الفصل 10 | من 38 فصل

رواية خسوف الفصل العاشر 10 - بقلم اية العربي

المشاهدات
21
كلمة
5,466
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

غادر بدر تاركاً روحه خلفه. للمرة الثانية يشعر بمعنى الضياع والتشرد. هذه المرة هُدمت أحلامه ومشاعره وأمانيه فوق رأسه. سُحق تحت عشقه المدمر. يقود سيارته بعيون ذابلة. يلتقط أنفاسه بصعوبة. بين الأمس واليوم ساعات قليلة وفارق كبير جداً. ليته ضل في الأمس. ليته ضل مع عائلته ذلك اليوم. ليته لم يأتِ إلى هذه البلد أبداً. لأول مرة يشعر بالخيبة والعجز عن التصرف.

توقف بسيارته على جانب الطريق يلتقط أنفاسه الضيقة بصعوبة. يشعر بالاختناق. فك زره الأول. أغمض عينيه يعتصرها ثم فتحها. يرفع رأسه للأعلى يناجي ربه ويردف هامساً يخرج كلماته ببطء شديد:

"يارب… بعرف حالي كتير مقصّر معك بس ما لي غيرك ألجأ له… بعرف إنه صعب نتلاقى أنا وياها مرة تانية… بس ما بقدر أتخلى عن حبها بعد ما عرفت شو يعني الحب معها… ما بقدر أكمل حياتي بدون ما تفوت على عقلي كل لحظة… ما بقدر أنساها وأكمل كأنه ما صار وكانت مرتي وملكي حتى لو ما كان هالزواج حقيقي! … كيف فيني أنسى عيونها وقلبها وجنونها وكل شي فيها!! … يا رب ما بعرف ليش زرعت حبها بقلبي! … ما بعرف شو نهاية هالعذاب اللي عم بتعذبه هلأ!

… ما بعرف شو الحكمة بأنه تكون مرتي وبعدين تتركني هلأ! … بس بعرف قدرتك العظيمة في تيسير الأمور… عم حس حالي هلأ طفل مشتت ما بعرف شو ساويت أو شو أعمل! … عقلي رح يوقف ما عم بقدر أفكر منيح… بعرف إنه دايماً يكمن الخير فيما نحسبه شر… وكلتك أمري ربي… دبره كيفما تشاء."

أغمض عينيه وأنزل رأسه لثوانٍ. استكانت روحه قليلاً بعد مناجاته لربه. تنهد بعمق ثم أدار محرك السيارة مجدداً وانطلق ليعود منزله. فهناك من تنتظره. هناك ريحانة ابنة عمه وزوجته الأولى العائدة من الموت الذي لا يريد ظلمها من البداية. مر في طريقه ليبتاع بعض الأطعمة لهما ثم أكمل طريقه بملامح حزينة وتشتت. يلتقط أنفاسه بصعوبة وكأن برحيلها أصبح الهواء شبه معدوم. ***

ما زالت كما هي عندما تركها. تضم ساقيها إلى جسدها ورأسها متدلية للأسفل. ملامح وجهها مغطاة بالكامل وشعرها يتمرد حول جسدها بعدما ألقت حجابها أرضاً. عقلها لا يتقبل ما حدث اليوم. منذ 10 أسابيع كانت في نفس الحالة تماماً مع اختلاف الأسباب.

منذ أسابيع كانت صدمتها في الزواج منه. لا تتقبل فكرة أن صديق والدها أصبح بين ليلة وضحاها زوجها. لا تتقبل أنه تم تزويجها قصراً ودون إرادتها. لم تكن تستوعب حينها أنها في منزله وأن له الحق الأكبر فيها. تمردت عليه. عاملته بقسوة. نعتته بأبشع الكلمات ودائماً نهرته وخالفت أوامره وتوقعاته بها. دائماً كان يقابل معاملتها باللين والتفهم والهدوء وكانت هي تزداد معه سوءاً وتمردًا. حاول مراراً وتكراراً أن يجعلها ترى الوجه المظلم لهذا الجبان ولكنها كذبته. تخلى عنها والدها وشقيقها وأكرمها هو ولكنها أهانته.

