ها هو قلبي يحترق بالنار التي أشعلتها. أنهل يكفيك هذا العذاب واستئصال الروح لتغفر؟ عبرت قمر الرصيف بقلبٍ ممزق وهي ترى ابتسامة النصر على شفتيه وملامحه التي لا أول مرة تلاحظ قذارتها. وصلت إليه ونظرت له تردف بتهكم وغضب: _فين الميموري اللي عليه الصور؟ نظر لها بخبث واردف وهو يشير إلى سيارته بيده: _طيب اركبي الأول يا بيبي… مش معقول هنتساوم هنا على الطريق؟ نظرت له بكره ثم لفت للجهة الأخرى تستقل السيارة كذلك هو. تركت بابها
مفتوح ونظرت له بكره مردفة: _إزاي كنت عمياء وغبية وصدقتك… إزززاي؟ … إزاي وثقت فيك وما شفتش حقيقتك طول الفترة دي كلها؟ … أنت إيه يا أخي… بتعمل ليه كده؟ ضحك يطالعها بشماتة مردفاً بغل واشمئزاز: _مرض!!! أنا مريض ومهووس بصور البنات الحلوة… شوفتي!
… أدي جزاء اللي ما يسمعش كلمة بدورة يقولها…. وده يثبت لك إني ممثل بارع… ده أنا حتى بفكر أقدم في دور بطولة… بس تعرفي شهادة حق… أنتِ أكتر واحدة تعبتيني طول السنتين دول… كل البنات اللي عرفتهم وقعوا من أول شهر إلا أنتِ… دوختيني أوي وكنت خلاص قربت من هدفي بس جه الكل*ب اللي اسمه بدر ده ولحقك… بس بصراحة تستاهلي السنتين اللي ضيعتهم معاكي…. لأني قدرت أفوز بقلب قمر القوي… اللي شباب المنصورة كلهم يتمنوا نظرة منها… بس طبعاً خالد الوزير طماع شوية… مش عايز نظرة… عايز لمسة.
لم يكن منها إلا نظرة كره واحتقار ثم قامت بالبصق على وجهه بقوة. فتفاجأ وأغمض عينيه يمسح وجهه بظهر يده. فتح عينيه وأشار بيده يحركها مردفاً بغل وغضب وتوعد: _هاتي الموبايل اللي معاكي. احتضنت حقيبتها واردفت بجسد مرتعش: _هات صوري كلها الأول. أومأ يردف وهو يتطلع على باب السيارة بخبث: _تمام اقفلي الباب. نظرت له بخوف ثم هزت رأسها واردفت بجرأة مزعومة: _مش هقفل… قلتلك هات الصور كلها اللي معاك وإلا مش هيحصل كويس.
ضحك بخبث ثم أخرج من جيبه هاتفه وأداره أمام وجهها يردف بغل وتوعد: _شوفي! … ضغطة واحدة وصورك كلها هتنزل حالاً على النت… يعني أنا هنا اللي بتشرط من أنتِ… ولما أقولك تقفلي الباب يبقى تسمعي الكلام يا حلوة. نظرت له بقهر وقد أدركت ما أوقعت ذاتها به… احتضنت حقيبتها بقوة أكثر ثم مدت يدها الأخرى تغلق الباب وعيناها مسلطة عليه. أما هو فبمجرد إغلاقها للباب قام بقفله بزر التحكم عن بعد مما جعلها ترتعب وتنظر له مردفة:
_هات الميموري وخليني أمشي من هنا. قلت لك وإلا مش هيحصل خير. رفع حاجبيه باستنكار يردف بابتسامة صفراء: _خير إيه بس يا قمرى… ده الليلة خسوف القمر… يعني الشر كله. انقبض قلبها وحلقها وابتلعت لعابها برعب وقد بدأت يداها تتجه لداخل حقيبتها لتنهي هذا الأمر دون التفكير في عواقبه ولكنه لاحظ حركة يدها فقام بنزع الحقيبة من بين يديها بقوة واردف وهو يلتقطها لعنده: _إيه يا حلوة بتفكري تعملي إيه؟
تملكها الخوف وتصاعد الأدرينالين بسائر جسدها وأصبحت لا ترى إلا وهي تهجم عليه بشراسة وتحاول نزع الحقيبة من يده مردفة بغل وقهر: _هقتلك يا حي*وان يا زبا*لة… هقتلك وأريح الناس والدنيا كلها منك. أما هو فبدأ يصفعها ويدفعها لتبتعد مردفاً بشر وغل: _وريني هتقدري تعملي إيه يا ****.
