تحميل رواية خداع قاسي بقلم ديانا ماريا pdf
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فيه حاجة أنا كنت متردد أقولك عليها، دلوقتي لازم تعرفي أنا هتجوز. نظرت له بعيون متسعة من الصدمة: إيه؟ هتتجوز؟ إزاي يعني تتجوز على ماما أنت اتجننت! نظر لها بصرامة ووبخها بنبرة حادة: بنت احترمي نفسك! أنا مقدر صدمتك إنما مش هسمح لك تتكلمي معايا من غير إحترام. لم تبال وهي تقف أمامه بجرأة وتتابع الحديث بقهر: قول بقى أنك علشان كدة طلقت ماما أكيد كان فيه حرباية بتلف عليك علشان تاخدك منها وأنت ما صدقت علطول جريت وراها ونسيت عقلك. ارتفعت يده وهبطت على وجنتها بصفعة قاسية وتحدث من بين أسنانه محاولًا احتواء...
رواية خداع قاسي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ديانا ماريا
صدمت داليا من كلمات والدتها فرددت بعدم تصديق: أهرب؟
حثتها حسناء متابعة: اه طبعًا تهربي وتيجي عندي في البيت.
ساعتها أمجد هيبقى قدام الأمر الواقع ويعرف أنه خلاص هيخسرك لو فضل مع اللي اسمها علياء دي وهيطلقها ساعتها.
صمتت داليا بحيرة وهي لا تعلم هل تطيع والدتها في تلك الخطوة المتهورة أم لا.
تعلم أنها خطوة كبيرة وخطيرة للغاية ربما تتسبب في استياء والدها الشديد منها.
حين أحست حسناء بأن داليا تفكر ويمكن أن تتراجع أردفت بصوت حزين متأثر: فكري يا داليا وردي عليا.
إحنا دلوقتي بنعمل أي حاجة علشان نخلي أبوكِ يشوف الحقيقة وإلا لو عرف اللي عملناه ساعتها هيحرمني منك ومش هعرف أشوفك تاني أبدا وعلياء هتكون انتصرت علينا كلنا.
قالت داليا بتردد: مش عارفة يا ماما، أنا عارفة أنه معاكِ حق بس....
قاطعتها حسناء بتلهف: بس إيه؟ دلوقتي مش عايزة تساعدي ماما؟
سارعت داليا تنفي ذلك بلهفة: لا طبعًا يا ماما أنا أعمل أي حاجة علشانك بس الموضوع كبير.
أحست حسناء أنها إن ضغطت أكثر على داليا ربما ترفض فردت بصوت كسير: خلاص يا داليا فكري وبراحتك.
أغلقت داليا الهاتف وبقيت مكانها.
لقد وقعت في حيرة شديدة ولا تعرف كيف تقرر أمرًا بدا أكبر من عمرها وخبرتها وقدرتها على الحكم.
من ناحية هي تريد عودة والدتها بشدة ومن ناحية لا تستطيع الهرب من المنزل ذلك سيُغضب والدها منها بشدة.
تنهدت بشدة وهي لا تعرف كيف تحسم أمرها.
في الخارج كانت علياء تجلس صامتة أمام أمجد.
رفعت بصرها له وقالت بجدية: أنا هروح عند أهلي فترة.
حدق إليها والرفض يظهر واضحًا في عينيه.
إلا أنها تابعت بتصميم: لازم ده يحصل، أنا فكرت طول الليل، أي تفاهم بينك وبين داليا مش لازم يحصل وأنا موجودة.
وأنا كمان محتاجة أريح أعصابي شوية.
تنهد وهو يهز رأسه دون أن يتكلم.
نظر لغرفة داليا بتفكير وهو يعلم أن هناك لغز يجب عليه حله وفي أسرع وقت ممكن.
طرق الباب فنهض ليفتح ليجدها نورا أخته التي بادرته بقلق: مالك يا أمجد؟ صوتك مكنش طبيعي في التليفون حصل حاجة؟
قال أمجد بهدوء: اتفضلي يا نورا بس الأول مفيش حاجة.
دَلفت نورا تحمل ابنها الصغير على ذراعها ثم توقفت تنظر لعلياء التي ظهر الإرهاق على محياها.
نهضت علياء لترحب بها.
سلمت عليها نورا ثم نظرت لوطنها بتفحص: مالك يا علياء؟
ثم عادت لأمجد: ماحد يرد عليا! باين خالص أنه فيه حاجة مش طبيعية!
حاولت علياء الابتسام: مفيش حاجة يا نورا إحنا كويسين الحمد لله.
ردت نورا بعناد: لا فيه حاجة وحاجة كبيرة كمان، يعني أنا مش هعرف صوت أخويا لما يكون تعبان! ده كفاية الواحد يبص في وشكم! احكوا لي يمكن أقدر أحل معاكم.
نظرت علياء لأمجد الذي أمسك نورا من ذراعها وأجلسها: اقعدي بس ونتكلم يا نورا.
قالت علياء لأمجد: أنا هدخل أنا يا أمجد أحضر شنطتي.
أومأ أمجد.
بينما حدقت إليهم نورا باستغراب: تحضر شنطتها ليه؟ مسافرين؟
قال أمجد بضيق: علياء هتروح تقعد عند أهلها فترة.
شهقت نورا بذهول: ليه اتخانقتوا!
رد بتوتر: مش ده الموضوع بس حصل سوء تفاهم والفترة دي مفيش تفاهم بينها وبين داليا.
قاطعته نورا بسخط: اه قولي كدة من الأول يبقى الموضوع كله بسبب داليا!
قال أمجد بانزعاج: نورا لو سمحتِ اسمعيني الأول ولا مش بسبب داليا قولتلك مجرد سوء تفاهم وهي هتروح ترتاح فترة وترجع تاني.
قالت نورا بحنق: لا مش سوء تفاهم يا أمجد وأنا عارفة من الأول اللي هيحصل! أنا مش هسيبها تدمر حياتك زي ما أمها عملت قبل كدة!
نهرها أمجد بحدة: نورا! آخر مرة أحذرك تجيبي سيرة الموضوع ده على لسانك أنتِ فاهمة!
نهضت نورا بغضب: طيب وبعد ما أسكت؟ هتسيب حياتك تتخرب تاني! قولتلك ألف مرة أنك بتدلعها ولازم تقف لها علشان متبوظش مسمعتش كلامي، دلوقتي بقى أنا اللي هقف لها يا أمجد!
ثم أسرعت باتجاه غرفة داليا وفتحتها على غفلة منها.
ففُزعت داليا وهي تنظر لعمتها الغاضبة التي اتجهت نحوها وسحبتها من ذراعها لتقف صارخة: أنتِ يا بت أنتِ مش هترتاحي غير لما تخربي حياة أبوكِ!
قالت داليا بدهشة: فيه إيه ياعمتو حصل إيه؟
لحق بها أمجد وأبعدها عن داليا قائلا بحزم: خلاص يا نورا مينفعش اللي أنتِ بتعمليه ده!
حدقت إليه نورا بغيظ: لا وينفع اللي هي بتعمله أوي!
عادت نورا تحدق لها بحنق: هتستفيدي إيه لما تخربي حياته مع مراته؟ قوليلي ها؟ أنتِ شكلك وراكِ حاجة مش مظبوطة!
خافت داليا من أن يكون انكشف أمرها فقالت بارتباك حاولت إخفائه بالاستياء: يعني إيه كلامك ده مش فاهمة! أنا معملتش حاجة.
ابتسمت نورا بسخرية: لا دور الملاك تعمليه مش هيدخل عليا، الدور اللي عملته أمك زمان ما أنتِ طالعة زيها!
صدع صوت أمجد العالي في الغرفة باحتدام: خلاص! إيه مش مالي عينك يا نورا ولا إيه! قولتلك كفاية!
صمتت نورا أخيرا.
فأمسكها أمجد وأخرجها من الغرفة ثم أغلق الباب.
فجلست داليا على سريرها بخوف وتوتر من الواضح أن عمتها لن ترك الأمر يمر على خير وربما تقلب والدها ضدها أو ينكشف أمرها.
فماذا ستفعل حينها؟
نظرت إلى الهاتف وتذكرت كلمات والدتها، هل يمكن أن تكون تلك الحل؟
في الخارج وبخ أمجد نورا بشدة: لو أنا مش راجل ومالي عينك يا نورا ساعتها قوليلي وأنا هسيبك تحلي مشاكلي وتزعقي في بنتي قدامي ومش عاملة أي احترام ليا!
زفرت نورا بضيق: يا أمجد أنا زعلانة علشانك علشان كدة فقدت أعصابي مش عايزة أشوفك زعلان ومضايق، مش هستحمل أبدا أشوفك تاني في الحالة اللي كنت فيها قبل كدة ولو ليوم واحد حتى!
أغمض عيناه وأخذ نفسا عميقًا قبل أن يفتحها ويرد بهدوء: أنا قولتلك أنه كل حاجة هتتحل بإذن الله، وأنا مش هسمح أنه حياتي مع علياء تتهد فمتقلقيش يا نورا واهدي شوية، أنا بزعل من اللي بشوفه منك تجاه داليا.
أشاحت بوجهها للناحية الأخرى وقالت بتبرم: أنا عايزة أدخل لعلياء.
هز رأسه بيأس من شقيقته لكنه يعلم أنها تفعل كل ذلك قلقًا عليه فأشار لها: تعالي يلا.
دلفوا للغرفة.
وفي ذات الوقت فتحت داليا باب غرفتها بروية وهي تتفقد بعينيها إذا كان هناك أحد في الصالة أم لا.
لم تجد أحد فخرجت من الغرفة وهي تتلفت حولها بتوتر.
تقدمت بخطوات ثقيلة إلى الباب، عيناها تجول في المكان بخشية.
ترددت للحظة وهي تضع يدها على مقبض الباب وشعورا من الاختناق يسيطر عليها.
ثم فتحت الباب بهدوء حتى لا ينتبه أحد وأغلقت الباب ورائها بتمهل.
بعد قليل خرج أمجد من الغرفة وترك علياء ونورا لوحدهما.
فكر بأن يذهب ليتحدث مع داليا حتى لا تستاء من عمتها ومن حديثها.
طرق الباب لعدة مرات وحين لم يجد إجابة فتح باب غرفتها.
قطب باستغراب حين لم يجدها في غرفتها فدخل وهو يناديها ظنًا منه أنها في الحمام.
انتظر لدقيقة قبل أن يقتحم الحمام معتقدًا بخوف أنها متعبة أو فقدت الوعي.
وقف مكانه بذهول حين وجده فارغًا.
خرج مسرعًا من الغرفة ليبحث بصورة سريعة عنها في أرجاء المنزل ثم نادى علياء ونورا بصوت عالي مما أفزعهم فخرجوا لهم على الفور.
قال أمجد باضطراب: أنا مش لاقي داليا في أوضتها ولا في البيت كله، داليا مشيت من البيت!
رواية خداع قاسي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ديانا ماريا
شهق كل من علياء ونورا غير مصدقين.
تابع أمجد بسرعة وهو يتجه ناحية الباب: أنا نازل أدور عليها بسرعة.
أسرعت علياء ورائه: استنى يا أمجد إحنا جايين معاك.
قال بجدية: ملوش لزوم خليكم أنتوا هنا أحسن.
أصرت علياء: لا أنا هاجي معاك مش هسيبك لوحدك.
هبط الثلاثة وأمجد يبحث عن داليا في كل مكان دون فائدة. ولكن حين سأل عنها أخبره أحدهم أنه شاهدها تسير بالفعل منذ بعض الوقت لخارج المنطقة.
أخرج أمجد هاتفه ليتصل بها فوجده مغلق. نظر للهاتف بيأس ممزوج بالغضب: ليه يا داليا!
فكر بحيرة وخوف: ياترى تكون راحت فين؟
بعد بحث مطول لساعات في كل مكان يمكن أن يخطر على بالهم، يأس أمجد من إيجاد ابنته ليتجه إلى الشرطة حتى يحرر محضر بتغيبها. إلا أنهم أخبروه أنه لا يمكن تحرير محضر إلا بعد مرور يوم كامل على غيابها. مما أغضبه وكاد يتشاجر مع ضابط الشرطة، ولكن علياء حاولت تهدئته والعودة للمنزل ليفكروا في حل آخر.
