مر الكثير من الوقت، لا يعلم كم، حتى استفاق على صوت رنين هاتفه معلناً عن قدوم اتصال من والدته. ضغط محمد على زر الاستجابة ومازالت عيناه تتابع الأوراق التي تمكث أمامه. "خير يا حجة، في حاجة؟ فآتاه صوتها الخائف من الجهة الأخرى. "مصيبة يا محمد! اعتدل من مجلسه هاتفا بقلق. "خير يا أمي، في إيه؟ "فتـ..ـحية... أردف بخشية من أن تكون فعلت شيئاً آخر. "مالها يا أمي؟ أردفت سعاد بحيرة وهي تجلس على أحد المقاعد مرة أخرى.
"فتـ..ـحية بقالها يومين مختفية يا محمد. أنا فكرتها روحت لبناتها لسبب طارئ، قلت أسيبها خصيصاً إني مش محتاجها كتير الفترة دي. بس أتفاجأ إن بناتها جايين حد هنا يسألوا عن ماماتهم، وأنها مختفية برضه وفونها اتقفل." هدأ من روعه قليلاً فتحدث بهدوء وكأنه شيء لا يعنيه. "وإيه يعني، نعملها إيه؟ أردفت سعاد باستغراب من نبرته اللامبالية، علاوةً على شكها بأنه على علم بشيءٍ ما يخفيه عنها. "هو إيه اللي نعملها إيه دا يا محمد؟
بقولك الست مختفية وليها بنتين ولاؤا مش لاقيينلهم ملجأ." فأردف محمد بنفس هدوئه المستفز. "بس أنا أعرف إنه معاها شقة ملك ليها ورثتها عن جوزها في الحارة بتاعتهم، يقعدوا فيها." هتفت سعاد بعصبية من هدوئه المستفز. "محمددددد.. تعالي نتكلم في البيت حالا." فأردف محمد بلامبالاة. "آسف يا أمي، في عندي شغل كتير النهاردة." هتفت سعاد بحدة، منهية الموضوع. "أنا قولت كلمة ومش راح أرجع أعيدها."
ثم أغلقت الخط قبل أن تنتظره رده، فترك الهاتف وزفر بقوة قبل أن يحمل جاكيت بدلته وتحرك إلى خارج الشركة. *** فيلا آل نصار. "انت اللي قتلت بابا يا أدهم؟ "إيه الكلام الفارغ دا؟ فنظرت إليه بعينين تتهمه بل وتثبت عليه الجريمة، مما مزقه أكثر من الداخل هاتفة. "انت اللي قتلت بابا يا أدهم؟ فهزها أدهم من أكتافها بغضب هاتفاً بغير تصديق. "انتي أكيد اتجننتي.. قتل إيه دا يا رغدة اللي بتتهميني بيه دا.. لأ وكمان حمايا.. حمايا يا رغدة؟
فنظرت إليه وهي تتحدث دون أي تعابير على وجهها، كأنها جسد بلا روح. "اللي خلاكم تخطفوني وتهددوني بالسلخ والحرق والتقطيع من جسمي.. اللي خلاك تهددني بأنك تأذي بابا لمجرد إني خالفت أمر بس من أوامرك." ثم بدأت الدموع تتجمع في مقلتيها مع اختناق صوتها في الحديث هاتفة بحرقة ألمة. "اللي خلاك تغتصبني وأنا مراتك بدون أي رحمة، رغم إني بسمع كل كلمة بتقولها عشان أتقي شرك." ثم مسحت دموعها بعنف، عازمة على القوة من هنا وصاعداً.
"كل دا مش دليل كافي يا أدهم." أخذ نفساً عميقاً وهو يمسح على شعره بعنف، معطياً إياها ظهره هاتفاً بضيق على ما وصل إليه. "أيوا.. أنا فعلاً عملت كل دا.. بس لما لقيتهم راح يقتلوني يارغدة أنقذتك منهم.. أنا عملت كدا بس عشان خاطر ربنا.. وبالنسبة للي حصل فكان غصب عني.. صدقيني... فقاطعته هاتفه بحرقة تجلي صدرها من الألم. "لتكونوا كانوا مشربينك حاجة قبل لما تطلع.. صح.. قول.. قول.. بررلي كمان عشان أصدق وأسامح.. صححححح."
فصرخ بها أدهم بغضب، ولكن هذه المرة ليس غصباً منها، ولكن من أفعاله السابقة التي ندم عليها. "ماكانوش مشربيني حاجة يا رغدة.. كانوا عاملين عيوني بكلامهم.. كانوا كابين سمهم في وداني." ثم هدأ قليلاً متحدثاً وكأنه يرجو العفو منها. "صدقيني أنا بعد لما هديت عرفت غلطي وفهمت كل حاجة.. وشفت بابا وأسر على حقيقتهم." نظرت إليه الأخرى بغضب دفين هاتفاً بألم وهي تضغط على كلماتها. "وياترى بقى ضميرك صحي بعد لما قتلت بابا؟
فصاح بها غاضباً وهو ينظر إليها بحدة. "أنا ماقتلتش حد.. ولا عمري فكرت.. دا قتل يا رغدة قتللللل.. انتي مستوعبة انتي بتتهميني باييييييي؟ هتف كلماته الأخيرة وهو يهزها من أكتافها بعنف كي تستفيق مما هي عليه. نظرت إليه بغل وهي تشعر بغصة مريرة في حلقها تدفعها للبكاء. "بكرة حقيقتك البشعة راح تتفضح قدام الخلق.. وربنا يجيبلي حقي منك ومن جوز العقارب بتوعك."
