في أحد الأحياء الشعبية، أخذت نفسًا عميقًا بملل قبل أن تهتف لشقيقتها بحزن. ندي: هما مين دول اللي هجموا علينا في الفجر يا أروي؟ فردت عليها أروي بشرود وهي تنظر إلى اللاشيء أمامها. أروي: مش عارفة يا ندي.. مش عارفة. ولت عليها ندي بكامل جسدها هاتفة بخوف بان في عينيها. ندي: أنا خائفة ليرجعوا تاني. فنظرت إليها الأخرى هاتفة بقلة حيلة. أروي: أنا خائفة أكتر منك. صمتت قليلاً قبل أن تهتف الصغيرة مترددة.
ندي: طب تعالي نروح عند ماما أو نخليها تيجي عندنا. اردفت أروي وهي تبحث عن الهاتف. أروي: ماما! لازم أكلمها وأقولها على اللي حصل. أوقفتها ندي بسرعة متشبثة برسغها وهي تتذكر شيئًا ما هاتفة بخوف وتردد. ندي: استني يا أروي.. أنا خايفة من ماما.. خايفة ما تصدقناش وتفكر أننا بندخل رجالة البيت.. خصوصًا أنهم طلعوا بعد ما الصبح شقشق، وأكيد الناس اللي في الحارة شافوهم. اردفت أروي بخوف وعصبية في نفس الوقت، فقد طفح الكيل.
أروي: ثقي في نفسك يا ندي.. إحنا ما عملناش حاجة غلط ولا تغضب ربنا.. متربيين كويس.. والرجالة دول هما اللي اتهجموا علينا في نص الليل. اردفت ندي بدموع تملأ عينيها العسليتين مما أثار حنان شقيقتها أكثر. ندي: بس انتي عارفة أمك بتعاملنا إزاي.. دي حتى ولا بتثق فينا.. أنا أحيانًا من كتر قسوتها علينا وجحدها بحس إنها مش مامتنا. اردفت أروي بقلة حيلة وهي تجلس على الفراش البسيط مرة أخرى.
أروي: كنت فاكرة إني لما أتجوز راح أتحرر من البيت ده وأطلع من تحت رحمتها والحارة الفقر دي، وفي الآخر راح تجوزني للمعلم إسماعيل. هتفت ندي بحيرة. ندي: طيب والعمل؟ أردفت أروي بجدية وهي تنهض من على الفراش مرة أخرى، فقد حزم الأمر ويجب المواجهة، فهي لم تفعل شيئًا وليس ذنبها قلة ثقة والدتها، وإشاعات حاقدة من أهالي الحارة. أروي: راح أكلمها وأحكيلها اللي حصل.. واللي يحصل يحصل. ندي وهي تمسك بيدها قبل أن تضغط على زر اتصال.
ندي: استني.. نقرأ الفاتحة الأول بنية إنه ربنا يهون ويعدي الموضوع على خير. بعدما انتهوا من قراءة الفاتحة، ضغطت أروي على زر الاتصال. رنين، رنين، رنين.. لا يوجد رد. إعادة الاتصال مرة أخرى. رنين، رنين، رنين.. لا يوجد رد أيضًا. اردفت أروي بضجر وهي تلقي بالهاتف على الفراش بعنف. أروي: أووووووف.. هيا كده أما نحتاجها ما نلاقيهاش جنبنا. ندي: طب والعمل؟
أروي: راح أتصل بيها آخر مرة.. لو ما ردتش راح أروح لها عند الناس اللي بتشتغل عندهم وأقابلها وأقولها على اللي حصل. ثم ضغطت على زر الاتصال مرة أخرى. رنين، رنين، رنين.. ولكن بلا جدوى أيضًا. نظرت إليها الصغيرة هاتفة بتساؤل خائف. ندي: راح تروحي لها؟ اردفت أروي بقلة حيلة بعدما زفرت نفسًا عميقًا. أروي: ما فيش حل غير كده. أمسكت ندي يدها مترجية شقيقتها بأعين خائفة لامعة بالدموع.