صفعها بقوة جعل جسدها ورأسها يرتطم للخلف… أصبحت الرؤية ضبابية لديها… هزت رأسها بعنف لتستعيد وعيها بزعر فأن غفت فقد ضلت للأبد… وقد ندمت الآن على تصرفها الأحمق عندما أتت إليه. أما هو فطالعها بكره وبصق عليها وهو يخرج هاتفها من الحقيبة وقد رأى السكين الذي أخفته فاخرجه يتطلع إليه باستنكار ثم نظر لها مردفاً بخبث وابتسامة صفراء خبيثة: _هي دي بقى اللي كنتي هتقتليني بيها! … دي اللي ناوية تخلصي على خالد الوزير بيها!!!
… تمام… اصبري عليا. ترجل من سيارته يوصدها خلفه ثم قام بإلقاء السكين بقوة ذراعه في النهر الذي يبعد عنهما أنشات قليلة. أخرج هاتفه وطلب رقم أحدهم مردفاً بترقب: _ها عملت إيه! … جهزت المكان؟ أردف الآخر بترقب: _لسة.. بظبطلك الدنيا.. اديني نصاية بس. أردف خالد بغضب وصوت حاد: _نصاية إيه يا متخلف… البت معايا وإحنا على الطريق… انجز قبل ما حد يلاحظ. أردف الآخر باستنكار: _جرا إيه يا خالد ما تهدى شوية!
… الحق عليا بحاول أخفيلك الكاميرات اللي في المنطقة هنا علشان كله يبقى تمام. أردف الآخر بغضب: _طب انجز. أغلق معه ونظر للتي تضرب على الزجاج بحدة وتحاول فتح الباب وابتسم لها بتشفي فالطريق أصبح خالياً وقد اختار تلك المنطقة متعمداً لخلوها من كاميرات المراقبة. *** عند بدر الذي ناداها ولم تجب. تجه مسرعاً إلى غرفتها وفتحها يبحث عنها وينادي بقلبٍ ممزق رافض ومستنكر فكرة رحيلها يردف بصوت مهزوز مشتت: _قمر أنتِ فييين!!
نظر من حوله… ملابسها كما هي وجميع أغراضها مكانها… إذاً أين هي! … هل فعلتها! … هل فعلتها وسحقت قلبه وروحه معها!!! … هل هربت مع الحقير؟!!! نفض رأسه بقوة لا يريد لعقله أن يفكر هكذا… قلبه مستنكراً لفعلتها ذاك… أخرج هاتفه من جيبه وقام بفتحه… فُتح الهاتف بعد دقيقتين ولكنهما بالنسبة إليه كدهرٍ كامل. كاد أن يهاتف ياسر فهو لا يملك لها رقماً ولكنه وجد رسالة اتصال آتية من رقم غير مسجل فاخبره قلبه أن هذا الرقم ربما لها.
طلب الرقم بترقب وانتظر الإجابة بأنفاس لاهثة. على الجهة الأخرى رن الهاتف في يد خالد فنظر إليه وجده مسجل باسم بدر. ضحك بخبث وانخفض يتطلع لتلك المسكينة عبر زجاج السيارة ويلوح لها بالهاتف أمام عينيها مردفاً بتشفي: _حبيب القلب بيتصل… إيه رأيك نكلمه فيديو ونوريه المنظر الجميل ده؟ وبالفعل أغلق الاتصال ثم أعاده بمكالمة فيديو… أجاب بدر على الفور وهو يتطلع عبر الشاشة ولكن تجمدت أطرافه وهو يرى هذا الوجه الذي يبغضه.
