ابتسمت بهدوء تتحدث بثبات وثقة: "واضح كده إن حضرتك جديد هنا، فما تعرفش أنا مين كويس. بس بسيطة، ممكن تقول اسمي لأي حد هنا هيعرفك." نظر لها من أعلى لأسفل باستخفاف: "تمام، وده نفس اللي أنا قلته تقريبًا. هكشف على الكارنيه بتاعك وهعرف." تنفست إهداء بعمق محاولة السيطرة على غضبها لتقول بنفاذ صبر: "حضرتك عارف إنك كده بتعطلني عن شغلي، وفيه موكل هيتضرر من ده. يا ريت متدخلش أي خلفات شخصية في الشغل."
عند تلك النقطة، صفع ريان المكتب بقبضتيه بقوة وهو يصيح: "شخصية إيه يا أستاذة؟ أنا ما فيش بيني وبينك أي حاجة غير الشغل. وأنا أعرفك أصلًا عشان تقوليلي شخصية ومش شخصية." تحول خديها إلى اللون الأحمر من شدة خجلها أمام موكلها، فهي المحامية الشهيرة في الجنايات ولا يستطيع أي شخص هز ثقتها بنفسها، ولكنه أهانها بشدة. وضعت كفها على جبهتها تفركها بغيظ محاولة إخفاء إحراجها لتهتف بثبات مزيف:
"عند حضرتك حق. ممكن طيب أعرف إيه مطلوب مني دلوقتي عشان نبدأ شغلنا؟ رجع ريان للخلف يجلس على مقعده بارتياح يهتف ببرود: "أنا مش بحب أعيد كلامي كتير يا أستاذة. قولتلك إني هتأكد من الكارنيه اللي معايا ده الأول قبل أي حاجة. وطبعًا أنتِ مش محتاجة أقولك إن ده هياخد شوية وقت، وحضرتك مش هتتحركي من هنا قبل ما يجي الرد." "والقضية... هتفت بها تتساءل. ليجيب: "تتأجل." أمال رأسه باتجاه الكاتب ليملي عليه:
"اكتب يا ابني تأجل القضية ٤ أيام على ذمة التحقيق." حدقت فيه بذهول تهتف سريعًا: "ثانية واحدة بس! تأجل إيه حضرتك؟ كده بتعطل سير القضية بدون سبب وبتضر متهم بريء وهيفضل في الحبس ظلم." أمال رأسه إلى اليمين قليلاً ينظر لها بهدوء يعلو ثغره ابتسامة انتصار ليهتف بثقة: "ومين قال بدون سبب؟ هو ينفع أبدأ التحقيق من غير محامي؟ أنا بأجل لمصلحته."
ضغط بيده على زر جرس يوضع أمامه ليتبعه دخول العسكري الموجود خارج المكتب. ليطلب ريان منه إعادة المتهم إلى حيث ينتمي، ويعطيه البطاقة التعريفية الخاصة بإهداء ليرسلها للجهات المعنية بالبحث في تلك الأمور والتأكد من صحتها. ويدخل القضية التالية.
حاولت إهداء اتخاذ رد فعل سريع، لتقوم بإخراج هاتفها المحمول لإجراء مكالمة بأحد ينقذها من ذاك المعت*وه من وجهة نظرها. ليقوم بإشارة من يده بأمر العسكري أخذ الهاتف منها قبل أن تتمكن من الاتصال. فتحت عينيها على آخرهما بصدمة لتصيح بغضب وهي تلوح بيديها معترضة: "هو إيه اللي بيحصل ده؟ أنا ليا الحق إني أتكلم في التليفون. أنا مش مسجونة هنا."
صاحب جملتها حديث العسكري يطلب الإذن لدخول المتهم التالي ومحاميه. وريان يجيبه بالموافقة متجاهلًا تمام وجودها واعتراضها على ما يحدث. وبدأ في ممارسة عمله بكل جدية وسط نظراتها الك*ارها له وتل*عنه داخلها بأب*شع الألفاظ. تجاهد نفسها حتى لا تصرخ في وجهه بكل ما يجول في خاطرها. خارت قواها من فرط الإجهاد الذهني وقدميها لم تعد قادرة على حملها. قررت الجلوس على أقرب مقعد لها حتى تستطيع التفكير في طريقة للخروج من هذا المأزق. وهو ينظر لها خلسة أثناء قيامه بالحديث مع المتهم أمامه حتى يتابع رد فعلها.