ندي: خديني معاكي.. ما تسيبنيش هنا لوحدي أخاف لمعلم إسماعيل يطب عليا وأنا هنا لوحدي. فضمّتها أروي إلى صدرها بحنان فطري وهي تقبّل جبينها هاتفة باطمئنان تحاول بثه في صغيرتها. أروي: ماتخافيش مش راح أسيبك. *** دلف الأدهم إلى المطبخ كي يحضر إليها بعض الطعام، فهو يعلم أنها إذا فطرت بصحبة والدها وأسر فلن تسلم من شماتتهم وتذكرهم بوالدها وضعفها وحسرتها عليه. أوقفته أميرة هاتفة باستغراب مع قطب بين حاجبيها. أميرة: أبيه أدهم!
وفي المطبخ بنفسه! هتف الأدهم بهدوء وهو يجهز الإفطار دون النظر إليها. أدهم: صباح الخير يا أميرة. فردت الأخرى باستغراب أكثر على استمراره فيما يفعل. أميرة: صباح النور.. هو حضرتك بتعمل إيه مش من عوايدك بصراحة. اردف الأدهم بتهرب من ثرثرتها المعتادة. أدهم: لا مفيش.. كنت بجهز فطار لرغدة عشان ليها كام يوم مش بتاكل كويس من لما أبوها اتوفى. هتفت أميرة بحزن صادق وقد بان جليًا على ملامحها الأنثوية.
أميرة: الله يرحمه يا أبية.. هيا أخبارها إيه دلوقتي مابقتش كويسة! زفر نفسًا عميقًا قبل أن يهتف بحزن على معذبة القلب التي أصبحت منطفئة أكثر انطفاءً بعد فقدانها لأبيها الروحي. أدهم: لسا والله يا أميرة تعبانة أوي وشكلها كده راح تدخل في اكتئاب وحالة نفسية ربنا يستر. دعت أميرة بخوف. أميرة: ياااارب. هنا دلفت ريهام إلى المطبخ متعجبة من وجود الأدهم هاتفة باستغراب ليس أقل من استغراب الأخيرة.
ريهام: خير يا أبية.. رغدة حصلها حاجة؟ أدهم: لا ماتخافيش هيا كويسة.. أنا طالع أوديهالها الفطار. اردفت ريهام بتردد وهي تقطع عليه الطريق أمام المطبخ. ريهام: ااا.. أبية. أدهم: نعم يا ريهام. اردفت ريهام بخشية من ردة فعله. ريهام: ممكن يعني يا أبية لو مافيهاش إزعاج أنا اللي أوديلها الفطار.. أنا أنثى زيها.. وما بيفهمش الأنثى إلا أنثى زيها.. وأنا مقدرة موقفها لأنه جربته لما ماما اتوفت الله يرحمها. هز الأدهم رأسه متفهمًا بحزن.
أدهم: الله يرحمها. فردت أميرة متدخلة بلهفة وقد خطرت إليها فكرة ما. أميرة: أبية اسمحلي أنا كمان أزورها.. أنا وريهام ممكن إننا نطلعها من المود السيئ ده خصوصًا إنك بتقول إنها داخلة على اكتئاب. فردت ريهام مؤكدة على حديث الأخرى. ريهام: صح يا أبية.. أنا وأميرة راح نخطط مع بعض ونروحلها كل شوية لأنه لما هي راح تقعد لوحدها فترة أطول كده الاكتئاب راح يتمكن منها. هتف الأدهم وهو يعطي الطعام لشقيقته. أدهم: تمام اللي تشوفوه...
بس مش عايز أسمع إن حد من الخدم هوب اتجاه الجناح بتاعي ولا بابا ولا أسر. ريهام: حاضر يا أبية. ثم أكد عليها الأدهم قائلاً باهتمام. أدهم: ياريت لو حسيتوها مش حابة التجمع سيبوها شوية عشان ماتتخنقش. اردفت ريهام بتفهم. ريهام: من غير ما تقول يا أبية أنا عارفة نفسي بعمل إيه كويس. ثم قال بهدوء وهو ينظر إليهما واقفين بجانب بعضهما. أدهم: ياريت النهاردة بالذات ماتدخلوهاش انتوا الاتنين عشان حالتها صعبة شوية.
