هنا حيث الغرفة التي يسودها الهدوء والتخت المُغرق بالدماء كانت فاقدة للوعي لا تتحرك. علامات كثيرة علي جسدها، الدم ينزف منها. خرج الأدهم من المرحاض وهو يضع منشفة حول خصره وأخرى يجفف بها شعره. تقرب منها قليلاً فلاحظ أنه لا حركة لها. تقرب أكثر ثم لامس تحت أذنيها بأنامله الخشنة، وجد أنها لازالت تنبض. أكمل ملابسه بلا مبالاة وخرج من الغرفة متجهاً نحو شركته كأن لم يحدث شيء. قابله والده وهو في طريقه إلى مخرج الفيلا.
أردف عادل بفرحة وفخر من تنفيذ ابنه لخطته: "عفارم عليك يا ولدي.. طلعت راجل زي أبوك." اكتفى الأدهم بالنظر إليه بلا مبالاة ولم يرد عليه، ثم ارتدى نظارته مرة أخرى وركب سيارته وذهب. ***
استيقظت رغدة وحلت عليها الصدمة حينما رأت ثيابها الممزقة وملقاة ببعثرة على الأرض، والدماء التي تغرق الفراش. تصنمت. تجمد الدم في عروقها، بل وتجمدت الدموع أيضا. شعرت وكأن كوب من الماء المثلج انسكب على ظهرها. كم هو شعور صعب. الألم ليس جسديا فقط، بل جسدي ونفسي أيضا. "يا إلهي، لما يحدث معي هكذا!
فقد سلب أعز ما أملك. نعم هو زوجي، وأعلم أيضاً أن هذا اليوم سيأتي طال أم قصر سيأتي، وأعلم أيضاً أنها غايتهم من البداية، كسر نفسي انتقاماً من والدي، منافسهم التجاري في السوق. اللعنة! مجتمع مادي يركض خلف الأموال كركض الوحش في البرية. ربي إنني لا أعارض قدرك.. لكنني أسألك اللطف بي.. أنني لم أعد قادرة على التحمل أكثر من ذلك، فقد تحملت كثيرا."
أخذت تنظر إلى جسدها بقلب مرتجف يقرع في صدرها كضربات الطبول. الحسرة، الخوف، الحزن، وآلام كثيرة لا يصفها الحديث. أخذت إسدالها -أو بالمعنى الأدهى بواقي إسدالها
-وارتدته. حاولت أن تدثر نفسها به بصعوبة كمن يصارع الغرق أملاً في النجاة. ثم جلست على الأرض متكئة بظهرها على الفراش، تضم قدميها إلى صدرها لعلها تشعر ببعض الأمان. وهنا أطلقت السراح لدموعها كي تنهمر على وجنتيها بقهر وجسد يرتعش كمن أمسكت به الكهرباء. بدأ صوت شهقاتها يعلو شيئاً فشيئاً. فزعت وأصبح جسدها يرتجف أكثر من ذي قبل حينما سمعت صوت هذا الباب اللعين -باب الغرفة
-يُفتح مرة أخرى. نعم، أصبح لديها فوبيا من ذلك الباب اللعين. نظرت إليه بخوف وهي تخبئ وجهها خلف قدميها خوفاً من قدوم الأدهم مرة أخرى كي يكمل ما خططه إليه والده وأخيه اللعين. لكنها تصنمت حينما رأته العقرب اللعين. نعم، حماها.. عادل نصار.. بنظراته الشماتة وضحكته المنتصرة المستفزة. أردف عادل بضحكة شماتة مستفزة أشعلت نار القهر مرة أخرى لدى تلك المسكينة: "صباحية مباركة يا عروسة."
