تحميل رواية خداع قاسي بقلم ديانا ماريا pdf
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فيه حاجة أنا كنت متردد أقولك عليها، دلوقتي لازم تعرفي أنا هتجوز. نظرت له بعيون متسعة من الصدمة: إيه؟ هتتجوز؟ إزاي يعني تتجوز على ماما أنت اتجننت! نظر لها بصرامة ووبخها بنبرة حادة: بنت احترمي نفسك! أنا مقدر صدمتك إنما مش هسمح لك تتكلمي معايا من غير إحترام. لم تبال وهي تقف أمامه بجرأة وتتابع الحديث بقهر: قول بقى أنك علشان كدة طلقت ماما أكيد كان فيه حرباية بتلف عليك علشان تاخدك منها وأنت ما صدقت علطول جريت وراها ونسيت عقلك. ارتفعت يده وهبطت على وجنتها بصفعة قاسية وتحدث من بين أسنانه محاولًا احتواء...
رواية خداع قاسي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ديانا ماريا
كانت داليا تقف أمامه بحرج لا تعرف ماذا تقول. مشبكة يديها وتفرك قدميها العاريتين ببعضهما، مما نبه علياء أنها لا ترتدي حذاء. شعرت بالصدمة تسيطر عليها أكثر لرؤيتها في تلك الحالة المزرية.
أسرعت علياء إليها بدون تفكير، تضمها بشدة وهي تهتف بعدم تصديق ممزوج بالفرح:
"داليا! أنا مش مصدقة أنك رجعتي يا حبيبتي. حمدًا لله على سلامتك."
كانت أخت علياء واقفة تراقب بذهول بينما علياء تعانق داليا وتمسح على شعرها بحنان. حين أحست علياء بجمود داليا، ابتعدت خشية أن تكون ضايقتها. لتجد أن داليا هادئة بشكل لا يوصف، ونظراتها تعبر عن الضياع والتردد.
وضعت علياء ذراعها حولها بابتسامة:
"نورتي بيتك يا حبيبتي، يلا تعالي."
أفسحت عايدة الطريق لتمر علياء مع داليا، التي كأنها كانت تسير فقط لأن علياء تحثها على ذلك. صعدت بها حتى المنزل. وما إن دخلا للمنزل، توقفت داليا تجيل بصرها في جميع أنحاء المنزل، تسأل نفسها هل ما يحدث حقيقة بالفعل وهي في منزلها الآمن الآن.
ظلت تتأمل أرجاء المنزل بينما تسير مع علياء حتى غرفتها، فأدخلتها وأجلستها على السرير. بينما تزيح علياء شعرها عن وجهها بقلق:
"أنتِ كويسة يا حبيبتي؟ أعملك إيه ولا أجيب لك إيه؟"
لم ترد داليا وهي تحدق إليها، ثم إلى غرفتها تتأمل تلك الغرفة. ورغم أن غيابها لم يتجاوز أشهر، إلا أنها شعرت به سنوات. هل هي في غرفتها فعلا الآن؟ وليس ذلك المكان القذر.
قالت علياء فجأة بتنبه:
"أنا لازم أقوم أتصل أقول لأمجد، ده هيفرح أوي."
انتفضت داليا في تلك اللحظة، ناظرة لعلياء بعيون دامعة متوسلة. كانت تشعر بالخشية والحرج من رؤية والدها. لا تعرف كيف سيكون اللقاء الأول بعد كل ما حدث.
شعرت علياء بما تعانيه داليا، فربتت على كتفها تطمئنها:
"أنتِ مش عارفة أمجد كان عايش إزاي من غيرك يا داليا. دلوقتي روحه هترد له. مكنش بيعرف يأكل ولا يشرب من غيرك، اطمني."
كانت على وشك الخروج لتحضر هاتفها، حين انتبهت لعايدة التي تقف بصمت على باب الغرفة. فقالت بابتسامة:
"عايدة، أعرفك دي داليا بنت أمجد. الظروف مش أحسن حاجة حاليًا، بس لما تتعرفي على داليا هتعرفي أد إيه هي بنت جميلة."
أغمضت داليا عيونها بقوة، لا ترغب بسماع علياء تثني عليها بأي شكل من الأشكال. لا تستطيع تحمل ذلك أبدا.
خرجت علياء لتتصل بأمجد. واقتربت منها عايدة تقول بلباقة:
"من غير ما علياء تقول، واضح عليكِ بنوتة زي القمر."
نظرت لها داليا بتيه، والدموع معلقة على أطراف رموشها. فتابعت عايدة بلطف:
"محتاجة حاجة يا حبيبتي؟ أعمل لك حاجة؟ أنتِ شكلك مرهق، محتاجة تأكلي وتنامي. أنا هروح أعملك حاجة تأكليها بسرعة."
ثم خرجت لتترك داليا لوحدها. فشردت تسترجع ذكريات هروبها من والدتها.
كان ذلك يومًا لا يختلف عن غيره، وقد قررت حسناء أن تحدث أمجد فيه حتى تبدأ خطتها في ابتزازه، فاتصلت به من رقم غريب.
رد أمجد باستفهام:
"نعم؟"
قالت حسناء بدلال:
"ليكي وحشة يا أمجد."
تصلب أمجد ورد بعداء:
"هو أنتِ! بنتي فين يا حسناء؟ وبلاش لف ودوران أحسن لك."
ضحكت باستفزاز:
"هتعمل إيه يعني؟ هتزعق لي؟"
رد أمجد باستهزاء:
"لا، هقول للبوليس على الشغل الو** اللي بتعمليه أنتِ وعشيقك."
صدمت حسناء، فكيف علم بذلك؟ إلا أنها تماسكت وهي تحدثه بمكر:
"مش من مصلحتك تقول، لأنه بنتك معايا يا أمجد، وأكيد مش عايز حاجة تأذيها."
رد أمجد بكراهية شديدة:
"بنتي أنا هعرف أخدها منك، والمرة دي أنا اللي هدفعك تمن كل حاجة عملتيها."
قالت حسناء ببرود:
"بلاش تقول كلام أنت مش عارف آخره إيه. أنا متصلة نتفق، ودي إلا لو أنت مش عايز."
رد أمجد باشمئزاز:
"فلوس! طبعًا مستعدة تبيعي أي حاجة علشان الفلوس، ولا عمرك هتتغيري."
أردفت حسناء بوعيد:
"طالما أنت عارفني كويس أوي كدة، يبقى تخاف على بنتك بقى. أنا هديك وقت تفكر، وياريت ومن مصلحتك ومصلحتها توافق وتمشي الأمور معايا بهدوء، ولا هتندم يا أمجد!"
ثم أغلقت الهاتف بسرعة وهي تغلي غضبًا. فكيف علم بعملها مع سالم؟ بل وتجرأ على تهديدها كذلك!
وجهت نظراتها للغرفة التي تمكث بها داليا وخطت للداخل. وهي هادئها فوقفت أمامها بابتسامة متلاعبة:
"جه الوقت المناسب اللي نلاعب أبوكِ بيكِ يا داليا، وأخيرًا كان ليكي فايدة بالنسبة لي."
نظرت لها داليا بنظرات غامضة أخفت فيها ألم ما تسمعه، وقالت بتقزز:
"ياريت بابا، حتى لو هيسيبني هنا طول عمري، ميسمعش كلامك أبدا."
ضحكت حسناء بشدة:
"طول عمرك هبلة زيه بالضبط، مطلعتيش ذكية زيي وبتعرفي تستغلي الفرص، بس مش مشكلة، أنا هعلمك."
ردت داليا بكره:
"أحسن لي أموت بدل ما أتعلم أبقى مش كويسة زيك. أنتِ متستاهليش حاجة أبدا. كويس أني طلعت زي بابا، هو أحسن منك ألف مرة بدل ما أطلع مليش قيمة زيك."
احمر وجه حسناء من الغضب وهي تندفع إلى داليا وتقوم بضربها. فحاولت داليا مقاومتها وهي تدفعها عنها وتصرخ:
"سيبيني! أنا بكرهك! أنا بابا عمره ما مد أيده عليا."
صاحت بها حسناء بغل:
"لا، ما أنا هربيكِ يا قلب أبوكِ واقهر قلبه عليكِ."
صرخت داليا بحرقة:
"يارب أنتِ اللي تتقهري دايما."
دخل سالم على صوت الصراخ ورأى حسناء تضرب داليا، فأبعدها عنها قائلا بملل:
"أنتِ كل ما تبقي فاضية تضربيها؟ خلاص يا حسناء، هتعملي لينا مشاكل مع الجيران."
دفعه قائلة بغضب:
"أنت مالك أنت، وأنا مالي بالجيران؟ أنا حرة أعمل اللي عايزاه!"
قال بانزعاج وهو يمسك بذراعها:
"طب سيبك من الهبل ده وتعالي، يلا نشوف الشغل اللي هيبوظ ده."
شدت ذراعها منه وخرجت وهي تنفخ بعصبية. فغمز سالم لداليا:
"شوفي خلصتك منها إزاي؟ احفظي الجمايل."
ثم خرج وأغلق الباب، إلا أنه أغفل أن يغلقه بالمفتاح. فانتبهت داليا لذلك ودعت ألا يتذكر أحد منهما فيعود ليغلقه.
خرجت حسناء إلى الصالة فقالت بضيق:
"الشغل فيه إيه؟ وبعدين أنا ملاحظة أنه بقالك يومين مش على بعضك، في إيه؟"
أدعى عدم الفهم:
"مش على بعضي إزاي يا حبيبتي؟"
زفرت بحنق:
"سالم اخلص، أنا مش فايقة. أمجد طلع عارف كل حاجة وبيهددني."
قال سالم بذهول:
"إزاي الكلام ده؟"
ردت حسناء بضيق:
"اللي حصل، بس أنا عرفت أتصرف معاه. إيه أخبار الشغل؟"
حك سالم مؤخرة رأسه:
"الدنيا تمام، بس أنتِ هتاخدي أقل المرة دي شوية يا سوسو."
صاحت حسناء باستهجان:
"آخد أقل؟ ليه يا عنيا؟ إذا مكنش الشغل كله عليا أنا! لا، أنا مسيبش حد ياكل عليا حقي، ده أنا أجيب عليها واطيها!"
حاول سالم التودد لها:
"ده غصب عننا يا حبيبتي المرة دي، والمرة الجاية نصيبك هيبقى أكبر."
دفعت يديه عنها بعنف:
"بلا مرة جاية بلا رايحة! أنا عايزة فلوسي كاملة على بعضها، وبعدين أنا عايزة أحط كل الفلوس على بعضها علشان احطها في البنك."
نظرت إليها نظرة أثارت الشك في نفسها، فركضت على الفور لغرفة النوم وفتحت الخزانة حتى تبحث عن النقود التي وضعتها حين انتقلت هنا. وحين لم تجدها، جن جنونها وصرخت به:
"خدت فلوسي يا سالم! سرقتني!"
حاول احتواء الموقف بضحكة قصيرة:
"سرقة مرة واحدة؟ عيب عليكِ تقولي كدة على سالم حبيبك، اسمها استلفت منك الفلوس لمصلحة صغيرة كدة وهرجعها قريب."
هاجمته حسناء بشراسة:
"لا، سرقتني يا حرامي يا عرة!"
أمسك سالم بيديها وتجهم وجهه بشدة:
"حاسبي على كلامك يا حسناء، أنا ساكت لك لحد دلوقتي."
قالت حسناء بغل:
"وهتعمل إيه يا سبع الرجالة؟ لو مرجعتليش فلوسي أنا هوديك في داهية."
ابتسم سالم نصف ابتسامة ورد ببرود:
"اشربي من البحر."
اشتعلت غيظًا منه، فبصقت في وجهه. مسح سالم البصقة بهدوء تام، حتى رفع عيونه لها، وفجأة صفعها بشدة حتى أنها صرخت من الألم. وما كان ذلك إلا بداية لصفعات متتالية وضرب شديد تلقته حسناء من سالم.
كانت تلك الصرخات تصب لمسامع داليا، التي وضعت يديها على أذنها حتى لا تستمع، حتى اختفى الصوت فجأة. وبعدها سمعت باب الشقة يفتح ويغلق.
أبعدت يديها عن أذنها وأرهفت السمع، فلم تسمع شيئًا. نهضت وتقدمت ببطء حتى الباب وفتحته بيد مرتجفة مخافة أن تجد أحد منهما أمامها. إلا أنها وجدت البيت هادئًا ولا أحد موجود في الصالة.
دق قلبها بقوة وهي تعي أن هذه فرصتها الوحيدة للهرب. فتحاملت على نفسها وقاومت ضعفها وهي تركض إلى الباب الأمامي. لمحت في طريقها ورقة نقدية، فوقفت للحظة تفكر أنها يجب أن تأخذها حتى تساعدها. فاختطفتها على الفور وهي تنظر حولها لتتأكد أن لا أحد سيأتي. وفتحت الباب وانطلقت تركض حتى خرجت إلى الشارع.
وقفت داليا تلتقط أنفاسها، تريد أن تبكي من شدة الفرح لأنها تحررت من سجن والدتها الذي ظنت أنها لن تخرج منه بسهولة ولن ترى والدها ثانية.
نظرت حولها بخوف وهي تدرك نظرات الناس المستغربة لشكلها وهيئتها، ولكنها لم تهتم وهي تسير بقدميها الحافية لتسأل أي أحد عن مكان وجودها. وعلمت أنها بعيدة قليلا عن مكان سكن والدها.
سارت بعض الوقت حتى وجدت وسيلة مواصلات تنقلها إلى هناك. وحين وصلت، نظرت لعمارتها المألوفة كأنها وجدت طوق النجاة أخيرًا، ولكنها ترددت، كيف سيستقبل والدها عودتها؟ أنها تشعر بالحرج الشديد والخجل من أن تواجهه، فضلا عن آخر مواجهة بينهما حين خذلته. ربما لا يريد رؤيتها؟
لم تعرف ماذا تفعل، وفكرت ربما من الأفضل أن تتصل أولا وتعلم والدها في المنزل أم لا. فطلبت من أحد المارة هاتفه واتصلت على الهاتف الخاص بالمنزل. حين أجابتها علياء، ارتبكت داليا وقالت بصوت منخفض متردد:
"أنا داليا.....أنا تحت قدام البيت دلوقتي."
لم تجد إجابة من علياء، فأعادت الهاتف للشخص وتقدم ببطء لمدخل المنزل، حين هبطت علياء وأخذتها.
عادت من ذكرياتها على دخول علياء، تتبعها أختها بصينية طعام، كلتاهما مبتسمتين بلطف. جلست علياء بجانب داليا، بينما عايدة أمامها ووضعت على حجرها صينية الطعام.
ملئت المعلقة بالطعام ثم رفعتها لفم داليا برقة:
"أنا عملت لك الأكل بإيدي، يارب يعجبك، بس اسمحي لي أكلك أنا بقى. أنتٌ تعبانة، وعلى فكرة أنتِ سنك زي بنتي جودي بالظبط."