دخل أمجد إلى منزله بخطوات ثقيلة وهو يتفحص أرجائه بعيون حزينة. قلبه يتأكل من الحزن والقلق على غياب ابنته التي لا يعلم أين يمكن أن تكون هي الآن. يستطيع أن يقسم أنه يرى ذكرياتها الآن أمام عينيه. لماذا تركته وذهبت؟ لقد حاول قدر المستطاع أن يوفر لها كل سُبل راحتها وسعادتها. يا تُرى أين أخطأ؟
جلس وهو ينهد بأنفاس ثقيلة. فجلست علياء بجانبه تربت على كتفه بمواساة: بإذن الله يا أمجد هترجع متقلقش.
جلست نورا على الناحية الأخرى بحزن: متزعلش نفسك ياخويا أكيد هترجع بإذن الله.
رد بصوت منخفض ملئ بالألم: يا ترى تكون راحت فين بس دلوقتي؟ هي كويسة ولا لا؟
لم يكن أمجد يستمع إليهم فقد كان في عالمه الخاص ينظر أمامه بعيون دامعة بشرود. نظرت علياء لنورا بقلة حيلة لأنهم لا يجدوا ما يمكن أن يخفف عن أمجد، أنهم ذاتهم يشعرون بالقلق الشديد على داليا فكيف بوالدها؟
قبل ذلك بعدة ساعات حين هربت داليا من المنزل، كانت اتصلت بأمها لتعلن لها موافقتها. فأخبرتها بأن تغادر دون أن يشعر أحد وهي سترسل أحد ينتظرها ويحضرها لمنزلها.
حين هبطت من المنزل ابتعدت بسرعة عن منطقتهم لأنه حين يدرك والدها غيابها سيبحث عنها بالتأكيد. ثم اتصلت بوالدتها التي أخبرتها أن هناك شخصًا ينتظرها. حين رأت داليا ذلك الشخص لم تشعر بالارتياح له ولكن والدتها تعرفه لذلك ذهبت معه.
حين وصلوا للحي الذي تسكن به والدتها صُدمت داليا من المنظر الذي رأته. ناظرته بتفحص وهي تشعر بالاشمئزاز. كان حي شعبي للغاية لم تدخل مثله من قبل. كما أن القذارة تظهر على أرجائه أينما تسير عكس مكان سكنها مع والدها.
تبعت ذلك الرجل حين دلف لعمارة ذات طلاء مقشر. وأخيرا وجدت والدتها بانتظارها فأسرعت إليها على الفور تعانقها بفرح: وحشتيني أوي يا ماما عاملة إيه؟
نظرت لها حسناء بامتعاض لأنها كانت تشد عليها بقوة. ثم حدقت بابتسامة خبيثة للرجل الذي أمامها فبادلها إياها قبل أن يغادر.
أبعدت حسناء داليا عنها وقالت بابتسامة مزيفة: وأنتِ كمان وحشتيني أوي يا حبيبتي.
دَلفت معها وهي تتفحص أرجاء الشقة البسيطة بتعجب قبل أن تلتفت لوالدتها قائلة بتوتر: ماما هو اللي أنا عملته ده صح؟ يعني كدة بابا هيرجع لنا؟
أمسكتها من يدها ليجلسا. مجيبة بثقة: طبعا يا حبيبتي أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس.
سألتها داليا بحيرة: طب هتعملي إيه دلوقتي ولا هيحصل إيه؟
مسحت حسناء على شعرها وقالت بابتسامة: متشغليش بالك هتعرفي في الوقت المناسب.
لم ينم أمجد طوال الليل من التفكير والقلق. حتى أن عينيه لم تغفل لثواني يحاول أن يصل لأي طريق عله يجد مكان داليا. لقد طلب المساعدة جميع أصدقائه لعل أحد منهم يستطيع أن يجد شيئا ما يساعده.
كانت علياء تنام مقابله على الأريكة بعد أن رفضت أن تتركه وتنام على السرير. بينما هو يتأملها بعيون مرهقة من قلة النوم.
فتحت علياء عيناها لتشاهده على تلك الحالة فنهضت بإرهاق تقول بصوت ناعس: أنت منمتش يا أمجد.
هز رأسه نفيًا بأسى: منين يجي النوم بس.
تنهدت بحزن على حاله. وفجأة نهضوا بفزع وقد تيقظ كل منهما على صوت طرقات عالية على الباب. فتوجه أمجد ليفتح.
وجد ضابط شرطة أمامه مع بعض العساكر. فقال أمجد بدهشة: فيه إيه يا حضرة الضابط؟
قال الضابط بجدية: أنت أمجد عز الدين؟
أومأ أمجد باستغراب: أيوا أنا في إيه؟
رد الضابط بصرامة: متقدم فيك بلاغ من طليقتك حسناء عبد الجواد بتتهمك فيه أنك بتضرب بنتك وبتتعرض للعنف المنزلي في بيتك!
رواية خداع قاسي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ديانا ماريا
تجمد أمجد للحظات مكانه يتساءل في نفسه إن كان يتوهم ما سمعه أم لا، حتى تحدث بعدم تصديق:
"ح... حضرتك قلت مين؟"
رفع الضابط حاجبه ورد بعدم رضى:
"طليقتك يا أستاذ حسناء عبد الجواد."
ردد أمجد بصوت هامس:
"حسناء!"
لقد ظن أنه سيرتاح من سماع ذلك الاسم لفترة من الزمن، حتى يكون مؤهلاً ليتحدث عنها في يوم من الأيام لابنته ويشرح لها سبب غيابها عن حياتها. لكن لم تكد تمر عدة سنوات حتى وها قد عادت لحياته لتدمرها مرة أخرى، كما دمرتها من قبل، تاركة إياه محطمًا.
شد بيده على مقبض الباب وهو يجيب الضابط:
"مقدمة بلاغ أني بضرب بنتي؟ يعني بنتي معاها؟"
أومأ الضابط بملل، فأخفض أمجد عيناه بألم، ثم عاد يقول للضابط بهدوء:
"تمام، أنا جاي معاك يا حضرة الضابط."
أسرعت علياء، التي كانت تستمع بذهول إلى أمجد، بقلق:
"أنا جاية معاك يا أمجد."
التفت لها أمجد بصرامة:
"خليكِ هنا يا علياء، مفيش داعي."
اتسعت عيونها بدهشة:
"يعني عايزني أسيبك لوحدك! ده إزاي؟"
تابعت بتصميم:
"أنا هاجي معاك مش هسيبك."
نظر لها أمجد بحدة:
"اسمعي الكلام يا علياء! خليكِ هنا أفضل."
ثم غادر مع ضابط الشرطة، تاركًا علياء ترتمي على الأريكة لتفكر بذهول فيما يحدث.
كان أمجد يقف أمام الضابط حين دلفت حسناء. تسمرت عيون أمجد عليها حتى وقف بعيدًا عنه. رغم مرور سنوات، إلا أنها لم تتغير أبدًا، ما زالت كما هي، حتى الكذب والخداع الذي كان أعمى عنه لفترة طويلة يطل من عينيها اللتين تنظران له بخبث.
طلب الضابط من حسناء أقوالها، فبدأت تتحدث بنبرة حزينة مزيفة وهي تتصنع البكاء:
"أنا يا حضرة الضابط منفصلة عن الراجل ده من تلت سنين، وبسبب ظروفي الوحشة وإني مش هقدر أعيش بنتي عيشة كويسة، دوست على قلبي وسيبتهاله علشان يقدر يعلمها ويكبرها. بس متوقعتش أبدا يعمل فيها كدة، أنت مشوفتش البنت جات لي عاملة إزاي، ده أنا قلبي اتقطع عليها!"
ثم أجهشت ببكاء مزيف، وأمجد يحدق لها بعدم تصديق، يكاد ينفجر من الغيظ استهجانًا مما يشاهده من كذب وتمثيل متقن أمامه.
وجه الضابط حديثه له:
"إيه رأيك في الكلام ده يا أستاذ أمجد؟"
نظر أمجد للضابط بوجه جامد:
"الكلام ده كله كدب، وأنا بطلب أنه داليا بنتي تيجي وتقول شهادتها."
خافت حسناء من أن يطالب الضابط بوجود داليا وتنكشف لعبتها، فصرخت في أمجد:
"وعايزها ليه ها؟ علشان تخاف منك وتكذب؟ مش كفاية البنت منهارة في البيت مش بتتحرك ولا بتتكلم من اللي حصل وشافته!"
حدق إليها أمجد بحدة ممزوجة بالكراهية، جعلتها تشعر بالرهبة وتتراجع بضعة خطوات للخلف، إلا أنها بقيت صامدة أمامه حتى لا تنفضح.
أشار لها الضابط:
"تقدري تتفضلي دلوقتي يا مدام."
خرجت بسرعة وهي تشعر بالبهجة الشديدة من سير خطتها كما ترغب، وأنها قريبًا ستحقق الهدف النهائي مما تخطط له. إلا أنها حدثت نفسها بتوجس أن عليها الحذر من أمجد لأنه لن يصمت عن أفعالها.
كانت تسير خارج مركز الشرطة بابتسامة منتصرة، لكنها توقفت مكانها بذهول حين سمعت شخصًا يناديها بصدمة:
"هو أنتِ!"
رواية خداع قاسي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ديانا ماريا
علمت حسناء صوت من يكون، لكنها لم تلتفت. أوشكت على متابعة طريقها إلا أن نورا تقدمت بسرعة ومنعتها وهي تُمسك بها بشراسة.
"كان لازم أعرف أنه المصايب اللي بتحصل في حياة أخويا من حية زيك هو جديد عليكِ!"
لحقت علياء بنورا لتمنعها من الاشتباك مع حسناء، التي تراها لأول مرة في الواقع. حاولت إبعادها عنها.
"مش كدة يا نورا."
دفعتها حسناء عنها باحتقار مزدري وهي تبتسم بلؤم.
"اتلمي أحسن لك يا نورا وإلا هتشرفي في نفس الحبس مع أخوكِ."
أمسكتها علياء تشدها للوراء.
"مينفعش كدة يا نورا إحنا قدام القسم."
حاولت نورا الإفلات منها لتنقض على حسناء مرة أخرى قائلة بكراهية تشع من عينيها.
"اوعي سيبيني أعلمها الأدب اللي عمرها ما عرفته في حياتها."
تابعت موجهة كلامها لحسناء بحقد.
"هو أنتِ فاكراني هخاف منك ده أنا أجيبك تحت رجلي!"
ابتسمت حسناء بخبث.
"بجد يا نورا؟ ده أنا فاكرة أنك زمان كنتِ زي القطة المغمضة، فاكرة ولا تحبي أفكرك؟"
بحثت بعينها ورائهما.
"أمال فين جوزك مجاش ولا إيه؟ تصدقي نفسي أشوفه."
ختمت حديثها بنظرات ساخرة زادت من لهيب غضب نورا، التي أفلتت من بين يدي علياء لتهاجم حسناء بشراسة جاذبة إياها من شعرها.
حاولت علياء أن تفض النزاع دون جدوى حتى تدخل بعض الناس وأبعدوهما عن بعضهما.
"ماشي يا نورا أما وريتك مبقاش أنا! أنا هدفعك تمن اللي عملتيه ده وهخليكِ تيجي تبوسي رجلي!"
بصقت نورا عليها بينما تغادر.
"ممكن تهدي شوية علشان ندخل لأمجد؟ مينفعش اللي عملتيه ده على فكرة يا نورا!"
حدقت لها نورا بدهشة غاضبة.
"مينفعش؟ يعني بعد كل اللي بيعمله فينا المفروض أشوفها وأسكت؟"
أجابت علياء بصرامة.
"واللي عملتيه دلوقتي هيفيد أمجد مثلا؟ بالعكس ممكن يضره أكتر كمان ويثبت التهمة عليه، أنتِ متهورة جدا يا نورا!"
سألتها نورا بانزعاج.
"وأنتِ ليه مقولتيش أنه هي اللي مقدمة فيه البلاغ؟"
نفخت علياء بنفاذ صبر.
"لأني مش فاهمة حاجة يا نورا، يدوب البوليس جه وخد أمجد، كلمتك علشان نيجي ونفهم الوضع، يلا ندخل زمان المحامي مستنينا جوا، يارب بس اللي حصل ده ميضرش أمجد."
