انتهت ريهام إعداد الطعام وصعدت به إلى الغرفة التي تقبع بها رغدة. توقفت أمام الباب قليلاً تأخذ نفساً عميقاً قبل أن تدلف إلى الغرفة بهدوء. لكنها صُدمت حينما فتحت الباب ورأت رغدة وهي تحاول أن تقفز من الشرفة باستخدام حبل صنعته عن طريق الملاءات وبعض الملابس. ما إن رأتها ريهام حتى أغلقت الباب خلفها بسرعة خوفاً من أن يراها أحد أو تسرع الأخرى بالهروب. ركضت نحوها سريعاً قبل أن تقفز وتزيد الأمر بؤساً.
أمسكت بها ريهام وهي تحاول أن تجذبها إلى الداخل كي لا يراها أحد من الحرس ويخبر أدهم بشأنها. وقتها لن يمررها أدهم على خير. "سيبيني.. سيبيني بالله عليكي أنا تعبت.. تعبت.. تعبت. مافيش بني آدمة تتحمل اللي أنا فيه ده. خطف وجواز غصب ورعبببب.. أنا عايشة في رعب. أنا بقيت خايفة أتكلم كلمة يعاقبني عليها أو يأذي بابا وماما." صرخت رغدة وهي تحاول الإفلات منها بانهيار، وكلمتها الأخيرة تخرج ببكاء لازع ودموع حارقة تخرج من صدر متألم.
"متتسرعيش يا رغدة. صدقيني لو هربتي لأدهم راح يجيبك. دا لو عرفتي تطلعي من الفيلا أصلاً. غير كدا تنسيش أنتِ حرم أدهم بيه نصار. يعني والله ما في حد راح يعرف يساعدك ولا يقدر يساعدك منه." أردفت ريهام بعنفوان. "أعمل إيه.. أعمل إيه.. أنا خايفة منه أوي. أروح فين وأجي منين بس ياربي." رددت رغدة ببكاء. "الجأي لربنا. ما فيش غيره هو اللي راح يقدر يساعدك ويحررك من الجحيم ده." أجابتها الأخرى بهدوء واثق.
"حاضر. راح أتوضى وأصلي وأقرأ وردي من القرآن عشان أنا اليومين دول مقصرة في حق ربنا أوي.. بس غصب عني والله." هتفت رغدة بعد أن هدأت قليلاً. "ربنا ابتلاكي عشان بيحبك وبيحبك يا رغدة صدقيني.. وإلا ماكنتش ابتلاكي وبعتلك باللي يفكرك أنه في رب بيحمينا وبينقذنا من الدنيا القاسية دي.. والمفروض أننا نلجأله لما نكون زعلانين." ربتت ريهام على كتفها بحنان.
"فعلاً عندك حق يا ريهام.. أنا بحب ربنا أوي أوي أوي.. لولا ربنا كان زماني انتحرت من زمان." قالت رغدة والدموع تنهمر من عينيها. "بعد الشر عليكي متقوليش كدا. فكري في آخرتك وربك وأحبابك.. على الأقل فكري فيا أنا يا رغدة." عنفتها ريهام. فنظرت إليها رغدة بعينين لامعتين بالدموع، ولم تجد ما يوصف مدى سعادتها سوى أن احتضنتها وظلت تبكي بين ذراعيها تارة للمأساة التي تعيشها وتارة أخرى لتلك الوردة البيضاء وسط حديقة الأشواك.
"صحيح أنا لسه عارفاكي امبارح بس قلبي مرتاحلك جداً وحاسة إنك أنتِ بنت حلال وإن شاء الله توبة أدهم راح تكون على إيدك بس اصبري." ظلت تربت على ظهرها بحنان. "يارب." ابتعدت عنها رغدة قليلاً. "بعدين جري إيه يابت أنتِ هو إحنا راح ننحنح كدا كتير. قومي يا بت أنا جعانة. اللاه.. استغفر الله العظيم." قالت ريهام بلهجة مرحة كي تخفف عنها قليلاً. "بس أنا حقيقي ماليش نفس الأكل خالص يا ريهام." تبسمت رغدة رغماً عنها.
