في صباح اليوم التالي، أتى ريان ليباشر عمله كعادته، ولكن اليوم مختلف، فهو يأتي وكله حماس ليشاهد نتيجة ما فعله بها بالأمس. ينتظر أن يراها هزيلة ومنكسرة، تتوسله ليطلق سراحها، ولكن هذا الشيء لن يكون سوى في خياله فقط. وصل مكتبه، والعسكري بالخارج يفتح له الباب كالعادة. بمجرد فتح الباب ودخوله المكتب، تجول بنظره في الغرفة يبحث عنها، ولكن لا أثر لها. ليصيح بغضب: "يوسف! يا يوسف! فين البنت اللي كانت هنا؟
وقبل أن يجيبه، سمع صوتها يأتي من الخلف، وهي تدخل بطولها الفارع وهيبتها المعتادة وخطوتها الواثقة: "أنا." كلمتها بابتسامة انتصار ونظرة غرور قاتلة. أشار ريان للعسكري بيده بمعنى الانصراف للخارج. "خرجتي من هنا إزاي؟ تفوه بها ريان بتساؤل. تنهدت إهداء براحة، وهي تدور حوله وهي تتحدث: "مشكلتك إنك مستخف بيا، وما تعرفنيش. فعلاً، كنت نفسي تسأل عليا بجد." وقفت في مقابله لتكمل: "يوسف ملهوش ذنب، الموضوع كان أكبر منه."
وفي لحظة، تغيرت نظرتها إلى جدية بحتة: "أنا لغاية دلوقتي ابقى أتعامل مع حضرتك بشكل رسمي، فلو سمحت هات الكارنيه بتاعي." وضع يده في جيب بنطاله وبهدوء، يجاهد في رسمه على ملامحه، وداخله يحترق غضباً: "لغاية دلوقتي، طيب وبعد دلوقتي بقى هتتعاملي معايا إزاي؟ حكت جبهتها بكفها وهي تتثاءب بملل، لتهتف بفارغ صبر:
"أنا زهقت من الموضوع ده وعايزة أخلص بقى. وعلى فكرة يعني، لو كنت بتعمل كده علشان اللي حصل في المول، فأنت اللي كنت غلطان. من أنا مش مستني أسمع منك أي كلام في الموضوع ده، وقلت لك قبل كده ما تتكلميش في حاجة خارج نطاق الشغل والمكان اللي إحنا فيه."
"بطل" ريان جملتها بكلامه، لتبتلع إهداء ريقها بإحراج وضيق. دقيقة كاملة مرت في صمت من الطرفين، وكل منهم يفكر كيف ينهي ذلك الوضع. فريان لم يحب أبداً ما يفعله معها، وطريقة استخدامه لسلطته بطريقة خسيسة، وإدخالها في أموره الشخصية معها، ولكنه يتمنى أن يتغير موقفها عما يفعله.
وفي نفس الوقت، إهداء كانت تحدث نفسها، وبضع عقلها في استجماع الأفكار، وهي تتطلع في عينيه بثبات، وكأنها تقرأ أفكاره، وكعادتها، عقلها الشيطاني أخرجها من ورطتها بدون خسائر. تحولت نظرتها من نظرة التحدي إلى نظرة دافئة مستعطفة، تريد تمثيلها ببراعة، وبدأت تتحدث بنبرة مبحوحة حزينة:
"على فكرة، باللي أنت بتعمله ده، أنت مش بتأذيني لوحدي. ما تنساش إن أنا محامية، وعندي قضايا وناس مظلومة بدافع عنها، وناس حتى مش هتعرف توكل حد غيري علشان مش معاها فلوس. قال إيه؟ تعاب. لو سمحت، إنهي أي خلاف حصل بيني وبينك بعيداً عن شغلي. أنا محتاجة الكارنيه دلوقتي قوي علشان عندي جلسة مهمة."
وبدون أي نقاش آخر من ريان، أخرج محفظته وجايب، وأخرج لها الكارنيه التعريفي الخاص بها. وداخله يلعن نفسه على فعلته مع كتلة البراءة الماثلة أمامه. فهو كان في بادئ الأمر يؤنب نفسه على فعلته التي هي بالأصل عكس طبعه ومبادئه، والآن أصبح يحتقرها أيضاً. وهذا ما سهل إقناعه بكلام إهداء بسهولة. وبالطبع، هي لا تعلم شيئاً عن صراع داخلي، وكل ما يجول بخاطرها الآن أنها انتصرت بأسلوبها هي. وترقص فرحاً على ذلك الانتصار.