التفتت علياء لتدخل لمركز الشرطة، بينما عينا نورا تتبعان أثر حسناء هامسة بألم.
"أنتِ متعرفيش هي مؤذية إزاي، حتى أنا مرحمتنيش!"
حين عادت حسناء للمنزل، كانت داليا تنتظرها لتستفسر منها لأنها لم تفهم تصرفات والدتها. فأخبرتها حسناء خطتها حتى تكون مستعدة لما يحدث.
كانت داليا تراقب والدتها بعدم تصديق، وقد سقطت على الأريكة ورائها بصدمة.
"قدمتي بلاغ ضد بابا؟ طب ليه؟"
تقدمت منها حسناء تحاول إقناعها.
"يا داليا ده الحل الوحيد قدامنا!"
هزت داليا رأسها برفض.
"بس إحنا قولنا عايزين نخرج علياء من حياته مش نأذيه!"
جلست أمامها ممسكة يديها بعطف.
"يا داليا صدقيني ده الكل الوحيد قدامنا، إحنا لو كنا قدمنا بلاغ في علياء كان أمجد هيتمسك بيها أكتر إنما اللي دلوقتي هو هيشوف أنه هي كل المشاكل اللي هو فيها ومش هيبقى طايقها ساعتها الطلاق هيبقى سهل بينهم."
دمعت عينا داليا وهزت رأسها بعدم اقتناع.
"بس بابا ميستاهلش كدة، هو ممكن يبقى في السجن...."
قاطعتها حسناء على الفور.
"مين قالك هيبقى في السجن لا طبعا مش هيروح السجن يا داليا هو أنا ممكن أعمل كدة في أمجد؟ مستحيل بس دي خطوة ضرورية لمصلحتنا."
شعرت داليا بالتوتر وأنها لا توافق على ما تسمعه من والدتها، فهي بالتأكيد لم تفعل كل ذلك حتى يتضرر والدها!
رأت حسناء تردد داليا فكتمت غضبها حتى تصرخ في وجهها وتخرب كل ما فعلته.
شدت على يديها باستعطاف زائف.
"يا داليا يا حبيبتي أنا أمك مش عايزة غير مصلحتك أنا عمري ما هعمل حاجة تضرك ولا تضر أمجد مش أنا بعمل كل ده علشان نرجع سوا؟ لما أمجد يطلق علياء ساعتها سهل يسامحنا على كل اللي عملناه لأنه بيحبنا."
نظرت لها داليا بوجه باكي صامت لا تعرف بما تجيبها، من ناحية هي تريد عودة والديها معها وتفعل كل شيء لذلك، ومن ناحية أخرى لا يمكنها تخيل أن والدها يتأذى ويشعر بالحزن بسببها.
بعد مرور بعض الوقت، استطاع المحامي إخراج أمجد بكفالة مالية مع ضمان مكان إقامته. لم تستطع علياء أو نورا التحدث مع أمجد بسبب تعبير الجمود الذي على وجهه، إلا أن علياء استطاعت التقاط الغضب في عينيه.
حين وصل للمنزل، أمسك هاتفه ليجري إتصال. فنظرت نورا لعلياء.
"طيب أنا هروح البيت على ما يرتاح شوية واجي تاني مع جوزي علشان معرفش يخرج من الشغل ويجي الصبح."
أومأت علياء وودعت نورا، ثم دلفت لتجد أمجد يتحدث بغضب على الهاتف. انتظرت حتى انتهى وبادرت بالحديث بهدوء.
"أحضر لك الأكل؟ عاوز حاجة؟"
هز رأسه بالرفض مفكرًا. فتقدمت إليه علياء واضعة يديها على كتفيه قائلة بتعقل.
"يا أمجد أنا عايزاك تهدى قبل ما تاخذ أي خطوة الوضع مش مستحمل زي ما أنت عارف."
حدق إليها أمجد بعيون غاضبة ورد بصوت خافت من بين أسنانه.
"علياء متدخليش في الموضوع ده، الموضوع ده بيني وبينها وطالما هي بدأتها كدة أنا مش هقف متكتف أتفرج عليها وهي بتدمرني!"
ارتفع صوته بحنق.
"دي بتتهمني أني بضرب بنتي! وداليا! داليا موافقاها على كدة!"
أنهى كلماته بمرارة ممزوجة بالتساؤل المستنكر، لا يصدق أن ابنته تشترك في أمر دنئ كهذا وتوافق عليه! يشعر أنه سيجن من الحيرة ولأسئلته التي لا يجد لها إجابات.
حدقت إليها علياء بحزن وحاولت مواساته.
"أكيد في تفسير تاني لموقف داليا من اللي بيحصل يا أمجد، متضايقش نفسك كدة."
تغيرت قسمات وجهه للإصرار.
"وده اللي لازم أعرفه بنفسي."
عقدت حاجبيها بعدم فهم.
"يعني إيه؟"
أجابها ببساطة.
"يعني هروح وأعرف الحقيقة من داليا."
حاولت الإعتراض فأسكتها بحزم.
"أنا مش هيهدى لي بال ولا أقدر أرتاح قبل ما أعرف الحقيقة يا علياء افهميني دي بنتي!"
صمتت علياء وهى لا تجد جدوى من منعها لأنها تخاف عليه، فهو مصمم للغاية ولديه كل الحق في ذلك.
كانت حسناء مازالت تحاول إقناع داليا بما فعلته حين سمعوا طرقًا قويًا على الباب انتفضوا بسببه. فنظروا إليه مذعورين وهم يسمعوا صوت أمجد يأمر بخشونة.
"افتحي الباب!"
نظرت حسناء تستجديها.
"داليا أمجد هنا لو قولتي أي حاجة غير اللي أنا قولتها ساعتها كل حاجة عملناها هتتدمر."
نظرت داليا لها بتوتر ثم للباب بخوف. فأمسكتها حسناء من كتفيها تهزها بقوة.
"داليا ركزي معايا كل حاجة واقفة عليكِ دلوقتي أنتِ فاهمة؟"
كان الطرق العنيف يزداد أكثر وصوت أمجد يأمرهم بتصميم ليفتحوا له.
توسلتها حسناء.
"يا داليا لو كل حاجة باظت أمجد هياخدك ومش هشوفك تاني أبدا هيحرمني منك وممكن اتحبس فيها كمان لو اكتشف أننا كنا بنكدب."
شعرت داليا أن هذا الأمر أكثر من أن تتحملها وأنها بين اختيارين لا تريد إختيار أي منهما منفردًا.
ارتفع صوت أمجد مهددًا بعنف.
"أنا هكسر الباب ده دلوقتي حالا لو متفتحش."
تركت حسناء داليا بتوتر وعيناها ترجوها ألا تخذلها، بينما تسير لتفتح الباب.
تبدل تعبير وجهها فواجهت أمجد بصراخ غاضب.
"إيه؟ عامل إزعاج ليه؟ أنت ليك عين تيجي هنا أصلا؟"
حدق إليها أمجد بحدة.
"أنا مش جاي ليكِ ومش عايز أسمع صوتك."
وجه نظراته لداليا بتساؤل ممزوج باللوم.
"أنا جاي أسألك يا داليا هو إيه اللي بيحصل بالضبط؟"
تقدم خطوتين للإمام، تراجعت حسناء فتابع.
"أنا عايز أفهم كل حاجة."
حدقت له داليا بصمت عاجزة عن أن تشرح له. فتقدمت حسناء حتى لا تكشفهم داليا قائلة لأمجد بغيظ.
"تفهم إيه مش كل حاجة واضحة؟ أنت متجيش هنا ترعبنا وفاكرنا هنخاف."
لم يعرها أمجد أي إهتمام، بينما بقيت عيناه على داليا باستياء.
"لسة مستني إجابتك يا داليا، أنتِ فعلا ساعدتيها تعمل بلاغ ضدي؟ ضد بابا يا داليا؟"
أسرعت داليا تقول بارتباك متلهف.
"لا أنا...."
قاطعتها حسناء على الفور لتمنعها من الحديث.
"أنت جاي تربك البنت ولا بتهددها؟ مش كفاية اللي حصلها؟"
صاح بها أمجد بتهديد.
"أقسم بالله لو ما سكتِ لهتشوفي التهديد اللي على حق اخرسي بقى!"
صمتت بغيظ لأنها رأت أنه وصل حده في الغضب.
رفع يديه لوجهه مغمض العينين، بينما يتابع بنفاذ صبر.
"داليا أنا مستعد، مستعد فعلا اتغاضى عن كل اللي حصل وكل العك ده بس تعالي معايا يلا."
فتح عيونه وقال برباطة جأش.
"يلا تعالي نرجع البيت يا داليا."
نظرت له داليا بضعف وحسناء ترى مخططاتها تنهار أمام عينيها، فأسرعت بجانب داليا تضمها من كتفها قائلة بتحدي لأمجد.
"ومين قالك أنها عايزة ترجع معاك البيت؟ داليا عايزة تفضل معايا هنا مع أمها!"
حدق أمجد لداليا بنظرات ثاقبة سائلًا.
"الكلام ده صح يا داليا؟ عايزة تيجي معايا ولا تفضلي هنا؟"
لم تجب، فقالت حسناء وهي تنظر لداليا بتوسل.
"لا داليا هتفضل معايا هنا، هي عايزة كدة؟"
نظر لها أمجد وكرر مرة أخرى بصوت ثابت صبور.
"أنا بسألك يا داليا ردي عليا، عايزة تيجي معايا ولا تفضلي هنا؟"
أحست داليا أنها ممزقة بين طرفين، تنقلت عيونها الدامعة بين والدها الذي يقف أمامها منتظرًا ووالدتها التي تقف بجانبها تناشدها بعينيها، وهي لا تستطيع الإجابة على أي منهما، فكيف ستستطيع الاختيار؟ هل يجب عليها أصلا أن تختار؟ لم تفعل كل ذلك حتى لا تضطر لهذا الموقف؟ كيف ستحسم أمرها الآن حتى تجيب وهي تعلم أن أي اختيار سيكسر قلبها؟
رواية خداع قاسي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ديانا ماريا
بقى أمجد في انتظار الرد بفارغ الصبر يحدق إلى داليا التي كانت تتمزق من الحيرة.
حتى في النهاية قالت بصوت منخفض:
لو سمحت يا بابا ممكن تسيبني هنا مع ماما شوية؟ أنا عايزة أقعد معاها.
اتسعت عيونه بعدم تصديق وتنقلت نظراته بين داليا وحسناء التي ترمقه بانتصار خبيث.
ردد بدهشة:
تقعدي معاها؟ يعني مش هتيجي معايا يا داليا؟
دمعت عيناها وهي ترى الألم في عينيه ولكن أجابت:
أنت عارف يا بابا ماما وحشتني أوي وماصدقت لقيتها.
صمت أمجد يناظرها بألم ممزوج بخيبة الأمل حتى قال بحدة:
مينفعش تفضلي هنا يا داليا لازم تيجي معايا، الكلام ده لمصلحتك!
هزت رأسها بالنفي:
لا أنا مصلحتي أفضل مع ماما.
ثم تابعت باستياء حتى يدرك ما تريده:
أنا مليش مكان معاك ومع مراتك يا بابا.
رفع حاجبه وكأنه فهم أخيرا ما كان يحدث ثم ابتسم بسخرية:
ملكيش مكان ولا عايزة تفضي المكان لحد تاني؟ قولي لي يا داليا هي علياء كانت ضربتك ولا أنتِ اللي عملتي كدة في نفسك؟
احمر وجه داليا من الخجل فقال بتوبيخ:
عمري ماكنت أتخيل يطلع منك كل ده أبدا! رغم أني عارف أنه فيه حاجة غلط بس فضلت اكدب نفسي بدل ما تطلع بنتي هي اللي كدابة!
نظرت داليا للأرض بينما قالت حسناء بتعالي:
أنت جاي هنا علشان تهزأها؟ أنت كنت مستني إجابة وسمعتها يلا اتفضل.
نظر لها بقسوة أخرستها فعاد يحدث داليا:
ياترى كنتِ بتعملي كل ده من دماغك ولا تنفيذ أوامر؟
لم تجب رغم أنه توقع الإجابة مسبقًا فتنهد بيأس ثم استدار وغادر فأسرعت حسناء لتغلق الباب ورائه بقوة.