رفعت رأسها تستند على ركبتها وتنظر للأمام بعيون لامعة وقد سقطت عبراتها متتالية تفكر وتفكر بندم يتآكلها:

"آه لو يعود بي الزمن إلى الوراء قليلاً… ليتني أستطيع اللجوء للماضي القريب… وقتها سأغير الكثير… سأرى بعين قلبي… سأناديك حبيبي وبدري… سأقفز فرحاً حين يكتب اسمك مع اسمي… آه لو يعود بي الزمن إلى الوراء قليلاً… سأقع في حب عيناك الشقراء وملامحك الوسيمة… سأعشق خصلاتك البنية وذقنك النامية… سأموت عشقاً في حنانك وتفهمك… آه لو يعود بي الزمن إلى الوراء قليلاً… سأصلح حال عقلي الساذج وقلبي الأجدب وآتي إليك يا ملاذي… ستكون أنت نور حياتي المظلمة… ودليل طريقي المعسر… آه لو يعود بي الزمن إلى الوراء قليلاً."

ازداد عبرات الألم والندم وهي تردف بصوت مسموع متألم: "مش هينفع خلاص… خلاص يا قمر هو طلقك وبعد عنك… خلاص هو جاب آخره منك… انتِ بعمايلك نهيتي كل حاجة من قبل ما تبدأ… انتِ السبب مش حد تاني… خلاص يا قمر بدر المرة دي اتخلى عنك فعلاً… انتِ متستاهليش واحد زيه أصلاً." طرقات خفيفة على باب غرفتها تبعها فتح الباب. نظرت بدموع فوجدت والدها يطالعها بترقب. دلف يقترب منها ببطء وهو يرى حالتها التي آلمت قلبه. جلس على طرف

الفراش ثم أردف بنبرة لينة: "خلاص يا قمر… مالهوش لزوم العياط دلوقتي… المهم إنك عرفتي حقيقته… ومحدش بيتعلم ببلاش يا بنتي… وبالنسبة لجوازك من بدر فهو كان الحل الوحيد وقتها يا قمر بعد ما المنصورة كلها شافت الصور واتكلمت عليكي… متفكريش إني ظلمتك بقراري ده أنا فعلاً كنت وقتها خايف عليكي من نادر ومن نظرة الناس وكلامهم ومن نفسك بالأكتر." تنهد بعمق يتابع بشرود:

"كان نفسي أطمن عليكي بس ما فيش نصيب… آخر حاجة كنت أتخيلها إن مرات بدر ترجع بعد السنين دي كلها وتطلع عايشة." ذهلت وانسحب قلبها للأسفل. لقد تناست هذا الأمر تماماً. إذاً زوجته عادت بالفعل! لم تمت وعادت إليه بعد كل تلك السنوات! ألهذا السبب طلقها دون سماعها؟ أيراها الآن عبئاً عليه! ضيقت عينيها ونظرت لوالدها متسائلة بقلبٍ متألم مرعوب وصوت متحشرج باكٍ: "طب.. هي فين دلوقتي يا بابا؟! نظر لها ياسر وأردف بتعجب:

"هو انتي متعرفيش إنه جابها هنا! … ماشوفتيهاش!!! موجودة في الشقة اللي تحت شقتك." أغمضت عينيها تهدأ من انقباض قلبها والتواء أحشائها ولكنها لم تستطع! حتى لم تستطع التحكم في دموعها بل زاد بكاؤها بشكل هستيري وشهقاتها تعالت بقوة مما جعل ياسر يتعجب واقترب منها يحاول إفاقتها مردفاً: "قمر اهدى… اهدى بس فيه إيه؟!

هزت رأسها بقوة دون نطق حرف ووضعتها على كتف والدها تبكي وتجهش بمرارة وقلبٍ يتمزق أشلاء على حبٍ انفجر فجأة بداخلها كبركان لم يلاحظه قلبها الصغير فأغرق وأحرق روحها. ضمها إليه بحنو يعانقها بألم لأجلها. لاول مرة يشعر بفظاعة ما فعله. ظل يهدهدها ويتلو آيات الذكر الحكيم على رأسها بحنو. بعد دقائق عدة من محاولته تهدأها استكانت بالفعل وانتظمت أنفاسها فعلم أنها غفت بين ذراعيه ولكنه لا يعلم أنها هربت في النوم متعمدة.