نظرت لها داليا وغصة تتجمع في حلقها من لطفها، وت
رواية خداع قاسي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ديانا ماريا
رفعها أمجد على الفور بين ذراعيه ومددها على سريرها وهو يزيح شعرها عن وجهها بقلق:
داليا سمعاني؟
استدار لعلياء وعايدة المصدومتين:
اتصلي بالدكتور بسرعة!
أسرعت علياء تتصل بالطبيب تتبعها عايدة، بينما فقد أمجد وجه داليا بألم وهو يرى حالة ابنته أمامه، شعر بقلبه يحترق عليها. جلس بجانب السرير وأمسك بيدها يرفعها لشفتيه ويقبلها هامسًا بندم:
سامحيني يا بنتي.
حضر الطبيب الذي شخص حالة داليا بسوء التغذية، فوجه حديثًا لوالدها بنبرة جدية:
حالتها صعبة، عندها سوء تغذية خلاها معرضة للجفاف، كويس إنكم لحقتوها وإلا كان ممكن يسبب لها هبوط حاد في الدورة الدموية لا قدر الله. أنا هكتب لها على شوية محاليل تعلقها ولازم تتغذى كويس الفترة الجاية.
توقف للحظات قبل أن يتابع:
ولازم تهتموا بنفسيتها لأنها اتعرضت لعنف جسدي ونفسي. حالتها النفسية سيئة جدا ومحتاجة دعم معنوي. أنصحكم تعرضوها على طبيب نفسي لأنه واضح اللي اتعرضت ليه مش سهل لبنت في سنها.
أعطى أمجد الوصفة الطبية، فوقف أمجد يحدق إلى طفلته النائمة بحسرة وندم شديد يعصر قلبه لأنه لم يصر على إحضارها معه ولو بالقوة وتركها لحسناء التي بالتأكيد من تسببت لها بكل هذا الأذى. بقى بجانبها طوال الوقت رافضًا التحرك من مكانه يتوعد حسناء بداخله، ولكن ينتظر لحين تفيق داليا ويطمئن عليها، وقد لازمته علياء لمراعاة داليا.
كانت داليا تحلم أنها مازالت في ذلك المنزل المخيف، والدتها تقترب منها وهي تضحك بخبث، بينما هي عاجزة عن الهرب ومقيدة في مكانها، لا تستطيع الهرب أو المقاومة.
استيقظت داليا من حلمها المخيف وهي تنتفض، فنظرت حولها لوهلة في تساؤل حين أدركت أنها الآن في منزل والدها وقد خرجت من ذلك السجن، فأراحت رأسها على الوسادة. نظرت لنفسها لتجد يدها موصولة بالمحلول الطبي.
رفعت بصرها لتجد والدها يجلس على كرسي أمام سريرها، نائم يستند بوجهه على كفه، ثم نظرت للناحية الأخرى لتجد علياء هي أيضًا تنام على الأريكة الموجودة بجانب السرير.
تجمعت الدموع في عينيها وهي تتذكر كل تلك المعاناة التي مرت بها وتقارنها بوضعها الحالي، فوالدها لا يترك جانبها، بينما زوجته التي عاملتها أسوأ معاملة تضحي براحتها لترعاها.
انهمرت الدموع من جفنيها، فاستيقظ أمجد على صوت شهقات خفيفة ليجد داليا تبكي وهي تنظر له.
أسرع إليها يمسح دموعها بقلق:
بس يا حبيبتي متعيطيش.
ارتفع صوت بكاء داليا، فاستيقظت علياء مضطربة:
إيه فيه إيه؟
رفعت داليا ذراعيها لوالدها، فاقترب ليسند ظهره إلى ظهر السرير ويحتوي داليا بين ذراعيه قائلاً بحزن:
بس يا حبيبتي حقك عليا أنا، أنا السبب في اللي أنتِ فيه دلوقتي.
هزت رأسها نافية ولم تستطع التحدث، إلا أنها قالت بتَوجُع من بين شهقاتها:
ب...بابا.
ضمها إليه أكثر:
روح بابا يا داليا، أنتِ هنا محدش هيقدر يأذيكي ولا ياخدك مني تاني، اطمني يا حبيبتي.
بقيت تبكي بينما يحاول تهدئتها ويمسح على شعرها بحنان، وعلياء تراقب الموقف في صمت حتى استرخت داليا وهدأت وعادت إلى النوم في حضن والدها.
كان أمجد يُعدل من وضعيتها لتنام براحة حين تمسكت به داليا ورفضت أن تتركه رغم أنها نائمة، فعدل من وضعيته ليتمدد بجانبه وهو يضمها إليه مع حرصه على يدها الموصولة بالمحلول.
رفع وجهه لعلياء:
روحي أنتِ نامي في الأوضة يا علياء علشان متتعبيش.
ابتسمت علياء:
مش عايز حاجة؟
هز رأسه بشبه ابتسامة:
لا تصبحي على خير.
ذهبت وبقى أمجد ساهرًا على رعاية داليا حتى غفا رغما عنه في النهاية.
في الصباح التالي استيقظت داليا لتجد علياء جالسة بجانب السرير مبتسمة.
قالت بلطف:
صباح الخير يا داليا، عاملة إيه دلوقتي؟
قالت داليا بخفوت:
كويسة.
نهضت علياء لتحضر صينية الطعام وتضعها أمام داليا:
أنا حضرت لك الفطار، لازم تأكلي كويس زي ما الدكتور قال علشان صحتك.
جلست داليا وهي تحدق إليها بجمود:
أنتِ بتعملي معايا كدة ليه؟
قالت علياء بتساؤل:
بعمل إيه؟
ردت داليا وهي تشعر بتأنيب الضمير:
بتعامليني كدة ولا كأن حصل حاجة، ولا كأني عملت حاجة معاكِ خالص.
ابتسمت علياء بتسامح:
أنا بالنسبة لي محصلش حاجة أصلا، نسيت خالص.
هزت داليا رأسها برفض وبدأت تبكي:
بس إزاي تنسي، مينفعش! أنا كنت وحشة، أنا أذيتك كتير، إزاي قادرة تنسي!
نظرت لها علياء بعطف ورحمة لحالها، فأبعدت الطعام وضمت داليا إلى أحضانها بحنان:
يا حبيبتي أنا مش زعلانة منك، ونسيت كل حاجة صدقيني. أنتِ لو إنسانة وحشة يا داليا مكنتيش زعلتي على اللي عملتيه ولا حسيتي أنه حاجة غلط، بس أنتِ كويسة.
وضعت يديها على وجهها لتجعلها تنظر إليها:
الدنيا دي علمتني كتير أوي يا داليا ومريت بظروف صعبة كتير، واللي اتعلمته في الآخر طالما أنا قادرة اعدي وأنسى فأنا هعمل كدة لأنه محدش بيتعب في الآخر غيري. صدقيني أنا نسيت وأنتِ كمان لازم تنسي، أهم حاجة دلوقتي أنك بخير.
مسحت دموعها وحثتها برفق:
يلا كلي يا حبيبتي، إيه رأيك تاخدي شاور؟ هيفوقك شوية لحد ما بابا يجي يلا.
تناولت داليا الطعام ببطء وتحت إشراف علياء التي أصرت عليها حتى تناولت أغلبيته، ثم ساعدت لتنهض وتدخل إلى الحمام، ثم ناولتها ملابس نظيفة لترتديها.
خرجت داليا بعد قليل وقد أحست أن الاستحمام أفادها، فهي تشعر أنها أهدأ قليلا.
وجدت علياء تنتظرها في الغرفة، فقالت لها برقة:
لو مش قادرة تسرحي شعرك إيه رأيك اسرح لك؟
أومأت لها داليا دون إجابة وجلست أمامها بصمت وعلياء تمشط لها شعرها بمودة، زادت من شعور داليا بالذنب ورغم لطف علياء معها، فهي لم تشعر بالراحة بل فضلت أن تلومها، ربما ذلك سيجعلها تشعر بحال أفضل عن نفسها، أما تسامحها بهذه السهولة كأنها لم تفعل أي شيء كان بمثابة ثقل على ضميرها المعذب.
كان أمجد قد تلقى مكالمة هامة من ضابط الشرطة ليحضر على عجل بشأن أخبار هامة عن حسناء، فذهب على الفور ليتلقى أكبر صدمة في حياته.
هتف أمجد بعدم تصديق:
حسناء ماتت!!
هز الضابط رأسه:
أيوا، حصل خناقة بينها وبين عشيقها فضربها لحد ما رأسها اتخبطت، في الوقت ده نزل وسابها مفكر أنه ده جرح عادي، وأغمى عليها وبعد ما اكتشف أنها ماتت لأنه الجرح كان خطير ونزفت كتير.
جلس أمجد يحاول استيعاب ما سمعه الآن، لقد ماتت حسناء! كابوسه الأزلي قد ذهب من حياته إلى الأبد! لكنه لا يستطيع تصديق ذلك وأن حسناء قد ذهبت من حياتهم أخيرا وبتلك السهولة بعد كل ما تسببت منه من أذى ومعاناة!
كيف سيخبر ابنته؟ كيف سيكون وقع ذلك عليها وهي في تلك الحالة النفسية السيئة؟ قرر أمجد في نفسه أنه لن يخبر داليا في الوقت الحالي حتى تتحسن حالتها وتكون مستعدة لتلقي الخبر، رأى أن ذلك أفضل شيء يفعله في هذه الظروف.
تنهد بشدة فقال ضابط الشرطة وقد لاحظ صدمته:
العشيق اتقبض عليه، إحنا عرفنا كل ده لما أنت جيت وقولتلنا على المكالمة ساعتها تتبعنا مكان التليفون، ومتقلقش هيتحاكم باللي يستاهله، وطبعا أي بلاغ أو قضية ضدك من المتوفية ملهاش أي لازمة حاليا بعد اكتشاف أنه كل ده كانت بلاغات كيدية مزيفة وأنها كانت حابسة البنت.
أومأ أمجد فتابع الضابط:
بس إحنا ممكن نحتاج أقوال داليا.
رفع أمجد رأسه وقال للضابط برجاء:
لو سمحت يا حضرة الظابط أنا مش هقدر أعمل كدة، داليا عانت كتير أوي وجالها انهيار ده غير أنها متعرفش أنه أمها ماتت، ممكن متستحملش في الوقت الحالي، أرجوك اعفيها من أي حاجة زي دي حتى لو لحد ما تقوم تبقى مستعدة.
تنهد الضابط قبل أن يوافق بإعطائه الوقت حتى تتعافى داليا ولكنه سيحتاج أن يستجوبها في كل الأحوال.
عاد أمجد للمنزل وقد تمالك أعصابه ثم طرق باب غرفة داليا قبل أن يدخل قائلاً ببسمة متعبة:
حبيبة بابا عاملة إيه النهاردة؟
كانت داليا وعلياء تجلسان في غرفتها على سريرها، فنهضت علياء حين دلف أمجد. جلس بجانب داليا وبين يديه باقة ورود من الورود المفضلة لداليا.
قدمها لها بمحبة:
شوفي جيبت لك إيه، الورد الأصفر اللي بتحبيه ده نوعك المفضل طول عمرك.
نظرت داليا للورود التي بين يديها وعادت تحدق لوالدها بعيون دامعة وشفتين مرتجفة.
قالت باكية بخزي:
جايب لي ورد يا بابا بعد كل اللي عملته، بعد ما سيبتك تمشي زعلان جايب لي ورد!
تأوه أمجد بإحباط:
أنا كنت جايبه علشان افرحك مش تعيطي.
أخذه منها ثم ضمها لصدره بحنو:
أنا مش زعلان منك يا حبيبتي، أنا فاهم وعارف قصدك من البداية، أيوا طريقتك كانت غلط بس أنا مش بلوك عليكِ، بالعكس اللوم عليا أنا كان لازم أنبهك.
تابع بحزن:
أنا اللي غلطان كان لازم أعرفك كل حاجة بس كنت مستني الوقت المناسب يابنتي، مكنتش عارف أقولك إيه ولا إزاي، حتى بعد كل اللي حصل مقدرتش أتكلم علشان كنت خايف عليكِ من الصدمة بس كان لازم أتكلم واخدك بالعافية كمان متزعليش مني.
بكت داليا بحرقة وهي متعلقة به، أبعدها أمجد ومسح دموعها:
مش عايز أشوف دموعك دي تاني، المهم عندي أنك معايا دلوقتي أي حاجة تانية مش مهمة.
تنهدت داليا بتعب فقبل أمجد جبينها بحنان. دلفت علياء وقالت بهدوء:
أمجد نورا جات برة.
أومأ برأسه:
ماشي هقوم أشوفها.
التفت لداليا باهتمام:
ارتاحي يا حبيبتي دلوقتي أنتِ لسة تعبانة.
نهض وخرج ليجد نورا تواجهه عابسة بانفعال:
صحيح داليا رجعت يا أمجد؟ بعد كل اللي حصل؟
أجاب أمجد بهدوء:
ايوا يا نورا الحمدلله بنتي رجعت لي ومش عايز أي كلام تاني في الموضوع ده.
كادت نورا تتميز من الغيظ:
بالبساطة دي؟ بالساهل كدة؟ بعد ما رفعوا عليك قواضي ومحاضر وجرجروك في المحاكم!
وجه لها أمجد نظرة حادة يحاول ألا يفقد أعصابه خاصة بعد ما علمه صباح اليوم:
نورا اقفلي على الموضوع ده أحسن وإلا هيبقى ليا رد فعل مش هيعجبك.
على صوت نورا بغضب:
وأقفل على الموضوع ليه! مش كفاية اللي حصل فيك لحد دلوقتي جاي تكمل عليك بخطة جديدة من أمها! ناويين يخلوك على الحديدة المرة دي!
تابعت بحقد حين رأت داليا تقف عن باب غرفتها:
رجعتي ليه ها؟ كنتِ تفضلي هناك أحسن! خليكي مع أمك الخاينة!
رواية خداع قاسي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ديانا ماريا
صرخ أمجد بصوت جهوري: نورا!
صاحت به نورا: مش دي الحقيقة! هتفضل مخبي لحد امتى اللي عملته فيك!
قالت داليا بصوت مرتعش: ماما خاينة؟
تجمد أمجد مكانه ولم يلتفت.
فسارت داليا بخطوات ضعيفة وشدته من ذراعه إلا أنه رفض النظر إليها.
فتوسلته: رد عليا يا بابا ماما خاينة؟ قولي الحقيقة.
أدارت وجهها لعمتها ببكاء: أحكي لي أنتِ يا عمتو، حد يقولي متسيبونيش كدة!
وقفت علياء بجانب نورا ونهرتها بلوم: يا نورا مش وقته الكلام ده أنتِ مش شايفة حالة البنت!
كأن الحقد الذي غشى عينا نورا ينقشع الآن لترى داليا على حقيقتها وهيئتها المتعبة فهدأت لتخفض عيناها إلى الأرض.
ثارت داليا من صمتها فأمسكتها من ذراعيها وهزتها: لا متسكتيش طالما اتكلمتي لازم تكملي وتقولي لي الحقيقة لازم اعرف.
وضعت علياء يدها على كتف داليا بمواساة: يا داليا أهدي بس.