ضحك خالد بشماتة وتشفي في وجه بدر واردف وهو يلوح بيده: _إزيك يا بدووور… أومال قمر فين؟ انقبض قلب بدر وجف حلقه واستودت عيناه وهو يطالعه بغضبٍ مدمر… أما الآخر فحرك الهاتف باتجاه قمر وهي بداخل السيارة منكمشة على نفسها برعب. نظرت له عبر الهاتف ونزلت عبراتها تهز رأسها بصمتٍ تام وكأن الكلمات جميعها نفذت فلم يعد لسانها قادراً على النطق… كل ما فعلته أنها تهز رأسها وتبكي بصمت وتطالعه بعيون نادمة وقلبٍ تم سحقه.
رفع خالد الهاتف مجدداً ولكن بدر عيناه كانت تنظر لشيءٍ آخر قد لاحظه بالرغم من غضبه المدمر الذي يحكمه بصعوبة بالغة وهو يكور قبضته التي أصبحت كالمعدن. أردف خالد بتشفي وغل: _زي ما شوفت يا بدر باشا… مراتك جتلي بإرادتها وهى معايا دلوقتي وكلها دقايق وتكون ملكي… أنا لو منك كنت قتلتها… بس معلش كفاية أوي الدرس اللي خالد الوزير علمهولك… علشان بعد كده تفكر مليون مرة قبل ما تمد إيدك عليا… ووريني بقى هتنجدها من تحت إيدي إزاي!
ضحك له بتشفي وعاد يوريه هيأتها وهي تبكي داخل السيارة ثم أغلق الهاتف تماماً ووضعه في جيبه ثم انفجر ضاحكاً بانتصار وتشفي وهو ينظر لها عبر النافذة… أما هي فكانت تطالعه بصمت تام متكورة على نفسها… يبدو أنها استسلمت الآن… سقطت في بئر لا يصل ضوء الشمس إليه… سقطت وتحطمت وانتهى الأمر… فلا منجد هنا ولا سبيل… الطريق خالي تماماً وكأن العالم انقرض من حولها…. والسلاح الوحيد الذي تمتلكه أصبح في أعماق النيل… الإنسان الوحيد الذي سينجدها مؤكد بعد تلك المكالمة لن يتحرك خطوة لأجلها.
أما بدر فتحرك راكضاً للأسفل تسبقه دقات قلبه العنيفة وعقله يهيئ له أبشع السيناريوهات… طرق باب الشقة الموجود بها ريحانة ففتحت له تتطلع عليه فنظر لها حيث تجلس واردف معتذراً بملامح قاتمة وتشتت: _رح غيب شوية… منشان الله ما تؤاخذيني… ساعة وبرجع. قالها وغادر مسرعاً فتعجبت ريحانة وأغلقت الباب تتطلع على حليمة التي تجلس بتعب وارهاق مردفة: _صار شي أكيد… بدر وجهه ما بيتفسر. أردفت حليمة بأنفاس متقطعة: _إن شاء الله خير يا بنتي.
أومأت ريحانة ثم تحركت للداخل لتبدأ في تنظيف المنزل بطريقتها.