لم ترد عليه بل ازدادت شهقاتها أكثر فأكثر وهي تشيح بنظرها بعيداً عنه كي لا ترى نظراته الشامتة التي تطعنها في قلب كبريائها وأنوثتها بغير رحمة. أردف عادل بخبث وهو ينظر إليها من الخلف: "إيه يا بنت الطوخي اجمدي كده. انتي لسه في البداية.. عاوزك تشدي حيلك كده عشان تجيبيلنا حفيد للعيلة، ها؟ سلام ياااا.. بنت الطوخي." ثم أخذ ملاءة السرير وخرج بها من الغرفة. ***
هنا حيث الطريق الطويل والسماء الزرقاء. تقف سيارة سوداء يبدو عليها الفخامة. ترجل منها الأدهم ووقف أمامها متكئاً بظهره مع مقدمتها وهو يخرج لفائف التبغ خاصته. أخذ يتأمل السماء كعادته، يتذكر ما حدث. بدأ خه شخصان يتصارعان. أحدهما يقول إنه ما فعله صحيح وأنه حقه ويجب أن يأخذه وقتما يشاء. والآخر يقول إنه مهما حدث طالما بغير إرادتها يعتبر اغتصاب حتى وإن كانت زوجته. "كيف؟ كيف؟
فهي زوجتي، أفعل بها ما أشاء. كما أنه يكفي أن والدها الطوخي عدو العائلة. ما ذنبها بتجارة والدها؟ ذنبها أنه والدها ونحن قررنا الانتقام منه فيها بعدما هرّب ابنه للخارج. من متى ونحن نأخذ بثأرنا من الفتيات؟ "إنها زوجتييييي... "نعم زوجتك، ولكنك تزوجتها رغماً عنها، أردت الانتقام من والدها. فلنقل إنك لم تفعل شيئاً خطأ! إذن يجب عليك مراعاتها فأنت مسؤولٌ عنها يوم القيامة."
اعتدل من جلسته وهب واقفاً وهو يدعس سيجارته بإحدى قدميه هاتفاً بغضب دفين أفرغ جزءاً منه في تلك اللفافة وهو يدعسها بقدمه: "لازم ما أنساش إني متجوزها بس عشان أكسرها وأعرف أتحكم في أبوها بيها.. يعني رغدة بالنسبالي مجرد كارت كسبان وبس.. واللي حصل ده كان لازم يحصل عشان تعرف قيمتها ومكانتها وتخشاني أكتر وتعرف إني قد كلمتي كويس.. وأثبت للكل إني راجل وقد الكلمة." ثم ركب سيارته متجهاً إلى مكتبه، قائداً إياها بأقصى سرعة. ***
دلفت ريهام إلى غرفتها بخطوات بطيئة بعدما كانت تراقب الأدهم وهو يخرج من الغرفة كي تذهب إلى تلك المسكينة وتتطمئن عليها. أردفت ريهام بخفوت موجهة حديثها لتلك الصماء: "أدهم مشي." "….." أردفت ريهام وهي تتجه إلى خارج الغرفة: "أنا رايحة أشوفها." "بلاش." كرمشت الأخرى بين حاجبيها هاتفة بضيق وصوت جاهدت أن يخرج خافت: "ليه ده؟ البنت تلاقيها بتموت." فأردفت أميرة بنفس الهدوء دون النظر إلى تلك الواقفة أمام باب
الغرفة عازمة على الخروج: "بلاش." لم تعرها ريهام أدنى اهتمام وخرجت من الغرفة متجهة نحو غرفة رغدة، لكنها تصنمت حينما رأت أباها يخرج من الغرفة وبيده ملاءة بيضاء مليئة بالدماء. شعرت كأن جسدها تجمد. لم تستوعب ما تراه. حلت عليها الصدمة. ما كان عليها سوى أن عادت إلى غرفتها بخطوات بطيئة متعثرة أثر صدمتها مما رأت. "نفسي أعرف ليه هما بيعملوا معاها كده! قوست أميرة جانب فمها بابتسامة ساخرة: "ههه.. قولتلك بلاش."
