كانت نائمة على أرضية المطبخ، من تحتها مرتبة صغيرة ومن فوقها ملاءة قطنية. شعرت وكأنه يوجد شخص آخر يشاركها المكان ويسلط نظره عليها. استفاقت فزعة، وشعورها لم يخيب ظنها. فتحتية بفزع وهي تستر نفسها بالفراش: -أبيه.. تؤ.. تؤمرني بحاجة يا أبية؟ كان جالساً على أحد مقاعد المطبخ وهو يسند بمعصميه على كلتا رجليه وينظر إليها نظرات غريبة افزعتها. أردف محمد بنظرات غامضة مريبة وهو يخرج الدواء من جيب بنطاله: -دة. اردفت فتحية والخوف
قد تمكن من جسدها باكمله: -دا.. دا دا.. دا الدوا بتاع الباشا أحمد الله يرحمه. هتف محمد وهو يحاول الهدوء: -الله يرحمه.. الاه قوليلي يا فتحية مش انتي اللي كنت بتجيبي الدوا برضو؟ اردفت فتحيه بصوت مرتبك خائف: -هاه.. لا لا يا أبية دا انا كنت بدي الفلوس للحراس وهما بيجيبوه. محمد: -بس انا سألتهم واحد واحد قالولي أنهم عمرهم في حياتهم ماجابوا دوا للباشا. وانه خروجاتك كانت كتيرة الفترة اللي فاتت. اردفت فتحية بذعر وربكة:
-ك.. كدابين يا أبية. فقاطعها هو يجمع بيديه هاتفاً: -كلهم! فتحة: -..... فقاطعها محمد قبل أن تتحدث، هو يجذبها من حجابها بقوة ويخرج جواله ويفتح إليها مكالمة فيديو ويريها هاتفاً بنظرات يملؤها الغل والخبث: -مش دول بنات حضرتك برضو؟ اردفت فتحية، الخوف قد تمكن من كامل جسدها على قاروراتها حينما رأت بناتها خائفين والكبيرة تحتضن الصغيرة وهي تبكي بخوف من تلك الأجسام الضخمة التي تحيط بالغرفة. -أبية...
أبية.. الا بناتي يا بية.. ابوهم ميت ويتامي وانا ماليش غيرهم. محمد وهو يتصنع الأسى والشفقة على حالها: -سمعت انك راح تجوزي بنتك الكبيرة فيهم.. مش عندها ١٧ سنة برضو.. صغيرة. ثم أكمل حديثه وهو ينظر إلى عينيها بشرار كاد أن يحرقها: -تحبي بقا اخلي رجالتي يعلمولك على الكبيرة اللي فرحها كمان كام شهر ولا الصغيرة اللي لسا في اعدادي؟ فمالت على يديه تقبلهما برجاء ودموع حارقة خشية من أن يصيب بناتها مكروه يوصمهن
بالعار إلى مدى الحياة: -ابوس ايديك يا بية بلاش بناتي.. انا ماليش غيرهم.. دول ولاية وانتا عندك ولاية برضو. سحب محمد يدها من يدها بعنف واشمئزاز منها هاتفاً بسخرية وغل دفين: -ولاية! كانت فين الولاية اللي عندك دي وانتي بقتلي والدي بالبطيئ وهو معاه ولاية برضو. هتفت فتحية بذعر تملك جسدها: -يا بيه ان...
