الفصل 6 | من 26 فصل

رواية خسوف القمر الفصل السادس 6 - بقلم نداء علي

المشاهدات
21
كلمة
2,142
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

نظر جاسر بتعجب ونفور إلى طليقته وهي تساومه بجرأة أجفلته، ففي بادئ الأمر اعتقد أنها قد اشتاقت إلى طفلتهما الصغيرة، لكنها تحدثت إليه بقوة قائلة: "استمع إليّ جيداً يا جاسر، أنا لن أتخلى عن أحلامي ومستقبلي من أجلك أنت وطفلتك." جاسر: "وما شأني أنا وشأنك، هل جننت؟! تيماء: "لم أجن بعد، لقد أتت إليّ والدتك تخيرني بين العودة إليك أو أخذ ماسة، فأنت ترغب بالزواج." لم يصدق جاسر ما يحدث فتحدث مستنكراً:

"وهل أصابني العته لكي أسلمك طفلتي؟ هل امرأة مثلك تؤتمن على تربية طفلة كـ ماسة؟ تيماء: "هل تدعي إذن أم أن والدتك أتت إليّ دون علمك؟ جاسر: "بكل تأكيد، فأنا لم ولن أثق بك مرة ثانية، واطمئني يا تيماء، ابنتي ستظل معي ما حييت." تيماء بتوتر: "أنا لم أقصد، ولكن ماسة تحتاج إلى رعاية وأنا أقضي يومي بأكمله بالعمل." قاطعها جاسر قائلاً:

"لا داع للتبرير، فأنا أحفظك عن ظهر قلب يا تيماء، أنت للأسف لا تستحقين لقب أم، ولكن شاءت الأقدار أن تبتلي ابنتي بأم مثلك." تيماء بغضب: "لم يكن هذا رأيك فيما مضى، لقد توسلت إليّ طالباً الزواج بي بعدما فسخت خطبتك بتلك الفتاة، أم أنك نسيت؟ جاسر بندم: "ليتني أنسى، وليتك ما دخلت إلى حياتي." تيماء مغادرة المكان دون الالتفات لطفلتها: "حقاً أنت إنسان لا تُحتمل."

أغمض جاسر عينيه محاولاً كبت انفعالاته، لكن صوت والدته المتهكم جعله يصرخ بوجهها قائلاً: "ألم أطلب إليكِ ألا تتدخلين بما يخصني، لمَ قد ذهبت إلى تيماء؟ والدة جاسر: "ألم تخبرنا أنك تود الزواج بأخرى، لقد حاولت إثارة غيرتها ربما ترجع إليك وإلى طفلتها." جاسر بحدة: "وأنا لا أريدها، أنا أكرهها وأكره ضعفي الذي جعلني أنساق وراءك وأتزوج بامرأة متحجرة القلب كتلك."

والدة جاسر: "أليست أفضل من تلك الدميمة التي تنوي أن ترجع إليها وتقضي جوارها حياتك القادمة." نظر إليها جاسر بانهيار هامساً: "قمر ليست دميمة، بل أنا الملام فيما حدث. لقد تأثرت بكِ، كنت مشتتاً واستغليتِ ضعفي وجعلتِ تلك الجاحدة تتقرب إليّ، فلم أدر ما حدث وكيف انتهى بي المطاف زوجاً لها. لا أعلم كيف تخليت عن قمر." حملت والدته ماسة بعدما غلبها النوم، ونظرت إليه وكأنها لم تستمع إلى أي من كلماته قائلة:

"افعل ما تشاء، فمهما حدث أنا على يقين أنك لن تتحمل البقاء مع قمر مطولاً." هبطت نسمة إلى الأسفل تبحث بعينيها عن زوجة عمها التي اقتربت منها متسائلة بحب: "أين علياء؟ نسمة: "لقد أخبرتني أنها لن تأتي معنا، هي مازالت متعبة وتعاني من ألم حاد برأسها." زوجة العم بحزن: "لو أنها وافقت على الذهاب معنا إلى الطبيب، أما كان أفضل لها." نسمة: "لا تقلقي يا خالة، سوف نطمئن عليها بعدما نرجع إلى القاهرة."