"طب إيه رأيك أنا راح أهدد حياتي بالخطر وأقعد آكل معاكي بس أوعي تقولي لأدهم بعد ما يجي لاحسن يطلقني ويشرد عيالي.. آه يا أختي كأني مكسورة الجناح." أردفت الأخرى بمرح وهي تتصنع التأثر والحزن. لم تستطع رغدة كتم الضحك، فظلت تضحك حتى تقدمت ريهام منها بحامل الطعام ثم جلسن على الأرض واتخذتا وضعية "ربعوا رجليهم يعني 😂". وشرعتا في تناول الطعام مع القليل من مزاح ريهام ومشاكساتها الطفولية حتى انتهين من الطعام.
"ياااااه أول مرة آكل كدا وأملي بطني كويس من لما اتولدت في البيت الكئيب ده. بس شهادة حق كنت أحياناً أتفق مع البت أميرة ونعمل نفسنا نايمين ونتأخر في النزول عشان ماناكلش معاهم ونروح في الجنينة الخلفية ونقعد نفس القعدة على الأرض ونأكل أنا وهيا وعلي." هتفت ريهام وهي تضع يدها على بطنها وكأن لديها كرش. "بجدد.. هيا أميرة دي أختك التانية؟ اردفت رغدة بمرح، وقد تناست حزنها قليلاً. "لا أميرة دي مرات أسر أخويا وعلي ابنها."
فأردفت الأخري. "وياترى بقى أميرة دي طيبة زيك ولا الشريرة في رواية أحدهم؟ اردفت رغدة بمرح. "لا لا لا ماتقلقيش.. أميرة دي تتحط على الجرح تطيب.. اسمعي مني.. بس رغاااااااااية من هنا للسنة الجاية." قهقهت ريهام على برائتها في الحديث. "شوقتيني أتعرف عليها." ضحكة صغيرة خرجت من ثغرها هاتفة وهي تضم كفة يدها إلى الكفة الأخرى بوضعية التصفيق هاتفة بحماس. "أنتِ بس اسمعي الكلام وخليكي مطيعة لأدهم وهو راح يرفع عنك الحظر صدقيني."
اردفت ريهام بهدوء وابتسامة صغيرة. "الحظر! .. هو أنتِ ليه يا بنتي محسساني إني عندي كورونا." فهتفت رغدة بضحكة صغيرة بجمالها المتواضع كأي فتاة بسيطة، رقيقة، هادئة. "يالهوي.. عندك كورونا وسايباني أطفح معاكي كدا عادي." اردفت ريهام وهي تتصنع الصدمة والفزع. "ههههههههههه يخرب بيت عقلك فصلااان." قهقهت رغدة قهقهة صغيرة رغماً عنها من تلك المشاكسة. "يا شيخة اضحكي محدش واخد منها حاجة." هتفت ريهام وهي تشيح بيدها في الهواء.
"على رأيك." اردفت الأخري بهدوء. "يالهوي يا رغدة عدى ساعتين وأنا معاكي هنا.. أدهم قالي أطلعلك الأكل وأنزل على طول.. دا حتى محذرني أدخل الأوضة." نظرت ريهام إلى ساعة يدها بصدمة. "ياربي.. يعني هو ممكن يشوفك أنتِ ونازلة.. أنا السبب أنا السبب." قالت الأخري بخوف على صديقتها الجديدة.
"لا لا لا هو في الشركة طلع بدري النهاردة.. أنا راح أنزل براحة من غير ما أسر ولا بابا ولا الخدم يشوفوني عشان ما يبلغوش أدهم وتكون مصيبة. + أنه حتى لو عرف أنا راح أكلمه بهدوء وأقوله إني كنت زهقانة عشان كدا قعدت معاكي وإني مش راح أكررها تاني." هتفت ريهام بابتسامة صغيرة محاولة طمأنتها. "يالهوي يا ريهام أنا آسفة والله... قالت رغدة.
"آسفة على إيه يا غبية بالعكس أنا مبسوطة جداً إني جيت قعدت معاكي وإن شاء الله راح تتكرر كل يوم." فقاطعتها ريهام قائلة. "إن شاء الله يلا عشان تلحقي تنزلي." رغدة بهدوء وهي تتجه معها ناحية الباب خائفة من أن يكشف أدهم أمرهما. ثم خرجت ريهام وأغلقت الباب خلفها بإحكام على رغدة، موصدة إياه بالمفتاح كما أمرها أدهم. في الشركة دلف أدهم إلى الشركة فقام الجميع احتراماً له ومؤدين التحية الصباحية على مديرهم حتى دلف إلى مكتبه.