لم تكمل حديثها حيث أن سقطت صفعة قوية على وجهها مما تسببت في خيط من الدماء يسير من جانب فمها. لم تستفق من الأولى حتى تلقت الثانية بعنف وغل دفين، من ثم جذبها من حجابها بقوة وهو يتحدث بهدوء أرعبها فوق الرعب رعباً. محمد: -مين اللي زقكك علينا يا بت. اردفت فتحية بخوف من نبرته: -والله يا باشا... لم تكمل حديثها فنزلت صفعة أخرى على وجهها أسقطتها أرضاً، ثم جذبها بقوة وهو يتحدث بهدوء أكثر من قبل: -مين اللي زقكك علينا. فتحة:
-يا بية.. فتركها وجذب هاتفه موجهاً حديثه لأحد رجالاته: -نفذ يا بني. "ثم نظر إليها بمكر" -واتوصى بالكبيرة اشويتين. هنا فزعت فتحية حينما سمعت صوت صراخ بناتها مستنجدات بها: -حقول يا بية.. حقول والله بس بلاش بناتي ابوس ايديك. هتفت الأخيرة وهي تبكي بمرارة راكعة تتوسله بذلة. هتف محمد بابتسامة انتصار: -حلو اوي.. رسيني. فتحة: -أسر بية. تحدث محمد بغضب أعمى عينيه: -انتي حتنقطيني يا بت.. قولي واخلصي. اردفت فتحية بذعر من صراخه:
-حاضر يا أبية حقول والله.. أسر عادل نصار. هتف محمد بهدوء: -حلو اوي قوليلي بقا حصل اي بالتفصيل. فتحة وهي تتذكر أول مقابلة لها به:
"كنت في السوق بجيب اشوية طلبات للست سعاد.. انا ومروحة لقيت عربية سودة كبيرة وقفت قدامي ونزل منها واحد في سنك كدا ونفس جسمك.. قالي أنه عاوز مني خدمة صغيرة وطلعلي قزازة دوا من اللي حضرتك جايبها دي.. وقالي أنه بمجرد ما الدوا بتاعه يخلص انتي اللي تجيبيله الدوا وتديله الدوا دا.. انا خفت وشكيت أنه فيه حاجة ورفضت بس هو طلعلي رزمة فلوس واغراني بيهم وقالي كل لما انفذ طلباته راح يديني قدهم واكتر منهم كمان.. فرحت وقولت فرصة
اجوز بنتي وافتح مشروع صغير جنب بيتي وما احتاجش للشغل في بيوت الناس تاني ولا ابعد عن بناتي.. والحظ وقف في صفي اما الحجة سعاد هيا بنفسها اللي كانت بتناديني عشان اجيب الدوا.. بس بعد مانفذتله اللي عايزه مارضيش يديني فلوس تاني واتخانق معايا وقفل السكة في وشي"
نظر إليها محمد باشمئزاز واستحقار هاتفاً بغل: -كلبة فلوس. فلم تجرؤ على أن ترفع عينيها مقابل عينيه هاتفة: -وزة شيطان.. بس والله ي... فقاطعها صارخاً بها بحدة هزت أوصالها وقد برزت عروقه واحمرت عيناه من شدة الغضب والقهر:
-انتوا الشياطين نفسها.. انتي عارفه بجشعك عملتي اي.. قتلتي ابويا.. اللي بحلم باليوم اللي ارجع فيه بلدي عشان اجري على حضنه.. قتلتي سندي وضهري.. فرحتي في الحياة.. انتي ازاي ام.. ورحمة ابويا لاوريكم النجوم في عز الضهر.. انا راح اخليكم تتمنوا الموت ولا تطولوه حتي.
ثم جذبها من شعرها وجرها خلفه بعنف دون رحمة وهي تتجاهله أن يرحمها، حتى وصل بها إلى غرفة المخزن المنعزلة عن الفيلا وركلها بداخلها بعنف وسط الحشرات والأثاث القديم ثم أغلق عليها الباب جيداً بالقفل وأعطاه للحارس قائلاً بغضب دفين وعينان احمرتان من شدة الغضب: -كل يوم واجبة واحدة بس.. ولو سمعتوا صوتها قوموا معاها بالواجب ولو هربت او حصل أي غلطة مش راح يكفيني عمرك سااااامع. صاح بكلمته الأخيرة فهتف الحارس بعملية:
-سامع يا فندم. فتركه وذهب وهو لا ينوي لهم بالخير إطلاقاً. استيقظت رغدة على صوت هادئ يتلو بعض آيات القرآن الكريم، بث في قلبها بعض الأمان. لا تعلم لماذا تذكرت والدها وظنت أنه هو من يتلو القرآن. اعتدلت من نومها وأخذت تنظر إلى أرجاء الغرفة تتذكر ماذا حدث، لحظة، اثنان، ثلاثة، اختطاف، خوف، ذعر، اعتداء، شماتة، موت، من ثم عزاء ودفنه، وها هو مدمر حياتها يجلس على سجادته ويتلو القرآن. كيف له هذا!
