الفصل 37 | من 43 فصل

رواية خاطفي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم شهد حسوب

المشاهدات
18
كلمة
2,095
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

"أحقاً تراني قاتل؟ "أروي.. امتى آخر مرة كلمتي فيها أمك وقالتلك إيه؟ نظرت إليها الأخرى بأعين دامعة. جلست سعاد على المقعد المقابل لهما هاتفة بغضب وتهديد. بعد ما رأت من ردود أفعال من ابنها، يبدو أن هناك سر كبير لا تعلمه وحان وقت المصارحة بكل شيء. أكملت سعاد وهي تضيق عينيها بشك: "وماتحاوليش إنك تكدبي وتخبيها، عشان شكله كده أمك قعدت في شر أعمالها وإنتوا راح تحصلوها قريب أوي." ردت الأخيرة

بصوت متقطع من كثرة بكائها: "والله.. والله يا طنط.. ماما.. ماما مش بتكلمنا على طول. مابتكلمناش غير للضرورة بس." "امتى آخر مكالمة؟ "تقريباً قبل موت أحمد بيه بأسبوع." ردت سعاد بصدمة: "بأسبوع؟ "أيوة والله يا طنط.. صدقيني أنا ماعرفش عن ماما حاجة." "طب ما لاحظتيش عنها حاجات غريبة آخر فترة؟ ردت الفتاة بتذكر: "آخر فترة؟ "أيوا."

"امممم.. مش عارفة.. بس آخر مرة جات البيت كانت جايبة معاها أكل كتير وفاكهة، أنا استغربت ولما سألتها قالتلي إنه فيه بيه كبير اداها الفلوس دي مقابل شغل إضافي." "شغل إضافي؟ "اممم." ردت سعاد بريبة: "شغل إيه اللي إضافي ده؟ وفتحية أصلاً ماكانتش بتسيب البيت غير لما تروّزكم يومين وترجع." "ماعرفش حضرتك.. كل اللي أعرفه إنه البيه ده طلب منها حاجة وهي نفذتها.. أنا سمعتها مرة بتكلمه في الفون وبتقوله تقريباً ااااااااء."

ردت سعاد بلهفة: "هاه." أردفت الأخيرة محاولة التذكر: "تقريباً كده بتقوله: 'لسه ماجاش المعاد'، أو 'لسه الدوا ماخلصش'، حاجة زي كده.. مش فاكرة عشان بمجرد ما شفتني قفلت الفون وقعدت تزعق فيا." ردت سعاد بتفكر: "دوا ومعاد؟ "ده كل اللي أعرفه حضرتك." "تمام يابنتي تقدري تروحي دلوقتي ولما أوصل لحاجة راح أبلغكم." أردفت الصغيرة بأعين تلمع بالدموع: "راح ترجعيلنا ماما يا طنط؟ احتضنتها سعاد بحنانها الفطري: "أوعدك أحاول يا حبيبتي."

ثم تركتهم ودلفت إلى غرفتها وخرجت بمظروف صغير يحتوي على بعض الأموال قدمته لأروي هاتفة: "خلي دول معاكي ولو حصلت أي مشكلة كلميني على طول." أعادته إليها أروي، فبعد ما قاله محمد في حقها من تجريح لكرامتها يمنعها من أخذه. "لا شكراً يا طنط.. ستر ربنا موجود." "خدي الفلوس يا أروي مالكيش دعوة بكلام محمد.. ابني لما بيتعصب بيهبب الدنيا كلها.. بس هو أكيد أمك عملت حاجة كبيرة إحنا مش عارفينها."

"ربنا يستر يا طنط.. شكله كده إحنا اللي راح نتأخد في الرجلين بسبب أفعالها." فردت سعاد بأمل وهي تضع المظروف في يدها مرة أخرى: "خير إن شاء الله.. من غير ولا كلمة يلا عشان أخلي ياسين يوصلكم لحد البيت." "يا طنط كده كتي... فقاطعتها سعاد قبل أن تتفوه بأي كلمة أخرى: "خلاص بقى."

مازالت جالسة على الأرضية تضم قدميها إلى صدرها شاردة أمامها بعدما كفت دموعها عن البكاء، عقلها يذهب هنا وهناك يفكر في هذا وفي ذاك، شردت في أشياء كثيرة، حتى توقف عقلها عند تذكرها للأدهم ففرت دمعة هاربة من عينيها. فما حدث معها في الفترة الأخيرة فوق طاقتها، فهي بطبعها ضعيفة وتميل إلى الوحدة والهدوء. من أين أتت إليها تلك المصائب ساقطة فوق رأسها، تكاد أن تهشمه من فرط الألم.

