الفصل 31 | من 43 فصل

رواية خاطفي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شهد حسوب

المشاهدات
16
كلمة
1,068
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

كان جالساً في سيارته متكئاً برأسه على مقعد السيارة شارداً في سقفها، يتذكر جميع اللحظات التي مرت عليه مع عائلته السعيدة. يتذكر لحظات مشاكساته لأخته الصغيرة فينفعل عليه والده، يتذكر حينما كان يغار منها فيخبره أنها صغيرتهم المدللة، وأنه من الواجب عليه احتوائها وحمايتها وأن يترك الغيرة جانباً. يتذكر حينما كان يوصيه والده دائماً على أمه وأخته مردفاً أنه سندهم من بعده،

فما كان عليه أن يقول سوى: "بعد الشر عنك يا حج، ربنا يدومك لينا سند وضهر، أنا مستحيل أتخيل حياتنا من دونك." "ما تقولش كدا يا محمد، الموت علينا حق وأنا راح يجيلي يوم وتلاقيني مش موجود. مش عايزك تضعف، عايزك تقوي، أقوى بربك وصلاتك يا محمد. ولما تضيق بيك الدنيا فتش في دفاترك راح تلاقي نفسك مقصر مع ربنا، ارجع وتوب مهما تغلط." شعر بدمعة حارة سقطت على وجنتيه وهو يتذكر كلمات والده الذهبية، هاتفاً بصوت متحشرج مبحوح:

"حاضر يا والدي.. راح أكون لهم السند والضهر.. أوعدك إني راح أرجعلك حقك وحق أختي وأمي.." ثم هتف والدموع بدأت تزداد بحرقة أكثر: "أوعدك إني مش راح أسيب الصلاة في المسجد مهما حصل زي ما قولتلي.. أوعدك إني أتغلب على شيطاني وأقوم أصلي الفجر حاضر." ثم مسح دموعه بحرقة وألم:

"زمان كنت بتقولي بعد الفجر مافيش نوم يا محمد، صلي وشوف رزقك. دلوقتي ما جايليش نوم يا والدي. عيني مش بتشوف النوم من لما عرفت إنك سبتنا ومشيت. مشيت حتى من غير ما تسلم عليا يا والدي. مشيت قبل ما تحضني وتقولي حمدلله على السلامة يا محمد وحشتني.. كان نفسي أوي أترمي في حضنك وأشكيلك عن مرارة الغربة. كان نفسي أوي أقولك قد إيه ابنك راجل وكان بيتغلب على شهواته ويغض بصره رغم كم الإغراءات اللي كانت حواليه. ليه مشيت بسرعة يا بابا لييييييه؟

ابتلع غصة مريرة قبل أن يهتف بصوت متحشرج: "حاسس إني ضهري اتكسر.." ثم رفع يديه بوضعية الدعاء للأعلى بصوت منكسر ذليل لوجه الله تعالى وهو يدعو بنفس منكسرة وصوت شُرخ: "ياااارب قويني.. قويني على إني أرجع حق والدي واختي وأطفي النار اللي قايدة جوايا وجوا قلبي أمي." ما إن أنهى دعاءه حتى صدع صوت أذان الفجر معلناً عن بداية يوم جديد يحمل للكثير الكثير من الأحداث.

ترجل محمد من السيارة متوجهاً إلى المسجد كي يلبي نداء الله، ليصلي ويبث همه وحزنه إلى الله ويدعوه بأن يقف معه ويقويه ويثبت أقدامه أمام العدو. *** "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار." استيقظت من نومها فزعة من كابوس مرعب مقتبس من واقع مرير، جبينها يتصبب عرقاً، تأخذ أنفاسها بسرعة وبصعوبة مما جعل صدرها يعلو ويهبط بسرعة تدل على فزعها وهي تستند بكلتا يديها على الفراش.

في ذلك الوقت كان الأدهم عائداً من صلاة الفجر، من آخر حديث دار بينه وبينها والنوم لم يزر عينيه، شارداً يفكر فيما حدث في الأيام القليلة الماضية، الندم يجتله من الداخل على ما فعله بها. أحقاً لهذه الدرجة آذيتها وآذيت عائلة بأكملها دون أن أشعر؟ أحقاً لهذه الدرجة فقدت ما تبقى لدي من إنسانية مقابل التنافس التجاري؟

"يا الله أشعر وكأنني تائه بداخله دائرة مغلقة، لا أعلم ماذا يفترض عليّ أن أفعل، اهديني وردني إليك رداً جميلاً، وازرع حبي في قلبها كما زرعت حبها في قلبي. أعلم أنها لم تكره أحداً من قبلي مثلما تكرهني، ولكني أعلم أيضاً أنه ليس بعسير عليك." آخر ما كنت أتوقعه أني أحبها لهذا الحد.. أحب ابنة أكثر رجل سهرت الليالي للتفكير في كيفية تدميره، يا الله إنني تائه في وسط ظلام حالك يدمر جميع من يكمل الطريق بداخله.

بمجرد أن فتح الباب ودلف للداخل ازداد فزعها وتحول لصراخ عالٍ وهي تضع كلتا يديها على وجهها كي تخبئ عينيها من أثر الخوف. اقترب منها الأدهم سريعاً وهو يحاوطها بيديه ويتلو عليها بعض آيات القرآن الكريم حتى هدأت حركتها وانتظمت أنفاسها ساكنة بين ذراعيه. حينها علم أنها غاصت في نوم عميق مرة أخرى، فوضعها على وسادتها وهو يتأمل ملامح وجهها الشاحب من كثرة البكاء، يتمنى من داخله أن يكون القادم أفضل. *** "سبحان الله وبحمده."

كانت نائمة على أرضية المطبخ، من تحتها مرتبة صغيرة ومن فوقها ملاءة قطنية. شعرت وكأنه يوجد شخص آخر يشاركها المكان ويسلط نظره عليها. استفاقت فزعة وشعورها لم يخيب ظنه. فتحت بفزع وهي تستر نفسها بالفراش: "أبيه.. تؤ.. تؤمرني بحاجة يا أبية؟ كان جالساً على أحد مقاعد المطبخ وهو يسند بمعصميه على كلتا رجليه وينظر إليها نظرات غريبة افزعتها. أردف محمد بنظرات غامضة مريبة وهو يخرج الدواء من جيب بنطاله: "داه!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...