بعدما دلف طلب السكرتيرة الخاصة به من الهاتف، مر القليل من الوقت حتى سمع صوت طرقات خفيفة من ثم شقت هدوء المكتب بصوت طرقات حذائها المزعج على الأرض. "صباح الخير أدهم بيه." هتفت السكرتيرة بعملية. "هاتلي كل الأوراق بتاعت الشركة وكل أوراق الصفقات اللي تمت واللي راح تتم فيما بعد ونبهي على كل الموظفين إنه غلطة واحدة بس مش عاوز.. وإلا ملوش شغل عندنا هنا فااااهمة. انصرفي." أردف أدهم دون النظر إليها. "تمام يا فندم."
هتفت السكرتيرة بخوف من نبرته. "ما أبقاش أدهم نصار إن ما رجعت الشركة دي أحسن من الأول ودمرتك يا أحمد يا طوخي." ثم ضرب بقبضته على المكتب بعنف. دلت سعاد إلى الغرفة فوجدته مسطحاً على الفراش واضعاً مرفقه على جبينه شارداً في اللاشئ. جلست بجانبه وهي تنظر إليه بأسى على ما حل به بل بهم. أخذت نفساً عميقاً أنعش رئتيها قبل أن تهتف: "راح تفضل قافل على نفسك كدا كتير؟
"أعمل إيه ياسعاد.. بنتي كانت بتستغيث بيا وماقدرتش أغيثها.. أول مرة أحس بالعجز كدا رغم كل قوايا." أردف أحمد دون النظر إليها. "ربنا المغيث يا أحمد.. ربنا معاها ومستحيل يسيبها.. ماتنساش إنك مربي بنتك على حب ربنا وتقرب منه وقت الضعف.. وأنا واثقة فيها وإنه مهما تعرضت للأذى والخوف، ربنا مش راح يسيبها وراح يحرسها بعينه التي لا نراها.. ثق بالله وتوكل عليه." سعاد مربتة على كتفه بحنان.
نظر إليه أحمد وقد لمعت عينيه لمجرد ذكرها بأن الله معهم فماذا يريد بعد! "ونعم بالله يا سعاد." "مصيره يعرف.. بس إحنا لازم ناخد بالأسباب وما نعرفهوش دلوقتي حد أما يرجع لوحده ووقتها يحلها الحلال." صمت قليلاً قبل أن يهتف، ثم أردفت سعاد بهدوء وهي تهز رأسها يميناً ويساراً بمعني أنه لا مفر. "يااااارب." أردف الآخر من أعماق قلبه.
"يلا قوم خدلك حمام دافئ كدا وانزل شركتك.. هما عملوا كدا عشان يشغلوك ببنتك عنها وينزلونا من سابع سما لسابع أرض." استقامت في جلستها ثم تحدثت بجدية. "بس... أردف أحمد بقلة حيلة فهو ليس لديه طاقة لأي شيء، نظرات فتاته المستغيثة بضعف كانت كفيلة بأن تفقد شغفه عن كل شيء. "مابسش يا أحمد.. اسمع مني.. عمرك استشرتني في حاجة وطلعت غلط؟ دي غاية عيلة نصار.. وأنت مش راح تناولهالهم."
أردفت سعاد بجدية فهي تعلم جيداً متى تحزن وتنصب الصوان ومتى تقف على قدميها لتكون حائطاً يستند عليه رجالها. "فعلاً عندك حق." هتف أحمد بقلة حيلة. "يبقى تسمع مني وأعمل اللي راح أقولك عليه.. وأهم حاجة ماننساش ربنا عشان ماينسانااش.. تمام؟ سعاد بثقة. "تمام."
أحمد: تمام. تفوه بها وهو ينهض من على الفراش كي يستعد للنزول للشركة مرة أخرى وإدارتها حتى يحافظ على مكانتها واسمها في السوق، ولا ولن يسمح لعائلة نصار الدنو من مكانة الشركة، ونسيبته لقارورته فهو يمتلك الكثير والكثير من الخطط لإرجاعها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!