الآن فقط ستتبدل الأدوار. أنا رجلٌ جئتُ من الدمار… دفعتُ ثمن كؤوس الألمِ والمرار. وقع قلبي بين قبضتك القاسية فاعتصرتيه دون رحمة، واسكبتِ عليه النار دون عيار. تفهمت… وتألمت… وتحملت… بل وتضخم القلب بكِ وكأن سكان الأرض أنتِ. فماذا جنيتُ!! دعيني أخبركِ أنه،،، الآن فقط ستتبدل الأدوار. ما زلنا في الماضي، قبل شهرين وبضعة أيام. أردف ياسر جملته، فتصنّم جسد بدر وقمر كليهما، ونظرا لبعضهما بذهول. أردف بدر بصدمة:
_شو هالحكي أخي… روّق شوي واهدى. ياسر رأسه يردف بقلة حيلة: _لو أنا هديت، نادر مش هيهدى… بعد اللي عملته مبقاش عندي طاقة أشوف في وشها ولا أبص في وشك الناس. رفع رأسه ينظر إلى بدر بأسف ويردف: _عارف إني باجي عليك بقراري ده… بس لازم أبعدها عن هنا، عندك آمن مكان ليها… عشان خاطري يا بدر، مترفضش… لفترة بس… لما الموضوع يتنسى… أنا بقالي يومين منمتش يا بدر وخايف.
كان كل هذا يحدث أمام قمر، التي تنظر وتتابع بصمت تام، لا تستوعب ما قاله والدها. نظر بدر لياسر بتشتت: أهذا تدبير القدر! … أهذه هي الطريقة التي ستجمعه بها!! … لماذا! …. كيف له أن يتحمل ذلك! … لما هذه الطريقة المؤلمة!!! لماذا يعتصر ياسر قلبه بقبضته دون أن يشعر؟! أردف ياسر مترجياً للمرة الثانية: _متفكرش يا بدر… لو فكرت مش هتقبل… وافق عشان خاطري. لم تعد تحتمل. أردفت هي بألم واستنكار، ذاهلة: _باباااا! … أنت بتعمل إييييه؟!
… أنت أكيد مش بتتكلم جد!! …. بابا أنا مغلطتش صدقني… أنا مظلوووومة. نظر لها ياسر بغضب وأردف معنفاً: _مظلومة! … طب والصور اللي نزلت ع النت دي متفبركة؟! … مرواحك معاه بيته محصلش!! … ركوبك معاه في العربية كذبة!! … مظلومة إزززاي… أنا لولا قلبي الخسيس ده مكنتش منعت أخوك عنك… ياااااريتك فعلاً مظلومة. عاد ينظر إلى بدر مجدداً، يردف برجاء: _وافق يا بدر… وافق واعتبره جميل في رقبتي ليوم الدين.
نظر بدر لصديقه بتشتت، ثم نظر إلى قمر التي تهز رأسها بعدم تصديق. تنهد، يخفض رأسه ويردف قبل أن يغادر: _متل ما بدك أخي. قالها وغادر. وذهلت هي تنظر لأثره وتهز رأسها بعدم تصديق. اقتربت من والدها، تدنو منه وتردف برجاء وندم: _لا يا بابا متعملش فيا كده علشان خااااطري… هتجوزني لده ازاي!! … ده كبير عليا جداً وأنا بقوله يا عمي. نظر لها ياسر بغضب وأردف بحدة: _كبير عليكي! … أومال عايزة تتجوزي الحتة العيل الحق*ير اللي كنتي معاه!