مادة يدها تلتقط الكارنيه سريعاً، ويعلو ثغرها ابتسامة، لتغنم: "شكراً. يا ريت ما يكونش في تعامل بينا بعد كده." أنهت جملتها وهي تغادر الغرفة سريعاً دون انتظار سماع رده. اندهشت ريان من أسلوبها، وضرب كفاً بكف على أفعالها الغريبة. ذهبت إهداء مباشرة إلى الخارج متجهة إلى سيارتها، وهي تلوح بما في يدها إلى صديقتها أمل بفخر. وحين اقتربت منها هتفت: "عيب عليك! قلت لك هجيبه النهاردة وجبته." فتحت الأخرى عينيها على آخرهما بذهول:
"عملتيها إزاي دي؟ ده الكل قال عليه إنه مش بيرجع في كلامه أبداً! "أكيد فيها" بزهو وتهتف بثقة: "الكلام ده مع أي حد مش إهداء الأمير يا بنتي! هزت نور رأسها موافقة، وهي تفتح باب السيارة، تحثها على الانصراف: "ماشي، ماشي. يلا يا فنانة علشان ورانا شغل كتير في المكتب." أجابت إهداء وهي تفتح الباب الآخر وتجلس على كرسي السائق: "يلا. الواد ده أخذ وقت أكبر من حجمه أصلاً، وبكرة عندي جلسة مهمة لازم نجهز لها كويس." ***
في إحدى المقاهي الحديثة على النيل (كافيه) ، تجلس نور، الأخت الصغرى لإهداء، مع خطيبها ياسين، يتناقشان حول بعض منزلهم الجديد لاقتراب موعد زفافهم. "الله! بصي يا ياسين، أوضة النوم دي شكلها يجنن إزاي، عجباني قوي." تفوهت بها نور بحماس، وهي تقترب منه ليطلع معها على الصورة في هاتفه المحمول وتطلب رأيه. ولكن أتى جوابه ليخيب أملها ويقتل حماسها:
"شكلها وحش وذوقها بشع. وبعدين يا نور، قلت لك مليون مرة أنا اللي هختار كل حاجة في البيت على ذوقي، فمش كل شوية تيجي تعملي شوية شوية دول." هتفت باستهجان: "شوية شوية إيه يا ياسين؟ أنا شفت الصورة وأنا بقلب وعجبتني عادي يعني، قلت أوريها لك يمكن تعجبك أنت كمان ونعملها." ياسين: "نعملها؟ لا والله! يعني إهداء هانم اللي قالت لك تعملي كده؟ فـ أنا طبعاً هبقى مضطر إني أوافق وأتحط في الأمر الواقع، صح؟ "لا مش صح! " صحت بها معترضة،
وأكملت بنبرة حزينة: "هو انت كل حاجة ما تعجبكش تقول لي إهداء، مع إنك عارف كويس قوي إني مش بسمع كلامها في أي حاجة أصلاً، وكل حاجة أنت عايزها هي اللي بتحصل. فيه إيه بقى؟ ما كانتش صورة دي يا سيدي؟ أنا غلطانة؟ حقك عليا، خلاص كده ارتحت؟ "أنا هدى براحة" حين سمع جملتها الأخيرة، ولوي جنبه بابتسامة ذاتها مخزي: "آه، تحت. أنا كده اطمنت على نور حبيبتي." تحدث مشاكساً وهو يمسك يدها محاولاً تخفيف التوتر بينهم:
"على فكرة يعني، عيد ميلادي بكرة. الحوار ده هيخليني أدخل السنة الجديدة حزين. خدي بالك، ولو ده حصل، هفركش الخطوبة." لتخرج منه "له" خفيفة متألمة فور انتهاء جملته، أثر "لك*مة" وجهتها نور لكتفه بغل: "ما تهزرش في الحوار ده، وبعدين ما تقلقش، ده أنا هظبطك." ضحك ياسين بقوة وهو يرفع يديه للدعاء: "استر يا رب! أنا كده قلقت." واندمجا في الضحك سوياً. *** يجلس على الأريكة في منزل صديقه المقرب، وعلى وجهه علامات الحيرة والاستنكار،
وهو يقص ما حدث بانفعال: "وبس يا سيدي، وأنا بقى مطلع لها الكارنيه بحركة شيك وفاكر نفسي جنتل مان قوي في نفسي، فجأة لقيت نفسي واقف مبلول في نص الأوضة لوحدي." اللي يضحك، أمير بقوة وهو يحثه على الإكمال: "وبعدين؟ "البنت عليها برود مش عادي! قال إيه، مش عايزة أتعامل معاكي تاني، قال! يعني أنا اللي هموت وأتعامل معاكي؟
ده أنا ما صدقت الحوار ده خلص، بس أنت مش متخيل أنا دم*ي اتح*رق منها بعد الحركة إزاي، وعايزة أعمل معاها أي حاجة تانية تضايقني." ليصيح أمير محذراً: "يا ابني وليه الحوارات دي كلها؟ خلاص موضوع وانتهى. خد بالك، علشان البنت دي باين عليها مش سهلة خالص." ريان: "هذه الفكرة عندي. فضول كده أعرفها، وأعرف كمان هي إزاي مشيت من المكتب." يغمغم أمير وهو يتجه ناحية المطبخ:
"ريان بقى، سيبك منها. مش مهم. المهم اعمل نسكافيه، أعمل لك معايا؟ أجاب ريان وهو عقله مستمر في التفكير في أمرها: "اعملي قهوة." أمير: "ماشي." "أمال سهيلة مش في البيت ولا إيه؟ مش سامع صوتها هي والولاد." تفاقم به ريان ليغير مسار الحديث ويبرهن على عدم تفكيره فيه: "ليتنهد الآخر براحة ويصيح بسعادة تقطر من كلماته: طبعاً مش في البيت، مش واخد بالك من الهدوء اللي في المكان؟ رفع ريان حاجبيه واحتج على ما يقول:
"تصدق إن ما عندكش دم؟ دول هم اللي بيعملوا بهجة في البيت. لو أعرف إنك لوحدك أصلاً ما كنتش جيت." أمير: "لا يا راجل، بهجة! آه، دي سهيلة لوحدها صداع و... رفع ريان يده في وجهه ليوقفه عن الاسترسال في الحديث: "بس بس يا أمير، مش ناقصة عقدك الحكاية." وهم بإخراج تليفونه المحمول: "تليفون شوية، أرحم منك." ضحك أمير بسخرية: "ماشي يا أخويا، خليك كده على طول. كل ما أكلمك في حاجة مش عاجبك تهرب منها."
هز الآخر رأسه مؤيداً وهو يعبث في الهاتف، لتتشخص عينيه فجأة بذهول وهو يقرأ أحد المنشورات (البوستات) المنشورة حديثاً على إحدى صفحات الإنترنت الخاصة بأخبار الحوادث، وبطريقتهم المفجعة كتب الخبر: "مصرع محامية شابة في ظروف غامضة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!