انهارت داليا من البكاء وهي تجلس على الأرض فنظرت لها حسناء بانزعاج:
بتعيطي ليه دلوقتي؟
رفعت داليا وجهها الباكي بحزن:
أنتِ مش شايفة بابا ماشي زعلان إزاي يا ماما؟ أنا حاسة أني اتسرعت وغلطت.
جلست بجانبها تعاتبها بلوم مزيف:
غلطتي أنك اخترتي أمك يا داليا؟
هزت رأسها نافية وأجابت بألم:
لا بس ليه لازم أختار حد منكم؟ كان صعب عليا مختاروش.
ضمتها حسناء بتعاطف وعينيها تلمع بالمكر:
ده لازم يحصل يا حبيبتي متزعليش بكرة كل حاجة تتصلح.
إلا أن داليا لم تتوقف عن البكاء وآخر لقطة لانكسار والدها قبل أن يغادر لا تذهب من عقلها.
حين سمعت علياء صوت الباب خرجت من الغرفة على الفور لتتوقف حين رأت أمجد يتقدم بخطوات متثاقلة حتى جلس على الأريكة بتعب.
أسرعت إليه تسأله بقلق وهي تضع يدها على كتفه:
إيه اللي حصل يا أمجد؟ طمني.
أرجع رأسه إلى الوراء مغمض العينين وهو يعض على شفتيه فقالت بإصرار:
حصل إيه هناك؟
أدار وجهه إليها فصُدمت لرؤية الدموع المتجمعة في عينيه فقالت بلهفة:
أمجد! مالك؟
ازدرد ريقه بصعوبة ورد بصوت مبحوح:
مش...مش قادر أتكلم.
حدق في عيونها مباشرة قائلًا برجاء:
أنا محتاج لك أوي يا علياء، بالله عليكِ متسبنيش.
ضمته إلى صدرها على بقوة وهي تمسح على شعره بحنان.
بتمسك أمجد بها يغمض عينيه ناشدًا بعض الراحة من كل تلك الهموم حتى انحدرت دمعة من عينه بينما يسقط في النوم من شدة التعب.
لم تتوقف داليا عن البكاء طوال اليوم واستغربت موقف والدتها فهي منذ عادت لغرفتها لم تأتي لتطمئن عليها ولو لمرة واحدة!
حين حل الليل تذكرت أنها لم تأكل منذ الصباح فنهضت بجوع حتى ترى إذا كانت والدتها أعدت الطعام وبعد بحث سريع، دُهشت حين رأت أن والدتها ليست متواجدة في الشقة من الأساس.
قطبت بحيرة فأين يمكن أن تكون ذهبت دون أن تخبرها وتتركها وحدها؟
فكرت أنها ربما ذهبت لتحضر بعض الحاجيات وستعود بسرعة لذلك ذهبت للمطبخ فلم تجد طعام، فتوجهت للثلاجة وكان ذهولها كبيرًا حين وجدت أنها شبه فارغة ولا يوجد ما يصلح للأكل فعليا.
وقفت مكانها بحيرة تحدث نفسها:
يمكن ماما راحت تجيب حاجة نأكلها؟ بس ليه مقالتش ليا!
تحولت في الشقة بملل ثم جلست تنتظر عودتها بفارغ الصبر لأنها لم تكن تشعر بالراحة لجلوسها وحيدة حتى دق جرس الباب فنهضت بسرعة لتفتحه غافلة عن أنه من المفترض والدتها تمتلك مفتاح.
فتحته ثم توقفت مكانها حين وجدت أن من أمامها ليس والدتها بل رجل غريب ينظر إليها بطريقة غير مريحة.
ابتسم بخبث:
ماما هنا يا حلوة؟
شعرت داليا ببعض الرهبة وعدم الارتياح منه ومن مظهره فقالت بخوف:
أنت مين؟
رواية خداع قاسي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ديانا ماريا
تظاهر الرجل بالتفكير لبرهة قبل أن يقول بتسلية:
تقدري تقولي معرفة لماما، هي فين بقى؟
قالت بارتجاف من الخوف:
هي...هي مش موجودة دلوقتي.
ثم أغلقت الباب بسرعة في وجهه، كان تصرف تلقائي نبع من توترها وخوفها خاصة أنها أحست أنها أخطأت حين أخبرته أن والدتها ليست في المنزل وأنها وحيدة هنا.
سمعت ضحكة من الخارج تبعه صوت الرجل بمرح:
كدة تقفلي الباب في وش عمو يا قطة؟ على العموم عرفي ماما إني جيت.
لم تجب داليا وهي تقف مكانها مرتجفة بخوف ثم أرهفت السمع وحين تأكدت أنه ذهب تنفست الصعداء وذهبت لتجلس بضيق.
أين ذهبت والدتها وتركتها لوحدها؟ ومن هذا الرجل الغامض؟
أصدرت معدتها صوت من الجوع فنظرت حولها بحيرة ولم تجد حل غير أن تنتظر إلا أنه مرت ساعة أخرى ولم تعد فنهضت تبحث مرة أخرى عن شيء يصلُح للأكل حين وجدت علبة متبقي فيها بعض من الجبن ولكنها لم تجد خبز تستطيع تناوله معه فوقفت تفكر حتى تساءلت هل تستطيع أن تسأل الجيران ليعطوها؟
فتحت باب المنزل وتوجهت بتردد للشقة المجاورة ثم طرقت الباب.
فتح الباب فتاة تظهر في عمر داليا أو أكبر قليلا رفعت حاجبيها باستغراب:
فيه حاجة؟
قالت داليا بارتباك:
لو..لو سمحتي عندك رغيف عيش؟
حدقت إليها الفتاة بدهشة:
نعم؟
كررت داليا بإحراج:
عيش، أصل أنا جعانة ولما دورت في بيتنا لقيته خلصان وماما مش موجودة.
تفحصتها الفتاة ثم ضحكت:
اه موجود طب تعالي بما أنك قاعدة لوحدك اقعدي معانا.
ردت داليا بتعجب:
معاكم؟
أجابت الفتاة ببساطة:
اه مفيش حد غيري أنا وماما بدل ما أنتِ قاعدة لوحدك.
ترددت داليا لأنهم غرباء ولكن في المقابل ستجلس وحيدة حتى تعود والدتها فابتسمت بتوتر:
تمام.
دلفت بتوتر تتفحص الشقة بعينيها فوجدتها عادية وغير بعيدة عن ديكور شقتهم، أشارت لها الفتاة بالجلوس فجلست ثم اختفت الفتاة في زاوية من الشقة وعادت بعد دقيقتين تحمل لها رغيف الخبز.
قالت بمرح:
اتفضلي العيش أهو، قولي لي بقى إسمك إيه؟
ابتسمت داليا بخجل:
أنا داليا وأنتِ؟
أسندت الفتاة ذراعها على مسند الأريكة:
أنا نورهان، أنتِ مين بقى؟ أنا أول مرة أشوفك.
ردت داليا بتلقائية:
جارتكم تبقى ماما وأنا جيت أعيش معاها هنا.
نظرت لها نورهان بدهشة:
بجد؟ بس إزاي أول مرة أشوفك! وكمان إحنا عمرنا ما عرفنا أنها متجوزة وعندها بنت.
أخفضت داليا رأسها:
ماهو بابا وماما متطلقين وأنا كنت عايشة معاه.
هزت نورهان رأسها ثم رفعت كتفها بلامبالاة، كانت داليا تتجاوب بحذر مع نورهان حتى مضى بهم الوقت وانسجمت معها تمامًا في الحديث متخلية عن بعض توترها ووحدتها حتى انتبهت للوقت المتأخر فشهقت:
إيه ده أنا لازم أروح زمان ماما رجعت ومش عارفة أني هنا.
نهضت بسرعة فسارت معها نورهان حتى الباب، ما إن فتحت الباب حتى صرخت بفزع هي وتمسكت بنورهان حتى تبين لها أن ذلك شاب يرتدي قناع مخيف.
ضحكت نورهان:
مش هتبطل عادتك يا ياسر! شوفت البنت اتخضت.
خلع ياسر القناع وابتسم لداليا بعبث:
والله كنت ناوي اخضك أنتِ بس حظها بقى.
التفتت نورهان لداليا قائلة:
ده ياسر ابن خالي، ساكن قريب من هنا وبيحب يرخم عليا علطول.
أومأت داليا ولم تتفوه بكلمة لأنها محرجة من وجود ياسر الذي يظهر أنه يكبرها ببضعة سنوات ثم ذهبت لشقتها متجاهلة نظراته، دلفت لتجد والدتها لازالت في الخارج فاستقلت على الأريكة بإحباط وقد فقدت شهيتها للأكل.
همست بحزن:
أنتِ روحتي فين وسيبتيني لحد دلوقتي يا ماما؟
غفت مكانها حين سمعت صوت الباب يفتح فنهضت على الفور لتجدها حسناء.
قالت بارتياح:
أخيرا يا ماما كنتِ فين كل ده؟
نظرت لها حسناء بتعجب وقالت باستياء:
أنتِ إيه اللي مصحيكي لدلوقتي؟
ردت داليا مستغربة:
أنا كلها ملقتكيش في الشقة ومعرفش أنتِ ومش بتردي على التليفون حتى ملقتش أي أكل في الشقة غير حتة جبنة فروحت جيبت عيش من الجيران، أنا كنت قاعدة خايفة لوحدي ليه مقولتيش أنك خارجة؟
تأففت حسناء بضيق:
جالي تليفون علشان شغل وروحت أشوفه.
قالت داليا بتساؤل:
شغل؟ ليه؟
نظرت لها حسناء بغضب:
وأنتِ فاكرة هنصرف منين ياعيون أمك؟ مش أبوكِ سابك لازم فلوس علشان نعيش.
نظرت لها داليا بذهول فتداركت حسناء ما فعلته وقالت بابتسامة:
متزعليش مني يا حبيبتي بس أنا تعبانة دلوقتي، إحنا دلوقتي مش معانا فلوس لحد ما باباكِ يبعت المصروف لازم أتصرف.
أومأت داليا بصمت وهي مازالت تتطلع إليها ثم قالت بصوت منخفض:
طب مش هناكل؟
سارت حسناء لغرفتها بينما تقول بلامبالاة:
مش قولتي جيبتي وكلتي من عند الجيران يبقى خلاص، أنا واكلة برة.
ثم دخلت وتركت داليا واقفة مكانها بحيرة كبيرة من تصرفات والدتها الغير منطقية.
في اليوم التالي استيقظت داليا وخرجت لتجد والدتها تستعد للذهاب مرة أخرى فقالت بدهشة:
أنتِ هتمشي من بدري كدة يا ماما؟ طب هترجعي امتى؟
قالت حسناء ببرود:
مش عارفة لسة يا داليا هبقى أكلمك.
ثم توجهت لتخرج فقالت داليا بسرعة:
طب متنسيش تجيبي أكل وأنتِ جاية مفيش حاجة في البيت.
ابتسمت حسناء بسخرية:
شوفي من الجيران أو انزلي خدي من البقال وهبقى أدفع له الفلوس.
ثم غادرت تحت نظرات داليا المذهولة ولأنها ستمضي نهارًا طويلًا لوحدها بدأت تشعر بالملل على الفور وحاولت إيجاد شيء ليسليها وبعد أن تحدثت مع صديقتها لبعض الوقت وجلست على الهاتف ألقته جانبها بضيق.
ضمتها ركبتها لصدرها وهي تستند عليها بذقنها تفكر بحزن أنها اشتاقت لوالدها كثيرًا ولم تقصد أن تكسره بذلك الشكل لكن في المقابل عليه أن يتفهم رغبتها!
ضايقها تفكيرها أكثر ولم ترد أن تجلس وحيدة حتى أتى في بالها لما لا تذهب لنورهان؟ تلك الفتاة التي من عمرها، ربما يمكنها إنشاء علاقة طيبة معها خصوصا أنها لا تعرف أحد هنا وأيضا تمضي معها بعض الوقت خلال غياب والدتها.
ذهبت بتردد وهي تدعو أن تكون في المنزل حين فتحت لها فابتسمت داليا:
أنا كنت قاعدة لوحدي شوية لأنه ماما في الشغل فلو فاضية ممكن نقعد مع بعض شوية؟
رفعت نورهان حاجبها بابتسامة:
في الشغل؟ تعالي يلا أنا كمان قاعدة لوحدي لأنه ماما أغلب الوقت نايمة.