أما بدر فاستقل سيارته وقاد بأقصى سرعة لديه متجهاً حيث ضفاف النيل… فبرغم غضبه المفرط الذي تملكه عند تلك المكالمة المرئية إلا أن سرعة بديهته وعقله الصائب جعله يميز بعينيه ما رآه… فالمكان الذي رآه في خلفية الفيديو والذي يظهر ضفة النيل والمزهرية الرخام العملاقة التي تصطف على الرصيف من خلفهما وبعض الأشجار كانت علامة كافية ليحدد المكان أو المحيط فهو يحفظ المنصورة عن ظهر قلب. ***
عند خالد الذي وقف يدخن إحدى السجائر بانتصار… ترى هل هو مريض أو غير واعٍ!! … فهو يتعامل مع الوضع وكأنه شيئاً عادياً وهذا ليس في صالحه. وقف ينظر لها تارة وينتظر اتصال صديقه بتلهف لما هو آتٍ… انتهى من تدخين سيجارته فرماها أرضاً وقام بدعسها بغل وانتصار ثم استقل سيارته بعدما فتح قفلها بجهاز التحكم عن بعد. نظر لتلك المتكورة على نفسها بيأس… طالعها بتعجب مردفاً بتشفي:
_مش مصدق إن اللي قدامي دي هي قمر… بس تعرفي انتي طلعتي ذكية… أصل لو صرختي وعملتي شوشرة فأنتِ وقتها هتكوني جنيتي على نفسك… وبعدين زي ما أنتِ شايفة… القدر بيساعدني… وما فيش مخلوق عدى من هنا لحد دلوقتي. نظرت له بكره وغل واردفت بضياع: _أنا خلاص مبقاش عندي حاجة أخسرها… أنا خسرت فعلاً… بس على جثتي تقرب مني. ضحك بقوة يرفع رأسه للأعلى ثم نظر إليها مردفاً وهو يتطلع على جسدها بجرأة:
_بيتهيألي انتي في وضع ميسمحلكيش تقولي كده… وبعدين يا حلوة متستعجليش على موتك… استني بس لما أخوكي يشوفك في الوضع الجديد وهو هيقوم بالمهمة دي. طالعته بكره تتمنى الانقضاض عليه والفتك به ولكنها مستسلمة تماماً وكأن جسدها شُل بالكامل… حالتها غريبة حقاً أما أنها تنتظر اللحظة المناسبة للهرب أو أن عقلها قد توقف عن التفكير… تحاول التحرك ولكنها حقاً لا تستطيع.
كان بدر يقود وعلى يمناه النيل… يقود بسرعة كفيلة أن تسجل له عدة مخالفات ولكنه لا يبالي. كل ما يتمناه الآن أن يلحق بها… كلمات هذا الحقير تتردد بداخله كالنار التي تلتهم الهشيم… (مراتك جتلي بإرادتها وهى معايا وكلها دقايق وتكون ملكي) تلك الجملة كألسنة اللهب المشتعلة في قلبه وصدره بأكمله… عليه اللحاق بها وإلا لا يعلم كيف سيتحمل هذا الألم. نظر للأمام يردف متمتماً برجاء:
_ياااارب… يااااارب بدي ألحقها من هاد الحق*ير وما بدي شي تاني. بدأت السيارة تخرج على الطريق السريع وهو يقود ويترقب الجانب الأيمن من طريقه بتمعن… الطريق شبه خالي في هذا الوقت من الليل… عيناه تبحث عنها فهذا هو المكان وهذا هو الرصيف والأشجار حتى المزهريات الرخامية العملاقة ها هي تصطف على الرصيف بمسافات متساوية فأين هي تلك السيارة اللعينة!!! ضرب الطارة بقبضته بعنف وبدأ الرعب يتآكله وهو لا يرى أي أثر للسيارة.
ظل يقود ويدعو ربه سراً أن يلحق بها.. انبعث الأمل بداخله وهو يرى طرف سيارة سوداء تصطف على اليمين… تنفس الصعداء وهو يقترب منها وقد تأكد أنها هي نفس السيارة.
لاحظ خالد سيارة آتية من خلفه عبر المرآة ووجدها تقترب فنظر للخلف واتسعت عينه بغضب وغل وهو يشغل المحرك ويقود بسرعة مردفاً سباباً لاذعاً جعل قمر تنظر إلى الخلف برعب ولكنها هدأت قليلاً وتسربت الحياة إلى أوردتها مجدداً حينما رأت سيارة بدر وهو بداخلها يحاول اللحاق بها وكأن روحاً ردت في جسدها بعدما فقدت أملها في النجاة. نظر لها خالد بغضب وهو يراها تنظر للخلف بأمل ودموع واردف بغل:
_مش هتلحقي… انتي سامعة… مش هتلحقي تفرحي… خالد الوزير مش هيخسر. أما هي فانحصرت نظرتها بينه وبين بدر في الخلف ثم تحلت بالجرأة وحُلّ قيد جسدها وبدأت تشتبك معه وتضربه بقبضتها حتى تشتت انتباهه ويستطيع بدر اللحاق به ولكنه كان يسدد لها اللكمات بقوة في رأسها ووجهها ويسب بغضب وألفاظ بذيئة وهو يقود بسرعة عالية.