… هو ده اللي انتي عايزاه صح؟ … بس مش هيحصل… هتتجوزي بدر يا قمر وهتروحي معاه بيته غصب عنك، يا أما لا انتي بنتي ولا أعرفك… وموبايلك هاخده ومافيش خروج من البيت نهائي لحد ما يتكتب كتابكوا… انتي سامعة. نظرت لوالدها بعيون جاحظة، لا تستوعب أن هذا هو نفس الرجل الذي دائماً يطيعها ويدللها ويلبي رغباتها. اقتربت منه ومسكت يداه في محاولة منها لجعله يتراجع، مردفة برجاء وألم يعتصر قلبها خوفاً من القادم:
_بابا أبوووس إيديك متعملش فيا كده… خالد بيحبني وهيتقدملي صدقني… والصور دي مش زي ما انت مفكر، أكيد ده حد بيكرهني هو اللي عمل كده ونزلها وقال عني الكلام ده…. خالد شاب كويس جداً صدقني. نفض ياسر يدها ووقف يطالعها بغضب وألم، مردفاً: _عشان كده هتتجوزي بدر… عشان الكل*ب ده ما يعرفش يوصلك. قالها واتجه لغرفتها يأخذ هاتفه من فوق الفراش، ثم خرج تاركاً المنزل بأكمله بعدما أغلق عليها باب الشقة. *** عودة للحاضر.
مسحت قمر تلك الدموع التي تساقطت منها، ونظرت للهاتف بين يديها. تنهدت بعمق، تردف بتشتت: _معقول!!! … معقول يكون خالد استغلني فعلاً!!! …. طب إزززاي؟ … إزززاي بعد كل كلامه ووعوده!! … بس هو مكمل حياته عادي جداً… هو فعلاً متأثرش باللي حصل. رفعت رأسها للأعلى وملست على عنقها بتعب، تغمض عيناها وهي تردف: _ياااااارب. تنفست بعمق وفكرت قليلاً. لما لا تلجأ إلى الله؟ لعله يشرح صدرها ويزيل خسوفها ويكشف لها ما لا تستطيع رؤيته بوضوح!
وقفت تتجه للمرحاض لتتوضأ وتؤدي فرضاً تخلت عنه من زمن. *** بعد مرور يومين. في الجامعة، اتجهت نسمة إلى ناهد بعدما سنحت لها الفرصة اليوم بعد غياب كاميليا، وأردفت: _ازيك يا ناهد. نظرت لها ناهد بتعجب مردفة: _الله يسلمك يا نسمة… خير فيه حاجة ولا إيه؟! تحمحمت نسمة وأردفت بترقب: _أنا كنت عايزة أقابل بدر جوز قمر… فيه كلام مهم لازم يعرفه. تحمست ناهد وأردفت بقبول: _بدر!! … تمام يا نسمة… خلاص نخلص محاضراتنا وهاخدك ليه.
أومأت نسمة تردف بقبول: _تمام يا ناهد. هاتفت ناهد بدر وأخبرته بما قالته نسمة، وتحمس جداً لذلك وقرر انتظارهما في المطعم. *** عند قمر، التي تحسنت حالتها قليلاً منذ أن بدأت تصلي، وقد انتابها شعور بالراحة. وصلتها رسائل مجدداً. فمنذ أن قامت بتشغيل الهاتف ذلك اليوم، وقد وصلت رسالة لخالد بأن هاتفها أصبح متاحاً وهو يحاول الوصول إليها بأي طريقة، ولكنها قررت تجاهله. هناك صوت بداخلها أخبرها عدم الرد عليه وعدم فتح رسائله مجدداً.
تنهدت بضيق، تفكر بعدما وسوس لها شيطانها: أترى رسائله هذه المرة أم تكمل في تجاهلها؟ وقد تغلبت على وسواسها ونفضت رأسها مقررة عدم الرد أو الإنصات. *** بعد ساعتين، خرجتا الفتاتان من الجامعة واستقلتا سيارة أجرة توصلهما إلى مطعم بدر. وصلت السيارة وترجلتا منها الفتاتان ودخلتا المطعم، تجلسان على إحدى الطاولات الجانبية. هاتفت ناهد بدر تخبره أنهما بالخارج، وبالفعل ذهب إليهما مرحباً وجلس يردف بترقب: _خير آنسة نسمة!