فردت أميرة بسرعة وبلهفة للقاء صديقتها الجديدة ومواساتها. أميرة: خلاص يا أبية.. النهاردة يومي. فـوكزتها ريهام في بطنها بسرعة هاتفة وهي تجحر للأخيرة التي جحرت إليها أيضًا معلنة بنظراتها الغاضبة على عدم مراضاتها بالحكم. ريهام: تمام يا أبية أنا راح أطلع لها الفطار زي زمان وأحاول أتكلم معاها شوية وبس أحسها مستعدة إنها تشوف حد وتخرج من الجو الكئيب ده راح أخلي أميرة كمان تدخل معايا وأعرفها عليها.
هتفت جملتها الأخيرة وهي تنظر لأميرة بطرف عينيها مما أثار استفزاز الأخرى. فهتف الأدهم بامتنان. أدهم: تمام.. يلا أروح الشركة أنا بقى. فردتا ريهام وأميرة بصوت واحد. ريهام وأميرة: لا إله إلا الله يا أبية. فرد الأدهم وهو يتجه للخارج. أدهم: محمد رسول الله. ***
هنا في غرفة الأدهم، كانت جالسة بداخل حوض الاستحمام يعلوها صنبور المياه، تتبعه قطرات المياه المتدفقة بهدوء كهطول الأمطار، تضم قدميها إلى صدرها، شاردة أمامها في اللاشيء، دموعها متحجرة، عقلها يعصيها ويأبى أن يستوعب فراق أبيها الغالي، قلبها الحاني يشتاق إلى عناق أبوي حنون تفرغ به جميع ما قاسته الأيام الماضية، لسانها معصوم وكأنه يعبر عن حزنه بعدم تأديته لمهمته الرسمية. مر بها الوقت لا تعلم كيف مر! أو كم مر! أو فيما مر!
كأنها مغيبة عن الوعي. قاطعها طرقات خفيفة على باب المرحاض يتبعها صوت أنوثي هادئ. اردفت ريهام بقلق بان في نبرتها. ريهام: رغدة.. انتي كويسة؟ ثم تبعتها بعدة طرقات خفيفة. ريهام: طب ردي عليا طيب طمنيني. طرقات مرت أخرى. ريهام: طب ممكن أدخل أساعدك مثلاً؟ طرقات قبل العزم ولكنها لم تجد ردًا فقررت الدخول. ريهام: رغدة.. مالك قاعدة كده تحت المية بهدومك.. كده تاخدي برد يا حبيبتي.
اقتربت منها وساعدتها على الوقوف دون أي مقاومة من الأخرى. اردفت ريهام بحنان متسائلة. ريهام: أساعدك تقلعي هدومك؟ لم تجد منها ردًا، فبدأت في إزالة ملابسها الخارجية شيئًا في شيء وهي تتحدث معها بحنان لعلها توقظها بعض الشيء.
ريهام: رغدة حبيبتي أنا راح أقلعك الهدوم اللي من فوق وانتي تقلعي الباقي.. عاوزاكي بس تحاولي تفكي وتطلعي من اللي انتي فيه.. ابكي يا رغدة.. صوتي ما تكتميش جواكي يا حبيبتي.. انتي كده بتستسلمي للاكتئاب.. انتي أقوى من كده بكتير. انتهت ريهام من مهمتها في إزالة الملابس الخارجية ثم توقفت ونظرت إلى عينيها قليلاً وهي تحتضن كفها بحنان.
ريهام: انزلي تحت المية واتوضي براحة واغتسلي يا رغدة.. صدقيني لما راح تغتسلي راح تحسي براحة كبيرة جدًا.. وبعد كده اتنشفي والبسي هدومك واطلعي صلي.. لما راح تصلي أنا واثقة إنه ربنا راح يفك العصمة اللي عليكي دي وتبكي شوية وتخرجي من اللي انتي فيه. نظرت إليها قليلاً ثم وضعت يدها على وجنتها قائلة بحنان. ريهام: اتفقنا يا رغدة.
نظرت إليها رغدة وقلبها قد اطمأن قليلاً بحديثها، فهزت رأسها بـ "موافقة" ببطء. تبسمت ريهام وقبلتها من جبينها وتركتها وخرجت تنتظرها في الغرفة، بينما رغدة بالداخل أخذت بنصيحة الأخرى، فلا مأوى ولا ملجأ لها غير الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!