كيف يخطف ويعتدي ويتسبب في قهر أحدهم حتى الموت إذا ما كان هو قاتله بيده عمداً وها هو يجلس على سجادته مثل الملاك! كيف له هذا! كيف له بأن يقتل بلا رحمة وبعدما يقف في العزاء يتقمص شخصية الطيوب المقرب من ربه! ألم يخجل! ألم يخجل من خالقه على ما يفعله بالبشر! كم أكرهك أيها الأدهم! وسأظل أكرهك إلى آخر نفس تزفره أنفي.
تقدمت منه بضع خطوات وهي تنظر إليه دون أي تعبير يعبر عن حالتها، جلست بجانب الشرفة وهي تضم قدميها إلى صدرها ولم تنزل عينيها من عليه مما أثار استغرابه قليلاً. هتف الأدهم باستغراب من نظراتها: -صباح الخير يا رغدة. لم يجد منها أي رد فعل، قدر موقفها قائلاً: -يلا قومي خديلك حمام دافئ وصلي عشان الفجر النهاردة فاتك ويلا عشان تفطري.
لم ترد عليه بل أشاحت بوجهها عنه ناظرة إلى الجنينة متأملة المنظر وهي شاردة تتذكر جميع لحظاتها الجميلة مع والدها، عقلها لم يستوعب حتى الآن أنها لن تراه مرة أخرى.
كانت صغيرته المدللة، كانت تحلم باليوم الذي ستتحرر به من سجن الأدهم وتركض إلى حضنه معتذرة منه على جميع ما بدر منها، كانت تنتظر اللحظة التي ستجمع بها شمل العائلة الصغيرة مرة أخرى في حديقة المنزل الهادئة مع بعض ثمار الفاكهة وحبة الفشار والحديث الجميل والذكريات الأجمل بصحبة الضحكات العالية من القلب ومشاكسات محمد لها مع إلقائه لبعض النكات والتنمر عليها كي يثير استفزازها. يا إلهي!
فقد دموعي تحجرت بداخل عيني، لم أستطع البكاء، أشعر وكأنني اختنق، أشعر بأشياء ضخمة تحتبس بداخل صدري تكاد أن تفتك به، أشعر وكأنه يضيق، يضيق، يضيق. دموعي متحجرة، عيني متصلبة، جسدي متهالك، عقلي لا يستوعب فراق أبي. لازالت هناك أحلام لم أحققها بعد. بداخلي الكثير من الهموم والأحزان لم أبوح بها لوالدي كي يخفف عني ثقلها ويأمرني بالصلاة وقراءة القرآن وكل شيء سيكون على ما يرام.
ذهبت قبل أن تخفف عني أحزاني، بل زدت الحزن أحزان أخرى يا أبي. آخر ما كنت أتوقعه تركك لي وأنا بهذه الحالة ومع ذلك الشخص! تركتني وسط أعدائك يا أبي وأنت أكثر من تعلم كم ابنتك ضعيفة عن المواجهة. لازلت مثل القطة الصغيرة التي لم تفتح عينيها على الحياة بعد.
كنت أنت عيني وأذني والأكسجين الذي ينعشني حينما تضيق بي الدنيا، وأيضاً قلبي. ذهبت وذهبت بهجة كل شيء، أشعر وكأن الدنيا فارغة من البشر، الأحباب، الأصدقاء، الأهل، وكذلك الحياة.
استفاقت من شردها على همس الأدهم بأذنها ببعض الكلمات التي لم تفقه لها شيئاً، بل ولم تسمعها من الأساس، وهو يسحبها ببطء إلى داخل المرحاض كالطفلة الصغيرة التائهة، بعدما وضع لها ملابسها وجميع ما تحتاج إليه استعداداً للاستحمام من ثم الصلاة، لعلها تستفيق من تلك الصدمة التي استولت على عقلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!