… قال بدك تقابليني؟! أومأت نسمة ونظرت لناهد بتوتر، ثم أردفت: _بصراحة أنا كنت مترددة يا أستاذ بدر، بس متحملتش أعرف إن فيه لعبة خبيثة بتحصل ضدك أنت وقمر وأسكت. ضيّق بدر عيناه مستفهماً، ثم أردف بترقب: _لعبة خبيثة! … وضحي لي شو بتقصدي؟ تنهدت نسمة وأردفت باعتراف:
_بصراحة كاميليا يوم ما جتلك كذبت عليك… هي اتكلمت مع خالد الأول وهو قالها تقولك كده… وكمان أدالها موبايل توصله لقمر لو شافتها… خالد إنسان حقير واستغلالي، وهو اللي كان بيخلي صاحبه يصوره معاكِ في كل مكان يروحه… وهو اللي نزل الصور دي بعد ما عدلها طبعاً… الصورة الوحيدة اللي كاميليا صورتها، هي اللي كانت يوم ما عرفت إن قمر رايحة تشوف مامت خالد زي ما هو فاهمها… وبعتتها لعمي ياسر وبعتت معاها عنوان الفيلا… غير كده كاميليا
مصورتش أي صور زي ما خالد فهم قمر… خالد وشلته دي هوايتهم أصلاً… إنهم يوقعوا البنات وبالذات البنات الصعبة زي قمر… ده بيعتبروا تحدي بينهم وبين بعض… وقمر بالنسبة لخالد ما هي إلا رقم قياسي كان عايز يوصله بأي طريقة… زيها زي بنات كتير غيرها وقعهم.
ذهل بدر مما يسمعه. نعم، كان يعلم كل هذا، ولكن ها هو الاعتراف والدليل القاطع الذي يريده جاء إليه دون أدنى مجهود منه، وكأن الله يزيح من على عاتقه حمول الجبال. وقف على حاله وأردف بنبرة جادة: _تعالي معي لو سمحتي… بدك تحكي هالحكي قدام قمر. أومأت نسمة بتوتر، وبالفعل غادر بدر والفتاتين، واستقلوا سيارة أجرة جميعاً واتجهوا لمنزل بدر على الفور. *** في مكانٍ ما في القاهرة.
تجلس تلك السيدة على فراشها، مستندة بظهرها على وسادة، وتسعل بشدة وهي تحاول القيام ولكنها مرهقة بقوة. تفكر منذ عدة أيام فيما تنوي فعله، فالقرار ليس هيناً أبداً، ولكنها مجبرة، تشعر بالموت على مشارفه، ولابد من تنفيذ ما تنوي فعله. التقطت هاتفها من فوق الكومود ونظرت للأمام، تفكر وتردف لذاتها بأرهاق وأسف:
_سامحيني بنتي ريحانة… بدك تعذريني حبيبة قلبي… رح أخلف وعدي معك هاي المرة… بس لازم ساوي هيك لآنه حاسة إنه قرب موعدي، وأنا ما فيني أتركك هون لحالك يا عمري. تنهدت بعمق وتألم، تشعر بالاختناق في صدرها، وقامت بالاتصال على أحدهم فأجاب مردفاً: _اتفضل يا فندم، معاك مطعم (البيت السوري) حاولت السيدة التقاط أنفاسها بصعوبة وأردفت بترقب وألم: _بدّي أحكي مع بدر إذا بتريد. أردف النادل بهدوء: _قصدك شيف بدر!