زوجة عمها برفض: "لقد أخبرني عمك أنكما لن تذهبا يا نسمة، هو فقط يجاري علياء في حديثها كي تهدأ قليلاً، لكنه قد عزم أمره على بقائكما معنا يا بنيتي، فعقب زواج حورية سوف يسعى عمك إلى استكمال دراستك هنا." نسمة بسعادة: "حقاً يا خالة؟ احتضنتها زوجة عمها قائلة: "بل قولي أمي كما كنت تقولين في صغرك." نسمة: "حسناً يا أمي، أنا سعيدة للغاية وأتمنى أن توافق علياء."

زوجة عمها: "دعك من علياء وعنادها، فأنا أعلم ما يؤرقها، وهيا بنا نشتري ما يلزمنا قبل أن يرجع عمك وعثمان من الخارج." ظلت علياء بغرفتها تود النوم ولو قليلاً، لكنها لم تستطع. تحركت متوجهة إلى الأسفل، لكن صورته الموضوعة بالرواق استوقفتها. كم اشتاقت إليه وإلى قربه، لكنها قد حرمت منه مرغمة. كم تود الاقتراب منه والنظر إليه ملياً، لكن نظراته تبعدها. أخذت تتأمله وكأنها تائهة بين ملامحه.

تنهدت بضيق، فتحدث هو بحزن بعدما أتى إلى البيت ولاحظ شرودها أمام صورته قائلاً: "هل أعجبتك صورتي إلى ذاك الحد؟ علياء دون الالتفات إليه: "ربما أبحث بها عن شيء لا أجده عندما أنظر إليك! عثمان: "لم يتغير شيء، بل أنتِ من تغيرتِ." علياء: "مؤكد أنني تغيرت كثيراً، فعندما يخذلك أمانك ومصدر قوتك، تغدو روحاً حائرة لا تحب ولا تثق بأحد، تنتظر دوماً الغدر والخذلان." عثمان بغضب: "وهل أنا من خذلتك أم أنتِ من خان العهد؟

علياء: "لا يهم من منا قد فعل، الأهم أننا تغيرنا يا عثمان." صمتت مطولاً لتسأله بترقب: "لمَ لم تتزوج إلى الآن؟ عثمان باندفاع: "لقد تقدمت لخطبة فتاة بالخارج، لكنها لم تشأ الرجوع معي إلى مصر." اغمضت علياء عينيها بضعف وتحدثت بصدق قائلة: "أرجو لك السعادة يا عثمان، لطالما تمنيتها لك." عثمان: "سعادتي كانت معك وبك، وبعدما افترقنا لم أذق للسعادة طعماً، ليتنا ما كبرنا يا علياء، ليتكِ بقيتِ طفلتي التي أعشقها في صمت."

تطلع يامن إلى وجه الطبيب الواقف أمامه بتعجب، فلاحظ نظراته المتأملة لقمر. تساءل يامن دون تردد قائلاً: "هل أنت على سابق معرفة بقمر؟ تنحنح الطبيب بحرج قائلاً: "لا، ولكن تلك العيون تجذبك إلى النظر إليها مراراً." يامن بتحذير: "دكتور أشرف، أنا أعتبرك صديقاً عزيزاً، فلا داع لما تقول، وليتك تتعامل مع قمر كما تتعامل معي." أشرف ممازحاً: "هل تغار أم ماذا؟

يامن بجدية: "لا، أنا لا أغار، فهي ليست امرأتي، ولكنها مسؤولة مني، وينبغي عليّ حمايتها، كما أنها فتاة مهذبة ولا يجوز النظر إليها بتلك الطريقة." أشرف: "وإن قلت أنني معجب بها؟ يامن: "إذاً تحدث إليها، وإن كنت ترغب في الارتباط بها، فلتفعل." أشرف: "حسناً، سوف أفكر في الأمر، واعتذر إن كان تصرفي قد أغضبك." غادر أشرف، وتوجه يامن إلى قمر قائلاً بحدة غير مبررة: "هل تضعين عدسات لاصقة؟ نظرت إليه قمر بدهشة قائلة:

"بالطبع لا، لمَ تسأل؟ يامن بتوتر: "لا شيء، ولكن الأفضل أن تنتقبي كلياً بدلاً من إظهار عينيك هكذا، فهي فتنة." تعلقت نظراتها به، وتوقف عقله عن استيعاب ما تفوه به. أرادت قمر نهره، لكنها أرادت الاستمتاع بتلك اللحظة، وإن كانت لحظة وقتية ستنتهي لا محالة، إلا أن احتياجها إلى كلمات تشعرها بكونها أنثى جعلها تؤثر الصمت.