مع مرور الوقت عرفا أشياء أكثر عن بعضهما فقد علمت داليا أنا والد نورهان مسافر خارج مصر ويأتي في إجازات سنوية ولا تمتلك أي إخوة مثلها.
فجأة حضر ياسر فشعرت داليا بالتوتر ونهضت لتغادر فسألت نورهان بتعجب:
رايحة فين؟
قالت داليا بحرج:
همشي بقى.
ابتسم ياسر ففهمت نورهان سبب مغادرة داليا فقالت باستنكار وهي تشدها لتجلس مرة أخرى:
يا شيخة أنا فكرت فيه حاجة اقعدي ده ياسر مش غريب شوية وهتتعودي عليه.
ثم تابعت نورهان الحديث والمزاح مع ياسر وداليا صامتة، كان ياسر يحاول فتح حوار معها ولكنها كانت تجيب باختصار ثم بعد مرور بعض الوقت غادرت.
تنفست الصعداء حين عادت للمنزل لأنها كانت تشعر بالتوتر الشديد في حضور ياسر وانتظرت والدتها كالعادة التي عادت في وقت متأخر.
أصبح ذلك النظام المعتاد في الأيام التالية كانت والدتها تغادر فيما سمته العمل بينما تبقى داليا وحيدة مع نفسها وهي مستغربة تصرفات والدتها التي لا تقضي معها أي وقت فكانت تلجأ لنورهان وتقضي معها وقتها ورغم امتناعها في البداية إلا أنها اعتادت على وجود ياسر تدريجيا وتحول صمتها لحديث سطحي معه في بعض الأحيان، كان اشتياقها لوالدها يكبر مع مرور الأيام ولكننا لا تخبر والدتها بذلك لأنها حين قالت لها في مرة أنها ستتصل به غضبت بشدة مخبرة إياها أنها ستخرب ما يفعلوه بفعلتها تلك وأن على والدها أن يشتاق لهم ويشعر بألم خسارتهم بحيث يصعب عليه العيش بدونهم وبذلك سيعود لهم لذلك صمتت.
كانت نورا تجلس مع علياء في المطبخ بينما يجلس أمجد في الصالة.
زفرت نورا بضيق:
أمجد عامل إيه يا علياء؟ هيفضل كدة كتير؟
أجابت علياء بهدوء:
والله يا نورا مش كويس خالص زي ما أنتِ شايفاه كدة بس بنحاول نمشي الدنيا نشوف هترسى على إيه.
غمغمت نورا بعصبية:
أنا مش فاهمة هي عايزة منه إيه؟ حالفة لتخرب حياته طول العمر، ربنا ينتقم منها!
ترددت علياء ثم قالت بتساؤل:
نورا أنا عايزة أعرف إيه حصل بالضبط، يعني أمجد فهمني شوية من الموضوع إنما عمره ما حكى لي إيه حصل بالضبط وليه أنتِ بتكرهيها أوي كدة؟ أظن من حقي أعرف وأفهم.
نظرت لها نورا لبضعة لحظات ثم تنهدت بأسى:
أنا هحكي لك كل حاجة.
كانت داليا تحلس كعادتها مع نورهان وياسر يتبادلون أطراف الحديث ويضحكون على بعض النكات، لاحظت داليا مؤخرا أن ياسر ينظر لها بشكل خاص ويطيل النظر إليها مما آثار ارتباكها بشدة، حين حان موعد مغادرتها لحقها ياسر حتى الباب قائلا:
داليا ممكن أقولك على حاجة مهمة؟
التفتت له داليا بارتباك:
نعم فيه إيه؟
تقدم ليقف أقرب إليها وابتسم قائلا:
داليا، أنا معجب بيكِ.
رواية خداع قاسي الفصل السابع عشر 17 - بقلم ديانا ماريا
تجمدت داليا حتى أنها فتحت فمها من الصدمة.
ضحك ياسر: إيه مالك مصدومة كدة ليه؟
ردت بارتباك: اا... أنت بتقول إيه؟
حدق إليها باستغراب: بقولك معجب بيكِ يا بنتي، إيه الغريب في كدة؟
اضطربت داليا من جرأته: بس اللي أنت بتقوله ده مينفعش.
رفع حاجبه باستهزاء: مينفعش ليه؟
أجابت بتوتر: علشان.... علشان أنا وأنت لسة صغيرين.
ضحك ياسر بتعجب: وفيها إيه يعني؟ هو أنا بقولك تعالي نتجوز؟ بقولك معجب بيكِ ولو أنتِ كمان معجبة بيا نقدر نرتبط علشان نتعرف على بعض أكتر.
قالت بعدم تصديق: نرتبط؟ بس ده حرام!
رمقها بسخرية: يااه، هو أنتِ معانا على الأرض؟ الكلام ده بقى قديم خلاص، وبعدين أنا عارف أنك معجبة بيا، متحاوليش تنكري.
احمر وجهها من الحرج والذهول، لأنه كيف علِم بذلك؟ بالفعل، رغم جلساتهم القليلة إلا أنها أحبت طبعه المرح.
ضحك مرة أخرى على ردة فعلها: داليا، أنا معجب بيكِ بجد، ودي فرصة كويسة علشان نتعرف على بعض لحد ما نبقى في عمر مناسب وأجي أتقدم لك، يعني مش حاجة غلط، فكري كويس وهستنى ردك.
ثم غادر قبل أن تستطيع الكلام، تاركًا إياها في حالة من الذهول والتخبط.
عادت لبيتها وجلست تفكر في كلماته. كان أمرًا جديدًا عليها أن يتقرب إليها شاب، كما أن والدها علمها وضع الحدود في التعامل بينها وبين الفتيان، وأن ما يحدث اليوم بين الفتيان والفتيات أمر خاطئ. واهتم بتلقينها بعض التعاليم الدينية، إلا أنها الآن تشعر بذلك التذبذب والتردد داخلها.
نظرت حولها بيأس، فهي تحتاج والدتها الأم وتحتاج لنصيحتها بشدة. انتظرتها حتى عادت، فهبت واقفة على الفور: ماما، محتاجة أكلمك في موضوع مهم.
قطبت والدتها بانزعاج: مش وقته يا داليا، أنا جاية تعبانة.
ثم تركتها ودلفت لغرفتها، فوقفت داليا مكانها بإحباط، ثم توجهت لغرفتها.
في الصباح، استيقظت باكرًا حتى تتمكن من التحدث معها قبل أن تذهب.
وجدتها تتناول الطعام، فجلست معها بابتسامة: إيه ده يا ماما، أنتِ جيبتي حاجات للبيت امتى؟ وكمان حضرتي الفطار! مصحتنيش ليه؟
ابتسمت لها حسناء ابتسامة مصطنعة: السوبر ماركت طلعهم يا حبيبتي، وكنت لسة هصحيكِ بس متأخرة على الشغل.
ترددت قليلاً ثم قالت: ماما، كنت عايزة أكلمك في موضوع مهم.
أنهت حسناء طعامها ونهضت لتغادر: مش وقته يا داليا، لما اجي بقى.
نهضت داليا قائلة بإصرار: لا يا ماما، أنا محتاجة أتكلم معاكِ، أنا مبقتيش أشوفك أصلاً.
نهرتها حسناء بحدة: بت! أوعى تتكلمي معايا بالطريقة دي، ولما أقولك مش دلوقتي يبقى مش دلوقتي!
صمتت داليا ونظرت للأرض، فغادرت حسناء دون الاهتمام لها. ضربت الأرض بقدمها باستياء، فقد ملت من عدم اهتمام والدتها الذي وجدته غريبًا للغاية. كانت تشعر أنها تريد مناقشة أحد وإلا أنها ستجن من التفكير.
ففكرت، هل يمكن أن تناقش نورهان في ذلك الموضوع؟ لما لا؟ هي من عمرها وربما ستتفهمها.
كانت تتمنى ألا يحضر ياسر في ذلك الوقت حتى تكون على راحتها ولا يوترها وجوده.
جلست داليا بتوتر حتى بدأت الكلام: نورهان، عايزة أقولك على حاجة.
ردت نورهان باهتمام: قولي.
زفرت بشدة: ياسر قالي أنه معجب بيا.
رفعت نورهان حاجبيها بدهشة ثم ضحكت: بجد؟ قالك امتى؟
ردت داليا بضيق: امبارح.
قالت نورهان بحماس: جامد! شوفتي الواد مقاليش خالص مع أنه ابن عمي، طب اتكلمتوا في إيه؟
رمقتها داليا بتعجب: اتكلمنا؟ نورهان، مينفعش نتكلم أصلاً مع بعض!
نظرت لها نورهان باستغراب: ليه؟
حدقت إليها داليا باستنكار: ليه إيه يا نورهان؟ علشان حرام طبعًا! وبعدين أنا لسة صغيرة أوي.
تجعد وجه نورهان باعتراض: إيه التفكير ده يا بنتي؟ إيه الحرام في كدة؟ أنتوا بتتعرفوا على بعض علشان تشوفي هتعرفي تحبيه وتتجوزوا ولا لا.
ثم تابعت باستخفاف: وبعدين يا بنتي، إحنا لسة صغيرين، من حقنا نعيش ونحب براحتنا، مفيهاش حاجة يعني.
صمتت داليا وهي تحدق إليها، وفي عيونها الرفض لما تسمعه، ولكن في داخلها شعرت أنها مشتتة أكثر من السابق، وصراع ينمو داخلها بما تربت عليه وتعلمته من والدها وما تراه وتسمعه الآن.
بعد مرور الوقت في التحدث عن أشياء أخرى، عادت داليا للمنزل. جلست بضيق وحيرة حتى أتت عيناها على تاريخ اليوم وفجأة تنبهت، إن عيد مولدها في الغد!
جلست فجأة بحماس وهي تفكر ماذا سيحدث غدًا وماذا ستعد والدتها لعيد مولدها الخامس عشر. تذكرت بحزن أنها بعيدة عن والدها الذي كان وعدها بمفاجأة مميزة في عيد ميلادها، ولكنهما الآن بعيدان عن بعضهما.
نسيت داليا قليلاً موضوع ياسر وانشغلت بالتفكير في عيد مولدها. وحين عادت والدتها في المساء، أمضت معها وقتًا طويلاً لأول مرة، فاعتقدت داليا أن ذلك من ضمن المفاجأة التي تعدها والدتها لها، ولم تأتِ على أي ذكر للموضوع حتى ترى ما ستصنعه والدتها لها.
دلف أمجد إلى المنزل وقد أغلق الباب ورائه بقوة أفزعت علياء، التي خرجت بسرعة تقول بقلق: في إيه يا أمجد؟
رمى أمجد بغضب الأوراق التي بيده لتتناثر على الأرض: الحقيرة تاني يوم ما روحت لهم كانت مقدمة بلاغ تاني فيا أني اتهجمت عليها في البيت، ودلوقتي مقدمة طلب للمحكمة أني معرفش أشوف بنتي! غير القضية اللي رافعاها!
كان صدره يعلو ويهبط من الغضب الشديد الذي يشعر به، فتابع بوعيد: والله لأدفعها تمن كل اللي عملته فيا زمان ودلوقتي، أنا هوريكِ يا حسناء، والله ما هسيبك!
رواية خداع قاسي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ديانا ماريا
الجزء 18
استيقظت داليا ونهضت بحماس حتى تكتشف ما حضرته والدتها لها في عيد ميلادها، خرجت من الغرفة وعلى وجهها ابتسامة كبيرة تجمدت حين وجدت المنزل فارغ، اختفت ابتسامتها وهي تبحث عن والدتها ولم تجدها.
هل نسيت والدتها عيد ميلادها؟ حاولت مواساة نفسها بأنها ربما تحضر لها مفاجأة في المساء، ولكنها جلست بحزن لأنها كانت تريدها معها طوال اليوم، فكرت داليا بوالدها باشتياق كم تمنت لو كان معها في هذا اليوم، كان دائما يعدها أن عيد ميلادها الخامس عشر سيكون مميز ولكن أين هو الآن؟ تمنت بشدة لو يدرك والدها ما تتمناه ويعود لوالدتها حتى يتمكنون من العيش معا كعائلة مرة أخرى، على والدها أن يرى أنه المخطئ وأنها ووالدتها على حق.