مددها على الفراش ودثرها بالغطاء ثم انحنى يقبل جبهتها بحنو وينظر إليها باشتياق. عادت إليه حياته من جديد. فمهما فعلت تظل هي قطعة روحه وقلبه. اعتدل يغادر الغرفة ويتركها تنام واتجه لغرفته يتمدد وينام هو الآخر ولكنه تذكر ذلك اليوم. عودة إلى قبل 10 أسابيع *** دلف ياسر على ابنته التي كانت تُحبس في غرفتها يحمل في يده دفتر الزواج الخاص بالمأذون الشرعي مردفاً وهو يناولها إياه: "يالا يا قمر عشان تمضي."

نظرت له بحزن وأردفت بعتاب: "ليه كده يا بابا!! … ليه مصمم توجع قلبي وتحرمني من اللي بحبه؟ … ليه حكمت عليا كده كان ممكن تعاقبني بمليون طريقة تانية! … بلاش يا بابا أتراجع… إحنا لسه قدامنا فرصة… أنا هسمع كلامك ومش هقابل خالد غير لما ييجي هو يتقدملي بس بلاش جواز من بدر." ابتلع ياسر لعابه وأردف بصوت متألم:

"مبقاش ينفع خلاص… بعد اللي اتقال عنك وعني والضرر اللي انتي اتسببتي فيه ليا ولكي ولنفسك مبقاش ينفع يا قمر… جوازك من الكلب ده مستحيل… يا إما تمضي على جوازك من بدر يا إما تنسي إن ليكي أب." نظرت لعينه لتحاول إيجاد نقطة تراجع بها ولكن نظرته أكدت لها أن الأمر محسوم. تناولت منه القلم والدفتر ووقعت على العقد مسرعة ثم نظرت له تردف بتمرد وغضب: "اتفضل… ده توقيعي أهو… بس ملتومنيش على أي حاجة تانية هتحصل… وافتكر إنك ظلمتني."

نظر لها بعمق قليلاً قبل أن يحمل الدفتر ويغادر إلى الخارج حيث يجلس بدر ونادر والمأذون وبعض رجال المنطقة المقربين من ياسر. ناول ياسر الدفتر للمأذون الذي أردف بترقب: "طيب بعد إذنك عايز أسمع رأي العروسة." نظر ياسر لبدر بقلق ثم أومأ وعاد لابنته مجدداً. دلف الغرفة وأردف بنبرة صلبة: "المأذون عايز يسمع الموافقة منك… وقسمًا عظيمًا يا قمر لو قولتي لأ وفضحتيني قدام الناس أكتر من كده لهتشوفي مني وش تاني جديد عليكي."

طالعته بتعجب. فهي لأول مرة تراه هكذا طيلة حياتها. وقفت تخطى معه للخارج ثم توقفت أمام المأذون والرجال الذين يطالعونها بترقب بينما هي سلطت أنظارها على بدر تطالعه بتوعد وحقد مردفة: "أنا موافقة." قالتها وعادت غرفتها بينما هو نظر أرضاً يتنهد بعمق ويستعد للحرب التي ستقام. أتم المأذون الإجراءات وأردف: "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير." غادر المأذون بينما أردف أحد رجال المنطقة بترقب: "هيبقى فيه فرح يا ياسر؟

كاد ياسر أن يعترض ولكن قاطعه بدر يردف بهدوء: "إن شاء الله أخويا محمود… المنطقة كلها معزومة عندنا بالمطعم بعد يومين… رح تكون حفلة بسيطة وسط الأحباب." أومأ الرجل يردف: "تمام… عين العقل كده." بعد دقائق رحل الرجال وذهب نادر للمطعم وجلس ياسر أمام بدر يردف بتساؤل: "ليه قولت على الحفلة يا بدر؟ … هو انت مش عارف قمر؟ طالعه بدر يبتسم بهدوء ثم أردف بإيماءة بسيطة:

"بعرفها طبعًا أخويا… بس ده هو الصح… بدنا نخرس تم أي حدا اتكلم عنها بالعاطل." أومأ ياسر مؤيداً بينما يردف بقلق: "أنا معاك بس يارب هي متعملش مشكلة." وقف يردف بترقب: "فيني حاكيها أخويا؟ أومأ ياسر مردفاً: "تمام يا بدر اتفضل." خطى بدر حتى توقف أمام غرفتها وطرق الباب بهدوء فلم تجيب فعاد وطرقه فسمحت للطارق بالدخول. فتح ودلف بترقب ثم أغلق خلفه ووقف يطالعها مردفاً: "ينفع نتكلم؟ نظرت له بعمق ثم أردفت بحدة وحنق: "خير!