هزت داليا رأسها برفض هستيري: لا مش ههدى أنا لازم أعرف.
تابعت بتوسل لعمتها: ماما خانت بابا يا عمتو؟
رفعت نورا عيون مليئة بالدموع إلى داليا قبل أن تجيب هامسة: اه.
أغمضت داليا عيونها لتسقط مزيد من الدموع بحرقة، ترنحت لتسرع علياء إلى إمساكها بقلق: أنتِ كويسة؟
رمقت داليا نورا بألم: قولي لي على كل حاجة.
بدت نورا ضائعة وكأن طاقة الغضب والكره تلك قد غادرتها لتتركها تائهة وسط الفوضى التي أحدثتها.
بدأت كلماتها بعيون شاردة كأنها عادت بالزمن إلى الوراء: كان عندي عشرين سنة، كنت بطبعي خجولة ومليش صحابي كتير وكمان كنت تخينة فكنت ببعد عن الناس علشان محدش يتريق عليا لحد ما اتعرفت عليها، كانت ناقلة جديد للمنطقة هي وأهلها، كان الكلام عابر زي أي جيران لحد ما قربت مني وبقت صاحبتي كنت بحبها أوي لأنها ذكية وجميلة ولما أمجد اتقدم لها فرحت جدا واتجوزوا.
صمتت لوهلة قبل أن تتابع بصوت متألم: بعد جوازها من أمجد اتغيرت جدا، علطول بقت ترمي لي كلام من تحت لتحت أني مش حلوة وتخينة ومين هيبص لي كنت بكدب نفسي لحد ما كنت بعاتبها في مرة ليه بتتخانق مع أمجد كتير ساعتها قالت لي أبشع كلام ممكن واحدة تسمعه في حياتها واتريقت عليا، اتصدمت إزاي كانت عاملة نفسها صاحبتي وقدرت تقولي الكلام القاسي ده، أخدت جنب منها بعدها وقولت مليش دعوة كفاية تعاملها مع أخويا بس هي كانت بتعمل مشاكل كتير مع أمجد حتى بعد ولادتك.
توقفت نورا، ابتلعت ريقها بصعوبة ثم أكملت وقد سقطت دمعة حارة على خدها: لحد ما اتخطبت لجوزي، شخص كويس وحبني رجع لي الثقة اللي خسرتها بسببها، كانت طول فترة الخطوبة تلمح بالكلام أنه مش هيكمل معايا وازاي خطبني وبص لي بس أنا كبرت دماغي منها واتجوزت، المشاكل كانت بتزيد بينها وبين أمجد بسببها وأمجد كان متحمل علشانك لحد ......لحد ما جوزي جه وقالي أنها بقالها مدة كبيرة بتحاول معاه وكان بيصدها بس ساكت علشان خاطر ميكسرش أمجد وميكسرنيش.
أخذت نفسًا عميقًا وتابعت: اتصدمت ومكنتش قادرة أصدق لحد ما وراني رسايلها اللي كانت بتبعتها له، كانت صعبة أوي وكسرني الكلام اللي كانت بتقولهوله زي أنت إزاي متجوزها وهي تخينة وشكلها وحش، أكيد مش مرتاح معاها، إزاي راجل زيك بص لواحدة زيها وفي نفس الوقت اكتشف أنها كانت بتخون أمجد مع واحد تاني، كانت صدمة كبيرة وصعبة أوي عليه، مكنش هاممها حاجة بس أمجد كان خايف عليكِ علشان كدة اشترط عليها تتنازل عن حضانتك وملهاش دعوة بيكِ وهي ما صدقت بس كان شرطها تاخد فلوس فأداها الفلوس علشان تمشي من حياتنا وتسيبنا.
شعرت داليا أنها على وشك الإغماء مما تسمعه فلم يخطر في بالها أبدا أن تكون والدتها سيئة إلى هذا الحد ويصل بها الأمر لخيانة والدها!
والدها! نظرت حولها فلم تجده فقالت بتشتت: بابا فين؟
تركتهم لتبحث عن والدها فدَلفت لغرفته، كانت الغرفة شبه مظلمة يتخللها نور يدخل من فتحة شباك شبه مغلق يجلس أمجد أمامه على السرير معطي ظهره لداليا.
تقدمت داليا باكية وهي تناديه بجزع: بابا!
ركعت على الأرض بجانبه تتوسله: بابا رد عليا بالله عليك.
أدار أمجد وجهه ببطء لتهتف داليا بذهول: بابا أنت بتعيط!
راقبت داليا الدموع المنحدرة على وجه أمجد بصدمة كبيرة فهي لأول مرة في حياتها ترى والدها يبكي! والدها القوي المحب الآن أمامها ضعيف ونظرات الانكسار تسكن عيناه.
شهقت داليا باكية بحرقة وهي تتعلق بذراعه: سامحني يا بابا أنا آسفة حقك عليا.
تكلم أمجد بصوت حزين: كنت صغير لسة اتعرفت على علياء في الجامعة لحد ما عرفت أنها من منطقة جنبنا أعجبت بيها وبأخلاقها كانت إنسانة لبقة وراقية واتخرجت بعدها قولت لو لينا نصيب بإذن الله هخطبها لما أبقى جاهز، بعدها بسنتين حسناء حتى المنطقة مع أهلها، صاحبت نورا وبقت تيجي عندنا البيت كتير، أنا مكنتش مهتم بالنسبة لي عادي صاحبة أختي لحد ما في مرة طلبت تقابلني على انفراد استغربت جدا، يومها قالتلي أنها واقعة في مشكلة ومحدش غيري هيقدر يساعدها، أخوها جايب لها عريس واحد صاحبه وهو مش كويس ومش عايزاه بس أخوها مصمم وطلبت مني اتجوزها، أنا اتصدمت جدا حاولت أشوف لها حل بس هي رفضت وقالت مش هيقبل لأنه عايز يجوزها وأنها خايفة تروح البيت علشان ميجبرهاش، فكرت فيها ساعتها ليه لا؟ كان باين انها إنسانة كويسة وأنا أعزب وعلياء كان مجرد إعجاب يعني الموضوع مش فارق ليا للدرجة دي، واتكلمت مع أخوها يومها واتقدمت لها واتجوزنا.
أردف بنبرة يظهر فيها الاستغراب العميق: في أول كام شهر الأمور كانت عادية لحد ما بدأت المشاكل تحصل، كانت متحكمة جدا وبتحب تتحكم في كل حاجة على مزاجها ف طبعا حصلت مشاكل كتير شخصيتها اللطيفة اختفت وظهرت شخصية تانية مكانها غريبة وباردة وبتحب المشاكل، كنت قررت انفصل لأني مش هقدر أكمل كدة وساعتها هي بقت حامل فيكِ قولت خلاص هديها فرصة تانية بس بعد ولادتك الموضوع مختلفش، كانت مهووسة بالسيطرة ونرجسية ومش مهتمة غير بنفسها وبتسيبك أغلب الوقت عند نورا بس استحملت علشان خاطرك وقولت يمكن تتغير مكنتش عايزك تتربي بين أب وأم منفصلين، بس المشاكل زادت جدا وأنتِ بتكبري وبرضو مكنتش عايزك تشوفي كل المشاكل دي وتتعقدي لأنها كانت بتتخانق طول الوقت حتى لو على أتفه حاجة، جات لي فرصة في الشغل أني أشتغل بعيد وانزل إجازة كل فترة وافقت علطول علشان أبعد شوية وناخد راحة من المشاكل يمكن الأمور تتعدل بيننا، كنت بشتغل كام شهر وأرجع هنا إجازة وكانت الأمور عادية.
صمت وعيناه تشرد وتابع بنبرة تظهر فيها العذاب: كان خلاص فاض بيا وكنت قررت لأني حسيت إني مش متجوز مكنش موجود بيننا غير المشاكل ومفيش أي تفاهم ولا مودة مكنتش مرتاح بس لما رجعت قالتلي أنها حامل بس قولت هديها فرصة أخيرة علشان خاطر البيبي اللي جاي ولو فضل الوضع على حاله هننفصل على الأقل تتربوا بعيد عن المشاكل بس.....
توقف وكان يجد صعوبة بالغة في متابعة الحديث: وقعت على السلم ونقلناها المستشفى الدكتور قال إنه الحنين مات وعلى قد ما زعلت قولت الحمد لله خير يمكن ملوش نصيب يجي لكن لما الدكتور قال إنه الحنين كان مكتمل وعمر الحمل تسع شهور حسيت كأن حد جاب جردل مية ساقعة وصبه عليا، هي كانت قايلالي أنها حامل في سبع شهور ومكنتش بروح معاها مواعيد الدكتور لأنها كانت بتتحجج بأي حجة علشان مروحش وأنا مكنتش بركز، طلبت من الدكتور يتأكد قالي أنه متأكد والبيبي كان فاضله كام يوم ويتولد.
ظهر الألم جليا على وجهه: الدنيا كلها اسودت في وشي بس سكتت وكتمت في قلبي لحد ما روحنا البيت ومحسيتش بنفسي غير وأنا بواجهها في الأول حاولت تنكر بعدها اعترفت وبجحت في وشي حتى أنها......
ارتبك ثم أكمل: طعنت في رجولتي، كنت قرفان ومش عايز غير أني أطلقها مكنتش عايز فضائح تمس سُمعتي ولا سمعتك لما تكبري، وطلقتها، كانت جدتك ماتت من سنين وأخوها مشي ومنعرفش مكانه.
كانت علياء الواقفة عند الباب تبكي بصمت تستمع وقد عملت أن أمجد أخفى عن داليا أهم شيء والذي كان سيدمر داليا تمامًا، ما فعلته حسناء قبل مغادرتها كضربة أخيرة لأمجد كادت تقضي عليه حين شككته في نسب داليا مما جعل التساؤلات تعذب أمجد حتى قام بتحليل الأبوة وثبت أنها ابنته الحقيقية وهو ما يلوم نفسه عليه لأنه سمح لها بالتلاعب به بذلك الشكل مع أن داليا تشبهه كثيراً.
انخفض صوته ليصبح أقرب للهمس: كنت مكسور وحزين، مش هنكر كرجل حسيت بالنقص واتهزيت خصوصا لما عرفت اللي عملته مع نورا، كرهتها وكرهت نفسي أني قبلت ارتبط بيها في يوم من الأيام وعيشت أيام صعبة لحد ما قررت أقف على رجلي علشانك وقولت خلاص هعيش بقية حياتي ليكِ.
حدق إليها بنظرة اعتذار وندم: كنت عايزك تعيشي حياة كويسة حتى لو هتشوفيني الغلطان، كنت مستعد ترمي عليا اللوم بس تكبري زي أي بنت في سنك علشان كدة كنت بدلعك بزيادة بحاول اعوض غيابها اللي مقدرش أبرره، كنت بس مستني الوقت المناسب علشان أقولك لو جزء بسيط من الحقيقة، سامحيني أنا رميتك في النار بإيدي لما سيبتك عندها بس مقدرتش أقولك حاجة.
زفر بعمق: من سنة قابلت علياء صدفة وعرفت بعدها أنها اتجوزت بس حماتها مكنتش كويسة معاها بس هي حاولت تحافظ على بيتها وكانت بتضايقها كتير خصوصا في موضوع تأخير الخلفة لحد ما حملت بس كان بيحصل بينها وبين جوزها مشاكل كتير بسبب حماتها لحد ما سقطت من كتر الضغط النفسي ولأنه كان عندها مشاكل أصلا بقى صعب وشبه مستحيل تخلف تاني وحياتها بقت أسوأ حماتها بقت تعاملها أسوأ من الأول وتقولها كلام جارح كتير وتعايرها وجوزها اتغير عليها فقررت تطلق، لما اتقابلنا حسيت بالراحة اللي خسرتها زمان واللي كنت بدور عليها لسنين ولقيت أنه لو ربنا مقدر لي اتجوز تاني هيكون علياء، إحنا الاتنين متفاهمين وشبه بعض وفيه بيننا ارتياح ومودة ، اتنين عانوا وتعبوا ولقينا الونس في بعض، كنت عايز أقضي معاها بقية حياتي لأني لقيت اللي كنت محتاجه فيها، حبيت استنى وأمهد لك الموضوع الأول بس كنت عنيدة وأنا تعبت ومحتاج أرتاح ففكرت خلاص أنا هتجوز وأنتِ مع الوقت هتتقبلي الوضع تتعايشي.
لوى فمه بنصف ابتسامة غير راضي عن نفسه: بس كنت غلطان تاني لأنك كبرتي ومينفعش أفرض عليكِ حاجة زي دي لأنها قلبت برد فعل عكسي معاكِ، بعد ما قولت لنورا أني عايز اتجوز علياء قالتلي أنها في مرة من المرات قالت قدام حسناء أني معجب بيها وعايز اتجوزها ولما بفكر في الموضوع بحس أنها عملت كدة قصدًا رغم أنه مجرد إعجاب بس هي بتحب اللي في إيد غيرها هي محبتنيش أبدا بس الحاجة بتلمع في عينيها فجأة لما تكون مش بتاعتها.
قال بصوت متحشرج يظهر به آسفه العميق: سامحيني يا داليا اتصرفت بس ده اللي دماغي جابتني ليه يا بنتي كنت بحاول أحميكِ.
كانت داليا مع كل كلمة يتفوه بها أمجد تشعر بها كسكين يغرس في قلبها حتى أحست بأن قلبها تمزق كليًا وعقلها لا يستوعب ما تسمعه منها الآن، لقد فعلت والدتها كل هذا لتأتي هي أيضا لتؤذي والدها أشد الأذى!
بدأت داليا ترتعش فقال أمجد بخوف: مالك يا حبيبتي؟
كانت لا تسمعه وهي تقول بضياع: عمتو كان معاها حق أنا شبهها وزيها.
نفى حديثها بقوة: لا أنتِ مش شبهها يا داليا سمعاني؟ أنتِ شبهي أنا، أنتِ بنتي أنا!
ارتمت داليا في أحضان والدها تنتحب بصوت عالي: أنا آسفة يا بابا حقك عليا، متزعلش مني.
ضمها أمجد إليه بشدة: مش زعلان منك يا داليا أنتِ عارفة بحبك أد إيه.
زاد حديثه من عذابها فصرخت بقهر: لا لازم تبقى زعلان مني لأني سمعت كلامها وعملت كل اللي قالت عليه، أذيتك زيها أنا بكرهها أوي يارب تموت.
بدأت حالة داليا تتحول إلى الهستيريا ولم ينجح أمجد في تهدئتها فصاح وهو لا يطيق رؤيتها في هذه الحالة: ماتت يا داليا خلاص! حسناء ماتت!
رواية خداع قاسي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ديانا ماريا
توقفت داليا تنظر لوالدها بعيون متسعة ويديها عالقتين في الهواء حتى أطلقت ضحكة جافة فجأة:
ماتت؟ طب ده كويس.
بدأت تضحك بشكل هستيري ودموعها تتساقط وهي تردد نفس الكلمات بشكل متكرر:
ماهي كان لازم تموت!