وبمجرد أن لمحها تقترب من المقعد وتنخفض للجلوس، حتى رفع يده محدثًا صوتًا يجذب نظرها تجاهه، ينهرها بحزم: "يا أستاذة أنا ما سمحتلكيش تقعدي." "ها، أيوه... كمل سامعك. وجه جملته الأخيرة للجلوس أمامه. فتحت إهداء عينيها على آخرهما من الذهول تتطلع ناحيته وعلى وجهها أقصى علامات الدهشة من أفعاله. لتتغير ملامحها خلال ثانية إلى المكر ويعلو ثغرها ابتسامة جانبية وهي تجلس بأريحية على الكرسي متجاهلة ما سمعته للتو.
رفع عينيه يتفقدها بنظرة جانبية ليرى أنها ألقت بكلامه عرض الحائط ولم تتحرك من مكانها. استمر في عمله ولم يعلق. وبعد مرور بعض الوقت تنهدت بملل وفارغ صبر وأخذت تتحرك في مكانها محاولة جذب انتباهه. ولكنه لم يعيرها أي انتباه كما فعل من قبل. وهذا ما أثار غضبها. لم يحدث لها طوال حياتها أن يستطيع أحد تجاهلها بهذا الشكل. أثرت الصمت لحين خروج من الغرفة معهم.
وبمجرد سماعها صوت انغلاق الباب خلفهم وصوته يطلب من العسكري فنجان من القهوة، هبت واقفة تصيح بضيق: "بقولك إيه؟ أنا استحملت كتير أوي وبحاول ألتزم بقواعد المكان اللي إحنا فيه، بس أنا عايزة أمشي ولازم أمشي دلوقتي حالا ومش هقعد ثانية واحدة هنا." وضع كفه على رقبته وهو يحركها يمينًا ويسارًا بألم وهو يغمغم في لامبالاة وكأنها تحدث شخصًا آخر: "الواحد رقبته وقفت من الشغل. يلا، عمومًا خلصت أشرب قهوتي وأمشي."
جحظت عينيها في صدمة من رد فعله. يحدث نفسه ولا يعبئ بها. ضربت المكتب بكفيها بقوة هاتفة: "يا بني آدم بكلمك! رد عليا! وإزاي أصلًا بتقول هتمشي؟ طب وأنا؟ ابتسم بجانب فمه يهتف ساخرًا: "وأنتي إيه؟ وأنا إيه؟ إزاي عايزة تمشي؟ مع انتهاء جملتها، فتح الباب ليدخل بالقهوة. سكتت إهداء تنتظر خروجه. "يااه، القهوة دي أحلى حاجة بتحصل بعد يوم تعب." صاح بها ريان في حماس وهو يمسك بالفنجان يقربه من أنفه يشتم رائحة القهوة باستمتاع.
عند تلك النقطة فرغ صبرها واللمعت في رأسها فكرة شيطانية قررت تنفيذها. وفي أقل من ثانية كان قد تم سكب محتوى القهوة بالكامل من يده وبعضها وقع على ملابسه. نظر لها بعيون غاضبة دبت فيها الرعب بعض الشيء. ولكنها ظلت ثابتة تتطلع فيه بتحدي وقوة تجيد تمثيلها. وداخلها تموت رعبًا من رد فعله. لم يتفوه ريان بكلمة، ولكن نظراتها وعروق رقبته النافرة شرحت شدة غضبه.
هب واقفًا. تراجعت إهداء خطوة للوراء بحركة تلقائية. على أثرها ليسحب هو سترته بقوة ويخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه. رجت المكان رجًا وكأنه يخرج فيه كل ما بداخله. ويليه صوته الغاضب يحدث من بالخارج بصوت عالٍ تسمعه: "اقفل الأوضة دي، وإياك تفتحها غير بأمر مني أنا شخصيًا. بكرة الصبح مفهوم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!