اتجه يجلس أمامها على المقعد الجانبي ثم أردف بهدوء وقد تخلى عن لهجته السورية معها متعمدًا بداية من تلك اللحظة: "بعد يومين هنعمل حفلة صغيرة في المطعم… هنعلن عن جوازنا قدام الناس اللي حكوا عنك وعن أبوكي بالعاطل… عايزك تظبطي حالك وبلاش حركات عيال." نظرت له بكره وغضب وأردفت: "حفلة! … حفلة إيه انت صدقت نفسك؟ … ناقص تقولي هنروح نقضي شهر العسل في باريس!

… الجواز ده كله على بعضه أصلاً باطل… لأني رافضالك في حياتي تماماً… ومش هعمل أي حاجة تطلبها مني…. أنا مضيت بس عشان خاطر أبويا قدام الناس اللي برا… لكن أي حاجة انت هتقول عليها هعملها هكسرها تماماً… وهتطلق في الآخر انت سامع." تنهد يومئ بهدوء ثم أردف بتعقل متفهماً لحالتها:

"هتعملي يا قمر… هتعملي عشان خاطر الراجل اللي برا ده من وقت اللي حصل وهو مكسور… انتي مسمعتيش اللي اتحكى عنه في قلب مطعمه وهو متكلمش لأنه شايف إن معاهم حق… ذنبه الوحيد إنه دلعك زيادة عن اللزوم… يعني فكري بعقلانية مرة واحدة واعملي اللي قلتلك عليه… أبوكي وأخوكي الناس مرحمتهمش من وقت اللي حصل… حتى المطعم الناس بعدت عنه… فكري فيه شوية."

تركها وغادر وهو شبه متأكد أنها ستوافق على تلك الحفلة التي أقيمت بعد يومين بالفعل وتم التقاط بعض الصور إليهما وسط الموجودين وتم إرفاقها على الصفحات الشخصية لمواقع التواصل الاجتماعي لكلا الطرفين وشاركها الجميع. عودة للحاضر *** وصل بدر منزله. أدخل سيارته في مكانها المخصص وترجل منها يلتقط أكياس الطعام التي ابتاعها في طريقه. صعد الدرج يسحب أنفاسه ويهدأ من قلبه المتألم. وصل أمام الشقة الثانية وطرق بابها.

بعد قليل فتحت له ريحانة تبتسم له بهدوء. بادلها فأفسحت له المجال ليدلف. دلف يتطلع على المنزل من حوله بتعجب ثم نزل بنظره إليها يردف متسائلاً: "أنتي اللي نظفتي هالمكان؟ أومأت له بهدوء وأردفت وهي تجلس أرضاً: "إيه يا بدر… بتعرفني ما بقبل أضل بمكان مانو نظيف… هيك أنا بكون مرتاحة أكتر… إنت لوين رحت." تنهد بعمق ثم نظر للأكياس في يده واردف وهو يضعها على الطاولة بهدوء:

"رحت أجيب أكل… أكيد إنتوا جوعتوا وما لقيتوا فوق… يلا نادوا ع أمي حليمة وتعوا لحتى تاكلوا." أومأت له وزحفت تنادي السيدة حليمة بينما نظر بدر لأثرها بتعجب. لم يعقها عائق مثل ما هي. هي فعلاً قوية وذو مبادئ عظيمة. تنهد بعمق عندما مر على عقله صورة معذبته. زفر بضيق وألم ثم وضع صنية الطعام أرضاً ورص عليها ما ابتاعه ثم وقف ينتظرهما. خرجت ريحانة وخلفها حليمة تخطو بهدوء وتنظر للأطعمة وهي تسعل. نظر لها بدر ثم أردف بترقب:

"أمي حليمة حضري حالك الصبح بدك تيجي معي ع الطبيب… ما بيصير هيك." هزت حليمة رأسها تردف بصوت لاهث: "لا حبيبي… لا طبيب ولا حبيب أنا بعرف شو عندي… أنا معي تلف الكبد الله يحفظك يارب انت والسامعين… يعني حالتي معروفة وعندي أدويتي… ما تحمل همي حبيبي قلتلك أنا." حزن لأجلها. كان يظن أنه يستطيع مساعدتها ولكنه أردف بهدوء: "ماتقلقي… كل شئ له علاج هلا… وإن شاء الله بتتعافي يا أمي." أومأت له فاردف وهو يتحرك: "طيب إذا بدكم شي تاني؟

هزت ريحانة رأسها مردفة بهدوء: "لا تسلم." أومأ وكاد يغادر فاوقفته حليمة متسائلة: "ما رح تاكل مع ريحانة؟! توقف يطالعها بينما أردفت ريحانة بحدة قليلة: "أمي حليمة بدر بيته فوق… وزوجته أكيد عم تنتظره اتركيه يطلع." أومأت حليمة بتعب بينما عاد بدر يردف بهدوء وهو يطالع ريحانة: "لا ريحانة ما تحكي هيك… ما إنتي كمان مرتي وهادا بيتي… أنا قلت هيك لأنو يمكن ما تاخدو راحتكن بوجودي… أصلاً قمر اليوم مانا فوق… باكل طبعًا معك."

ابتسمت ريحانة بهدوء وشرود (هل اسمها قمر! . وبالفعل جلس بدر أرضاً واقتربت ريحانة من الطعام بينما جلست حليمة بتعب تردف بهدوء: "أنا لي أكل خاص بالله لا تؤاخذني… رح آكل بس من هدول (الجبن القريش والخبز والعصير) أردف بدر بأسف: "بعتذر منك أنا إذا بعرف كنت جبتلك أكل خاص." أومأت حليمة تردف بحنو: "بعرف حبيبي بعرف… يلا كُل وما تهكل همي." بدأوا يتناولون الطعام بينما بدر يأكل دون أدنى شهية ولكن فقط خاطر ريحانة. بعد حوالي نصف ساعة

صعد بدر شقته. دلف وأغلق خلفه واتجه يجلس ويضع محتوياته على الأريكة بإهمال. يتطلع للمنزل الخالي من وجودها. مهجور هو لا روح فيه ولا نور. أغمض عينيه يسحب أنفاسه بعمق. وقف بعد دقائق تأخذه قدماه إلى غرفتها. دلف يتطلع على أركانها وزواياها. اتجه إلى فراشها وجلس عليه يتحسس بيمناه مكان نومها. تناول وسادتها ثم قربها من أنفه بترقب. أغمض عينيه يستمتع برائحتها التي يعشقها. يسحبها بعمق ليسكنها في رئتيه. تمدد على فراشها يعانق الوسادة ويغمض عينيه ولكن عقله عاد للوراء إلى اليوم الذي دخلت فيه هذا المنزل.

عودة للزمن قبل 10 أسابيع *** دلف بدر الشقة يفسح لها المجال مردفاً: "اتفضلي." نظرت له بغضب وكره ودلفت تتطلع على الشقة بحنق. أثاثها مرتب وهادئ يمتاز بالذوق الرفيع ولكنها تبغضه. التفتت إليه تردف بحدة لازعة: "فين أوضتي هنا… ولا فين قبري؟! تنهد بعمق يطالعها ثم أشار لها إلى إحدى الغرف مردفاً: "أوضتك اللي هناك دي."

سحبت نفسها واتجهت إلى الغرفة التي أشار إليها. دلفتها وأغلقت خلفها بقوة ثم التفتت تتطلع عليها بهدوء. لا تنكر إعجابها بها ولكنها تظل مقبرة بالنسبة إليها. كانت ترتدي فستان هادئ لونه أبيض يتناسب مع الحفلة التي أقيمت اليوم في المطعم. رفعت طرفه بترقب وتناولت الهاتف الذي كانت تخفيه في خصرها ثم نظرت للأمام وأردفت بتوعد وتمرد: "اصبر عليّ يا بدر يا شامي… إن ما عرفتك مين هي قمر وخليتك تطلقني خلال أيام مبقاش أنا."