راقب أمجد حالتها الهستيرية بخوف وتقدم يمسكها من ذراعيها ويهزها بقوة:
داليا فوقي.
إلا أن حالتها ازدادت سوءاً وانقلبت تلك الضحكات لصرخات متألمة وهي تبتعد عن والدها وتضع يديها على أذنيها حتى سقطت على الأرض فاقدة للوعي.
ركع أمجد بجانبها هاتفًا بذعر:
داليا! ردي عليا.
تقدمت علياء تقول بقلق:
يلا نروح المستشفى يا أمجد واضح البنت متحملتش اللي سمعته.
حملها أمجد على الفور ورائه علياء فشاهدتهم نورا التي كانت مازالت في الخارج وراقبت بذهول أمجد يركض وبين يديه داليا وعلياء ورائهم فسألتها بقلق:
مالها؟
أجابت علياء بسرعة وهي تلحق بأمجد:
منعرفش لسة يا نورا.
انتظروا في الخارج والقلق ينهش قلب أمجد وضميره يؤنبه لأنه أخبرها الحقيقة، تعاظم الشعور بالذنب داخله لأنه تسبب في تلك الحالة لابنته التي حاول حمايتها بأي شكل.
خرج الطبيب فأسرع إليه بلهفة:
داليا عاملة إيه يا دكتور طمني؟
تنهد الطبيب:
عايز الصراحة مش كويسة نفسياً ولا جسدياً حصل لها صدمة كبيرة.
ظهر الذنب جلي على وجه أمجد وسأله بخفوت:
طب أعمل إيه ولا هي لازمها إيه علشان تبقى كويسة؟
قال الطبيب بجدية:
مش محتاجة أكتر من أنها تبعد عن أي حاجة تزعلها وحبك واهتمامك هيفرقوا معاها جدا علشان متدخلش في حالة اكتئاب شديدة.
ولج أمجد للغرفة بعد أن سمح له الطبيب ليرى داليا نائمة يظهر الشحوب على وجهها بوضوح، جلس بجانبه وأمسك بيدها بين يديه مقبلاً إياها بحزن ودمعة تكاد تسقط من عل حافة رموشه:
سامحيني يا داليا أنا كنت عايز احميكِ بس معرفتش.
هزت داليا رأسها خلال نومها وكشر وجهها كأنها تعاني حلماً مزعجاً فهمست:
بابا....بابا.
مسح أمجد على شعرها بلهفة:
أنا هنا يا حبيبتي ارتاحي.
استكانت داليا عندما سمعت صوته وعادت لنومها بهدوء، حين استفاقت في اليوم التالي كان الهدوء هو الشيء الوحيد المسيطر على الموقف حين كانت داليا هادئة للغاية وتحدق أمامها بينما أمجد صامت وعلياء تجلس تراقب الموقف من عن بعد.
ابتسم أمجد:
محتاجة حاجة معينة يا حبيبتي؟
لم تنظر له داليا وهي تجيب بجمود:
لا.
أخذ نفساً عميقاً ليحاول مجددا:
طيب جعانة؟
أجابت بنفس النبرة:
لا.
تنهد واحتوى يدها بيت يديه قائلاً بعطف:
يا داليا متعمليش كدة، سلامتك عندي بالدنيا كلها.
أغمضت عيناها بقوة فتابع بحب:
أنتِ بنتي وحبيبة قلبي أنا مش زعلان منك أنا عايزك تبقي كويسة وبخير.
كان ارتجف فمها المؤشر الوحيد على تأثرها ولكنها بقيت على وضعها فتنهد وهو يقف:
أنا هروح أشوف الدكتور.
خرج فتقدمت علياء لتجلس أمام داليا وتقول بهدوء:
عارفة أنك تعبانة بس تسمحي لي أقول حاجة؟
فتحت داليا عينيها ونظرت لها بجمود فتابعت علياء بجدية:
أنا عارفة أنه الحقيقة كانت صعبة جدا عليكِ بس ليه بتعاقبي والدك يا داليا؟ إيه ذنبه؟
نظرت لها داليا بدهشة وقد اتسعت عيناها فتابعت علياء بحكمة:
أيوا يا داليا أنتِ كدة بتعاقبي أمجد، أنا عارفة أنه مكنش سهل كل اللي حصل بس فكري لو مش سهل عليكِ فكان عامل إزاي عليه هو بس هو قرر يرمي كل ورا ضهره ويكمل علشانك أنتِ، علشان ميشوفكيش في الحالة اللي أنتِ فيها دي دلوقتي، هو لما بيشوفك بيحس أنه فشل في دوره وأنه كل اللي عمله السنين اللي فاتت راح على الفاضي، أمجد بيتعذب وهو شايفك كدة.
أطرقت داليا رأسها وقد تجمعت الدموع في مقاتليها فأردفت علياء بعطف ممزوج بالعقلانية:
هو حاول علشانك دايما يا داليا، حاولي أنتِ المرة دي علشانه لو مش علشان خاطر نفسك، أنسي الماضي لأنه مات خلاص وعيشي وابدئي من جديد هتلاقينا كلنا بنمد إيدينا ليكِ.
سقطت دموعها بهدوء فمدت علياء يدها بتردد وربتت على كتفها ثم نهضت وجلست بجانبها فمالت داليا تبكي على كتفها لتضمها علياء إليها بحنان.
وعلى مضض ذلك اليوم تناولت داليا بعض الطعام إلا أنها بقيت هادئة، في اليوم التالي حضرت عايدة مع ابنتها حتى يطمئنوا على داليا، كان أمجد يقف مع علياء أمام باب الغرفة يتناقش معها بخصوص تعليمات الطبيب فقال بترحيب:
أهلا نورتوا.
ابتسمت عايدة:
ازيك يا أمجد أخبار داليا إيه؟
ابتسم أمجد بحزن:
والله الحمد لله على كل حال.
قالت عايدة بتفاؤل:
بإذن الله هتبقى بخير وأحسن من الأول.
أخذتها علياء حتى تطمئن على داليا، اعتدلت داليا حين دلفت علياء بصحبة عايدة وابنتها جودي، كانت جودي فتاة متوسطة الطول ذات وجه بملامح طفولية لطيفة وترتدي نظارة طبية.
ابتسمت عايدة بود:
ألف سلامة عليكِ يا داليا، عاملة إيه دلوقتي يا حبيبة خالتو؟
رددت داليا بتعجب:
خالتو؟
ضحكت عايدة:
اه خالتو أصلك مش عارفة طالما حبينا حد وارتاحنا ليه بقى مننا وعلينا خلاص وبعدين أنتِ مش غريبة.
شعرت داليا بإحساس غريب من تلك المودة المنبعثة من عايدة وتلك الكلمة فهي لم يكن لديها خالة أبدا في حياتها.
قدمت جودي أمامها وقالت:
ودي بنتي جودي في نفس سنك بالظبط.
ابتسمت جودي:
ازيك يا داليا عاملة إيه؟
ردت داليا ببرود:
بخير.
نظرت عايدة لعلياء بنظرة معينة:
طيب تعالي يا علياء نجيب حاجة نشربها والبنات يقعدوا مع بعض.
أومأت علياء فورا:
اه يلا مش هنتأخر.
خرجوا ليجد أمجد بانتظارهم فقال بتساؤل:
إيه فيه حاجة؟
هزت علياء رأسها:
لا إحنا قولنا نسيب البنات يتعرفوا براحتهم وكمان يمكن جودي تقدر تخرج داليا من اللي هي فيه.
تنهد أمجد بقلة حيلة:
يارب والله.
عايدة بجدية لا تناسب قولها:
متخافش بنتي رغاية وهتاكل دماغها ومش هيبقى عندها وقت تفكر من الصداع اللي هيجي لها بسببها.
اقتربت جودي حتى تجلس أمام داليا على السرير قائلة بعفوية:
على فكرة اسمك حلو زي اسمي، إحنا داخلين سنة أولى ثانوي مع بعض، أنتِ عايزة تبقي أدبي ولا علمي؟
ردت داليا بلامبالاة:
مش عارفة.
قالت جودي بعفوية:
أنا بقى عن نفسي مش عارفة، أنا مش عايزة أدخل أدبي لأني مبحبش الحفظ الكتير ولا الجغرافيا، ومش عايزة أدخل علمي علوم علشان بكره الفيزياء لأني بكره المسائل الرياضية، ومش فاضل غير علمي رياضة اللي كله رياضة اللي بكرهها.
نظرت لها داليا بدهشة فتابعت جودي بحماس:
وبرضو أنا مش محددة أنا عايزة أطلع يعني حاطة كل الإحتمالات قدامي وفي نفس الوقت بقول أسيبها لوقتها يعني أنتِ كمان معاكِ حق، تعرفي أنا كنت متحمسة اجي هنا أوي.
رفعت داليا حاجبها باهتمام:
ليه؟
رفعت جودي كتفيها:
بحب أتعرف على ناس جديدة وأعمل صحاب، الإجازة المرة دي مملة أوي صاحبتي مسافرة مع أهلها والتانية ساكنة بعيد عني وأنا لوحدي في البيت و معنديش أخوات بنات فحبيت اجي أتعرف عليكِ ونبقى صحاب، أصل أنا عندي ادهم أكبر مني في الجامعة وسليم عنده عشر سنين فأنا الوسطاني المهدور حقه.
أنهت كلماتها بتنهيدة مبالغ بها لتبتسم داليا نصف ابتسامة.
قالت جودي بتلقائية:
تعرفي أنا حبيت عمو أمجد جدا من ساعة ما خالتو اتجوزته راجل لطيف جدا، تعرفي أنك شبهه.
لمعت عينا داليا برقة:
بجد شبهه؟
قالت جودي بمرح:
أيوا لطيفة كفاية أنك لحد دلوقتي مطردنيش من الأوضة بسبب رغي مش زي ماما بتحدفني بأي حاجة في إيدها أيا كانت علشان أسكت، مرة كنا في المطبخ وأنا مش مبطلة رغي راحت حدفتني بالمغرفة اللي في إيدها جت في دماغي.
ثم ضحكت فانتزع مرحها وحيويتها من داليا ضحكة خافتة رغماً عنها.
بالخارج قال أمجد لعايدة بامتنان:
شكرا يا عايدة على تعبك مش عارف أقولك إيه.
ردت عايدة بعتاب:
متقولش كدة يا أمجد إحنا مفيش بيننا شكر إحنا أهل وبعدين بنتك هي بنتي كمان.
فجأة أمسكت علياء ببطنها وهي تقعد جاجبيها بشدة، انتبه لها أمجد فأسندها بقلق:
مالك يا علياء؟
قالت علياء بصوت منخفض من الألم:
بطني يا أمجد بتوجعني أوي.
قالت عايدة بخوف:
أنا هروح أجيب دكتور بسرعة.
ثم ذهبت بينما تسارعت أنفاس علياء من الألم الذي حاولت أن تكتمه ولم تستطع فأفلتت صرخة منها وهي تقع بين ذراعي أمجد.
رواية خداع قاسي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ديانا ماريا
لم ينتظر أمجد وحملها وهو ينادي الممرضة.
فأحضروا سريرًا طبيًا على الفور لتفحص علياء طبيبة نسائية.
سألتها الطبيبة: مدام علياء، أنتِ عندك تاريخ مرضي قبل كده؟
جلست علياء أمامها بوجه متعب: أنا كان عندي مشاكل في الخلفه قبل كده وحملت بس سقطت للأسف من جواز سابق.
أومأت الطبيبة وهي تكتب أمامها.
فسألها أمجد بقلق: فيه حاجة ولا إيه يا دكتورة؟
هزت رأسها قائلة بنبرة عادية: لا لا مفيش حاجة بإذن الله. احتمال كبير التهاب بسيط بس عايزين نعمل الأشعة دي على الرحم علشان نتأكد أنه كل شيء بخير.
ثم أعطتهم الورقة مع ابتسامة عملية.
فنهض أمجد وعلياء بعد أن حقنتها الطبيبة بمسكن للألم.
كانت جودي جالسة على حافة سرير داليا بعد أن غمرتها بحكاياتها المختلفة لتشعر داليا بالود ناحيتها وناحية لطفها.
قالت جودي بابتسامة: أنا مبسوطة بجد أنه خالتو اتجوزت باباكِ. هو شخص محترم وكويس مش زي اللي كانت متجوزاه قبل كده. كان إنسان وحش خالص، الحمد لله أنها اتجوزت عمو أمجد. وأنتِ كمان باين عليكِ لطيفة. أنا كنت زعلانة أنها مش بتخلف لحد ما شوفتك.
تغيرت قسمات وجه داليا وذكريات سوء تعاملها مع علياء، خاصة حين جرحتها بكلماتها بأمر من والدتها، تعود إليها لتعيد شهورها بالذنب. خاصة أن علياء لم تلمها أبدًا على ما فعلته وسامحتها.
دلفت عايدة.
لتسألها جودي بعفوية: أمال خالتو علياء وعمو أمجد فين يا ماما؟
تنهدت عايدة: علياء تعبت فأمجد خدها يكشف عليها.
انتبهت داليا لكلامها.
وفي ذلك الوقت دلف أمجد يسند علياء.
فوجهت داليا حديثها لعلياء بقلق: مالك؟ ألف سلامة عليكِ؟
قالت علياء بابتسامة شاحبة: مفيش شوية تعب بس.
تطلعت لوالدها: طب والدكتور قال إيه يا بابا؟
أجاب أمجد بحواجب معقودة وهو يلاحظ لأول مرة اهتمام داليا بزوجته: هتعمل إشاعة ونشوف بس بإذن الله حاجة بسيطة.
وفي حركة أثارت دهشة الكل، مدت داليا يدها لتضعها على يد علياء: خدي بالك من نفسك واسمعي كلام الدكتور علشان صحتك.
ارتسمت ابتسامة على وجه علياء رغم ذهولها، ولكنها لم تستطع الرد فاكتفت بهز رأسها.
بينما يراقب أمجد الموقف بدهشة ممزوجة بالفرح لأن هذه أول بادرة تقبُل من داليا لعلياء.
بعد ذهاب عايدة وابنتها، أتت عمتها حتى تطمئن عليها.
تقدمت بخطوات مترددة وداليا جالسة بهدوء.
وقفت متوترة للحظات حتى اندفعت نحوها بشكل فاجئ داليا وعانقتها بشدة وهي تبكي: حقك عليا يا حبيبتي، أنا غلطت، كنت عبيطة ومفرقتش. أنتِ بنت أخويا في النهاية.
ربتت داليا على ظهرها بتسامح: ولا يهمك يا عمتو.
نظرت لها نورا بندم: سامحيني يا بنتي، أنا الكره أعمىني ونسيت أنك بنتي وأنا اللي ربيتك على إيدي.
قبلت جبينها وعانقتها مرة أخرى لتبادلها داليا العناق.
ليزفر أمجد بعمق ارتياحًا لأن كل العقد التي واجهته بدأت تنحل واحدة تلو الأخرى.
خرجت داليا في اليوم التالي وحين دلفت للمنزل وجدت مفاجأة كبيرة في انتظارها.