… هو لسه حالاً ماشي… حضرتك مين؟ أردفت السيدة بتعب وإجهاد مردفة: _أنا بنت بلده يا ابني وجارته… بدّي أحكي معه ضروري إذا بتريد… فيك تعطيني رقمه؟! أومأ الشاب مردفاً: _تمام يا هانم… ثواني من فضلك. *** في تلك الأثناء، وصل بدر والفتاتان وصعدوا الدرج حيث شقة قمر. وصل بدر وطرق الباب، فاتجهت قمر لتفتح، وكعادتها أردفت بحذر: _مين؟! أردف بدر مطمئناً: _أنا يا قمر، معايا ضيوف. فتحت قمر بترقب، تنظر له، ثم حولت نظرها إلى ناهد،
ثم رأت نسمة فأردفت بتعجب: _نسمة! دلف بدر يزيح قمر بهدوء وأردف مرحباً: _اتفضلوا يا صبايا. دَلَفت ناهد وتبعتها نسمة، تنظر إلى قمر بتوتر مردفة: _ازيك يا قمر؟ نظرت لها قمر بقلق، ثم نظرت إلى بدر الذي أومأ مطمئناً، فأردفت: _كويسة… خير يا نسمة! أردف بدر بهدوء: _قمر، نسمة عندها كلام جاية تقولهولك… ياريت تهدّي وتسمعيها. طالعته بعمق، ثم جلست، وجلست نسمة وناهد، أما بدر فرن هاتفه برقم غير مسجل، فقام برفضه وجلس أيضاً يردف بترقب:
_اتكلمي يا نسمة. نظرت نسمة لقمر وبدأت تفرك يدها وأردفت بتوتر: _قمر، خالد مش زي ما انتي مفكرة… خالد هو اللي وزع صورك ع الجروبات بعد ما عدلها كلها… وهو اللي كان ممشي واحد تبعه يصوركوا في كل مكان بتبقوا فيه سوا… ومش انتي لوحدك اللي عمل معاها كده… ولو عايزة أجيبلك البنات اللي ضحك عليهم، أنا معنديش مانع… وعلى فكرة خالد وكاميليا اتفقوا سوا إنهم يوقعوكِ… وكان طالب منها تديلك موبايل لما تشوفك لأنه عايز يوصلك بأي طريقة.
ضيّقت قمر عيناها تستوعب ما تتفوه به هذه. نظرت لبدر بقلة فهم، ثم نظرت لناهد وأردفت مستفهمة: _كاميليا! … وهي كاميليا هتشوفني فين؟ تنهد بدر بعمق وأردف بترقب: _أنا اللي طلبت أقابل كاميليا وأتكلم معاها يا قمر… كنت مفكر إنها هتقولي حقيقة الحق*ير ده… بس هي قالت اللي هو حفظهولها… عشان كده محبتش أعرفك إني كلمتها. هزت رأسها بقلة حيلة، تردف بعدم فهم: _أنا مش فاهمة حاجة… يعني خالد كل ده كان بيضحك عليا! … عايزين تقولوا كده يعني؟!
تنهدت نسمة وأردفت بحزن لحالها: _مش انتي بس يا قمر… خالد عمل كده مع كاميليا بس هي للأسف طوعته عشان كده منزلش صورها… وعمل كده مع بنات تانية كتير زي ما قولتلك، وكلهم خافوا… خالد إنسان مريض والمفروض يكون في السجن مش بره لأنه بيستغل البنات ومعاه أصحابه بيشجعوه على كده وواخدين الأمر تسلية ورهان…. انتي ربنا بيحبك يا قمر… ربنا نجدك منه بس هو مش متقبل فكرة إن جوزك ضربه وإنه فشل يوصلك، فعايز يعمل أي رد فعل… خلي بالك. وقفت