قطبت حاجبيها بتساؤل لأول مرة، أليس كذلك؟
لم ترد أن تبقى لوحدها فنهضت وبدلت ملابسها حتى تذهب وتقضي بعض الوقت مع نورهان إلا أنها لم تجدها في المنزل مما أثار استغرابها وضيقها وعادت حتى تجلس وحيدة.
كان أمجد يجلس شاردًا والحزن يطل من عينيه فسألته علياء باهتمام: مالك يا أمجد؟ قاعد لوحدك كدة ليه؟
رد أمجد بصوت منخفض وهو مازال يحدق أمامه: النهاردة عيد ميلاد داليا.
أشفقت عليه علياء لأنه قبل حدوث كل تلك المشاكل كان يخطط لمفاجأة تسعد داليا في عيد ميلادها كما كان يعد رحلة سياحية حتى يقضوا بها العطلة الصيفية.
جلست بجانبه ووضعت يدها على كتفه قائلة بعطف: متزعلش يا أمجد بإذن الله كل ده ينتهي وداليا ترجع تاني.
تنهد: يارب يا علياء، أنا تعبت.
أحست علياء بالذنب فقالت بندم: أنا سبب كل المشاكل دي بينكم لو مكنتش اتجوزت...
قاطعها أمجد على الفور بانفعال: لا طبعا أنتِ ملكيش علاقة بأي حاجة بتحصل.
زفر بحنق متابعًا: الموضوع بيني وبين حسناء يا علياء، حسناء مش عايزة تشوفني مبسوط مستعدة تعمل أي حاجة علشان تقهرني وغرضها الأول والأخير هو الفلوس اللي هتقدر تسحبها مني لما تاخد داليا.
قالت علياء فجأة: طب ما تتصل على داليا يا أمجد ولا تبعت لها هدية علشان تعرف أنك فاكرها مش ناسيها، يمكن ده يخليها تعيد حساباتها شوية.
فكر أمجد قليلا: تفتكري؟
أومأت علياء بحماس فأسرع أمجد يحاول الإتصال بابنته إلا أنه استغرب عندما وجد الهاتف مغلقا ونظر لعلياء:مقفول.
قالت علياء بابتسامة: يمكن فاصل شحن ولا حاجة، أهم حاجة فكر في الهدية وابعتها أكيد هتفرح بيها أوي.
أومأ أمجد بالايجاب وبدأ يفكر ماذا يحضر لابنته.
عادت حسناء قبل هبوط الليل مما فاجئ داليا فنهضت بحماس تستقبلها، وجدت تمسك أكياس بيدها فتحضرت ظنًا منها أنها هديتها إلا أنها تعجبت أشد التعجب حين ناولتها والدتها ذلك الكيس قائلة بسرعة: دخلي الحاجة دي المطبخ يا داليا على ما أغير وأجي علشان أعمل الأكل فيه ضيوف جايين لنا بالليل.
ردت داليا باستغراب من شدة ارتباكها: ضيوف؟ ضيوف مين يا ماما وجايين لنا ليه؟
رمقتها حسناء بنظرة استهجان: هما الضيوف بيجوا ليه؟ هو ده سؤال!
سألتها داليا بأمل: ماما هو أنتِ مش فاكرة النهاردة إيه؟
قطبت حسناء بانزعاج: النهاردة هيكون إيه يعني! مش وقت هزار يا داليا معنديش وقت لازم أحضر الأكل يلا اتحركي.
إلا أن خيبة الأمل التي شعرت بها منعتها من الحركة فظلت تحدق لوالدتها بعيون دامعة حتى نظرت لها حسناء بدهشة فصاحت بها: ما تتحركي يا بنتي!
تحركت داليا بخطوات مثقلة فوضعت الأكياس في المطبخ ثم عادت لغرفتها وانهمرت في البكاء، ضمتها ركبتيها لصدرها وهي تشهق بألم، كيف لم تتذكر والدتها هذا اليوم المهم بالنسبة لها؟ بل لما تعاملها بهذا الشكل الغريب في الآونة الأخيرة مع أنها من أصرت عليها وفعلت المستحيل لتبقى معها!
لقد كان والدها كل عام يحضر لعيد ميلادها قبلها بأيام حتى يسعدها! والدها! كم اشتاقت إليه، أنها حقا متعجبة من فرق المعاملة بين والدها ووالدتها رغم أنها لم ترى والدتها لسنوات فلم تتوقع هذا منها أبدا.
حل المساء وداليا مازالت في غرفتها حتى أن حسناء لم تأتي لتراها أو تطمئن عليها مما أثار استياءها الشديد.
كانت جالسة حين دلفت والدتها التي قالت بتعجب: أنتِ ملبستيش!
نظرت لها داليا بتساؤل: ألبس ليه؟
زفرت حسناء بحنق: علشان الضيوف اللي جايين.
رفعت كتفيها بعدم اهتمام: مش لازم أطلع، مش عايزة أقعد معاهم.
اتجهت حسناء إليها بغضب: يعني إيه الكلام ده؟ طبعا لازم تقومي وتطلعي أنتِ عايزة تحرجيني!
نظرت لها داليا بحزن: لا مش عايزة احرجك بس مش عايزة أقضي عيد ميلادي مع ناس غريبة!
رددت حسناء بذهول: عيد ميلادك؟
رمقتها داليا بنظرة مملوءة بالعتاب: أيوا يا ماما.
ابتسمت حسناء بارتباك: يا حبيبتي!
ثم اقتربت منها محاولة تصليح خطأها: متزعليش مني أنا بس متلغبطة اليومين دول بسبب حاجات كتير.
أردفت بصوت حزين قصدًا: أنتِ شايفة ظروفنا يا داليا وباباكِ سايبنا يبقى لازم أنا أتعب علشان نعرف نعيش.
في تلك اللحظة رن هاتف داليا فهتفت بفرح: بابا!
مدت يدها بلهفة حتى تجيب إلا أن يد حسناء سبقتها وخطفت الهاتف ثم ضغطت زر إنهاء المكالمة فوقفت داليا بعصبية: ليه عملتي كدة؟ أنا كنت عايزة أكلمه!
وبختها حسناء بحدة: تكلميه؟ هو لعب عيال! أنتِ عارفة يا داليا أنه مينفعش!
صرخت داليا بقهر: بس أنا زهقت وتعبت بابا وحشني وعايزة أكلمه! نفسي أكلمه!
دفعتها حسناء لتسقط داليا على السرير: أنتِ بتعلي صوتك عليا! والله عال أوي! جه اليوم اللي تعلي صوتك على أمك يا داليا!
بكت داليا وقالت بصوت مكسور: بس أنا كنت عايزة أكلم بابا.
كانت أعصاب حسناء مشدودة للغاية من تصرفات داليا التي تكاد تخرب عليها كل ما خططت لأجله ولكنها إن عنفتها فستخسرها لذلك أسرعت إليها بترجي: يا داليا أنتِ لازم تفهمي أني كل اللي بعمله ده لمصلحتنا، لازم والدك يحس بغلطته الأول مينفعش تردي عليه خالص ده هيبوظ كل حاجة.
وضعت يدها على خدها: ماشي يا حبيبتي؟
لم تجب داليا وهي تحدق لوالدتها ولأول مرة لا يكن لها نفس الاقتناع الذي كان مترسخًا في ذهنها عن أفعالها.
تابعت بلطف مزيف: لو عايزة تفضلي هنا براحتك مش هضغط عليكِ.
ثم خرجت ولكنها لم تنسى أن تأخذ هاتف داليا معها، لكمت داليا السرير بعنف وزفرت بقهر والدموع تتسرب من عينيها مرة أخرى، كانت تسمع ضحكات والدتها مع شخص غريب في الخارج ولكنها لم ترد الخروج مع أنها استغربت حين استنتجت أن من بالخارج شخصًا واحدًا وليس عدة ضيوف كما أخبرتها.
في اليوم التالي استيقظت متأخرة فنهضت لتذهب لنورهان دون أن تهتم بمظهرها المتعب لأنها شعرت أنها بحاجة شخص لتفضي إليه بكل مشاعرها السلبية ومشاكلها التي تؤرقها ولسبب ما لم تشعر بأن والدتها هي الشخص المناسب.
كانت على وشك أن تطرق الباب حين سمعت نداء باسمها فالتفتت لترى ياسر يتقدم إليها وحدقت بذهول في باقة الورود التي في يده.
تقدم منها مبتسمًا: ازيك يا داليا عاملة إيه؟ أنا عرفت أنه عيد ميلادك كان امبارح.
ثم مد يده إليها بباقة الورود ويده الأخرى التي كان بها هدية يحملها لم تنتبه له مردفًا: كل سنة وأنتي طيبة.
اتسعت عيون داليا بذهول: أنت.... أنت عرفت منين؟
غمز ياسر بمرح: لا دي حاجة خاصة بقى، وبعدين اللي بيحب حد لازم يكون عارف عنه كل حاجة.
شردت داليا في تلك اللحظة لتتذكر موقف والدتها وهي التي لم تعبأ حتى بأن تفعل أي شيء حتى بعد أن علمت!
سألها ياسر متعجبًا: إيه روحتي فين؟
قالت داليا بهدوء: لا لا مفيش حاجة.
نظر ياسر ليديه ثم مازحها: طيب إيه إيدي وجعتني.
حدقت داليا بعيناها الذابلتين الذان يظهر عليهما آثار البكاء في باقة الورود بتردد إلا أن مدت يديها ببطء وأخذتهما منه ثم ابتسمت له ابتسامة صغيرة: شكرا يا ياسر.
ضحك ياسر: لا ده مش شكري لو عايزة تشكريني فعلا يبقى نتقابل بكرة علشان نخرج مع بعض.
قالت داليا بعدم تصديق: نخرج سوا؟
أجاب ياسر ببساطة وكأنه يقر بأمرًا عاديًا للغاية: أيوا أنا عايز اقابلك يا داليا ونكون لوحدنا علشان نتعرف على بعض براحتنا.
نظرت حولها بحيرة: بس مينفعش وبعدين هقول لماما إيه؟
أجاب بنبرة عادية: قولي لها خارجة مع واحدة صاحبتي.
استنكرت داليا قوله: بس كدة بكدب عليها وده مش صح.
تغيرت قسمات ياسر للانزعاج الشديد: خلاص يا داليا اتصرفي أنتِ المهم عايز أشوفك بكرة أنا قولت الأحسن نخلي علاقتنا بيننا لحد ما نتأكد من مشاعرنا وساعتها هاجي لوالدتك أقولها.
صمتت بحيرة أشد فتابع بإصرار: هستناكِ بكرة في ****** الساعة تمانية بالليل، هقف في الشارع اللي قبله علطول.
ثم غادر وتركها واقفة مكانها، حدقت لما في يديها ثم عادت للمنزل ودخلت لغرفتها حتى تخبئهم قبل أن تراهم والدتها.
جلست تفكر طوال اليوم حتى ألمها دماغها وأصيبت بصداع مزعج وظلت تتسائل هل ما فعلته خطأ أم صحيح؟
كان صوت في عقلها يخبرها أن ربما نورهان محقة ويجب أن تعطي ياسر فرصة خصوصا أنه مهتم بها فعلا وقد أهتم بعيد ميلادها رغم معرفته ما القصيرة وهي بحاجة لتبتعد عن كل الأجواء المتوترة التي تعيشها وترتاح من كل تلك المشاكل شخصًا يُعوض غياب والدها وإهمال والدتها بينما صوت آخر يرد عليه بأنه مهما حدث فهي قد تعلمت وتربت أن هذا خطأ دون رباط شرعي وأن ما يحدث في الخفاء وليس النور ف بالتأكيد خاطئ وإلا لكان يجوز فعله أمام الناس كما أنها مازالت صغيرة في السن.
حدقت إلى باقة الورود لثواني قبل أن تتخذ قرارها بحزم، تلك العلاقة ليست لها! مهما كانت معجبة بياسر فهي لا تريد فعل شيء تشعر أنه خاطئ، هي مجرد قناة تريد لم شمل والديها والعيش بينهما كما أنها مازالت صغيرة وتريد التركيز على دراستها فهي متفوقة لها وتحبها وستترك تلك الأمور لوقتها.
استعدت داليا لتخرج قبل اللقاء بوقت مناسب وقد أخذت معها الهدية والورود ولأن والدتها لم تعد فذلك سهل عليها الخروج دون أسئلة.
