كانت الشمس توشك أن تغيب، تلقي بظلال طويلة على الشارع الخالي. جلست فاطمة على عتبة دارها، تستند بذقنها على يديها، وعيناها شاخصتان نحو الأفق. نسمة هواء باردة داعبت وجهها، وكأنها تحمل معها ذكريات الأمس. "يا فاطمة! التفتت فاطمة مذعورة. كان عمها يقف أمامها، يرتدي عباءته البالية، وعلى وجهه تعابير القلق. "مالك يا بنتي؟ بقالك ساعة قاعدة كده ليه؟ " سألها بصوت خفيض. "مفيش يا عمي، بس بفكر." أجابت بصوت متعب. "بتفكري في إيه؟
في اللي فات؟ اللي فات ده خلاص، المفروض تنسيه." قال وهو يجلس بجانبها. "بس صعب يا عمي. الذكريات بتفضل جوانا." "الذكريات دي هي اللي بتخلينا أقوى يا فاطمة. هي اللي بتعلمنا." صمتت فاطمة للحظات، ثم قالت: "بس أنا خايفة يا عمي. خايفة من اللي جاي." "متقلقيش. طول ما إنتي ماشية صح، ربنا معاكي. وأنا كمان معاكي." ابتسمت فاطمة ابتسامة باهتة. شعرت ببعض الراحة لوجود عمها بجانبها.
"يلا قومي ادخلي جوه، الجو برد. وعايز أكلمك في موضوع مهم." نهضت فاطمة وتبعته إلى الداخل. في غرفتها، جلست على سريرها، تنتظر ما سيقوله عمها. "بصي يا فاطمة، أنا عارف إن اللي حصل كان صعب عليكي. بس لازم تفكري في مستقبلك." بدأ عمها وكأنه يقرأ أفكارها. "مستقبلي؟ أنا مش عارفة إيه هو مستقبلي." "مستقبلك هو اللي هتبنيه بإيديكي. أنا عايزك ترجعي تدرسي. تكملي تعليمك." تفاجأت فاطمة. لم تتوقع منه هذا الكلام. "أدرس تاني؟
بس أنا خلاص كبرت." "كبرتي إيه؟ العمر كله قدامك. إنتي ذكية وشاطرة، مينفعش تضيعي موهبتك دي." "بس أنا محتاجة أشتغل وأساعد." "متخافيش من الشغل. لما تخلصي دراسة، هتلاقي شغل أحسن. أنا هساعدك. وهتلاقي اللي يعينك." نظرت فاطمة إلى عمها، ورأت في عينيه الصدق والإصرار. شعرت بأن بصيص أمل بدأ يظهر في حياتها. "بس أنا خايفة مرة تانية." قالت بصوت مرتجف. "خوفك ده طبيعي. بس متخليهوش يسيطر عليكي. انتي أقوى من خوفك ده."
بعد فترة، قررت فاطمة أن تستمع إلى عمها. بدأت تبحث عن فرص للعودة إلى الدراسة، وبدأ عمها يساعدها في كل خطوة. مرت الأيام، ثم الشهور. فاطمة عادت إلى مقاعد الدراسة، وبدأت تستعيد شغفها بالحياة. كل يوم كانت تشعر بأنها أقوى وأكثر ثقة بنفسها. "مبروك يا فاطمة. أنا فخور بيكي." قال عمها في يوم تخرجها، وهو يحتضنها. "كل ده بفضلك يا عمي." قالت وهي تبكي من السعادة. "لا يا بنتي، ده بفضلك إنتي. إنتي اللي اشتغلتي وتعبتي."
ابتسمت فاطمة. نظرت حولها، ورأت مستقبلًا مشرقًا ينتظرها. لم تعد تلك الفتاة الخائفة والوحيدة. لقد وجدت قوتها، ووجدت من يدعمها. خسارتها كانت بداية مكسبها الحقيقي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!