نسمة تزفر بارتياح وأردفت: _بعد إذنكم أنا همشي عشان اتأخرت. وقفت ناهد أيضاً تردف: _وأنا كمان هروح عشان ماما. وقف بدر يودعهما، إلا أن غادرتا، بينما قمر في حالة سكون تام. اتجه بدر يجلس أمامها وظل ينتظر وهو يطالعها بصمت لدقائق عدة، حتى حولت نظرها إليه وأردفت باستنكار وصدمة: _معقووول!!! … معقووول أنا عملت كل ده في نفسي؟! تنهد براحة، وكأن هناك أثقالاً حديدية انزاحت من فوق صدره. أخيراً فهم. أردف بهدوء وتفهم:
_هونّي على حالك يا قمر… المهم إنك بالأخير فهمتي واتعلمتي. هزت رأسها وبدأت تبكي وتتحشرج، مردفة بألم يمزق روحها: _مش ببلاش… مش ببلاااااش أبداًااا. أغمض عينه يتألم لتألمها، ثم وقف يتجه إليها، ثم دنا لمستواها واتكأ على ساقيه، يطالعها بحنو، ومد يده يتلمس وجنتها ويردف: _قمر مش بتخسر… قمر يا أما بتكسب يا أما بتتعلم… قمر هتفضل دايماً منورة. نظرت له بعمق وعيون لامعة، وهي تهز رأسها بألم واستسلام مردفة:
_لاااء… قمر انطفت خلاص… مبقاش عندها روح أو حياة… قمر خسرت أبوها وأخوها وسمعتها والدنيا كلها بسبب وهم كانت عايشة جواه. هز رأسه يردف بدعم وقوة: _بالعكس… ياسر بيحبك جداً ومستني رجوعك… ونادر كمان بيحبك بس هو متهور شوية… وسمعتك من سمعتي وما حدا بيحكي عنها حرف. نظرت له بعمق، ثم أردفت بخوف ودموع: _وانت؟ … انت شايفني ازاي دلوقتي… بتكرهني؟!
طالعها بعيون يتدفق منها العشق. ااااه لو تعلم كيف ينبض يساره لأجلها. اااه لو تعلم كم يعشقها ولا يريد سواها طيلة حياته. سحب نفساً عالياً، يغمض عيناه لثوانٍ، ثم طالعها يردف بأنفاس لاهثة كأنه يركض في سباق خيول: _لاء يا قمر… أنا بحبك… بحبك جداً وشايفك دايماً عالية ومنورة. التوى فمها لا إرادياً وزاد بكاؤها من كلماته، ثم فجأة ارتمت داخل أحضانه، تعانقه وتلف ذراعيها بقوة حول ظهره العريض.
أما هو، فها هي فرصته التي انتظرها منذ أن دلفت بيته وأصبحت حلاله. سحبها إلى صدره وأغلق عليها ذراعيه، يقف ويحملها ويجلس هو مكانها، واضعاً إياها داخل صدره، يعانقها كأنه لم يعرف للعناق سبيلاً يوماً. يُشدد عليها كأنه يريدها هنا للأبد. يدفن رأسه بين خصلاتها، يسحب رائحتها إلى صدره بعمق وعشق، وهي كانت كالطفلة بين ذراعيه. كان بحاجة إلى ضمها أكثر منها. كان بحاجة ملحة إلى هذا العناق الذي أعاد إليه الحياة والنور.
أما هي، فشعرت بأمان العالم يحتويها. شعرت وكأنها وجدت موطنها الذي فقدته منذ زمن. اهتدت أخيراً لطريقها المزهر الذي ضلته. استكانت بصمت تام، وكذلك هو، إلا من أنفاسهما وضربات قلبها العنيفة. ظلا على حالتهما تلك لدقائق، قبل أن يرن هاتف بدر مجدداً ويخرجهما من لحظتهما. ابتعدت قمر مجبرة، تخفض رأسها خجلاً، ثم قامت من بين قبضته ببطء، وجلست على الأريكة المجاورة.