سارت حتى وجدت ياسر يقف في شارع جانبي قريب من المكان الذي أخبرها به ويعطي ظهره لها فتقدمت منه.
استدار لها بابتسامة ساحرة: داليا! كنت متأكد أنك هتيجي.
استجمعت داليا شجعتها لتقول بهدوء: ياسر أنا فكرت كتير جدا ولقيت أنه علاقتنا غلط ومتنفعش وأنا مش مستعدة أدخل في علاقة دلوقتي أنا آسفة.
تغيرت تلك الابتسامة الساحرة لعبوس شديد: يعني إيه الكلام ده؟ ده هزار ولا إيه!
مدت يديها تعطيها الأشياء: لا أنا آسفة.
ضرب يديها بغضب فسقطت الأشياء مما جعل داليا تشهق ثم حدقت بخوف لوجهه الذي تغيرت قسماته للغضب الشديد: أنتِ فاكرة دخول الحمام زي خروجه! أنتِ نسيتي نفسك يا بت ولا إيه! ده أنتِ بتروحي لبنت خالتي علشان تعطف عليكِ!
أقترب منها فخطت للوراء بخوف بينما تابع والشر يلمع في عينيه: فمتعمليش نفسك شريفة عليا دلوقتي!
مدي يديه ليمسك بكتفيها وهو يهجم عليها محاولا تقبيلها عنوة بينما كانت داليا تقاومه بشراسة وتحاول أن تدفعه عنها حتى خدشت وجهه بأظافرها للوراء وهو يصرخ.
نظرت حولها بهلع فوجدت حجر أمسكته بسرعة وضربته به على رأسه ليصرخ بصوت أعلى وهو يضع يده على رأسه.
نظر لها بحقد: اه يا بنت ال*****!
حاول أن يهاجمها إلا الدوار الذي أصابه من الضربة منعه فانطلقت داليا تركض بسرعة حتى تهرب من المكان كله وهي تبكي بذعر وهلع، نظرت لنفسها بفزع حين رأت أنه حين شدها من كتفها تمزق جزء من ملابسها فواصلت الركض وهي تحاول ذلك الجزء العاري منها.
وصلت إلى المنزل بأنفاس لاهثة وهي مازالت تبكي ثم صعدت السلم برعب خوفًا من أن يكون قد لحق بها، كانت توبخ نفسها بشدة فهي سقطت في ذلك الفخ من البداية!
لقد كانت غبية ولم ترى حقيقته، غبية للغاية!
ولجت للمنزل وهي تدعو أن تكون والدتها عادت فهي في أشد الحاجة إليها، سمعت صوتها آتيا من غرفتها فتقدمت بارتياح حتى تنهار في أحضانها إلا أنها تصنمت في مكانها وهي تستمع لحديث والدتها الآتي.
كانت حسناء تضحك وتتحدث بخبث: لا متقلقش خالص دي بت هبلة، عرفت أضحك عليها وأخليها تقهر أمجد على عينه! هي مفكرة أني عملت كل ده علشان عايزها! ده أنا محتملة وجودها بالعافية! لحد ما خطتي تكمل بس وأخذ كل اللي أنا عايزاه وأكون نجحت أدمر أمجد وهو زي الأهبل هيعمل أي حاجة وعلشان مين؟ بنته اللي وقفت ضده!
أظن بارت طويل خالص أهو يا حلوين إيه رأيكم فيه بقى❤️؟
رواية خداع قاسي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ديانا ماريا
تجمدت داليا مكانها حتى أن يدها توقفت في منتصف الهواء قبل أن تمسك بمقبض الباب، شعرت بدوار حتى أنها استندت إلى الحائط الذي ورائها.
أرادت أن تصرخ أو تبكي، تفعل أي شيء كي تعبر عن ألمها الذي يفتت قلبها ولكن كأن حجر كبير علق في حلقها منعها عن إصدار أي صوت، والدتها!
والدتها التي كانت تتعذب في غيابها وفعلت أي شيء حتى تعود لحياتها مع والدها حتى أنها وقفت أمام والدها الذي تحبه أكثر من أي شيء تستغلها بتلك القسوة!
حاولت أن تكذب أذنيها ربما والدتها لا تقصدها هي؟ بالتأكيد لا تقصدها هي بتلك الفتاة المزعجة التي لا تطيق تحمُلها!
رغما عنها حين تحركت أصدرت ضجة فخرجت حسناء باستغراب ثم شحب وجهها حين رأت داليا تقف أمامها.
قالت حسناء بتوتر:
أنتِ... أنتِ جيتي يا حبيبتي؟
أجابت داليا بحرقة:
اه جيت يا ماما علشان أسمعك، كنتِ بتتكلمي عليا يا ماما؟
حاولت حسناء الابتسام بارتباك:
ل..لا..لا طبعا يا هبلة دي....دي واحدة كدة كنت أعرفها.
انهمرت دموع داليا بألم:
والواحدة دي بردو إسمها داليا وعايشة معاكِ وخدتيها من أبوها اللي إسمه أمجد؟
بُهتت حسناء حين رددت داليا كلماتها على مسامعها فتابعت داليا بقهر:
أنتِ خدعتيني! أنا مش مصدقة اللي بسمعه كنت لعبة بالنسبة لك طول الوقت ده!
قالت حسناء بتبرير:
أنتِ فهمتي غلط أنا كان قصدي....
صرخت بها داليا:
قصدك إيه؟ أني كنت اللعبة اللي بتحركيها طول الوقت علشان تأذي بابا؟ وأنا زي الهبلة مشيت وراكي وصدقتك!
تغير قسمات وجه حسناء وأخيرا كشفت عن وجهها الحقيقي قائلة ببرود:
بقولك إيه يا بت أنتِ متوجعيش دماغي وادخلي أوضتك.
كانت تنظر لها بعدم تصديق هل هذه هي نفس الشخص الذي توسلها حتى تبقى؟ ولكن كل ذلك كان مجرد خداع!
قاومت داليا رغبتها الشديدة في أن تنهار لكل ما حدث لها واكتشفته اليوم، لقد كان عالمها كله عبارة عن كذبة.
تطلعت إليها داليا بألم:
وأنا مش هفضل هنا وأسيبك تدمري بابا، أنا هقوله على كل حاجة!
حاولت التحرك إلا أن حسناء أمسكتها بسرعة من شعرها وسحبتها منه لتصرخ داليا بألم.
قلت حسناء بحقد:
وأنتِ فاكرة أني هخلي حتة بت زيك تدمر كل اللي أنا عملته لحد دلوقتي! لا ده أنتِ متعرفنيش خالص!
نظرت لها داليا بقهر:
أنا مش عارفة إزاي أنا اتخدعت بيكِ، بس أنا مش هسكت تاني!
حاولت الإفلات من يدها والوصول لهاتفها إلا أن حسناء دفعتها حتى اصطدم رأسها بالحائط وأسرعت تُمسك بهاتف داليا ورمته على الحائط حتى تحطم.
أمسكت داليا من شعرها مرة أخرى وهي تجرها حتى غرفتها وداليا تقاوم دون فائدة، ألقتها حسناء على الأرض وهي تتحدث بشر:
هتفضلي هنا زي الكلبة أنا مش هسيبك تدمري خطتي وابقي قابليني هتقولي لأبوكِ إزاي يا بنت أبوكِ!
ثم أنها حديثها بضحكة ساخرة قبل أن تخرج من الغرفة وتغلق الباب ورائها بالمفتاح فانهارت داليا من البكاء على الأرض وشهقاتها ترتفع من شدة الألم الذي تشعر به.
حاولت النهوض من على الأرض ولكن بصعوبة لأن رأسها وجسدها كانا يؤلمانها فظلت مكانها بحرقة، ضربت نفسها بكراهية شديدة واحتقار للذات فكم كانت غبية!
لقد صدقت والدتها بسهولة شديدة حتى أنها لم تتريث لثانية واحدة في أن تفكر في صحة أيا مما أخبرتها بسبب اشتياقها الشديد لها وقد نفذت كل ما طلبته منها بسذاجة كبيرة.
أغمضت عيناها بحسرة وهي تسترجع كل ما فعلته مع والدها وزوجته لإرضاء أمها، تنبهت مرة أخرى وفكرت أنها لن تترك والدتها تؤذي والدها لأغراضها الأنانية.
وقفت مرة أخرى وأسرعت للباب تضرب عليه بقوة وهي تصرخ:
طلعيني من هنا أنا عايزة أخرج!
استمرت في الصراخ والضرب حتى فتحت حسناء الباب وبكل غضب صفعت داليا ثم بدأت في ضربها وداليا تحاول أن تفادي الضرب حتى سقطت على الأرض فركلتها حسناء وهي تصيح بها بغل:
أنا معنديش عزيز ولا غالي فخافي على نفسك أحسن لك! وعقاب ليكِ مفيش أكل ولا شرب لحد ما تعقلي!
ثم خرجت وتركتها معلقة الباب مرة أخرى بالمفتاح حتى تضمن عدم هربها، بقيت داليا مكانها طوال الليل من التعب والألم، تارة تؤنب نفسها على سذاجتها وتارة تبكي على الصدمة التي لم تتوقعها في والدتها التي فعلت من أجلها كل شيء وفي النهاية نامت مكانها من شدة التعب.
في مكان آخر حين استعاد ياسر قوته أتصل بنورهان قائلا:
حتة البت دي تضربني وتعمل فيا كدة!
ردت نورهان بتعجب:
بس إيه يا ياسر؟ حصل إيه فهمني.
سرد لها ما حدث فرددت بدهشة:
ضربتك؟
شد ياسر على أسنانه من الغيظ:
أيوا بس أنا هوريها، جت تعمل عليا شريفة وأمها مدوراها.
قالت نورهان بلامبالاة:
أنا قولتلك تكبر دماغك من البت دي أصلا محدش بيطيق أمها بس أنت اللي صممت.
زفر ياسر بحنق:
بقولك إيه مش وقته الكلام ده ما أنتِ صاحبتيها رغم أنك عارفة أمها، المهم دلوقتي تروحي تشوفيها وتفهميها أنه اللي عملته ده غلط ولو متراجعتش وغيرت رأيها مش هيحصل كويس فاهمة؟
نفخت نورهان بملل:
ماشي حاضر هروح بكرة أشوف الدنيا إيه.
في الصباح التالي ذهبت نورهان لتتفقد الوضع فطرقت الباب، فتحت لها حسناء الباب ونظرت لها بدهشة:
أيوا مين؟
ابتسمت نورهان بتوتر:
أهلا يا طنط أنا صاحبة داليا، هي داليا موجودة؟
اصطنعت حسناء ابتسامة:
لا يا حبيبتي داليا مش موجودة، راحت لباباها ومش هتقعد هناك شوية.
ردت نورهان بذهول:
اه طيب تمام شكرا.
أغلقت حسناء الباب فعادت نورهان لبيتها بذهول لتخبر ياسر بما علمت به وتفكر أن داليا لم تأتي أبدا على ذكر نيتها للرحيل!
في منتصف النهار دلفت حسناء لغرفة داليا لتجدها جالسة على الأرض تسند ظهرها إلى السرير وتضم ركبتيها لصدرها، كانت عيناها متعبتان من أثر البكاء ووجهها شاحب من الحزن والتعب.
وضعت صينية على الأرض بها بعض الطعام:
خدي مهونتيش عليا أسيبك من غير أكل اليوم كله.
نظرت لها داليا وتذكرت ما لاقته منها فبدأت تبكي فتأففت حسناء باشمئزاز:
يووه هو أنا عملتلك حاجة علشان تعيطي!
في تلك اللحظة ولج رجل غريب فرفعت داليا عيناها بصدمة بينما نظرت حسناء للوراء بتعجب:
مش قولتلك تستناني برة يا سالم؟
كانت داليا تنظر له بذهول وحين دققت النظر قليلا في ملامحه تذكرت أنه من أتى من قبل ليسأل عن والدتها.
ابتسم سالم بمكر:
جيت أشوفك بس يا حبيبتي وكمان..
وجه نظراته لداليا وهو يتابع:
أسلم على بنتك.
اعتدلت حسناء وهي تشده من يده:
يلا تعالى نقعد مع بعض برة.
