
ـ طيب بصي بقى يا شيماء أنا مسلمك أسيل تسلمهالي أسيل أنا عارف شغل الميكب أرتيست ده وبتغيروا الشكل وكده أنا عايزك بقى ترجعيها زي ما أخدتيها يا إما تدخلينا معاكم.
ـ اطمني وامشي بقى عشان أكمل شغل يا أما هسيبها كده وهتتأخر زيادة.
ـ حاضر يا ستي حاضر همشي ربنا يستر.
خرج يعقوب وذهب للحديقة لاستقبال المعازيم وانشغل في الحديث معهم إلى أن تنتهي أسيل.
وأتى بعد ذلك ثائر وعائلته واستقبلهم ناجي وعدي وظل ناجي يجلس معهم ويتحدث معهم.
انتهت شيماء من تجهيز الجميع وقامت بعدها بتحضير نفسها للزفاف.
وذهبت سماح بعد ذلك لإبلاغ يعقوب بنزول أسيل وتجهيز الموسيقى الخاصة بحضورها.
كانت أسيل ترتدي فستان زفاف أبيض اللون مجسم على جسدها ويتسع من أسفل وكانت ترتدي طرحة طويلة بطول الفستان.
بينما نادين وشيماء ارتدوا فساتين أوف وايت بسيطة وكانوا متشابهين ويحملون نفس الملامح.
نزلت أسيل للحديقة وخلفها نادين ومن الجهة الأخرى شيماء.
بدأت موسيقى دخول العروس في العزف واتجهت الإضاءة وعيون الجميع لأعلى منتظرين ظهور العروس.
ظهرت أسيل بطلتها الملائكية، وخلفها شيماء ونادين.
كانت تتألق بفستانها الأبيض.
صعد والدها ومسك يدها، ونزل بها ببطء نحو يعقوب الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر.
كانت عيناه تلتقي بعينيها ونظرات العشق متبادلة.
عندما وصلت إليه، مد يده إليها وامسك يدها وقبلها برفق، ووضعها برفق على ذراعه.
ابتسمت أسيل له بخجل وذهبت معه.
علق ثائر نظراته على شيماء لم يرى في الحضور سواها كانت عيناه تتبعها هي فقط ولا شعورياً اقترب منها.
كانت شيماء ترى نظرات ثائر وتشعر بالخجل تذكرت حديث عدي لها وشعرت بشعور مختلف شعرت بالثقة بداخلها لأول مرة.
فهي قصت له الماضي وهو تقبل لم يبقى شيء لتخشى منه.
اقترب منها ثائر ووقف أمامها مانعها من الحركة.
ـ وقفت شيماء أمامه ونظرت له بثقة لاحظها ثائر.
ـ تعرفي إنك أحلى من العروسة.
ـ شكراً على المجاملة دي.
ـ بجد يا شيماء إنتي جميلة أوي انهاردة.
ـ عشان الميكب وكده يعني.
ـ لا إنتي من زمان حلوة بس انهارده حلوة بزيادة لدرجة إني عايز الفرح يخلص بسرعة، بقولك إيه مش عايزك تفضلي رايحة وجاية كتير انهاردة.
ـ ليه يعني؟
ـ عشان الفرح يعدي بسلام.
أثناء حديثهم اقترب منهم عدي مما جعل ثائر يشعر ببعض الضيق فعدي لم يعط فرصة لثائر بالتحدث مع شيماء بمفردهم.
ـ إزيك يا ثائر منور الفرح.
ـ الفرح منور بيكم يا عدي.
ـ عقبالك يا عدي.
ـ لما نفرح بيك إنت الأول، هستأذنك يا أستاذ ثائر محتاج شيماء عايز أعرفها على حد.
ثم أخذ شيما وذهب بها بعيداً.
ـ إيه يا عدي في إيه بتجرني كده ليه؟
ـ إنتي واقفة معاه وسايبة الفرح والمعازيم تعالي أعرفك على صحابي.
ـ البنات برضو؟
ـ لا منا خلاص بطلت.
ـ مش مصدقة استحالة، مين اللي عمل فيك كده؟
ـ لا ده موضوع طويل بس تقدرى تقولي إن إنتي ونادين من الأسباب دي.
ثم نظر خلف شيماء ووجد سلسبيل حضرت هي وبعض العاملين في الشركة جذب شيماء وذهب للعاملين وقام بتعريفهم على شيماء، وكانت نظراته معلقة على سلسبيل فلاول مرة يراها بتلك الثياب.