أما هو، فحاول تهدئة قلبه ومشاعره التي تدفقت بقوة إلى خلاياه كتدفق الدم، تجبره على إعادتها إلى مكانها. تنفس بعمق وأخرج هاتفه بعد أن حاول جاهداً التحكم في ذاته وفي الحالة والمشاعر التي تملكتَه. وجده نفس الرقم، فتعجب ووقف يبتعد قليلاً ويفتح الخط ويجيب مردفاً بأنفاس لاهثة: _الو! أردفت السيدة بصوت متعب وترقب: _الو! … بَدِر؟! تعجب من نطق اسمه بهذه الطريقة وانقبض قلبه، مردفاً بترقب: _مين معي؟ أردفت السيدة بهدوء:
_أنا أمك حليمة يا بدر… بتتذكرني؟ … أنا جارتكم بسوريا؟! انسحب قلبه لرجله، ونظر لقمر بذهول، ثم أردف بعد ثوانٍ من استيعابه: _أمي حليمة! .. طبعاً بتذكرك… انتي عايشة؟ تنهدت حليمة بعمق وأردفت: _إيه حبيبي… إيه الله كتبلنا عمر… ربك لما بيريد يا بدر… بس أنا بحكي معك مشان شي تاني يا عمري. تعجب بدر متسائلاً وأردف بترقب وسعادة:
_اتفضلي أمي حليمة… قولي شو ما بدك… قوليلي مكانك وأنا باجي لعندك… أنا مو مصدق حالي إني عم اسمع صوتك هلأ. تنهدت حليمة وأردفت بتردد: _حبيبي اللي بدّي أخبرك إياه مانو سهل بنوب… ما بعرف شو رح يكون رد فعلك بس أنا لازم أخبرك يا ابني… لأنّي حاسة حالي على مشارف الموت ابني… حاسة إني رح قابل وجه كريم. ارتعش جسد بدر وتنبهت حواسه، وهو يطالع قمر التي تنظر له بتساؤل، بينما أردف بخوف وترقب: _خير يا أمي… قوليلي؟
صمتت حليمة لثوانٍ، لا تعلم كيف ستقول هذا الخبر له، ولكنها مجبرة. أردفت بعد قليل بصوت متألم مختنق: _مرتك ريحانة يا بدر… ريحانة ما ماتت هديك اليوم… هي معي هون بالقاهرة. شُلّت أطراف ذلك المسكين، الذي في لمح البصر انسحب بعقله من مكانه إلى ما قبل ١٠ سنوات، حتى وصل إلى منزله بسوريا، ومر بجميع ذكرياته مع أهله. جسده يقف يتطلع على قمر بذهول، بينما عقله سافر عبر الزمن.
برودة شديدة استحوذت على أطرافه. فوقفت قمر تتجه إليه وتتملس كف يده بصدمة، وهي تردف بخوف: _بدر! .. مالك فيك إيه؟! لم يتحرك به انشاً واحداً، بل ظل كالجماد مكانه، يستوعب ما تفوهت به تلك السيدة. أردفت حليمة عبر الهاتف عندما لم يأتيها رده: _بعرف إنك مصدوم يا بدر… بس هاي الحقيقة… ما بيصير أحكيلك تفاصيل ع الهاتف… رح أقولك العنوان وأنت بتيجي لهون ووقتها بتعرف شو صار بالضبط…
أغلقت السيدة بعدما أملته العنوان، لتتركه في صدمته، بينما هو يقف يحاول الاستيعاب، ولكن لا جدوى. أردفت قمر مجدداً بنبرة قوية، وهي تهزه بقلق: _بدر متخوفنيش… مين اللي كلمك وقالك إيه؟! انتبه لها أخيراً، ونظر له بضياع وتشتت، ثم أردف بأحرف متقطعة: _م رت ى!! … مرتي لساتها عايشة!! تجمدت قمر هي الأخرى، وفرغ فاهها، مردفة بعدم فهم: _مرتك مين! .. بدر انت بتقول إيه؟ هز رأسه يردف مجدداً، ذاهلاً بصدمة:
_مرتي لسة عايشة… ريحانة ما ماتت هديك اليوم؟! أردفت قمر بصدمة استنكار: _إزاي يعني… ده أكيد مكالمة مفبركة… انت ازاي صدقت حاجة زي دي أصلاً؟! نظر لها بقوة وعيون مشتتة، وأردف يومئ بتأكيد: _بس هاد صوت أمي حليمة عن جد… أنا بتذكره منيح. ضيّقت عيناها، ونظرت له بضياع وألم، نغز قلبها فجأة، مردفة: _يعني إيه؟! نظر لها بعيون ضائعة لدقائق، ثم أردف وهو يتحرك بخطى متخبطة: _أنا لازم أسافر القاهرة حالاً يا قمر… اقفلي على حالك منيح.