أردفت ريهام بغل وغضب مكبوت تضغط على فروة رأسها: "أنا عاوزة أهرب من هنا." أردفت أميرة بسخرية: "كنت عملتيها من قبلك." فجلست على الأرض بضعف باكية والدموع اتخذت سبيلها في النزول: "أنا تعبااااااااانة اووووووي.. ياترى يا رغدة إيه اللي مستنيكي تاني أكتر من كده." *** في الغرفة كانت رغدة تستجمع قواها لتنهض كي تغتسل لتصلي وتناجي ربها، فهو أملها الوحيد.
دلفت إلى المرحاض بخطوات بطيئة. ثم أزالت الإسدال من على جسدها بأيد مرتعشة ودموع تأبى التوقف. ثم جلست تحت الماء في محاولة منها أن تستجمع قواها كي تستمر في هذه الغابة. ازدادت شهقاتها أكثر حينما رأت الدماء تهطل مع المياه المتدفقة من الصنبور. سقطت على الأرض بضعف وهي تبكي بحسرة على ما حل بها. فأصبحت دموعها مختلطة بالمياه ودماء عذريتها معاً. فكم هو شعور صعب.
انتهت رغدة من الاغتسال بصعوبة من كثرة الآلام التي ترافقها في جسدها. ثم خرجت من المرحاض متجهة نحو الخزانة وارتدت إسدالها. ثم أخذت سجادتها ومصحفها. صلت ركعتين من ثم سلمت ورفعت يديها والدموع تنهمر من عينيها.
"ليه يا ربي بيحصل معايا كده.. أنا تعبانة أوي.. أنا بعترف إني خلاص مش قادرة أكمل الامتحان ده.. أنا تعبت.. أنا اتكسرت.. ده.. ده ما اكتفوش بخطفي ولا بجوازي غصب ولا حتى باغتصابي.. لا دول كمان أخدوا الملاية اللي نزلت عليها عذريتي.. ياااااااااااااربي ليييييييييييييه ليه كفايا حد كده أنا تعبت أنا بقيت أفكر في الانتحار.. أيوا الانتحار.. أنا لو هربت راح يمسكوني.. بس لو انتحرت مش راح يمسكوني.. أيوا.. أيوا بس.. بس انتحر إزاي.. أنط من البلكونة ولا أشنق نفسي ولا أستنى حد أما يجيني أكل ويكون في سكينة وأضربها في بطني… أنا تعبانة أوي ياربي.. تعبت."
ثم توقفت عن الحديث لبرهة تستنشق أنفاسها ثم انشجت في البكاء بغزارة أكثر من ذي قبل هاتفة: "ليه يا ربي كدااااا لييييييي.. بسببك يا أدهم أنا عاوزة أموت كافرة.. آآه الانتحار أرحم من إني أعيش مع واحد زيك.. بس أكفر؟ بعد العمر ده كله أكفر؟ …. آآآآآآآآآآآآآآآآآه ياربي تعباااااااااااانه.. أنا تعبانة تعبانة ارحمني برحمتك اللي وسعت كل شيء يا الله.. يااارب أنا مش عايزة غير إني تعوضني على قدر رحمتك."
ثم أخذت مصحفها وبدأت في قراءة سورة مريم ودموعها لم تتوقف للحظة، بل تزداد كلما مر على عقلها بأنه هناك رب يسمعها ويواسيها وهناك ثقة أيضاً بأنه سيجبرها ويحررها قريباً. تجمد الدم في عروقها حينما فُتح الباب وانتشرت رائحته في أركان المكان. نعم، هذه اللحظة أصبحت أخشاها. عقلي لم ينسى هذه اللحظة أبداً حيث أنها تتكرر كل يوم.
أغمضت عينيها بخوف، تستجمع قواها كي تواجهه، لكنها تخشى ما ينتظرها بعد لحظات. جسد يرتعش، دموع متحجر، قلب يحترق بالنيران من الداخل. دلف الأدهم وأغلق الباب خلفه بهدوء متكئاً عليه بكتفه، هاتفاً بسخرية لازعة مع ابتسامة جانبية ساخرة جعلت خيطاً من الخوف يسير أسفل قفصها الصدري: "إيه.. راح تفضلي قاعدة على المصلية كده كتير؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!