رأى بدر ما يحدث مع قمر فاحتدت ملامحه أكثر ودعس على دواسة البنزين بقوة أكبر حتى استطاع اللحاق بسيارة ذلك الحق*ير وسبقها لبضعة أمتار ثم التف يحدث صوتاً عالياً بالإطارات ليتوقف بالعرض ويقطع عليه الطريق.
نظر خالد له برعب وقد أدرك أنه هالك بكل تأكيد.. نظر للتي بجانبه تطالعه هي بشماتة وانتصار تلك المرة برغم آلام جسدها وروحها فبادلها بغضب وبسبب جبنه وندالته وخوفه من الموت المحتوم قرر التوقف في آخر لحظة قبل الاصطدام بسيارة بدر. أسرع بدر يترجل من سيارته ويلتفت إليه متجهاً إلى باب سيارته يحاول فتحه ولكن الآخر يغلقه من الداخل ويطالع بدر برعب. صرخ بدر بغضب يطالعه بعيون مشتعلة وقوة: _اااافتح.
هز الآخر رأسه بزعر وقد تبدلت حالته تماماً من القوة والجبروت التي كان عليها منذ قليل إلى الزعر والاحتباس وكأنه شخصٌ مريض حقاً أو مجنون. بينما أسرع بدر إلى سيارته يتناول منها مطفأة الحريق ثم عاد إليه تحت أنظاره المرعبة ورفعها بيده ثم أسقطها على زجاج النافذة أدى إلى سقوطه متهشماً بقوة وتناثرت بعض القطع على وجه هذا الحقير الذي يخفيه خلف ذراعه بحماية وخوف.
لم ينتظر بدر فتح الباب بل سحبه من بين النافذة إلى الخارج بيده وقام بجره أرضاً حتى أوقفه وبدأ يسدد له اللكمات بقوة تحت أنظار قمر التي تتابع بعيون شامتة وابتسامة تشفي وكأنها انتصرت في معركتها برغم ارتعاشة جسدها. ظل يلكمه والآخر يحاول حماية وجهه وقد لمعت عينا بدر بوحشية مخيفة وهو يطالعه بغضب مردفاً بصراخ: _قرب منها مرة تانية… قرب وشوف شو رحساوي فييييك… ومن هلا بدك تحضر حالك للسجن… وخلي بيّك يخرجك إذا بيقدر.
ألقاه أرضاً ونزع منه ريموت السيارة ثم ضغط على زر الفتح واتجه للباب المكسور يفتحه ويتطلع إلى تلك القابعة بعيون غاضبة مردفاً: _انزلي.
فتحت بابها ونزلت مسرعة تتجه إليه فأمسك كفها وتناول حقيبتها التي لاحظها في السيارة ومر على جسد ذلك المتهالك ثم دنا منه يخرج من جيبه الهاتفان اللذان كان يحملهما وعبر من فوقه متناولاً كف قمر بين راحة يده ثم أدخلها السيارة واتجه للجهة الأخرى يستقلها معتدلاً يعود أدراجه ويترك خلفه جسد شاب مهلك سلك طريقاً خاطئاً في ابتزاز الفتيات عبر الإنترنت لأغراضه الدنيئة ومراهنات بينه وبين أصدقاء السوء للتلاعب بعقول المراهقات باسم الحب والوعود الكاذبة فبالطبع فعل مشين مثل هذا لابد أن يكون عقابه وخيم مثل هذا وأكثر.