قالها واتجه لغرفته يحضر أغراضه، ثم غادر بعدها دون إضافة حرف، بينما هي وقفت تتطلع على أثره، مردفة باستنكار: _مراته! .. عايشة! … بعد السنين دي كلها؟! … طب إزززاي! … لاااا. أكيد مش حقيقي. اتجهت بقلبٍ حزين مشتت، تغلق الباب، وقد قررت انتظار بدر لتفهم منه الحقيقة كاملة. أما بدر، فأخرج سيارته من جراجها واستقلها، وبدأ يقود بسرعة في طريقه إلى القاهرة، ليتأكد من هذا الخبر الذي نزل عليه كالصاعقة. ***
عند خالد الوزير، الذي ما زال يحاول الوصول إلى قمر، ولكنها قررت تجاهله وعدم الإجابة على اتصالاته أو حتى رسائله. نظر للأمام بغضب وغل، وأردف متوعداً: _تمام يا قمر… يبقى انتي كده جبتي آخرك معايا… أنا بقى هوريكي الوش الحقيقي لخالد الوزير. قام بالاتصال على أحد أصدقاء السوء وأردف:
_بقولك إيه… الصور اللي عندك لقمر… هبعتلك شوية صور لموديل أجنبية، وأنت بقى ظبطهم لي… عايزهم يبانوا إنها قمر… محدش أبداً يصدق إنهم متركبين… تمام… وأنا هجبلك المصلحة بتاعتك بليل. أردف الآخر بحماس: _تمام جداً… أهم حاجة المصلحة… سلام بقى عشان الحق أظبط الدنيا. أغلق معه وقام بإرسال صور قمر السيلفي التي كانت ترسلها له منذ زمن عبر الهاتف الخاص به. ضحك بخبث، يردف بتوعد: _مترديش براحتك خالص يا ست قمر… أنا هخليكي تردي غصب عنك.
*** في شقة نادر، يجلس مع زوجته يطالعها بترقب، ثم أردف متسائلاً: _مالك يا مي… انتي تعبانة ولا إيه؟! نظرت له مي بارهاق وأردفت: _لاء يا حبيبي كويسة… بس شكلي واخدة دور برد في معدتي. تنهد يردف: _طيب ما أنا قولتلك تعالي نروح لدكتور، وأنتي مرضتيش! تنهدت تردف بتوتر: _متقلقش يا نادر… أنا هعمل كوباية نعناع وهبقى زي الفل… بس قولي مافيش أخبار عن قمر؟! تهجمت ملامحه وأردف بغضب: _بتجيبي السيرة دي ليه دلوقتي!
أردفت كي تلهيه عن حالتها: _أبداً يا نادر، بس بسأل عنها عادي… انت ناسي إنها أخت جوزي برضه مهما كان… وبعدين أنا كنت عايزة أصاحبها وأقرب منها، بس هي اللي محبتنيش. زفر بضيق وأردف: _فكك منها خالص يا مي… أهي بعدت عننا، ولا لينا دعوة بيها ولا ليها دعوة بينا… أنا معنديش أخت اسمها قمر… ولو بتحبيني بصحيح، متجيبيش السيرة دي تاني يا بنت الناس… سامعة.