هناك وقفت عائلتها المكونة من والدها وعلياء وعمتها وزوجها وأولادهم، مع أيضًا عايدة وجودي وأصدقائها القدامى يقفون أمام طاولة كبيرة معدة بكل شيء للاحتفال بعيد ميلادها الذي لم يحدث. فقد كان هناك كعكة كبيرة عليها شمعة بعمرها وأيضًا مقبلات وحلويات شهية.
حين دخلت صفقوا جميعًا مرحبين بعودتها.
فوقفت داليا بعيون دامعة تحدق إليهم وغصة في حلقها تمنعها من الكلام تأثرًا بما تراه أمامها.
إلا أنها وبشكل خاص نظرت لوالدها عبرت من خلالها عن كل ما في داخلها ولا تستطيع أن تقوله في مجرد كلمات.
فتقدم والدها وهو يعانقها بشدة.
تعلقت داليا برقبته ودمعة تنهمر من جانب عينها: أنا بحبك أوي يا بابا.
مسح أمجد على شعرها بحنان: وأنا كمان يا حبيبتي، أنتِ مش عارفة غلاوتك عندي كبيرة إزاي.
شعرت داليا بحال أفضل وقضت وقتًا ممتعًا مع جودي ورفقائها.
في وسط تلك الضوضاء تسللت علياء لغرفة نومها وشردت وهي تتذكر كلمات الطبيبة حين ذهبت إليها وحيدة بعد أن أصرت ليبقى أمجد مع داليا.
قالت الطبيبة بابتسامة: لا الأمور تمام، التهاب بسيط في بطانة الرحم ومع شوية أدوية هتبقي تمام. أنتِ ماشية على دوا معين ولا حاجة من ساعة الجواز؟
هزت رأسها: لا يا دكتورة زي ما قولتلك لما أجهضت فرصي في الخلفه بقت صعبة جدًا وجوزي دلوقتي عارف كدة ومتقبله.
عقدت الطبيبة حاجبيها: بس أنا شايفة أنه الموضوع مش بالصعوبة دي يا مدام علياء، يعني مع شوية أدوية ومعالجة صحيحة احتمال كبير جدًا حضرتك تحملي.
اتسعت عيون علياء بدهشة: حضرتك بتقولي إيه؟
أكدت لها الطبيبة بجدية: بقول لحضرتك حملك مش مستحيل زي ما مفكرة، أهم حاجة تتعالجي صح.
اضطربت أنفاسها وهي تحدق للأرض تشعر بالضياع.
هل ما تسمعه هو حقيقة أم مجرد خيال منها؟
رفعت وجهها تسأل الطبيبة باضطراب: حضرتك متأكدة أني... أني ممكن أبقى حامل؟
رفعت الطبيبة كتفيها: والله كل شيء وارد. مقدرتش أقولك احتمال مؤكد بس هو مازال احتمال كبير جدًا أنه العلاج يجيب نتيجة وتحملي في النهاية. مفيش حاجة بعيدة على ربنا.
ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة بصوت متحشرج: بس أنا مش هقدر أعمل كدة يا دكتورة، أخاف أتأمل ويطلع على الفاضي.
نظرت لها الطبيبة بعطف: أنا متفهمة ترددك يا مدام بس صدقيني هيبقى في مصلحتك. على العموم فكري براحتك لسه قدامك وقت لحد ما الالتهاب يروح.
كانت ماتزال تشعر بالحيرة والعذاب معًا فهي لا ترغب بالمخاطرة على أساس أمل واهٍ.
حين لاحظ أمجد اختفائها بحث عنها ليجدها على هذه الحالة.
فاقترب منها بقلق: مالك يا علياء؟
تطلعت له بعيون دامعة فصُدم: إيه اللي حصل للدرجة دي؟
سردت له ما قالته الطبيبة بصوت مرتجف ثم تابعت بانكسار: مقدرش يا أمجد، افرض العلاج منفعتش بعد ما أكون اتأملت على الفاضي واستنيت؟ مش هقدر أستحمل خيبة الأمل دي أبدًا.
فوضع ذراعه حولها وهو يتنهد: طب يا حبيبتي اعملي اللي يريحك، متضغطييش على نفسك. لو عايزة أنا معاكِ، لو مش عايزة براحتك برضو. أهم حاجة متزعليش كدة.
همست بألم: طب لو العلاج جاب نتيجة؟ فيه أمل أني أبقى أم بعد ما كنت خلاص اتأقلمت وعشت أني مش هخلف أبدًا يا أمجد! أنا تعبانة ومش عارفة أعمل إيه.
لم يستطع أن يجيبها فهو يريدها أن تتخذ ذلك القرار بنفسها حتى لا تشعر بالضغط.
قال برقة: أنتِ شوفي أنتِ عايزة تعملي إيه وأنا معاكِ فيه. ولو ربنا أراد وكان لينا نصيب نخلف هكون أسعد إنسان في الدنيا إني جبت ولد أنتِ أمه. ولو ملناش نصيب مش هيتغير أي حاجة بالنسبة ليه، هفضل أحبك زي ما أنتِ كفاية وجودك في حياتي.
ابتعدت عنه قليلاً بدهشة: بتحبني؟
ابتسم بحب: طبعًا بحبك يا علياء، إزاي مش هحبك؟ وقفتي جنبي في أصعب أوقات حياتي ورغم كل اللي حصل مزهقتيش ومشيتي. لقيت معاكِ كل حاجة كنت بدور عليها إزاي محبكيش؟
احمرت وجنتا علياء من الخجل بينما برقت عيناها من السعادة: وأنا كمان يا أمجد، حبيتك وحبيت حنيتك ولطفك والأمان اللي لقيته معاك وكنت بدور عليه دايما.
ضمه لها بحنان فاستندت برأسها على كتفه براحة.
لم تذق النوم تلك الليلة فقد كانت مستيقظة تفكر حتى ألمها رأسها.
كانت تنظر بين الحين والآخر إلى أمجد الذي ينام بجانبها حتى تنهدت وقررت أخيرًا.
مرت خمسة أشهر على مداومة علياء للدواء وقد قررت المخاطرة والتجربة.
ودعت الله ألا ينكسر قلبها حتى وإذا لم يتحقق أملها.
في يوم كانت تقف في الحمام تفرك يديها ببعضهما بتوتر وهي تنظر لاختبار الحمل بترقب.
حتى أن ضربات قلبها بدأت تتسارع.
أخذت عدة أنفاس عميقة حتى تهدئ من روعها ثم تقدمت لتنظر إلى الاختبار.
وحينها شهقت بصوت عالٍ وهي تضع يديها على فمها بعدم تصديق إن نتيجة الاختبار إيجابية! أنها حامل!
كادت تسقط من شدة وقع المفاجأة عليها فاستندت على حوض الحمام أمامها.
طرق أمجد الباب حتى يطمئن عليها لأنها أطالت البقاء.
وحين لم ترد نادها بقلق: علياء أنتِ كويسة؟
بدأت علياء تبكي بصوت مسموع فدلف أمجد على الفور يقول بهلع: مالك حصلك حاجة؟
لمح بطرف عينه الاختبار فحدق إليه مذهولًا.
ترنحت علياء، فاستندت بظهرها على صدر أمجد ليمسكها بإحكام.
قالت علياء بصوت مبحوح من شدة البكاء: شايف يا أمجد؟ أنت شايف اللي أنا شايفاه صح؟ أنا حامل يا أمجد حامل! يالله مش قادرة.
رد أمجد بتأثر: اه شايف يا حبيبتي، الحمد لله على كرم ربنا. بطلي عياط يا حبيبتي غلط عليكي.
إلا أن علياء لم تتوقف عن البكاء حتى بعد أن أكدت الطبيبة حملها.
قالت للطبيبة بصوت متهدج: بس إزاي ده يا دكتورة؟ ده كان مستحيل! وبعدين مش أنا سني كبير وهيبقى خطر على الجنين؟
رفعت الطبيبة حاجبيها بتعجب وقالت بابتسامة تفهم لحالة علياء: يا مدام علياء أنتِ اللي بتقولي كدة؟ أمال الستات اللي بيحملوا في الأربعينات والخمسينات دول وبيجيبوا أطفال أصحاء دول إيه؟ المفروض حضرتك أذكى من كده.
أمسك أمجد بيديها بين يديه مبتسمًا بسعادة.
وبعد أن أعطتها الطبيبة التعليمات والفيتامينات اللازمة مع التشديد على نفسيتها حتى لا يتكرر ما حدث سابقًا، كانا عائدين إلى المنزل بسعادة.
فقالت علياء فجأة بانتباه: وداليا؟ هنقول لداليا إزاي؟
تابعت بقلق: يعني مش عارفة هي هتتقبل فكرة أخ أو أخت جديدة يشاركوها فيك وأنت عارف هي بتحبك قد إيه.
فكر أمجد في ذلك الأمر إلا أنه شعر أن ابنته لن تمانع خصوصًا بعد تغير شخصيتها بشكل كبير في الفترة الأخيرة.
وكان توقعه صحيح حين أبدت داليا حماسًا وفرحًا لنبأ الحمل.
بل أسرعت وعانقت علياء.
فراقب أمجد المشهد بابتسامة عريضة وتنفس بعمق وهو يحس أخيرًا بأنه بدأ يحيا حياة طبيعية كما تمنى دائمًا.
كان احتفال عيد ميلاد داليا السادس عشر يسير على ما يرام حتى وقفوا جميعًا لتطفئ الشمع.
فبدأت علياء تحسب بآلام شديدة أيقنت أنها آلام المخاض.
فحاولت التماسك إلا أن كان الألم شديدًا لدرجة أنها صرخت بصوت عالٍ.
فحدق إليها الجميع بذهول.
أدرك أمجد الموقف فأسرع بها للمستشفى على الفور.
ولحقهم الجميع.
كانت علياء تجلس على السرير السعادة تشع من وجهها رغم التعب البادي عليه.
وأمجد بجانبها واضعًا يده حول كتفها وهما الاثنان يراقبان بهدوء داليا الجالسة وبين يديها أخوها المولود حديثًا.
قالت نورا بمرح: وسبحان الله يا علياء الميعاد بالضبط على عيد ميلاد داليا علشان بعد كده يبقى اتنين مش واحد!
غمرت داليا وجهها في عنق أخيها قائلة بحب: كنت عايز تطفي الشمع معايا يا روحي، هنطفيها مع بعض بإذن الله كل سنة، علشان أنت بتحبني وأنا بحبك أوي.
غمرت وجهه ويده بالقبلات وهي تمسك بيده الصغيرة في يدها.
ألصقت وجهها بوجهه واشتمت رائحته بعمق قائلة بابتهاج: يالله ريحتك حلوة أوي مجنناني.
قالت علياء بمداعبة: هتسميه إيه يا داليا؟
رفعت رأسها بدهشة: اسميه؟ أنا اللي هسميه؟
أومأ أمجد بسرور: أيوه إحنا قررنا أنا وعلياء أنك أنتِ اللي هتسميه.
تأثرت داليا بتلك المبادرة ونظرت لهم بامتنان ثم لذلك الطفل الذي ينام بسلام بين ذراعيها بشغف.
بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة خططت أسرة أمجد ووالد جودي لرحلة صيفية معًا احتفالًا بهما.
كانت داليا تجلس بجانب جودي التي أصبحت صديقتها المقربة وبمثابة الإخوة.
وكان مرحها ساعد داليا على تخطي الكثير أيام محنتها.
بينما يجلس كل من أمجد مع علياء بالأمام وعايدة بجانب زوجها.
أما سليم فيلعب مع ريان ذو الثلاث سنوات ويسليه.
لتبقى أدهم شقيق جودي الأكبر والذي فضل الجلوس وحيدًا في الخلف.
كانت داليا تلتقيه في مناسبات قليلة كل تلك السنوات وقد تبين لها أنه لا يشبه جودي أبدًا في الطباع.
فهو شخصية هادئة ذات ميول غامضة وقليل الكلام.
حين وصلوا تحمسوا للسباحة.
فبدلت الفتيات ملابسهما لثوب السباحة المكون من بنطال تعلوه سترة بأكمام وغطاء الرأس.
كانت الجميع يجلس على الشاطئ باستمتاع.
يتبادل الكبار الأحاديث وسليم يقوم ببناء قلعة رملية لريان الذي يراقبه بانبهار.
بينما كانت داليا تستعد للسباحة في البحر.
لاحظت أدهم يجلس بعيدًا ويراقب المنظر بهدوء.
لم تهتم وتسابقت هي وجودي بمرح وسبحا لبعض الوقت حتى مع ريان الذي كان يتعلق برقبة داليا.
كانت جودي على وشك الخروج فسألت داليا: أنا هطلع مش هتيجي علشان نأكل؟
هزت رأسها باسترخاء: لا هفضل أعوم شوية وبعدين الحقك.
خرجت جودي بينما بقيت داليا تتأمل ما حولها باستمتاع هادئ.
حتى شعرت فجأة بألم لا يتحمل في ساقها.
علمت داليا أنه التقلص العضلي فحاولت السباحة لتخرج إلا أنها بدأت تهبط عن السطح.
أدركت أنها تغرق فحاولت مناداة أي شخص على الشاطئ ولكن صوتها لم يسعفها.
ابتلعت كمية كبيرة من الماء بسرعة وبدأت عضلاتها في الارتخاء وهي تهبط تحت سطح الماء وعلى وشك أن تفقد الوعي.
حين امتدت يد فجأة وسحبتها من يدها ثم بذراعين تحملانها.
سعلت داليا بشدة في البداية والرؤية أمامها مشوشة للغاية.
ثم استندت بيدها على صدر منقذها.
أخذت عدة أنفاس متسارعة محاولة ملء رئتيها بالأكسجين.
رفعت رأسها لأعلى وبدأت تتضح أمامها الرؤية لتهتف بخفوت: أدهم!
رواية خداع قاسي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ديانا ماريا
كانت تتنفس بسرعة لتستنشق بعض الهواء وقلبها ينبض بقوة. لا تعلم هل لأنها كانت على وشك الغرق أم لأنها ترى وجه أدهم قريب من وجهها لهذا الحد.
خرج بها من البحر ليضعها على الشاطئ سائلاً بحذر:
أنتِ كويسة دلوقتي؟ نروح المستشفى؟
حاولت الرد لكنها بدأت تسعل مرة أخرى ثم تقيأت. انتظر أدهم حتى تنتهي ثم أسندها ومد يده بزجاجة مياه لم تعلم من أين أتى بها وأمرها بهدوء:
اشربي شوية.
شربت القليل بمساعدة يده بسبب يدها التي ترتجف ثم أخذت عدة أنفاس عميقة لتهدأ. رفعت رأسها له قائلة بصوت مبحوح:
شكرا.
هز رأسه ولم يرد. في ذلك الحين أتى الجميع وجلس أمجد إلى جانبها بقلق:
مالك يا حبيبتي حصل إيه؟
استندت داليا برأسها على صدر أمجد قائلة بصوت منخفض:
رجلي جالها شد عضل فجأة في المية يا بابا.
تابعت وهي تنظر لأدهم:
وكنت هغرق لولا أدهم أنقذني.