تكرار رنين هاتفه جعل كليهما ينتبه إلى الواقع، فيامن لن يسمح لقلبه بالتعلق بأحد، وقمر عليها أن ترجع إلى شرنقتها كي لا تقابلها صدمة أخرى فتكون القاضية. أجاب الاتصال، فابتسم تلقائياً عندما استمع إلى صوت والدته تحادثه قائلة: "كيف حالك يا صغيري؟ قهقه يامن قائلاً: "بخير يا حبيبتي." نهال: "أنا بالقرب منك، هل آتي إليك وأتناول قهوتي معك؟ يامن بترحاب: "وهل لي أن أرفض شرفاً كهذا؟ أنا بانتظارك." أدار يامن وجهه إلى قمر قائلاً:

"والدتي في طريقها إلى هنا." قمر بهدوء: "حسناً." يامن: "لقد نفذت القهوة لدينا، سأذهب مسرعاً وأحضر البعض منها، هل ترغبين بشيء؟ قمر: "شكراً لك." بعد قليل عاد يامن وفي أعقابه والدته. كانت تبدو سيدة في منتصف عقدها الخامس، أنيقة دون إسفاف، وجمالها ذو رونق مميز. تبادلت التحية مع قمر وتحدثتا إلى بعضهما، بينما يامن قد أعد القهوة كما تهواها والدته.

ارتشفت نهال قهوتها بهدوء وعيناها تتابعان قمر التي كانت تدعي الانشغال بعملها، بينما قلبها ينبض بعنف، فهي لم تعتد بعد التعامل المباشر مع أناس جدد. تحدثت نهال بود قائلة: "لقد حدثني يامن عنك كثيراً." قمر بترقب: "حقاً، وهل ما قاله مدحاً أم ذم؟ ابتسمت نهال قائلة: "يامن عندما يغضب من شخص لا يذكره مطلقاً." قمر: "حسناً، هذا يعني أنني محظوظة للغاية، فهو ليس غاضباً مني." نهال: "وكيف له أن يغضب من فراشة رقيقة مثلك؟

ما شاء الله تبدين جميلة يا قمر، هل لي برؤية وجهك؟ الهلع البادي في عيني قمر جعل نهال تتراجع قائلة: "لا تفزعي هكذا، لقد كنت أمازحك." امتلأت عينا قمر بدموع نجحت في إخفائها، لكن يامن الواقف جوار والدته قد لاحظها، وبدأت شكوكه في الازدياد حيال قمر. كم أن الحياة متقلبة، تارة هادئة وتارة أخرى يعلو صخبها فيصم الآذان.

تعجبت قمر في نفسها مما يحدث؛ فرؤيتها الآن لوالدة يامن كان أشبه بالصفعة القاسية التي أيقظتها من حلمها الواهي في حب محال ووصال لن تناله مطلقاً. وكيف تناله وهي ترتعب من رؤية نهال لوجهها المشوه. بينما كان عقل يامن حائراً، يتخيل أسباب عدة لتوتر قمر، وهداه تفكيره إلى أن بحياتها سر ما، وربما شخص ما جعلها تخشى التعامل والاقتراب ممن حولها.

اقترب موعد العرس المنتظر ببيت عثمان، واستغلت علياء التجهيزات في شغل وقتها بأكمله، وفعل عثمان المثل كي يبتعد عن دربها قليلاً، ربما تهدأ ويهدأ معها نيرانه التي تندلع كلما تذكر اقترانها بسواه، محال أن يتركها ثانية، لكنه لا يعرف السبيل إلى استعادتها واستعادة روحه التي ضل السبيل إليها. استعادت قمر بعضاً من ثباتها ونجحت في كبح جماح نفسها التواقة في فرصة ثانية للعيش.

هب يامن واقفاً بقلق عندما اقتحم الصيدلية بعض رجال المباحث، تقدم أحدهم قائلاً: "هل أنت المالك لتلك الصيدلية؟ أجابه يامن: "أنا المسؤول هنا." الضابط: "معي أمر من النيابة العامة بالقبض على المالك، وصاحبة ذاك التوقيع، قمر القادري."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...