فنظر إليها أدهم بغضب وقرر الذهاب قبل أن ينقض عليها ويخرج كل ما كُبّد في صدره من أحزان. خرج أدهم من الغرفة صافعاً الباب خلفه بقوة، فسقطت على الأرض منهارة في البكاء، لا تعلم ما تفعله صحيح أم خاطئ، اتهامها حقيقي أم ظالم، لكن كل ما يجول في ذهنها من وقت رحيله "إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ". ***
دلف محمد إلى المنزل وملامحه تكسوها اللامبالاة. اتجه إلى حيث تجلس والدته بابتسامة صغيرة مقبلاً يديها، ثم جلس بهدوء مسلطاً نظره إلى تلك الفتاتين الصغيرتين لامحاً بعينيهما نظرات خائفة حزينة تخفيها بهدوئهم. تبسم بداخله بسخرية، فيبدو وكأن الله يسترد حق شقيقته وما تعانيه من تلك الفتيات، ولكن لما! لما يسترد منهما وليس من الجاني الحقيقي؟ لا بأس، ذنبهن أنهن نقاط ضعف الجاني -أليس كذلك -تحدث محمد بهدوء موجهاً حديثه إلى والدته.
"خير يا أمي." فنظرت إليه والدته تحاول قراءة أفكار صغيرها هاتفة. "فتـ..ـحية مختفية وماحدش بيعرف عنها حاجة." فرد عليها الآخر بلامبالاة. "تلاقيها هربت! تحدثت الوالدة بصدمة. "هربت؟ فهز أكتافه بلامبالاة هاتفاً. "آه.. روحي تأكدي من الفلوس اللي في الخزنة والدهب بتاعك، يمكن تكون سرقت حاجة منهم وخافت تتكشف، فهربت! فصرخت به الصغيرة مدافعة عن والدتها. "ماما مش حرامية."
فنظر إليها الآخر بغضب دون التفوه بكلمة، لكن النظرة كفيلة بأن تجعل أروى تحتضن شقيقتها الصغيرة بحنان، تخبيئها من نظرات ذلك الفظ، هاتفاً بنبرة خائفة وفي حلقها غصة مريرة تدفعها للبكاء. "حضرتك ماما مستحيل تغدر بحد، خصيصاً لو...
فقاطعها محمد بقهقهة عالية غاضبة يخرج بها فرط غيظه من كلماتها التي تصيبه بالألم من الداخل، فمن يعلم بأن تلك الحقيرة ليست غدارة فقط.. بل وقاتلة مأجورة أيضاً. ظل يضحك تحت نظرات الاستغراب من ثلاثتهم حتى أدمعت عيناه بألم، من يراها يحسبها دموع من كثرة الضحك، ولكنها من كثرة الألم المكبوت بداخله. توقف على ضحكاته هاتفاً بسخرية لازعة. "هههههه.. مستحيل تغدر.. آه.. مستحيل تغدر...
فنظرت إليه والدته حزينة على حاله، فهي لا تعلم ما به أو ما يخفيه عنها، لكنه بان لها بوضوح في ردود أفعاله. تحدثت سعاد بحزن على حال فلذة كبدها. "مالك يا محمد، في إيه.. انت بقالك فترة مش طبيعي خااالص.. من لما اتوفى الحج وانت اتغيرت 180 درجة ياابني." "تغيرت فين يا أمي، ما أنا كويس أهو.. أنا بس عجبتني النكتة اللي قالتها.. ااااااااء.. هو كان اسمك إيه؟
هتف كلمته الأخيرة بسخرية واستهزاء هز كيانها من الداخل، بل وجرح كبريائها أيضاً. فرد عليه أروى بغضب من كثرة استهزائهم بهم من حينما دلف. "لو سمحت، إحنا مش جايين نتهزأ هنا." أسند محمد ظهره على المقعد فارداً ذراعيه كمن يستعد للتحليق في الهواء. "أوومال جايين عليه.. عاوزين فلوس... "ثم هتف باستهزاء متصنعاً الحزن." "آه صح نسيت.. يا حرام أصل البية غدر بمامي وبطل يديها مصاري عشان عملتله اللي عايزة خلاص." فصاحت به والدته بغضب.
"محمددددددد." نهض محمد بغضب وهو يحاول الهدوء في حديثه مع والدته. "بعد إذنك يا أمي.. ورايا شغل." "والست ال.... فقاطعها بغضب أعمى. "تغوووور في ستين داهية ولا تولع بجااااز وسخف." نظرت إليه والدته بصدمة من ردود أفعاله الغير مبررة. "محمد." استنشق نفساً عميقاً قبل أن يهتف. "بعد إذنك يا أمي." ثم تركهم وخرج في خطوات متعجلة مستقلاً سيارته مرة أخرى وعائداً بها إلى عمله كي يفرغ به طاقته السلبية.
نظرت سعاد إلى الفتاتين التي أشهجتا في البكاء هاتفة بشك. "أروى.. إمتى آخر مرة كلمتي فيها أمك وقالتلك إيه! فنظرت إليها الأخرى بأعين دامعة، بينما جلست سعاد على المقعد المقابل لهما هاتفة بغضب وتهديد، فبعد ما رأت من ردود أفعال من ابنها، يبدو أن هناك سر كبير لا تعلمه وحان وقت المصارحة بكل شيء. "ومتحاوليش إنك تكدبي وتخبي هاه.. عشان شكله كدا أمك وقعدت في شر أعمالها وانتوا راح تحصلوها قريب أوي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!