نهضت رغدة من مجلسها ثم استنشقت نفساً عميقاً زفرته براحة، ثم أخذت تقلب ببصرها في أنحاء الغرفة تفكر ماذا تفعل وبما تبدأ، حتى وقع بصرها على تلك الطاولة الصغيرة التي تحمل بعض المأكولات الشهية، لدي معدتها التي تضور من كثرة الجوع. نظرت إليها قليلاً بتفكر... فهي كأي أنثى حينما يحين موعد النكد يجب علينا الابتعاد عن الطعام كي نوثق للحظة، فهل تكمل مسيرة التوثيق؟ أم تنسحب وتستسلم لرغبة معدتها؟

بالطبع تستسلم، فمن منا يستطيع أن يواجه معدته؟ اللعنة عضو أحمق يفرض سيطرته على الكبير قبل الصغير، رشيق كنت أم سمين، فهي لم تتوقف على أحد، بل الجميع يتوقف عليها. ذهبت رغدة إلى الطاولة جالسة بهدوء، ملتقطة بعض اللقيمات تلكها في فمها، بدايتاً شعرت ببعض المرارة في الطعام، ربما من كثرة البكاء؟

انتهت رغدة من تناولها للطعام ثم ارتشفت بعض السنتيمترات من كوب العصير الموضوع معهم، ثم تمضمضت وصلت قيامها مناجية ربها بأن يفك كربها ويدلها إلى طريق الصواب. بالطبع لم يخلو دعائها من بعض البكاء، فما تحمله بصدرها ليس هين. ثم قرأت وردتها القرآن وخلدت في مضجعها مرددة أذكار النوم، ثم ظلت تستغفر ربها حتى ذهبت في سبات عميق.

في طريق طويل يتميز بلونه الأزرق الداكن وعلى الجانبين أراضي زراعية تتراقص فيها الأشجار والنخيل كأنها تداعب الهواء الطلق العليل، مع السماء الصافية وكأنها تؤنس وحيدها وصديقها الذي كلما ضاقت به الدنيا جلس في مجلسه هذا أمامه سيارته يستنشق أنفاسه بعمق كمن يريد أن ينعش رئتيه بالهواء النقي وكأنه يعيش اللحظة. يتذكر كلماتها كلمة كلمة، فكيف له أن ينسى منهم كلمة وهي تتهمه بمقتل والدها! "أحقاً تراني قاتل؟ "ومن؟ "حمايا؟

اعترف أني كنت.. أكن له بعض المشاعر الغاضبة التنافسية، ولكن من زرع هذه المشاعر ليس سوى والدي. أنه بات الشمّاعة التي أضع عليها جميع أخطائي. ولما لا؟ فهو الشمّاعة الحقيقة، من غيره غرس بداخلي روح التنافس لهذا الرجل! ولكنني ما كنت أعلم أنه يريد أن يتخلص منه للأبد، فقط وفقط، كنت سأكتفي بزواجي من ابنته كي يصبح تحت طوعي فقط، لكنني لم أفكر للحظة أنهم ينويان على القتل! "لحظة! قتل! "معقول؟

"معقول أن يكون والدي وأسر لديه علاقة بقتل حماي! "مستحيل! "ولكن الطبيب أخبرنا بأنه فارق الحياة بسكتة قلبية! "ولما لا! "من المحتمل أن يكون حديث الأخرى صحيح؟ "يحب عليّ التأكد أولاً... ولكن كيف؟ "كيف أفعلها ومن أين أذهب؟ "ولكن مهلاً! ماذا إن كان حديثها صحيح! "هل سأسجن والدي وأخي بيدي؟ "يا إلهي ما هذا الامتحان العصيب! "ماذا أفعل! "دلني للصواب يا الله، إنني تائه فلا تضيعني."

ثم مسح على وجهه بكفي يديه بزهق من كثرة التفكير وصعد إلى سيارته مستقلاً إياها إلى المنزل. دلف الأدهم إلى غرفته فوجدها معتمة لا ينيرها سوى القمر الذي يضحك لهما من النافذة، وكأنهم يطمئنها ويشاركونهم أجواء الليل الكئيبة.