بعد خروجهما، في البداية رفضت أن تتناول الطعام إلا أنه ما لبث أن استسلمت للوجع وتناولت الطعام بدموعها التي لم تتوقف حتى أنها نسيت ما عانته من ياسر وأصبح حدثا عابرا مقارنة بما تمر به الآن.
جلست حسناء مع عشيقها تفكر:
طب أعمل إيه يا سالم؟ البت دي دماغها ناشفة وعنيدة زي أبوها متوقعتش تقلب عليا.
كان سالم يتناول تفاحة بلامبالاة:
ولا يهمك يا حبيبتي كدة كدة هيجي عليها وقت وتعقل.
عادت حسناء تقول بقلق:
ولو عرفت تهرب؟ أو أمجد جه تاني هعمل إيه ساعتها؟
فكر سالم قليلاً ثم قال مقترحًا:
بقولك يا حبيبتي عندي فكرة هايلة، أنتِ لازم تسيبي الشقة دي.
عقدت حاجبيها:
أسيبها ليه؟
قال بخبث:
لو أمجد جه تاني زي ما بتقولي ممكن كل حاجة تتكشف إنما لو سيبتي الشقة ومعرفش مكانكم هيتجنن وهيعمل أي حاجة علشان خاطر يلاقي بنته ونقدر ساعتها نطلب منه كل اللي إحنا عايزينه وهو مش هيقدر يرفض.
لمعت عينا حسناء إعجابا بالفكرة ثم ضحكت:
لا ده أنت غلبتني خالص.
ضحك معها:
ومين يقدر ميتعلمش منك بس!
ثار استغراب أمجد حين أبلغه المندوب الذي ذهب بالهدية لداليا أنه لم يجد أحد في ذلك العنوان وشعر بالقلق، لذلك ورغم المحضر الذي حررته ضده حسناء ذهب في اليوم التالي ليتفقدها.
طرق الباب بشدة عدة مرات دون أن يجيب أحد مما جعل يتضاعف فارتفع الطرق ليصبح قوي عالي وهو ينادي بإسم داليا.
خرجت إحدى الجارات من شقتها تقول بانزعاج:
بتخبط على مين يا أستاذ وعامل إزعاج كدة.
أجاب أمجد بقلق:
بخطب على أصحاب الشقة دي، حضرتك متعرفيش راحوا فين؟
أجابت الجارة بنبرة عادية:
أيوا دول سابوا الشقة ومشيوا.
اتسعت عيون أمجد بصدمة:
إيه!
رواية خداع قاسي الفصل العشرون 20 - بقلم ديانا ماريا
سألها بتشتت: طب راحوا فين؟
رفعت كتفيها: معرفش بس هما قالوا مش راجعين تاني.
كاد قلب أمجد أن يتوقف عن النبض ولكنه تمالك نفسه، إلى أين يمكن أن تذهب حسناء؟ بالطبع لا يمكنها أخذ ابنته والاختفاء بتلك البساطة! ثم هناك تلك القضايا بينهما فمن المستحيل أن تختفي.
حاول أن يطمئن نفسه بتلك الكلمات ولكن القلق سيطر عليه فأخرج هاتفه وهو يخرج من العمارة ليتصل بداليا، كان هاتفها مغلق مما أثار شكوكه.
نظر حوله بحيرة وهو يفكر بضياع ماذا يجب أن يفعل حين رن هاتفه فأجاب على الفور: أيوا يا رأفت شوفت اللي قولتلك عليه؟
استمع أمجد باهتمام لرأفت: بص يا أمجد اللي لقيته مش هيعجبك بس لازم تعرف بسرعة أولا كدة طليقتك عندها عشيق بتروح لها ويجي لها علطول.
رد أمجد بصدمة: أنت بتقول إيه؟
تابع رأفت حديثه بينما كلماته تسقط على أمجد كالحجارة التي تضرب رأسه فصاح بغضب: مستحيل اللي بسمعه ده!
رد رأفت بأسى: للأسف يا أمجد ده اللي عرفته، أنت لازم تتصرف بمعرفتك بقى.
حاول السيطرة على غضبه: طيب شكرا يا رأفت أقفل أنت دلوقتي.
فكر ماذا يمكن أن يفعل، أحس بالعجز من شدة الحيرة التي يشعر بها حتى أسرع إلى مركز الشرطة ليبلغهم بكل ما علمه وأن حسناء اختفت مع ابنته وهو متأكد أن هناك خطأ ما.
عاد للبيت مهمومًا وقد جلس واضعًا رأسه بين يديه.
سألته علياء بقلق: مالك يا أمجد؟
رفع عيونه فصُدمت بالدموع المحتجزة بهما ليرد بصوت متحشرج: داليا شكلها ضاعت مني يا علياء، معرفتش احميها.
سألته بخوف: إزاي؟
تطلع أمامه بقهر: حسناء خدتها وهربت، أكيد علشان تقهرني وكنت طالب من راجل يجمع لي معلومات عن حسناء علشان يساعدني واللي عرفته صعب أوي يا علياء!
رفع عيونه لها بحسرة: أنا عيشت السنين اللي فاتت دي كلها بحاول احميها، يا ترى أنا غلطت في إيه يا علياء؟
كان لازم أقولها؟ طب إزاي؟ أعرفها الحقيقة إزاي!
وضرب قبضته بقوة حتى أن الطاولة المصنوعة من الزجاج انكسرت فشهقت علياء وهي ترى الدم ينزف من يد أمجد فأسرعت إليه وهي تمسك يده بذعر: ليه كدة يا أمجد تأذي نفسك! قوم تعالى معايا يلا.
أخذته للحمام حتى يتوقف النزيف ثم طهرت الجرح ولفته بشاش طبي وكل ذلك وأمجد صامت لا يتكلم حتى وقفت أمامه وهي تمسك بيده ونظرت في عينيه قائلة بحنان: أنت كنت عايز تحميها وعايزها تعيش حياة كويسة، أنت مغلطتش داليا لسة صغيرة مكنتش هتستوعب ولا تتحمل كلام زي ده، أنت عملت اللي شايفه صح كأب.
نظر لها بشك من حديثها: أنتِ عرفتي كل حاجة؟
أومأت بتردد: نورا حكتلي كل حاجة.
أغمض عيونه بقوة وقد سقطت تلك الدموع الحبيسة محررة أمجد من القناع الذي كان يخفي ورائه حزنه وألمه، مظهرة ضعفه بشكل واضح لأول مرة، لم يرد النظر في وجه علياء ورؤية الشفقة فيهما، لأول مرة يشعر بأن روحه مكشوفة بالكامل، كان يخشى تغير صورته في عينيها.
رفعت علياء يدها ووضعتها على خده قائلة برقة: متستخباش مني يا أمجد، أنا اللي عرفته رفعك في نظري وخلاني احترمك أكتر من الأول بكتير، أنا مراتك يعني وجعك هو وجعي، صدقني كل حاجة هتبقى بخير بإذن الله وداليا هترجع.
اندفع أمجد يضمها وهو يخفي رأسه في عنقها معطيًا نفسه حرية البكاء والانهيار أخيرا، أخيرا يستطيع أن يشارك شخص ما هذا الحِمل الذي أثقل كاهله طويلًا.
لفت علياء ذراعيها حوله بقوة تمسح على شعره بحنان وتربت على ظهره بخفة، دموعها تنهمر لتشاركه ألمه وقلقه، رفعت بصرها لأعلى تتوسل لله أن يعود كل شيء بخير قريبا.
شهقت داليا فجأة وهي تستعيد وعيها لتعتدل جالسة وهي تحدق حولها بذهول.
كان المكان غريب عليها فآخر ما تتذكره هو الطعام الذي تناولته وفجأة شعرت بالنعاس الشديد ونامت لتجد نفسها في هذا المكان.
انفتح الباب لتدخل منه حسناء التي قالت برضى حين شاهدتها استيقظت: كويس أنك صحيتي.
سألتها داليا بحدة: أنا فين؟
لوت حسناء شفتيها لتجيب ببرود: يهمك تعرفي أوي؟ مش هتفرق أنتِ معايا والمحروس أبوكِ مش هيعرف يوصلك.
همست داليا بصوت مبحوح وقد تجمعت الدموع في مقلتيها: أنتِ بتعملي كدة ليه؟ أنا عملت لك إيه علشان تعملي فيا كدة؟ ليه عايز تأذي بابا للدرجة دي؟
تحدثت حسناء بتساؤل مصطنع: هو أنا عايزة أذيه؟
ضحكت ثم تابعت: أنا بضمن مستقبلي بس، وهسيبه بعدها يتهنى مع حبيبة القلب.
سألتها داليا بصوت مكسور: عمرك ما فكرتي فيا السنين اللي فاتت دي كلها؟ عمري ما جيت على بالك لحظة وفكرتي أنا عايشة إزاي ولا بعمل إيه؟ موحشتكيش أبدا؟
أجابت حسناء بقسوة: وأنا هفكر فيكِ ليه وأنا اللي سايباكي ليه؟ أنا مكنتش عايزة أخلف أصلا بس ملقيتش حاجة أربط بيها أبوكِ غيرك يا عين ماما.
أخفضت داليا نظراتها لأسفل وكان بجوابها ذلك تحطم شيء داخلها.
قالت بهدوء: أنا بكرهك.
ضحكت حسناء بصوت عالي: وأنتِ فاكرة أني هزعل دلوقتي ولا ادبدب في الأرض وأعيط؟
دلف سالم في تلك اللحظة الذي قال بابتسامة: بتضحكي ليه يا حسناء ما تضحكيني معاكِ.
وجه نظراته لداليا التي لم تكن تراه أساسا في تلك اللحظة فردت حسناء باستهزاء: مفيش ده كان مجرد كلام بين أم وبنتها تعالى يلا.
ثم خرجوا وأغلقت الباب عليها بالمفتاح، تحولت داليا في تلك اللحظة لتصبح هادئة أو بمعنى أصح جامدة بشكل غريبة إلا أن حسناء لم تهتم وتوالت الأيام على تلك الحال فكانت داليا محبوسة في تلك الغرفة لا تخرج منها أبدا ولا تُفتح إلا في المرات القليلة التي تحضر لها حسناء فيها الطعام إليها.
وبسبب قلة الطعام وكثرة البكاء والحزن الذي تشعر به نحف جسدها وشحب وجهها، كانت تستمع في تلك الليالي التي تمر عليها لصوت الضحكات في الخارج، ضحكات لأناس غريبة من كلا الجنسين فيزداد الخوف في قلبها لأنها ورغم حبسها أحست بما يدور في الخارج كما كانت رائحة الدخان التي تتسلل لغرفتها تجعلها تسعل بقوة لشدتها، وكل تلك الأيام التي مرت لم يفارق تفكيرها والدها أبدا والذي تمنت ألف مرة لو تغمض عيونها ثم تفتحها لتجد نفسها في أحضانه وقد عادت لبيتها الحقيقي الأمن إلا أن كانت كل تلك مجرد أحلام بلا جدوى تصحو منها على ضحكة حسناء العالية التي تصلها أثناء تلك الليالي المشبوهة.
لم يتوقف أمجد عن البحث أبدا مع الشرطة عن داليا وقد تبدل حاله فلا يأكل أو ينام إلا قليلا رغم إصرار علياء الشديد عليه، كانت علياء جالسة مع أختها التي أتت لزيارتها بعد أن خرج أمجد حين أتصل به شخص ما لأمر هام.
رن هاتف المنزل فأجابت بنبرة عادية: الو؟
استمعت بصدمة للطرف الآخر: إيه!
رمت الهاتف على الفور ونهضت راكضة وأختها تنظر لها بذهول ثم نهضت لتتبعها وهي تناديها إلا أن علياء لم تلتفت لها وهي تفتح باب المنزل وتهبط السلالم مسرعة ثم توقفت فجأة عند نهاية السلم وهي تحدق للشخص الواقف أمامها عند المدخل.
وضعت يديها على شفتيها واتسعت عيونها في عدم تصديق وهي تحدق إلى ذلك الجسد الهزيل الضعيف الذي يقف أمامها في حياء وحرج ثم رفعت نظراتها للوجه المتعب الشاحب الذي يظهر عليه بعض آثار الضرب والعيون الحزينة الذي يظهر بهما الأسى والتردد بوضوح.
هتفت علياء بلهفة ممزوجة بالصدمة: داليا!