فحصها أمجد بقلق ثم حين اطمئن أنها بخير نظر لأدهم بامتنان:
شكرا يا أدهم أنا مش عارف أقولك إيه.
ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة:
مفيش داعي للشكر طبعاً يا عمي، أنا كنت قاعد لما لاحظت اللي بيحصل فعملت واجبي مش أكتر.
مر بقية اليوم وقد عادت لغرفتها. استحمت ثم جلست تفكر فيما حدث اليوم وبشكل خاص في أدهم. طوال تلك السنوات لم تكن تعيره اهتماماً كبيراً بسبب قلة مقابلتهم وشخصيته الغامضة، لكنها كانت دائماً ما تشعر بشيء من الفضول نحوه. تذكرت عيناه فنبض قلبيها بسرعة، تلك العيون البنية الحادة التي كانت قريبة منها وتنظر إلى عينيها مباشرة.
كانت شاردة فلم تنتبه لاقتراب جودي منها بخفة حتى أفزعتها وهي ترمي نفسها أمامها على سريرها بمرح:
سرحانة في إيه؟
انتفضت داليا ونظرت لجودي بغضب:
خضتيني يخربيت كدة!
ضحكت جودي:
أصل لقيتك سرحانة حبيت اخضك، مالك سرحانة في إيه؟
رفعت كتفيها وردت بلامبالاة حتى لا تنتبه جودي:
ولا حاجة عادي.
ابتسمت جودي بخبث:
بس إيه رأيك في أدهم أخويا بطل والله!
ابتسمت داليا وهي تتذكر:
آه شخص شجاع كفاية أنه لحقني الحمدلله ومحدش كان واخد باله.
رفعت جودي حاجبها بمكر:
بجد؟ فعلاً هو الوحيد اللي كان واخد باله منك.
نظرت لها داليا باستغراب:
يعني إيه؟ مش فاهمة.
زمت جودي شفتيها:
عادي يعني قصدي أنه حاجة لطيفة وكدة.
أحست بأن جودي تلمح لشيء لكنها من الإرهاق لم ترد المجادلة. حين كانوا على وشك النوم طرق الباب فنهضت داليا لتفتح لتجد والدها مع ريان.
قال والدها بيأس:
مش راضي ينام معانا خالص ومصر يجي عندك.
كان أمجد يحمل ريان الذي كان يمد يديه لداليا حتى تحمله هاتفاً:
ديدا....ديدا!
أخذته داليا من والدها ومازحته بحب:
يا روح ديدا عايز تنام جنبي يا قلبي؟
نظرت لوالدها وهي تضحك:
خلاص يا بابا هينام معايا أنا، تصبح على خير.
تمددت على السرير وبجانبها ريان. خلدت جودي إلى النوم قبلها بينما بقيت داليا تمسح على شعر ريان بحنان حتى ينام.
كان على وشك النوم فجأة حين فتح عينيه مطالباً:
حاجة حلوة.
عقدت داليا حاجبيها:
حاجة حلوة دلوقتي يا ريان؟ الوقت متأخر خليها بكرة.
زم ريان شفتيه بعناد وجلس قائلاً بإصرار:
عايز حاجة حلوة.
زفرت داليا وجلست بجانبه محاولة تغيير رأيه:
يا حبيبي الوقت متأخر، أنا هجيب لك بكرة الصبح.
نظر إليها بعيونه بتوسل. لان قلب داليا ولم تستطع رفض طلبه فنهضت وارتدت ملابسها وحجابها بعشوائية وأخذته لتقول بتحذير:
بس دي آخر مرة مش هنعمل كدة تاني فاهم؟
أومأ ريان برأسه بسعادة وهو يسير بجانبها يد بيد. كانت المسافة ليست بعيدة ولكن الوقت المتأخر جعلها تسير بحذر.
ظهر أمامها فجأة من العدم ظل شخص فصرخت وهي تضم ريان لها. تقدم إلى الضوء لترى أنه أدهم الذي يحدق إليها بتعجب:
إيه مالك فيه إيه؟
زفرت بعمق وهي تقول بارتياح:
هو أنت، أنا اتخضيت!
نظر لها ولريان وسأل بجدية:
بتعملي إيه تحت في الوقت المتأخر ده؟
شرعت داليا تشرح له:
كنت نازلة... ثم عقدت حاجبيها بحدة: وأنت مالك بعمل إيه دلوقتي؟
رفع حاجبه باستهزاء:
يعني مش علشان قريبتي مثلاً ونازلة متأخر بسألك؟
شعرت بالإحراج فلم يكن هناك داعي لجوابها الفظ:
أنا آسفة بس من الخضة بس.
تابعت وهي تنظر لريان:
ريان مكنش راضي ينام وعايز يجيب حاجة حلوة.
نظر أدهم لريان واقترب ليحمله فابتعدت داليا لا إرادياً وهي تشعر بنبضات قلبها تتسارع مرة أخرى ولكنها أرجعت السبب للتوتر.
داعبه أدهم:
بقت أنت يا صغنون سبب الدوشة دي كلها.
قام بدغدغته في بطنه فضحك ريان بصوت عالي. نظر أدهم لداليا مبتسماً:
هروح أجيب له اللي هو عايزه خليكي هنا أحسن.
ثم ذهب وبقيت داليا في انتظارهما. ذهبت أفكارها لادهم مرة أخرى واستغربت نفسها كيف فكرت فيه بهذه الكثرة في يوم واحد فقط! ولكنها لا يمكن أن تنكر أنه هناك شيء فيه يجعلها تنجذب إليه. تذكرت مرة أخرى حين أنقذها وكم كانت قريبة منه وشعور لذيذ يسري بداخلها فابتسمت في غفلة منها ولم تنتبه لعودته مع أخيها.
وقفت أمامه وقال بهدوء:
داليا.
نظرت له مشدوهة وهي تسمعه ربما للمرة الأولى يناديها باسمها فتابع وهو يناولها ريان:
جيبت له كل اللي هو عايزه وهينام دلوقتي.
قالت بتوتر:
شكرا، تصبح على خير.
وصعدت مع ريان الذي كان سعيداً للغاية بكيس المشتريات الذي في يده.
أفرغه بحماس على سرير داليا التي راقبته بحنان. بعثرت شعره بمرح:
مبسوط دلوقتي يا ريون؟
ضحك وهو يهز رأسه ثم أخذ شيكولاتة من بين الأشياء ومدها لها قائلاً بنبرة طفولية:
ليكي.
ذاب قلب داليا من الحنان وأخذتها بتأثر:
ليا؟ عملت حسابي يا قلبي.
ضمته بقوة وهي تغرق وجهه بالقبلات فضحك ريان بفرح. وحين نام بقيت داليا مستيقظة قربه تفكر في تصرفات أدهم هذا اليوم التي أظهرت لها بعض من شخصيته المجهولة بالنسبة إليها وللغرابة أن ما رأته أعجبها للغاية. وظلت تفكر حتى نامت وهي تضم ريان النائم بجانبها إليها.
في اليوم تابعت العائلتان رحلتهما باستمتاع. كانت داليا جالسة على الشاطئ بجانب ريان الذي يلعب بالرمل، بينما أدهم وجودي وسليم يلعبون لعبة الكرة الطائرة. رغماً عنها اتجهت عيناه إليه وهي ترى جانب جديد منه. كان يلعب بمرح ويضحك بخفة فابتسمت. كانت شاردة ولم تدر كم مر من الوقت حين أدارت رأسها جانباً لتجد وجه جودي ملاصق لوجهها وتنظر لها بابتسامة خبيثة.
فُزعت داليا ووضعت يدها على صدرها بحنق:
يـابنتي بقى أنتِ مش وراكِ غيري تخضيه كدة!
قالت جودي بعبث:
أنا قاعدة عادي، أنتِ اللي سرحانة دي مش مشكلتي.
قالت داليا بضيق:
لو قاعدة زي الناس كنت حسيت بيكِ.
ضحكت جودي بخبث:
معلش ما أنتِ كنتِ مشغولة بالأهم مني بقى.
نظرت لها داليا بطرف عينها:
مش وقت رخامتك يلا علشان نودي ريان حمام السباحة.
ثم نظرت بجانبها فلم تجد ريان. عقدت حاجبيها ونظرت ورائها وأمامها وحين لم تجده قربها، نهضت على الفور وهي تبحث بعينيها في كل مكان.
انتفض قلبها بخوف حين لم تراه حولها في أي مكان ونادت بصوت عالي:
ريان!
رواية خداع قاسي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ديانا ماريا
خفق قلبها من الخوف وهي تبحث حولها، فحاولت جودي تهدئتها:
"أهدي بس، ده لسة كان جنبنا دلوقتي، أكيد مراحش بعيد."
وضعت يدها على خدها وهي تنظر حولها بضياع. لم تنتظر لثانية قبل أن تنطلق لتبحث عنه ومعها جودي. شعرت بالذنب لأنها أغفلت عنه مشغولة في أفكارها الخاصة، ووبخت نفسها لتقصيرها في الانتباه له وحمايته.
وقفت وكتفاها منحنيان بشعور من الهزيمة، ولم تدر كيف ستخبر والدها وزوجته أنها أهملت في رعاية أخيها والآن لا تستطيع إيجاده.
وضعت جودي يدها على كتفها وهي تراها على وشك البكاء:
"متخافيش، هنبلغ أمن الشاطئ وبإذن الله هيلاقوه."
هزت داليا رأسها والدموع على وشك أن تنهمر من عينيها. سمعت نداء باسمها فالتفتت لتجد ريان يركض إليها وهو يضحك بسعادة. فركضت له بلهفة وهي ترفعه لتعانقه بشدة.
تنفست الصعداء بارتياح:
"كنت فين يا ريان؟ كدة تقلقني عليك!"
تفحصته بقلق قبل أن تعاود احتضانه مرة أخرى. سمعت صوت أدهم يقول بهدوء:
"أنا آسف لو اتخضيتي عليه، بس هو جالي وكان عايز يروح الحمام وخدته."
نظرت له بغضب كبير:
"وأنت مفكرتش تقولنا حتى قبل ما تاخده؟ معملتش حساب الرعب اللي حسيت بيه وأنا مش لاقياه في أي حتة وبدور عليه وفكرت حصله حاجة!"
عقد أدهم حاجبيه وأجاب بحدة:
"أول توطي صوتك لما نكون في مكان عام، وبعدين هو جالي لوحده ففكرت أنك عارفة. وحتى لو كنتِ فعلا قلقانة عليه للدرجة دي يبقى الأولى تاخدي بالك منه مش تيجي تلوميني على غلطك!"
ثم غادر بخطوات واسعة من أمامها، فيما بقيت داليا تنظر بعيون دامعة لمكان وقوفه.
حاولت جودي مواساتها بسبب حدة أسلوب أدهم:
"داليا معلش متزعليش، بس أدهم مبيحبش الصوت، حتى ماما وبابا مش بيعلوا صوتهم عليه لأنهم عارفين أنه بيضايق جدا."
أخفت داليا وجهها في عنق ريان حتى لا ترى جودي دموعها، وقالت بصوت مخنوق:
"خلاص يا جودي."
تظاهرت بالتماسك أمام العائلة حين جلسوا سويا، وقد لاحظت غياب أدهم مما زاد من شعورها بالاختناق. حين لم تعد تتمكن من حبس دموعها، استأذنت والدها لترتاح قليلا، ثم أجهشت بالبكاء بمجرد أن دلفت لغرفتها.
كانت تبكي وهي تتذكر تلك المشاجرة بينها وبين أدهم، فما يكفي ما تشعر به بالذنب حين تتذكر، بل وأن من البداية كان خطأها لأنها كانت شاردة به هو!
شعرت بيد ترتب على كتفها فالتفتت بسرعة لتجد جودي تنظر لها بعطف. نهضت لتجلس بتوتر، فجلست جودي أمامها:
"داليا أنا مش عايزاكِ تزعلي من أدهم، والله أدهم طيب جدا بس هو زي ما قولتلك مش بيحب الصوت العالي خالص وده ممكن يعصبه. هو مكنش قاصد يزعق لك أكيد وصدقيني لما يهدى هيجي يعتذر لك بنفسه."
قالت داليا بصوت خافت من البكاء:
"أنا مش زعلانة يا جودي منه، بالعكس أنا زعلانة من نفسي، هو معاه حق، دي غلطتي أنا."
وبختها جودي بمرح:
"لا لو الأمر كدة ملكيش حق خالص، غلطتك إيه يابنتي ما دي أمور بتحصل عادي! تعرفي كنا في مصيف مرة وأخويا سليم راح الحمام وأحنا كنا لمينا حاجتنا وماشيين لحد ما لقينا طفل بيجري ورانا وهو بيعيط، أنتِ متخيلة!"
ضحكت جودي وأضافت:
"إحنا مش سرحنا بقى، إحنا نسيناه خالص وكنا مروحين من غيره!"
نجحت جودي كالعادة في رسم ابتسامة على وجه داليا، مما جعلها تنسى همومها لبعض الوقت، ولكنها ظلت تفكر به وبأن عليها الاعتذار إليه، ولكن المشكلة تكمن في كيف؟
ظلت تفكر لمدة يومين دون أن تجد طريقة لأنهم كانوا على الدوام مجتمعين وسيكون محرج جدا لها أن تعتذر له أمام كل العائلة فيكتشفوا ماحدث، خاصة أنه واضح أن أدهم لم يخبر أحد كما التزمت جودي الصمت.
كانت داليا عائدة من الخارج حين وجدت جودي تجلس على سريرها ويظهر عليها الحزن، فسألتها بقلق:
"في إيه يا جودي؟ قاعدة كدة ليه؟"
رفعت جودي وجهها لها وقالت بحزن:
"أدهم هيروح الجيش."
اتسعت عيون داليا بذهول وجلست أمامها:
"طب هي دي حاجة تزعل أوي كدة؟ مش هو هيروح وإجازات صح؟"
زفرت جودي بإحباط:
"جاله سنة أو سنة ونص مش فاكرة، وبعدين يا داليا أنا بسمع أنهم بيقعدوا كتير وينزلوا إجازة صغيرة أوي، أنا كنت نسيت حكاية الجيش ده وبعدين ده خلاص هيتم ٢٤ سنة أهو!"
نظرت لداليا ببراءة:
"مينفعش ينسوه؟"
ضحكت داليا ووضعت يديها على كتفي جودي:
"ينسوه إيه يا حبيبتي هي رحلة! بإذن الله يا جودي المدة هتعدي بسرعة أنتِ بس أدعي له."
قالت جودي بتذمر:
"بس هيوحشني أوي."
احتضنتها داليا، فاختفت الابتسامة من على وجهها وقالت لجودي بصوت خافت:
"وأنتِ كمان أكيد هتوحشيه أوي."
سيطرت داليا على نفسها حتى لا تبكي مع جودي، ولكنها شعرت بإحساس من الوحشة لم تشعر بها منذ زمن طويل في قلبها. سيذهب أدهم ودون أن تتمكن من الاعتذار له!