أما قمر فظلت تتطلع على بدر الذي يقود بغضب متطلعاً للأمام بصمتٍ تام إلا من أنفاسه المتسارعة. حاولت التحدث وتحريك لسانها الجاف فأردفت بصوت مهزوز وترقب: _بدر! أغمض عينيه بقوة… الآن لا يريد سماع صوتها… كان يتمنى ندائها باسمه مجرداً دون ألقاب ولكن ليس الآن… ليس الآن يا قمر… لم يعد لديها مثقال ذرة من التفاهم والتقبل الآن لما فعلتيه. فتح عينيه يكمل طريقه متجاهلاً ندائها فقررت الصمت والانتظار حتى يصلا.
وقف هذا المدعو خالد بخطوات متعثرة يحاول الوصول إلى سيارته بوجه ملئ بالكدمات. وصل إليها واستقلها بألم في سائر جسده… وبدأ يقود لأبعد مكان يستطيع الاختباء فيه من نتيجة أفعاله. *** عاد ياسر منزله برفقة ابنه نادر الذي أردف بهدوء: _تصبح على خير يا بابا. أومأ وصعد نادر شقته ولم يخبر والده باتصال شقيقته به. بينما فتح ياسر باب شقته ودلف شقته… اتجه يجلس على أحد الأرائك بتعب يفكر في أمر ابنته… يشعر بالضيق لأجلها!
… قلبه يخبره أن هناك أمراً ما يحدث معها… فغياب بدر طول اليوم شيء غريب أقلقه… وما زاد الأمر سوءًا هو إغلاقه لهاتفه… هل يحادثها! تنهد ياسر ووقف يتجه للمرحاض ليغتسل ويؤدي فرضه ثم سيحاول مجدداً الاتصال على بدر وإن لم يجد سيذهب إلى منزله وليطمئن على ابنته ولينتهي هذا الأمر. *** نظرت قمر حولها بتعجب فهذا الطريق يؤدي إلى منزل والدها وليس منزل بدر!! تطلعت إليه بألم وقلبٍ مجهد وهي تردف بتساؤل مرعب: _بدر أنت هتوديني بيت بابا!
لاحظ انكسار صوتها ولكنه لم ينظر إليها بل أكمل طريقه إلى أن توقف أمام منزل ياسر واردف وهو يتطلع للأمام بجمود: _انزلي. نظرت له بحزن وانقباض في حلقها خرج كشهقة عالية فاغمض عينيه على أثرها يتابع بألم: _انزلي يا قمر. أردفت هي بصوت معذب لكليهما: _هتسيبني هنا يا بدر! … مش هتسمعني زي كل مرة؟ أغمض عينيه مجدداً وتنهد بعمق يهدأ من روحه المعذبة ثم أردف للمرة الثالثة بإصرار أكبر: _قولت انزلي يا قمر.
ترجلت هي بعدما فقدت الأمل في سماعه لها وترجل هو أيضاً يغلق سيارته ثم التفت إليها يمسك كفها كالطفل الصغير ويدلف بها إلى المنزل ومنه إلى الطابق العلوي حيث شقة والدها. طرق الباب وترك كفها ووقف ينتظر… فتح ياسر بعد ثوانٍ ونظر لكليهما بتعجب متسائلاً: _بدر! ..لف نظره لابنته فرأى وجهها الكدوم من أثر ضرب خالد لها فأردف متلهفاً وهو يسحبها إليه متناسياً تماماً الماضي: _قمر!!! … مين اللي عمل فيكي كده؟
ارتمت في أحضان والدها تبكي بقوة فصعق ياسر ونظر لبدر متسائلاً بينما هي تعلقت بوالدها لدقائق قبل أن يبعدها ويتطلع إليها بتساؤل مخيف: _مين اللي عمل فيكي كده! … عملتي إيه؟ أردف بدر عندما لاحظ غضب ياسر: _روّق أخي… روّق وأنا بخبرك. ابتعدت قمر تنظر لوالدها بخوف ثم وقفت تتطلع على بدر برجاء… عيونها تتوسل إليه أن يأخذها معه ولكنه أبعد عينيه عنها واردف بصرامة: _فوتى على أوضتك يا قمر.