اتجهت على الفراش تجلس فوقه ثم نظرت للهاتف في يدها وفكرت هل تراسل خالد أم لا. فهو منذ ذلك اليوم وبعد ضرب بدر له وهو لا يراسلها يبدو أنه غاضب منها. ولكن هي ليست مذنب. هي ظلمت مثله. هكذا تعتقد. أما بدر فاتجه لغرفته ومنه للمرحاض يغتسل ثم خرج يؤدي فرضه ثم تمدد فوق فراشه يتنهد بعمق ويفكر. هل حقاً ما يحدث الآن! هل أصبحت زوجته وتنام في منزله؟ هل من كان يحلم بها ويظن أن حلمه مستحيل تنام الآن ويفصلهما حائط فقط!

أغمض عينيه ثم أردف معنفاً: "فوق بدر… فوق هي هلأ عم تكرهك." عودة للحاضر *** فتح بدر عينيه مجدداً يردف بهمس: "ما بعرف قديش بدو يضل هالألم بصدري… ما فيني قمر… ما فيني كون سعيد بدونك." *** في الأسفل تجلس ريحانة مع حليمة تردف بعتب:

"أمي حليمة… أنا بعرف شو عم تعملي… بس إذا إلي خاطر عندك ما بقى تخجليني قدام بدر… بدر هلأ له بيته ومرته وحياته… بالأساس أنا ما كان لازم أبقى هون بس شو بدي أقول لك يا أمي… إنتي بتعرفي إنه أنا تنازلت عن حقوقي بإرادتي أمي." تنهدت تهدأ من حالها ثم تابعت بهدوء: "بعرف إنه إنتي سويتي هيك كرمالي… وبعرف إنه بدك ياني أكون سعيدة بس صدقيني أنا هيك مرتاحة… ما رح أكون سعيدة بتعاسة غيري." سعلت حليمة بهدوء ثم اردفت متسائلة:

"كيف حبيبتي! … كيف بدك تكوني مرتاحة وإنتي بتعرفي إنه اتجوز غيرك؟ … هاد حب عمرك ريحانة وإنتي بالأساس مرتو الأولى وبنت عمه… إذا سويتي هيك بتكوني عم تظلمي حالك وتخالفي شرع الله." بكت ريحانة واردفت وهي تتطلع على ذاتها: "منشان الله أمي ما بقى تحكي هيك… بدر حب عمري بس أنا ماني حب عمره… بدر اتجوزني وأكرمني كرمال خاطر بيي وعمي… وهاد الشي أنا والعيلة بنعرفه من زمان كتير… إنتي ما عم تشوفي حالتي!

… كيف بدك ياني أطالبه بحقوقي بعد هالعمر وهالوضع! … وأنا بالأساس اللي تركته واتنازلت عن حقوقي… أنا ما بدي شي أمي غير إنه يضل بخير… هاد عندي بالدني… بس حالي ما عم فكر فيه بنوب… أنا هيك منيحة كتير… واصلاً أنا كنت متأكدة إنه اتجوز… لهيك ما تخربي علاقته بمرته كرمالي… وإلا بحمل حالي وبمشي أمي وبروح أعيش بأي دار رعاية… كرماااال الله ما بقى تعذبيني… أنا هيك بدي وما رح أكون مرتاحة إذا رجعلي." تنهدت حليمة بحزن ثم أردفت بهدوء:

"خلاص حبيبتي… ما بقى أخجلك قدامه… وإذا إنتي مرتاحة هيك أنا ما بيطلع لي قول شي." *** بعد مرور أسبوع في شقة ياسر يقف في الصالة يتحدث مع ابنه نادر مردفاً بحدة: "نادر… خد لك راجع بقى… اللي حصل قبل كده راح لحاله خلاص… أختك دلوقتي رجعت بيتها واصلاً جوازها من بدر كلنا كنا عارفين إنه مؤقت." أردف نادر بتهكم: "طب افرض يا بابا رجعت تكلم الكلب ده تاني!! شرد ياسر قليلاً ثم أردف بهدوء:

"لا يا نادر… أختك عرفت حقيقته خلاص… المهم إنت ملكش دعوة بيها يا نادر." نظر لوالده باستنكار ثم أردف وهو يغادر: "ماشي يا بابا." غادر هو بينما وقف ياسر يفكر في حال ابنته الذي تبدل تماماً. فمنذ أن أتت وهي نائمة معظم الوقت. لم تتناول إلا القليل جداً. ملامحها بهتت وأصبحت حتى التلفاز لا تشاهده. وحتى بدر لم يظهر ولم يأتِ إلى المطعم من وقتها وعندما يهاتفه يتحجج بزوجته العائدة حديثاً.

وقف يتجه إلى غرفتها. طرقها وفتح ليدلف ولكنه تفاجأ بها تصلي. انفرجت ملامحه بسعادة ودلف يجلس على المقعد ينتظرها. انتهت بعد دقائق ووقفت تلملم سجادة الصلاة وتضعها على ظهر المقعد ثم نظرت لوالدها بملامح مرهقة وأردفت بهدوء: "فيه حاجة يا بابا؟ نظر لها مبتسماً ثم أردف بحنو: "تقبل الله يا قمر." ابتسمت له وأردفت وهي تجلس أمامه: "منا ومنكم يا بابا." تنهد يردف بترقب: "مالك يا قمر؟ توترت نظرتها ولفت في الأرجاء تردف:

"مالي يا بابا… أنا كويسة أهو." نظر لها بشك يردف بعيون ضيقة: "هتخبي عني؟ … هو أنا مش عارفك! … من وقت ما جيتي من عند بدر وانتي في حالة تانية خالص… دايماً ساكتة ونايمة والأكل مبقتيش تاكليه… حتى الأفلام الأجنبي اللي كنتي بتحبيها بطلتي تشوفيها… قوليلي فيكي إيه؟ نظرت له وقد سقطت عبراتها الدافئة. مدت كفها تزيلها على الفور وأردفت وهي تبتعد بنظرها: "أنا كويسة يا بابا… بجد كويسة." فكر قليلاً يطالعها بعمق قبل أن يردف بترقب:

"انتي بتحبي بدر؟! رفعت عيناها المتسعة تطالعه بصدمة وقد توقفت عن الحركة وتوقفت عيناها عن البكاء. أومأ ياسر مؤكداً وهو يطالعها: "باين أوي في عيونك يا قمر." تحشرج صوتها وأردفت بقلبٍ ملتوي معذب وهي تبعد عيناها عن والدها: "إيه اللي انت بتقوله ده يا بابا!! تنهد ياسر يبعد ناظره عنها ثم عاد واردف: "بقول اللي شفته وحسيته يا قمر من وقت ما جيتي… بقول اللي كنت بتمناه لبنتي الغالية من زمان."

وقفت على حالها تلتفت وتواليه ظهرها مردفة بتوتر وألم يفتك بقلبها: "مينفعش يا بابا… أنا وبدر كل واحد راح لحاله وهو خلاص مراته رجعتله ونسيني." ابتسم ياسر يومئ ثم وقف وأردف بترقب: "لو إنتي شايفة كده يبقى تمام يا قمر… بس وضعك ده لازم يتغير… لازم تكملي حياتك وجامعتك من مكان ما وقفتي… وأنا معاكي ومش هتخلي عنك المرة دي."

التفتت تطالعه ثم ابتسمت له بهدوء تومئ بصمت. تركها وغادر الغرفة ينوي الاستعداد للذهاب إلى عمله وهو متأكد أن ابنته دق العشق الحقيقي قلبها. *** عند بدر يجلس حبيس شقته منذ أن غادرت. يشعر بالتخدير في جسده بالكامل. يفكر في تلك الليلة وأحداثها. الأمور تتضح أمامه رويداً رويداً. يؤنب حاله كان عليه أن يسمعها! ربما كان هناك أمر ما يعيدها إلى حياته الذابلة.

ينزل أحياناً عدة مرات ليطمئن على ريحانة وحليمة ويلبي طلباتهما. يصعد شقته ويدلف غرفتها يظل بها مستيقظاً إلا أن يغيب القمر فينام. لاحظ البعد الذي تتعمد ريحانة إحداثه. كلما حاول التحدث أو النظر إليها تتعمد الرد باختصار. احترم رغبتها وقرر الانتظار حتى تعتاد على الوضع.