شعرت بالخوف من تلك الأفكار، فصممت على الاعتذار له في أقرب فرصة ممكن، خصوصا أنهم على وشك المغادرة غدا وربما لا تجد فرصة أخرى قبل ذهابه. وهي ما كانت حين شاهدته من شرفة غرفتها يقف أمام البحر في المساء، فانتهزت الفرصة وهبطت على الفور. اقتربت منه بهدوء، كان يقف يضع يديه في جيبه ويتأمل البحر.
قالت بهدوء:
"أدهم."
التفت بدهشة حين سمع صوتها، فتابعت بتوتر:
"أنا...كنت عايزة أعتذر منك على اللي حصل يومها، معاك حق، أنا كنت السبب ومكنش معايا حق ازعق لك وسط الناس."
ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة ليرد:
"حصل خير، ولا يهمك، أنا مكنش ينفع اتعصب برضو."
ابتسمت بارتباك لتقول:
"سمعت أنك رايح الجيش."
تنهد وهز رأسه:
"أيوا بإذن الله."
حاولت القول بنبرة طبيعية:
"ربنا يوفقك."
ابتسم ابتسامة جانبية:
"شكرا يا داليا."
ردت له الابتسامة وظلت واقفة. لاحظت لأول مرة أن عيونها ليست بنية وإنما ذات لون عسلي جميل. حين شعرت أنه ليس من اللائق الوقوف أكثر، استدارت وغادرت.
بعد ذهابه ظلت داليا تعاني من اشتياقه له الذي ظلت لفترة تنكر سببه، حتى اعترفت أنها تحبه أخيرا، فما التفسير الوحيد لاشتياقه الشديد له؟ وتفكيرها المستمر فيه؟ ومحاولتها معرفة أي شيء وكل شيء عنه وتلهفها الدائم لأخباره!
مرت سنتان، ابتسمت داليا، لقد عاد أدهم وقد أنهى خدمته منذ ستة أشهر. تذكرت حين عاد دعتهم علياء للغداء كاحتفال صغير بمناسبة عودته، فأصرت داليا على تحضير الطعام وتحججت بأن علياء يجب عليها أن تهتم بريان لأنه مريض قليلاً. لم تعرف كيف ستشعر حين تقابله مرة أخرى بعد ذلك الغياب، وحين حضر وسمعت صوته الذي اختلف قليلا ليصبح أخشن، ارتفع نبضها وتسارعت نبضات قلبها. اخذت عدة أنفاس عميقة حتى تهدئ نفسها قبل أن تخرج.
رأته داليا من بعيد وكان يسلم على والدها. لمعت عيناها وهي تتفحص مرآه، لقد اكتسب سمرة خفيفة تليق به كما ظهرت له لحية خفيفة زادت من وسامته.
أبعدت نظراتها حتى لا ينتبه لها أي أحد. حين جلسوا لتناول الطعام وجه أدهم حديثه لخالته بابتسامة:
"تسلم إيدك يا خالتو، مع أني حاسس أنه طعم الأكل أختلف شوية."
ضحكت علياء:
"في دي معاك حق بقى لأني مش أنا اللي عملته، ريان تعب ومعرفتش أعمل حاجة منه."
نظرت لداليا بامتنان:
"داليا هي اللي عملت كل حاجة قدامك دي لوحدها."
نظرت لها جودي بدهشة:
"إيه ده أنتِ بتعرفي تطبخي بجد؟ أنا فكرتك بتسلقي بيض بس زيي."
قالت عايدة بينما تتناول طعمها:
"أنتِ فاكراها فاشلة زيك."
صاحت جودي بتذمر:
"يا ماما!"
نظر أدهم لداليا لبعض لحظات قبل أن يقول بهدوء:
"تسلم إيدك الأكل جميل."
أومأت برأسها وقد عجزت عن الرد، فقد كان قلبها يرفرف من السعادة في تلك اللحظة وقد سببت كلماته البسيطة فيها سعادة كبيرة.
عادت بذاكرتها لتحدق في صورته التي في هاتفها وهي تتأملها بحب. لقد كانت تعاني دائما من الأفكار، هل يفكر بها أو يشعر بأي شيء نحوها؟ هل يحبها كما تحبه؟
وقد عادت بعض مخاوف الماضي حتى تؤرق مضجعها وتذكرت ما حاولت نسيانه لسنوات، هل يمكن أن يحب فتاة مثلها؟ بماضي كماضيها وأم كأمها؟ ارقتها تلك الأفكار كثيرا وسببت لديها شعوراً بالنقص.
كانت شاردة حين دلفت جودي فجأة فارتبكت داليا وحاولت إخفاء هاتفها على الفور.
نظرت لجودي بانزعاج:
"هو مفيش حاجة إسمها تخبطي يا بنتي!"
ضحكت جودي:
"حبيت أعملها مفاجأة."
شدتها من يدها لتنهض:
"يلا قومي أقعدي معانا برة."
سألت داليا بتعجب:
"أنتِ وصلتِ امتى ومع مين؟"
أجابت جودي:
"جينا أنا وماما من شوية."
سلمت داليا على عايدة وجلسوا جميعا سويا.
قالت علياء بترحيب:
"أعمل عصير إيه؟"
نهضت داليا لتشد جودي معها:
"خليكي أنا هعمل العصير أنا وجودي."
اعترضت جودي:
"بس أنا مش عايزة أقوم."
إلا أن داليا أخذتها رغماً عنها. حملت داليا صينية العصير للخارج وكانت جودي ورائها تحضر بعض التسالي حين توقفت داليا مكانها فجأة وقد ارتجفت يديها مما تسمعه.
كانت عايدة تتكلم مع علياء بحماس:
"وأدهم هيخطب قريب، قالي فيه بنت عايز يخطبها وخلاص هنحدد ميعاد مع أهلها علشان نروح!"
رواية خداع قاسي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ديانا ماريا
في تلك اللحظة أفلتت الصينية من يد داليا من الصدمة فسقطت على الأرض وتحطمت كؤوس العصير التي أصاب جزء منها قدم داليا ليجرحها.
شهق كل من عايدة وعلياء ونهضوا عند سماع الصوت فيما توقفت جودي ورائها مذهولة مما تراه، كانت داليا صامتة ولا تبدي أي رد فعل غير الدموع الظاهرة في عينيها.
نظر كلا من عايدة وعلياء للمشهد أمامهم بعيون متسعة ثم انتبهوا لقدم داليا التي بدأت تنزف فحاولت علياء التقدم من الجانب قائلة بقلق:
"أبعدي عن الازاز يا داليا شكل رجلك اتعورت."
قالت عايدة بسرعة:
"روحي أنتِ شوفي رجلها يا علياء أنا وجودي هنلم الدنيا هنا متقلقيش."
أخذت علياء داليا من يدها للحمام وحينها لم تتمالك داليا نفسها وانهمرت دموعها وهي تبكي بشدة فظنت علياء أنها تبكي من ألم قدمها.
قالت لها بشفقة:
"معلش يا حبيبتي استحملي أقعدي لحد ما أغسل لك رجلك من الدم."
جلست داليا وقامت علياء بتنظيف الجرح الذي لم يكن كبيراً أو عميقاً لحسن الحظ ولفته بشاش طبي، ثم ساعدتها على النهوض وهي مازالت تبكي بحرقة مما آثار استغراب علياء التي غسلت لها وجهها المحمر بالماء البارد ثم ساعدتها حتى تصل لغرفتها وترتاح.
جلست داليا على سريرها واسندت ظهرها فقالت علياء:
"أنا هروح أجيب لك حاجة تشربيها."
ذهبت وجلست داليا مكانها تنهمر دموعها بصمت، لقد صفعتها الحقيقة بأقسى الطرق الممكنة أدهم يحب فتاة أخرى!
لم يحبها هي كانت تعيش في الوهم لمدة طويلة.
بكت بحرقة، قلبها يؤلمها لأنها رغم أنه لم يكن أي إشارة من جانبه كان لديها الأمل لتحلم به وبحبه والآن تبعثرت كل أحلامها، هو يحب فتاة أخرى وسيتقدم لها، ربما هذه صفعة أخرى لها من الحياة حتى لا تحلم بما ليس ملك لها.
في الخارج وبعد تنظيف كل شيء أعدت علياء عصير، وقفت جودي بجانبها:
"تعرفي إيه اللي حصل يا خالتو؟ الصينية دي وقعت إزاي؟"
تنهدت علياء بينما تحضر صينية تضع عليها كأس العصير:
"والله معرفش يا جودي الدنيا كانت تمام أنا مركزتش ومش وفتش كنت قاعدة مع عايدة بنتكلم وقالتلي أدهم هيخطب فجأة سمعنا صوت الدشدشة دي!"
وقفت جودي تفكر فيما انتهت علياء وكانت على وشك الخروج حين وقفت أمامها جودي بابتسامة:
"خليني أنا اللي أوديه يا خالتو واقعد معاها شوية بالمرة خليكي مع ماما أنتِ."
أعطتها علياء ما بيدها فذهبت جودي التي طرقت الباب وتدخلت لتلاحظ أن داليا تمسح دموعها بسرعة قبل أن تراها.
جلست جودي أمامها قائلة بمرح:
"إيه يا ديدا سلامة الشوف أبقي خدي بالك المرة الجاية."
هزت رأسها دون أن ترد فقالت جودي باستغراب:
"مالك يا داليا؟ وبعدين كل العياط ده علشان اتعورتي؟ ما أنتِ إيدك اتكسرت قبل كدة ومكنتيش بتعيطي."
حاولت داليا التبرير بتوتر:
"لا ده بسبب أنه الصينية وقعت على رجلي يا جودي والازاز خلاها تحرقني أوي مش حاجة مهمة يعني."
قالت جودي بمكر:
"ااه قولتيلي يمكن مش بسبب حاجة سمعتيها ضايقتك مثلا؟"
ارتبكت داليا:
"لا لا حاجة إيه أنا بس رجلي واجعاني، أنا هنام دلوقتي شوية."
ثم تمددت وأعطت ظهرها لجودي حتى لا يظهر عليها شيء يكشف مشاعرها الداخلية فابتسمت جودي ونهضت لتخرج فيما بقيت داليا تعاني عذابها الداخلي.
مرت بضعة أيام تحسنت فيهم قدم داليا ولكن ظهر التغيير عليها بشكل كبير فكانت هادئة أكثر من المعتاد وحتى أنها لا تولي ريان الإهتمام المعتاد عليه لدرجة أنه تذمر من ذلك واشتكى لوالديه.
دلف أمجد لغرفة النوم قائلاً بغضب:
"أنا قولت لا يعني لا!"
وجلس على الأريكة بينما ولجت علياء ورائه باعتراض:
"لا وخلاص كدة هو إحنا لسة اتناقشنا!"
قال باقتضاب:
"أنتِ قولتيلي وأنا قولت اللي عندي مش موافق يا علياء وبعدين البنت لسة صغيرة!"
شهقت علياء وردت بتذمر:
"صغيرة فين يا أمجد هي طفلة! داليا كبيرة وواعية وبعدين هو أنا قولتلك جواز علطول، أنا مش فاهمة سبب رفضك الغريب ده!"
فرك يديه وهو يحاول أن يتحجج بأي شيء:
"قولتلك البنت لسة صغيرة محتاجة تنضج وتكبر الأول علشان تقرر صح."
دخل ريان في تلك اللحظة ليتابع أمجد وهو يشير إليه:
"الطفل المسكين ده هيعمل إيه لوحده من غير أخته؟ مش هيقدر يتحمل على بُعدها تخيلي هيحس بأيه لما يعرف أنها هتسيبه وتمشي."
اتسعت عيون ريان بذهول وسأل والدته بصوت خائف:
"هي ديدا هتمشي؟ ليه يا ماما إحنا زعلناها؟"
كانت داليا ذاهبة للمطبخ حين لمحت ما يحدث، ولجت بتعجب:
"إيه مالكم كدة؟"
ركض ريان إلى داليا وتعلق بساقيها وهو يبكي:
"ديدا متمشيش حقك عليا لو زعلتك متبعديش عني."
نظرت له داليا بصدمة ثم رفعته لأحضانها فتمسك بها بقوة حاول تهدئته وهي لا تفهم شيء مما يحدث حولها:
"مالك يا حبيبي متعيطش أنا مش هبعد عنك أبدا."
نظر له أمجد بابتسامة نصر، تنقلت نظرات علياء بينهم، وفجأة انتزعت ريان الباكي من أحضان داليا لتلقيه إلى حضن والده الذي تلقفه بصدمة بين يديه.
قالت بغيظ:
"خليك مع بابا يا حبيب بابا هو يسكتك زي ما خلاك تعيط يمكن يعقل شوية ويبطل حركات العيال دي."
ثم التفتت لداليا وأمسكت يدها بحزم:
"وأنتِ تعالي معايا يا داليا عايزاكِ في موضوع مهم."
وسحبت داليا المذهولة ورائها حتى دخلوا لغرفتها وأغلقت الباب ورائها بإحكام حتى لا يأتي أمجد ويخرب محادثتهم الهامة.
جلسوا على الأريكة التي في غرفتها لتقول علياء بصوت جاد:
"داليا أنا عايزة أقولك على حاجة مهمة."
استمعت داليا باهتمام فتابعت علياء بهدوء:
"فيه عريس متقدم لك."
نظرت لها بدهشة وظهرت على وجهها علامات الرفض فتابعت علياء بسرعة:
"لا اسمعيني الأول قبل ما تحكمي."
تنهدت داليا وهي تخفض رأسها، أردفت علياء بجدية:
"العريس هو أدهم ابن أختي."
رفعت رأسها على الفور تنظر لعلياء بعيون متسعة من الصدمة.
قالت علياء بلطف:
"طبعا أدهم مش غريب بس أنا هعرفك عليه تاني ده الواجب هو عنده دلوقتي ٢٦ سنة وبيشتغل شغل كويس وشاب محترم جدا يا داليا والله."
ظلت داليا صامتة، أمسكت علياء بيديها وقالت بصدق:
"أنتِ عارفة غلاوتك عندي والله يا داليا ما علشان ابن أختي بس أدهم ده مش هتلاقي زيه في الدنيا شاب طيب جدا جدا وحنين أوي ولا عمره هيجي عليكِ ولا يهينك أبدا، حتى لما أدهم بيتعصب بيسكت خالص علشان ميديش رد فعل يندم عليه وراجل وأد المسئولية، وأنتِ طبعا عارفة عايدة وجودي طيبين أوي وملمهمش في أي حاجة من اللي بنسمع عنها الأيام دي، يعني أنتِ هتدخلي بيت أنا هبقى مطمنة عليكِ فيه، فكري يا حبيبتي كويس."
دمعت عيون داليا من شدة السعادة التي تشعر بها ولم تتمكن من النطق بحرف واحد من آثار استغراب علياء:
"مالك يا داليا؟ للدرجة دي الموضوع مضايقك؟ على فكرة لو رفضتِ محدش هيزعل ده نصيب."
قاطعتها داليا على الفور برعب:
"لا طبعا أنا موافقة!"
فغرت علياء فاهها بصدمة بينما انتبهت داليا لما قالته ونظرت لها بدهشة، احمر وجهها بشدة فأدارت وجهها للناحية الأخرى وهي تلوم نفسها على تسرعها وغبائها.