التوت فمها لا إرادياً وأسرعت بالفعل إلى غرفتها دلفت وأغلقتها خلفها بينما نظر ياسر إلى بدر واردف متسائلاً بترقب: _قولي يا بدر إيه اللي حصل! … عملت إيه تااااني! ربت بدر على كتف ياسر واردف بهدوء: _أعد أخي وأنا بخبرك.
جلس ياسر وجلس بدر يتنهد بعمق ثم بدأ يخبره بما حدث معه طوال اليوم من بداية زيارة نسمة وحديثها عن خالد وصولاً إلى المكالمة التي أتته وخبر زوجته التي لم تمت متجنباً الجزء الخاص بخالد تماماً كأنه لم يكن بينما كان ياسر يستمع بذهول وصدمة. انتهى بدر من إخباره يخفض رأسه أرضاً بألم وروحٍ معذبة فأردف ياسر بصدمة: _يعني مراتك طلعت عايشة بعد السنين دي كلها. أومأ بدر بانكسار ثم أردف يطالعه:
_إيه أخي… بس خلي موضوع إجرى ده بيننا… تمام! … حتى قمر ما بتعرف. أومأ ياسر الذي ما زال في صدمته بينما شرد يفكر في أمر ابنته ثم تذكر وجهها فأردف متسائلاً: _طب وقمر مين اللي عمل فيها كده… أنت ضربتها؟ اتسعت عين بدر بذهول واردف باستنكار تام: _لااااا شو عم تحكي يا زلمة!!! … بتعرف عني هيك شي؟ ياسر رأسه ثم أردف بتشتت: _متزعلش مني يا بدر… بس أنا مستغرب. أومأ بدر واردف بشرود وغضب وهو يتذكر ضرب ذلك الحق*ير لها:
_بتعرف بنتك عنيدة وما بتقبل تطلع حالها غلطانة… ظلت تحوص وتلوص بالبيت وكسرت كل شيء بعد ما هالبنت اللي اسمها نسمة غادرت. تعجب ياسر فهذا ليس جواب مقنع لما رآه بوجهها ولكنه أومأ بصمت ثم نظر لبدر واردف بتشتت: _يعني كده خلاص يا بدر… أنت وقمر بنتي خلاص!
… أنا عارف إني جيت عليك بقراري بس أنا شفت فيك الأنسب ليها… لكن بعد ما موضوع زوجتك ده ما أقدرش أقول حاجة تانية… لو ضغطت عليك وطلبت منك تفضل قمر على ذمتك وقتها هكون أناني أوي… علشان كده يا بدر أنا هسامحها… المهم تكون عرفت غلطتها وفهمت إن اللي عملته قبل كده ده غلطة العمر ولازم تتعلم منه. نظر له بدر بترقب ثم أردف بجدية:
_اسمع أخي… صحيح إنه هاي غلطة العمر… بس مو قمر لحالها الغلطانة هون… أنت كمان كنت خطأ… حريتك الزايدة الها خطأ… دلالك المفرط الها خطأ… ما فيك تكون قاسي بعنف ولا حنون بضعف!
… فيك تمسك العصا من المنتصف… فيك تدلل مرة وتعاقب مرة… فيك تطيع مرة وترفض مرة… فيك ترافقها أخي وتتفاهم معها كل يوم وبتسألها كيف مر يومها… ومو أنت بس… كمان نادر بدو يكون أخ يعتمد عليه… ما بيصير كل شيء بالعنف… فيه يكون دعم الها وبدك تفهمه هالشئ منيح أخي ياسر. أومأ ياسر برأسه منكسرة خجلاً… فبدر محق تماماً في حديثه… هو مخطئ بقدرها… بل هو المذنب من البداية.