ها هو يقف في مطبخه بجسد مرهق وملامح حزينة يُعد لنفسه فنجان القهوة الخمسمائة. وقف أمام الموقد ينتظر تسوية قهوته ولكن أخذه عقله إلى ذكرياتها عندما كان يكمشها هنا في هذا المكان تأكل سراً معتقدة أنه لا يراها. خرج من شروده على فوران قهوته مما جعله يزفر ويغلق الموقد معنفاً ذاته يردف بهمس: "شو بدر! … رح تضل هيك يا رجل؟!

ترك المطبخ واتجه يجلس في الصالة قليلاً ثم لفت نظره الهاتفان الموضوعان بإهمال على الأريكة. لقد نسي أمرهما تماماً. مد يده يتناولهما ثم نظر لهما بغضب. أحداهما خاص بقمر والآخر ملكاً لهذا الحقير. نظر لهاتف قمر بترقب فوجده مغلق يبدو أن بطاريتهما قد نفذت. وقف على حاله يتجه لغرفته ثم وضع الهاتف في شاحن الكهرباء وحاول تشغيله مجدداً وبالفعل فُتح الهاتف وهو ينتظر بترقب ولكنه تفاجأ من عدم وجود رمز سري أو حتى بصمة له.

نظر به يبحث عن محتوياته بترقب. بحث في سجل المكالمات فوجد رقم يحمل اسم ذلك الجبان وبجواره علامة التسجيل الصوتي فعلم أن هذا الهاتف يسجل المكالمات. بدأ يستمع إلى آخر المكالمات بعيون متسعة لا يستوعب ما يسمعه. بدأت الصورة تتضح أمامه كاملة وهو يستمع وعقله يردف بتشتت (هل كان يبتزها!!

أغلق المقاطع واتجه يتصفح الواتساب بيدٍ متصلبة كقلبه ثم رأى الصور التي أرسلها إليها يهددها بها إن لم تذهب إليه. اسودت نظرته وأردف سباباً لاذعاً ينعت به هذا الحقير. خرج من حالته على صوت صراخ حاد آتياً من الأسفل. أحداهما تستنجد مردفة بصراخ: "لاااااا فيقي أمي حليمة فيييقي بترجااااكي."

تنبهت حواسه وخرج من صدمته تاركاً الهاتف مكانه. يركض مسرعاً يفتح الباب وينزل الدرج حتى وصل إلى الشقة التي تقطن بها ريحانة. طرق عليها بقوة ففتحت له ريحانة بعيون مليئة بالدموع وهي تدرِف بصراخ وهستيرية: "أمي يا بدر… أمي حليمة ما عم تفيق."

دلف بدر للداخل مسرعاً إلى غرفة حليمة فوجدها ممتدة على الفراش مغمضة العينين دون أي حركة وهناك بقعة دماء تدفقت من فمها. أسرع إليها يدنو منها ليتأكد ولكن لا نفس ولا نبض. نظر لريحانة التي تنتحب بشدة واردف بحزن وصدمة: "رح آخدها ع المشفى هلأ."

بالفعل ركض مسرعاً للأعلى يحضر مفاتيح سيارته وهاتفه ثم نزل لأسفل يخرج السيارة من مخزنها وفتح بابها وصعد مجدداً يسرع خطواته ثم اندفع إلى الداخل يدنو من جسد حليمة ثم وضع ذراعيه أسفل جسدها وحملها مسرعاً ونزل بها الدرج بينما تتبعه ريحانة زاحفة أرضاً ببكاء وعويل فأوقفها قائلاً: "ريحانة ما فيكي تيجي… ضلي إنتي هون." هزت رأسها واردفت مترجية: "مشان الله بدر ما بقدر… بجى معك وبضل بالسيارة."

هز رأسه ونزل مسرعاً يدخل جسد حليمة في الخلف بحذر واستطاعت ريحانة الصعود بمساعدته بجانبها ثم استقل هو الآخر مكان القيادة وانطلق إلى أقرب مشفى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...