بسرعة فكرت علياء بما حدث يوم كانت عايدة هنا وربطت الأمور ببعضها فابتسمت بفرح وهي تحاول جعل داليا تنظر لها إلا أن داليا أغمضت عيناها رافضة من شدة الإحراج الذي تشعر به.
ضحكت علياء بخفة:
"مفيش داعي تتكسفي مني، على العموم أنا دلوقتي فهمت، داليا أنتِ بتحبي أدهم؟"
وضعت يدها أسفل ذقنها لتدير وجهها لتصدم أن داليا تبكي:
"بتعيطي ليه يا حبيبتي؟"
ارتمت داليا تخفي وجهها في حضنها، ربتت علياء على ظهرها بحنان:
"أنا كان لازم أخد بالي بس خير، شكلنا هنفرح بيكم قريب."
ابتسمت داليا بخجل وهي مازالت تخبئ وجهها فضحكت علياء:
"يلا علشان عندنا مواجهة حلو مع أمجد."
ابتعدت داليا وظهر القلق في عينيها:
"تفتكري بابا هيرفض؟"
طمأنتها علياء بثقة:
"لا سيبي لي أنا الموضوع ده، أمجد يا داليا مش قادر يصدق أنك بقيتي عروسة."
نظرت لها داليا وقالت بامتنان:
"شكرا يا طنط يا علياء أنا مش عارفة أقولك إيه بجد."
ربتت علياء على يدها بابتسامة:
"على إيه يا حبيبتي."
ارتبكت داليا وحاولت الكلام لتعبر عن ما داخلها إلا أنها عجزت فتطلعت لعلياء وقالت بتأثر:
"مش علشان ده بس، شكرا على كل حاجة عملتيها علشاني من ساعة ما دخلتي حياتنا، أنا كنت وحشة جدا معاكِ وأنتِ عمرك ما لومتيني على حاجة عملتها أو قولتها، عاملتيني كويس أوي كأني بنتك وعوضتيني عن..... عن الأم اللي مكنتش ليا."
قالت كلماتها الأخيرة بصعوبة بسبب رجوع بعض الذكريات الغير محببة لقلبها.
تأثرت علياء بشدة من كلمات داليا فضمتها بحب:
"يا حبيبتي أنا مزعلتش منك، أنتِ كنت لسة صغيرة ومش واعية وصدقيني يا داليا أنا عارفة أني عمري ما هكون بالنسبة لك أم حقيقية بس أنا بعتبرك بنتي اللي مخلفتهاش."
تمسكت بها داليا بشدة كم تغيرت الأمور بينهما خلال تلك السنوات بسبب صبر ولطف علياء ونضج داليا الذي اتخذ بُعداً آخر بسبب وجود ريان في حياتها.
نهضت معها حتى يتحدثوا مع أمجد وحين فتحت علياء الباب وجدت أمجد يتراجع بسرعة وهو يحمل ريان فنظرت لهم علياء بدهشة:
"أنت كنت بتسمعنا يا أمجد!"
قال أمجد بارتباك:
"بسمع إيه يا علياء! إيه اللي بتقوله ده، أنا كنت جاي علشان ريان عايزك خدي!"
ثم أعطاها ريان فقالت بجدية:
"طيب عايزين نتكلم في موضوع مهم وأنت عارفه."
ذهب أمجد ليجلس فتبعته علياء مع داليا.
قالت علياء بهدوء:
"طبعا أنت عارف الموضوع يا أمجد مستنية ردك علشان أرد على عايدة ووالد أدهم يكلمك وتحددوا ميعاد."
رفع أمجد حاجبيه بدهشة:
"ميعاد إيه! هو أنا وافقت، أنتِ عارفة أني مش موافق وتقولي لي هييجوا؟"
وقفت علياء واضعة يدها في خصرها بحدة:
"نعم! أنت بترفض ابن أختي! ماله أدهم بقى يا أستاذ أمجد؟"
رأى أمجد أنه جعل الوضع أسوأ فحاول تهدئة الأمور:
"أنا مقولتش حاجة عن ابن أختك هو شخص كويس بس بنتي مش عايزة وعايزة تركز في دراستها دلوقتي."
نفخت علياء وتقدمت لتقف أمامه قائلة بعتاب:
"أنت بتتكلم بجد يا أمجد؟ هو أنت أخدت رأي داليا أصلا؟"
أشارت لها:
"شوف بنتك يا أمجد بدل ما أنت غافل عن أي رأي غير رأيك."
نظر أمجد لابنته فوجدها مخفضة الرأس تنظر إلى الأرض والتوتر واضح عليها.
سألها أمجد:
"أنتِ إيه رأيك يا داليا؟"
قالت داليا بصوت منخفض:
"اللي حضرتك تشوفيه يا بابا."
انتبه أمجد وبدأ يدرك ما كان غافلاً عنه وأنه بالفعل يستبد برأيه ومن الواضح أن ابنته ربما معجبة بالشاب أو لديها قبول له.
شعر بالضيق فلوح لهم بعدم اهتمام:
"اعملوا اللي أنتوا عايزينه."
فرحت علياء وذهبت على الفور لتتصل بعايدة تخبرها فاقتربت داليا من والدها تسأله بحزن:
"بابا أنت زعلان؟ أنا مستعدة موافقش لو أنت مش موافق."
نظر أمجد لابنته بتأثر وابتسم بحب وهو يجلسها بجانبه:
"يا حبيبتي، لا مش زعلان يا داليا بس جاتلي فجأة كدو لحظة استيعاب أنك خلاص كبرتِ."
تنهد أمجد ونظر لها بحنان:
"أنا مش عارف امتى كبرتِ وبقيتي عروسة."
حدقت إليه داليا بحب ثم عانقته بشدة.
عادت علياء لتخبرهم أن والد أدهم سيحدثه والاحتمال الأكبر أنهم سيأتوا غدا.
همس أمجد بغيظ:
"بالسرعة دي مستعجلين أوي على إيه هما ماصدقوا!"
في اليوم التالي كانت داليا في غرفتها حين فتحت جودي الباب وهي تطرق عليه بشكل مرح وتغني:
"افرحي يا عروسة أنا العريس."
ضحكت داليا بشدة ثم وقفت على سريرها تشاركها برقص مرح حتى أطلقت زغرودة فرحة.
غمزتها جودي بعبث بعد أن دخلت:
"لا بس طلعتِ بتحبي الواد أخويا زي ما أنا كنت حاسة ومقولتليش، ايه بدأنا شغل عمتو الحرباية من دلوقتي."
عقدت حاجبيها وردت بتلقائية:
"بس أنتِ اللي عمتو الحرباية!"
وقفت جودي تحك رأسها بتفكير:
"اه صح معاكِ حق."
تابعت بحماس:
"يلا نجهز أنا سبقتهم على هنا وماما سابتني بالعافية قال إيه أخت العريس ولازم تيجي معاه!"
تجهزوا وقد ارتدت داليا فستان بسيط من اللون الأزرق الداكن أكملته بحجاب يناسبه بنفس اللون.
حين حضر أدهم مع بقية عائلته توترت داليا بشدة وانتظرت أن تناديها علياء حتى تخرج.
نادتها علياء فخرجت تحمل صينية العصير بتوتر.
مازحتها عايدة قائلة:
"خدي بالك لاتقع زي المرة اللي فاتت عايزين نفرح المرة دي."
ابتسمت داليا بخفة وهي تضعها أمامها فأشارت لها عايدة لتجلس بجانبها.
ابتسمت عايدة ببشاشة:
"بصي بقى يا داليا أنا هكلمك بصراحة أنا مكنتش أعرف في الأول أدهم قصده على مين لحد ما قالي أنه عليكِ وأنا فرحت أوي أصل بالنسبة لي اللي أعرفه أحسن من اللي معرفوش يعني بدل ما يجيب بنت غريبة منعرفش عنها حاجة ولا صفاتها ولا أصل ولا فصل أنا مبسوطة أنه اختارك بنت جميلة وذكية زيك وكفاية أدبك وأخلاقك."
احمر وجهها وابتسمت بخجل وهي تنظر للأرض بحياء بسبب مديحها المستمر لها.
ثم تابعت:
"وطبعا أنتِ عارفاني مليش في شغل الحموات ده ومبحبوش أنا يهمني سعادة ابني."
ثم أشارت لجودي بلامبالاة:
"وأخته الهبلة دي ملهاش في أي حاجة ولا بتهش ولا بتنش وصاحبتك يعني الحمدلله كلنا مع بعض."
صاحت جودي معترضة:
"يا ماما!"
لوحت لها عايدة بيدها بعدم اهتمام وتابعت حديثها مع عمة داليا فيما كان الرجال يتحدثون في غرفة أخرى.
كان والد أدهم هو من بدأ الكلام بصوت رزين ليرد عليه أمجد بهدوء حتى بدأ أدهم يتحدث فكان أمجد طوال الوقت يناظره باستهجان وقد لاحظ أدهم منذ أن جلس لكنه أجل سؤاله عن السبب.
قال له أمجد فجأة:
"أنت عارف يا أدهم أنا ميهمنيش الماديات والكلام الفاضي ده أنا أهم حاجة عندي راحة بنتي وسعادتها هتقدر تعمل كدة؟ هتبقى أد المسؤولية دي؟"
أجاب أدهم بابتسامة:
"طبعا ياعمي الحمدلله بابا رباني من صغري على كدة وبفضل الله اتعلمت وفاهم حاجات كتير من أهمها أنه الماديات شيء تافه مقابل الاستقرار في الحياة الزوجية والتفاهم والمودة بين الزوجين وأنه العلاقة لو مفيهاش احترام وود متبادل تبقى مُهلكة للطرفين وبس وأني واجبي أقدر شريكة حياتي وأحافظ عليها."
أسكتت إجابة أدهم أمجد الذي نظر له بإعجاب رغما عنه إلا أنه ظل عابسا ولم يجد ما يقوله أما أدهم فقد فهم ما يجول بخاطر أمجد وابتسم في الخفاء.
لاحظ أمجد أن علياء تشير له من الخارج فاستأذن من الحاضرين وذهب إليها بتعجب:
"في إيه؟"
قالت علياء بهدوء:
"إيه الشباب مش هيقعدوا مع بعض شوية؟"
رد أمجد باستنكار:
"ويقعدوا مع بعض ليه إن شاء الله؟"
نظرت له علياء باستغراب:
"نعم؟ علشان يتكلموا مع بعض مثلا ويتعرفوا!"
قال أمجد باستهجان:
"يتعرفوا على إيه ماهم يعرفوا بعض!"
زفرت علياء بنفاذ صبر وقالت بحزم:
"يلا علشان داليا تقعد مع أدهم يا أمجد."
كان الفوز في ذلك الجدال من نصيب علياء فخضع أمجد مرغما وجلست داليا مع أدهم وحدهم، كانت تفرك يديها بتوتر وهي تنظر للأرض بابتسامة خجولة.
سمعت صوته الهادئ يقول:
"لو حابة تسألي على أي حاجة اتفضلي."
رفعت بصرها لتجد وجهه الوسيم قريب منها فازدادت دقات قلبها.
قالت بتوتر:
"ليه... ليه أنا؟ قصدي يعني متوقعتش أنه...."
لم تكمل حديثها بسبب التوتر الذي تشعر به فابتسم وقد فهم قصدها.
أجاب بصدق:
"بصراحة أنا إنسان بحب المباشر والصريح مليش في اللف والدوران، أنا كان عندي نية وكنت مستني الوقت المناسب علشان أصرح بيها، لما بقيت مستعد بفضل الله وجه الوقت المناسب اتقدمت لك، وعلى العموم كل حاجة هتتوضح لك أكتر بإذن الله مع الأيام."
ابتسمت داليا بسعادة وهي تدرك أنه يلمح لإعجابه بها وقد انتظر حتى يأخذ خطوة رسمية ولا يلهو كما يفعل غيره وشعت الطمأنينة والراحة داخلها.
بعد موافقتها عليه حددوا موعد الخطوبة بعد أسبوع وقد اختارت داليا أن تكون بسيطة في منزلها، أتى اليوم الموعود وارتدت داليا فستان بلون البنفسجي الفاتح مع بعض مساحيق التجميل الخفيفة التي أبرزت جمالها وقد حضرت جودي من بداية اليوم لتساعدها.
نظرت لأدهم بذهول:
"إيه ده ورد أصفر! ده المفضل ليا!"
ابتسم أدهم لها وقد لمعت عيناه:
"ما أنا عارف علشان كدة جيبته."
أخذته منها وهي تحدق إليه بسعادة لأنه يعلم ماذا تفضل وأحضره لإسعادها!
كانت الخطوبة تسير على ما يرام بعد أن تبادل أدهم وداليا الخواتم وأتى وقت التصوير أصر أمجد على أن يكون الأول وقد استأثر بداليا لفترة طويلة فنظر أدهم لخالته شاكيا لتتقدم علياء وتشد أمجد من يده:
"تعالى يا حبيبي أقعد أرتاح شوية."
لم تتح لأدهم الفرصة لأن أقارب داليا وصديقاتها انضموا حتى يلتقطوا الصور معها وأخيرا أتاحت له الفرصة فوقف بجانبها وقد وقفت داليا مبتسمة وبين يديها باقة الورود.
فجأة شعر أدهم بشخص يدخل بينهم من الوراء فنظر ليجده أمجد الذي وضع يده حول كتف داليا والأخرى على ذراعها شبه يعانقها فيما أعطى ظهره متجاهلا أدهم كليا وهو يبتسم للكاميرا.
نفخ أدهم بحنق ونظر لعلياء التي كانت مشغولة مع الضيوف، أشار لها أدهم لتنقذه فلاحظ أمجد الذي أدار وجهه:
"في حاجة يا حبيبي؟"
رد أدهم بهدوء:
"لا ياعمي."
قرب أمجد وجهه لوجه أدهم وبصوت خافت:
"مش عاجبك أنها بتتصور مع أبوها ولا حاجة؟"
أجاب أدهم بأدب:
"لا طبعا ياعمي."
تابع أمجد باستفزاز:
"لايكون مش عاجبك بس."
انتبهت علياء أخيرا فهزت رأسها بيأس لتسحبه من يده:
"تعالى معايا يا حبيبي."
قال أمجد باعتراض:
"بس أنا كنت بتصور مع بنتي!"
ردت علياء بصبر وهي تجاريه:
"بس أنت متصورتش معايا عايزين نتصور صورة رومانسية كدة وبعدين نتصور مع ريان."
نظرت داليا لوالدها بحنان وقلبها يتضخم من الحب، إن والدها يغار كما غارت هي عليه من قبل!
راقبته يحمل ريان ويحيط علياء بذراعه مبتسماً، قلبها ملئ بالسعادة التي تحيط بها.
زفر أدهم بارتياح وقال لداليا بابتسامة مشاكسة:
"أخيرا بقى يلا نتصور الصورة اللي مش عارفين نتصورها من الصبح دي!"
رفعت رأسها لتطلع إليه داليا بحب وبابتسامة عريضة:
"يلا."
تمت بحمد الله.