أومأت بقلق، بينما وقف هو يتناول أغراضه ويغادر، أما هي فتناولت هاتفها لتهاتف والدتها التي أجابت، مردفة بترقب: _ازيك يا مي. أردفت مي بملامح منكمشة: _ازيك يا ماما… بتعملي إيه؟ أردفت فردوس بتأفف: _أبداً… عمالة أقلب من قناة لقناة أسلي نفسي بأي حاجة، بس مافيش. أردفت مي بترقب: _طيب قومي البسي وتعالي نتغدا سوا… عشان تعملي البيت انتي، لأنّي مش قادرة. تنهدت فردوس وأردفت وهي تقف: _طيب اقفلي يالا، هلبس وأجيلك… سلام. ***
في المطعم، تعجب ياسر من تأخير بدر، فقام بالاتصال به، ولكنه وجد هاتفه مغلقاً. نادى على النادل وأردف: _مروان… هو بدر مقالش هو راجع إمتى؟! اتجه إليه النادل وأردف: _لاء يا شيف ياسر… بس فيه واحدة سورية اتصلت وسألت عليه وطلبت رقمه، وأنا اديتهولها. تعجب ياسر وأردف: _سورية! … مقالتش هي مين أو تقربله إيه؟! هز النادل رأسه مردفاً: _لاء يا شيف ياسر. أومأ ياسر مردفاً: _تمام… شوف شغلك أنت.
غادر النادل، بينما قرر ياسر الانتظار قليلاً حتى يعود بدر ويخبره بمغزى الأمر. *** مساءاً، وصل بدر إلى القاهرة بعد رحلة تشتت ومعاناة. طوال الطريق يفكر: هل حقاً ما زالت زوجته وابن عمته على قيد الحياة؟ إذاً لماذا أخفت عنه!! … لماذا تم إبلاغه أن الجميع ماتوا!! … أسئلة كثيرة لم يجد لها إجابة، فقرر الانتظار حتى يصل. أخرج هاتفه، ثم قام بتشغيله بعد أن أغلقه عمداً، حتى لا يفسر أمراً لم يتأكد منه بعد. هاتف السيدة حليمة، التي
أجابت بترقب وصوت متألم: _بدر! … شو يا ابني اجيت؟! أردف بدر بصوت مشتت: _أنا ف القاهرة… قوليلي العنوان بالضبط، لأنّي ما كنت مركز وقت حاكيتِ معي. أردفت السيدة بصوت متقطع لاهث: _تمام يا ابني… العنوان ******* … تعي واطلع وأنا ناطرتك. أغلق معها، وحاولت هي القيام بصعوبة من على الفراش حتى نجحت. خطت للخارج، تردف بترقب وصوت متعب، وهي تتمسك بخصرها: _ريحانة!!! … حبيبتي وينك؟!
أتت ريحانة تزحف أرضاً، مبتورة القدمين. نعم، فقد خسرت ساقيها تحت أنقاض منزلها الذي انهار فوقهم. خسرت ساقيها لتعيش طيلة السنوات العشر في ألم الفقد والعجز والمعاناة. نظرت لحليمة بوجه بشوش واردفت بطيبة: _اؤمريني أمي؟! .. بدك مني أي شي؟! جلست حليمة على المقعد تتنفس بعمق، ونظرت لها مردفة بأسف: _بدك تسامحيني يا بنتي… سامحيني أنا خالفت وعدي ألك. اتسعت عين ريحانة واردفت بصدمة وترقب، وهي تضرب بكفها على صدرها: _شو قصدك أمي!!!
… شو سويتي؟! … لا تقولي حكيتِ بدر؟! أومأت حليمة بصمت ودموع، فتصنمت ريحانة وجحظت عيناها، لا تستوعب ما حدث. أما بدر، فبدأ يسأل المارة ويقود ويسأل ويقود، حتى وصل أمام المبنى الذي أخبرته عنه حليمة. نظر له بجسد مرتعش، لا يستطيع تمالك حاله، وقد قرر الصعود لينهي الأمر. وصل إلى الطابق المنشود وقام برن الجرس.
نظرت حليمة إلى ريحانة بعجز وأسف، بينما الأخرى نظرت للباب، الذي بصعوبة بالغة اتجهت حليمة تفتحه، وهي لا تصدق أنها سترى زوجها بعد كل تلك السنوات، بعدما ظنها ماتت مع من خسروا حياتهم بعد أن طالتهم يد الخ*سة والند*الة وهدمت بيوتهم فوق رؤوسهم. سترى زوجها وابن عمها، التي تخلت عنه عمداً بعد أن خسرت ساقيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!