سحب بدر نفساً قوياً يهدأ به نيران روحه وصدره المشتعل… انتهى طريقهما سوياً… انتهى قبل أن يبدأ… لم ولن يستطع غفران ذهابها إلى ذلك الند*ل بإرادتها بعدما أعطاها ثقته كاملة… ليس متفهماً كفاية لتقبل ذلك… هو رجل عاشق غيور وذو كبرياء إلى أبعد الحدود… لن يتقبل فعلتها تلك أبداً. وقف بدر يردف بترقب وقهر داخلي يشعر بروحه تفارقه: _فيني أدخلها قبل ما أمشي!
أومأ ياسر بتفهم فخطى بدر لغرفتها يطرق الباب ثم فتحه ودلف… وجدها متكورة على نفسها تجلس فوق فراشها وصوت شهقاتها واصل إليه. خطى باتجاهها حتى توقف أمامها يطالعها بألم وعشقٍ وعذاب… تنهد بعمق واردف بترقب وجمود ظاهري:
_أنا حكيت لياسر كل حاجة… ما عدا طبعاً الجزء اللي حصل من شوي… قلتله على رفيقتك في الجامعة والكلام اللي قالتهولك… وقلتله إنك فهمتي كل شي… تقدري تطمنيني هو هيسامحك… وإذا سألك عن كدمات وجهك بتقوليلوا إنك وقعتي بالبيت. رفعت رأسها تنظر له ثم أردفت بحزن وانكسار وعيون حمراء كعصير الرمان الأحمر: _وليه ما قولتلوش على اللي حصل؟ … ليه بتحميني؟ نظر لها بعيون ضيقة ثم أشاح نظره عنها واردف بهدوء عكس نيرانه المشتعلة:
_مش عايزة يتصدم… هو مش هيتحمل ألم زي ده. أغمض عينيه مجدداً يتحكم في شعوره الذي يراوده عند نطق اسمه مجرداً من بين شفتيها ثم تطلع إليها يردف بترقب: _سمعتك يا قمر قبل كده…. سمعت وما شفت… والنهاردة شفت ومش هاسمع.
نزلت دمعة حارقة على وجنتيها وانقبض حلقها تبتلع المرارة التي تكونت به ثم أومأت بصمت مستسلمة ووضعت رأسها بين قدميها تستكين بهدوء تام فقد فهمت أنها خسرته وفات الأوان… فهمت الآن أنها كانت تسكن النعيم ولم ترضى وتمردت حتى سقطت في قاع الجحيم. بينما هو تطلع عليها للحظات… لثوانٍ… لدقائق… يحفظ هيأتها هذه بداخله… شيئاً ما في قلبه يخبره أن لا يرحل ولكن عقله رفض تماماً… كبرياؤه لن يقبل… أردف قبل أن يخطو للخارج مسرعاً:
_أنتِ طالق يا قمر. غادر وتركها على حالتها تلك لا تبكي لا تهتز ولا تتحرك بل ظلت كما هي وكأنها غادرت هذا العالم بأكمله. أما هو فخرج للصالة حيث يجلس ياسر ينتظره ويفكر في حديثه… تنهد بدر يطالعه بصدرٍ متصلب وانفاس بطيئة بترقب مردفاً: _دير بالك عليها أخي… ما تخلي نادر يقرب منها… وبدك تساوي متل ما قولتلك.
أومأ ياسر بصمت ثم اندفع بدر يغادر بجسده فقط أما قلبه يقطن في الداخل معها… استقل سيارته ليعود إلى بيته ليرى ماذا سيفعل من زوجته العائدة بعد زمن والذي من أول يوم كان مقصراً لحقها ولكن ما حدث لم يكن في حسبانه… ما هذا المصير يا ربي… مال قلبي هذا! ..أو لم تكتب له الراحة يوماً… أو لم يطمئن أبداً! …. استغفر ربه متألماً…. لا يعلم كيف سيحيى وستمر أيامه بدونها!! لا يعلم كيف سينام تلك الليلة التي لم تكن هي بمنزله فيها!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!