استلقى الأدهم على الفراش بتعب بعدما خلع ملابسه وسرعان ما ذهب في نوم عميق هو الآخر دون أن تشعر به تلك المسكينة، فيبدو أنها تصارع كابوساً ما، أرجو من الله أن يحررها من ذلك الشيطان الغليظ لكي لا يلتقيان مرة أخرى.. الليل فقط.. فما زالت الدماء مشتعلة. قارب أذان الفجر على الأذان ولم يأت محمد بعد.

كانت جالسة في غرفتها ممسكة مصحفها بيد وتتلو القرآن على مقعدها المريح، وباليد الأخرى ممسكة بهاتفها النقال تنتظر ابنها وفلذة كبدها بأن يرد على اتصالاتها المتكررة ولكن بلا جدوى!

صدع صوت أذان الفجر في أنحاء المدينة بصوته الهادئ الذي يبعث في أرواح المؤمنين روح الدعاء بكثرة، فكلانا يفضل الدعاء حين ذاك، إنه وقت يحضر فيه الملائكة، لعلهم يدعون الله معنا فتستجاب الدعوة، فهم لديهم ألسنة لم تنطق ما يغضب الله، دعاؤهم مستجاب بإذنه. دعت ربها كثيراً بأن يحفظ لها أبناءها ويرحم زوجها ويجمعها معه في الفردوس الأعلى من الجنة.

ثم نهضت من مقعدها متوجهة نحو سجادتها لتقم فرضها وتقرأ أذكارها إلى حين يأتي ابنها، ولكنه لم يفعل. أنهت صلاتها وظلت تردد أذكارها في شرفة المنزل مرتقبة سيارته ولكنها لم تأت حتى شروق نور الصباح. غفت رغماً عنها على مقعدها بداخل الشرفة وهي تنتظره حتى استيقظت على صوت سيارته تدلف إلى بهو المنزل. وضعت هاتفها في جيب عباءتها وخرجت من غرفتها راكضة نحوه، فوجدته يصعد السلم متوجهاً نحو غرفته بتعب. "محمد." توقف محمد عن السير ناظراً

إليها بتعب: "ماما ارجوكي اجلي أي حاجة لما أصحى، حقيقي مرهق جامد." "كنت فين يا محمد طول الليل وليه ماجيتش نمت في البيت؟ ثم ضيقت عينيها هاتفة بشك: "خايف أضغط عليك وأعرف حقيقة فتحية." هتف محمد يزهق وهو يدلف إلى غرفته بإرهاق: "ماما ارجوكي تعباااان ومش فايق بتاتاً." دلفت سعاد خلفه بغضب، بينما هاتفها يستمر بالرنين بإزعاج: "محمد أنا عاوزة أعرف الحقيقة.. إيه اللي مخبيه عليا عن فتحية.. وهل إنت ليك إيد في اختفائها؟ "مام...

"بلا زفتتتت.. ردددد عليا أنا قاعدة من امبارح على أعصابي وأقول دلوقتي يرجع والبية راجعلي الساعة سبعة الصبح." "ماما ارجوكي... "محمد.. أما تقولي إيه اللي بيحصل بالظبط وأما راح نعيش أنا وإنت زي الغربة بالظبط." هتف محمد بغضب: "إيه الكلام ده يا ماما؟ "أنا ما اتعودتش ابني يخبي عليا حاجة ولو كانت صغيرة قد كده." "يا امي صدقيني مافيش حاجة." فحاصرته بكم أسئلتها بينما

هاتفها لم يكف عن الرنين: "وتغيرك المفاجئ.. أسلوبك المتعجرف في الكلام.. عصبيتك اللي غير مبررة.. كلامك عن فتحية وطريقة كلامك مع عيالها + كللللل ده بيّت برا البيت وقافلة تلفونك عشان ما أوصلكش! "امي ارجوكي.. أنا راح أقولك في الوقت المناسب." صرخت به بعصبية من فرط كتم غيظها، فهي لم تعد تتحمل أي خسران مرة أخرى، يكفي ابنتها وزوجها.

"مااااافييييش وقت منااااسب.. أسيب حد لما تغرق نفسك في البحر يا محمد.. مستحيييييل.. إنتا راح تقولي إيه اللي مخبيه عني غصب عنك وليس... فقاطعها الأخير صارخاً: "موت بابااااا كان مدبر...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...