الفصل 8 | من 38 فصل

رواية خسوف الفصل الثامن 8 - بقلم اية العربي

المشاهدات
21
كلمة
4,797
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

فتحت حليمة الباب ونظرت إلى بدر بارهاق تحاول التبسم في وجهه مردفة بتعب واضح: _أهلاً حبيبي… والله متل ما انت بدر…. اتفضل فوت. نظر للسيدة حليمة بتعجب! نعم هي جارتهم ولكنها تبدو متعبة وقد كبرت فوق عمرها عمراً آخر… دلف المنزل بخطى متمهلة وقلبه يدق بعنف يكاد يفتك بعظام قفصه الصدري. لف نظره في المكان فتجمدت عينه على ما رآه… تلاقت الأعين بذهول وسكون تام.

لا يصدق أنه يرى زوجته بعد ١٠ سنوات بعدما ظنها ميتة. انخفض نظره للأسفل حيث قدماها الغير موجودين فصعق وادمعت عيناه لا إرادياً. اقترب منها وهي بنفس حالته من الذهول والصدمة وهي ترى زوجها بعد كل تلك السنوات التي ابتعدت عنه بإرادتها. ابتلع الغصة المريرة التي تكونت بحلقه واردف وهو يقف أمامها بصوت باكي متحشرج: _ريحانة!

بكت ريحانة بشدة وأخفضت رأسها بتألم لا تستطيع تحمل رؤيته لها هكذا. أما حليمة فخطت بعدما أغلقت الباب وجلست بتعب على الأريكة تبكي لأجلهما. وقف بدر أمامها ثم نزل أرضاً يطالعها بألم ودموع وقهر وصدمة تمكنت منه لدقائق حتى أفاق مردفاً: _ريحاااانة!!! … كيف صاااار! رفعت نظرها إليه تنظر له بقهر وحرقة ثم اردفت وهي تومئ بدموع:

_إيه بدر… إيه ابن عمي… متل ما إنك شايف… طلعت من تحت الأنقاض بس خسرت رجليّا التنتين… ما بعرف شو حكمة الله إني أعيش هيك يا بدر!!! بس اللي بعرفه إنه كان مستحيل وقتها تشوفني بهيك حالة… لهيك كان الأحسن تعتقد إني متت مع اللي ماتوا. حاول تهدئة تقلص حنجرته ودموعه الساقطة بغزارة وهو يراها هكذا. أردف متسائلاً بلوم: _ليييه!! … ليه ريحانة؟! … بتعرفي أنا مت كام مرة بهديك اليوم!!

… ليش ما حكيتيني وكنت اجيت لعندك وما كنت تركتك أبداً… ليه بعدتي كل هالسنين وإنتي عايشة!! لم تجبه بل ظلت تبكي وتنتحب بصمت، بينما اردفت السيدة حليمة بتعب وإجهاد: _تعي يا بدر… تعي إعد هون وأنا بحكيلك كل إشي صار. التفت يتطلع على السيدة حليمة بوجه يكسوه الحزن والألم. وقف يتحرك باتجاهها بينما عادت ريحانة إلى غرفتها بانكسار أمام عينه المتألمة لأجلها. لا تقوى على الصمود أمامه الآن. اردفت حليمة بحزن:

_اتركها بدر… اتركها تضل لحالها يا ابني… ما تقلق عليها… ريحانة قوية ورح تكون منيحة. جلس أمام السيدة يحاول استجماع نفسه قليلاً. أخرج منديلًا ورقياً من جيبه ومسح به وجهه المحتقن بالدموع ونظر لها يردف بنبرة متألمة وقهر: _احكيلي أمي شو صار… كيف اجيتوا لهون… وكيف صار هيك مع ريحانة؟! … وليش أخفت عني إنها عايشة أنا ما عم بفهم! أومات حليمة ووضعت كفها على خصرها لتهدئ من الألم الحاد التي تشعر به ثم اردفت بهدوء:

_بتعرف إنو بيتي كان بعيد عن بيتكم بشوي… كنت قاعدة لحالي متل ما بتعرف… وفجأة نزلت الغارة علينا دمرت كل شي… كل شي في ثانية انهار يا بدر وأنا نص بيتي رااااح… ومن رحمة الله إنو كنت قاعدة في النص اللي ما انقصف… فقدت الوعي… وبعدها فقت لقيت حالي بالمشفى… سألت إذا حدا من جيراني عايش! … وللأسف قالولي إن كلون ماتوا… ما ضل غير بيت فايز العطار ونص بيتي من الحارة كلياتها. سعلت قليلاً فناولها بدر كوب مياه موضوع بجانبه. التقطته منه

وارتشفت القليل ثم تابعت:

_لقيت شباب أولاد حلال جمعوا لي الأغراض الباقية إلي… واتفاجئنا قالوا إن فيه حدا نجا من تحت الأنقاض… سألت مين قالولي إنها ريحانة… وقتها حسيت حالي قديشني محظوظة… إنت بتعرف إنو كنت بعتبر ريحانة بنتي اللي الله ما رزقني بيها… بس للأسف فرحتي ما كملت وقت عرفت إنها خسرت رجليها التنتين… بس وعدت حالي ما أتركها أبداً… ضليت حدها لحتى وعيت عحالها… وخبرتها بالخبرية المشؤومة هاي… حزنت أكيد وبكت بس بالاخير رضت بقضاء رب العالمين… ما

بيطلع لنا نعترض يا ابني… قلتلها وقتها نحاكيك وبتيجي تاخدها معك بس هي حلفتني بحياة الله ما بحاكيك ولا بتعرف إنه هي عايشة… قالتلي إن وقتها الموت أهون الها من إنك تشوفها بهاي الحالة… خلتني أوعدها يا بَدِر. ما كان بدها تكون عبء عليك… قالت رح تكمل بدونك لانو ما بدها تظلمك معها… حاولت يا بدر خليها تتراجع عن قرارها بس هي ما قبلت… ضلينا شهرين بالمشفى وأنا ما تركتها لحتى قررنا نزحف ع تركيا مع باقي السوريين اللي معنا… كان

الوضع صعب علي خصوصاً بحالة ريحانة هاي بس أنا وعدت حالي ما أتركها… وصلنا تركيا لعند قراييني… وهنن استقبلونا منيح… ومن هناك جينا لهون مع باقي السوريين… هون المنطقة كلها سوريين… وإنت بتعرف إن كنت متيسرة ومعي مصاريي… ونحمد الله إنه يسر لنا كل شي لحتى استقرينا هون… وهاي القصة يا بدر… كملنا حياتنا وناس من عنا هون اجو لعندك ع المطعم وخبرونا إنك منيح بس طبعاً ما قالولك عن ريحانة لانو هي هيك كان بدها… بس أنا يا حبيبي هالايام

حالتي الصحية مانا منيحة… حاسة حالي بدي أروح للغاليين… وما بقدر أترك ريحانة لحالها بهاي الدنيا وهي بهيك حالة… مشان هيك خلفت وعدي الها وحاكيتك.

كان بدر يستمع بذهول. عيناه تذرف دموع الصدمة والألم. اعتصر عيناه يردف: _حاسس حالي عم أحلم… لااا… مو حلم هاد كابوس… يااااا الله. تنهد بعمق وفتح عينه يطالع السيدة حليمة ذو الوجه البشوش المرهق يردف: _ما تعكلي هم ست حليمة… إنتي وريحانة من اليوم مسؤولين مني. هزت حليمة رأسها واردفت: _لااا حبيبي… شو إلك فيني!!

… أنا بدبر حالي وهون الجيران حواليّ… إنت بس اهتم بريحانة يا ابني… دير بالك عليها منيح يا بدر… هي بتموت إذا حسستها إنك شفقان عليها… بدك تحسسها إنها طبيعية وما فيها شي… وهي بتعرف تعمل كل شي هون بالبيت لحالها… لهيك يا ابني دير بالك منيح. أومأ بحزن واردف: _تمام أمي… بس أنا ما رح أتركك هون… بدك تيجي معي إنتي كمان… مو معقول بعد كل هاد تضلي لحالك… إذا بتقدري حضري حالك وأنا هتكلم مع ريحانة وأجي.

أومأت حليمة بتعب بعدما انصاعت لأوامره ووقفت بصعوبة متجهة لغرفتها بينما وقف بدر وخطى باتجاه الغرفة التي دلفتها ريحانة. وقف أمامها يسحب شهيقاً قوياً إلى رئتيه ويزفره بضيق. طرق الباب بترقب فسمحت هي له بالدخول. فتح ودلف يطالعها كانت تجلس أرضاً على سجادة الصلاة. يبدو أنها انتهت للتو من صلاتها. عيناها مليئة بالدموع. خطى إليها وجلس أرضاً بجوارها يطالعها بألم. ملامحها لم تعد مثل السابق. بالطبع تأثرت وتغيرت. أردف بتشتت:

_ما بعرف شو بقول يا بنت عمي… لهلأ ماني مصدق… لي ما حاكيتيني ريحانة!!! … شو هالتضحية الكبيرة هاي! … بتظني إنك رح تكوني عبء عليا!!! … معقول ريحانة بتعرفي عني هيك! هزت رأسها بقوة تردف:

_لااا… والله ما بعرف عنك إلا كل خير ابن عمي… كنت رح تضحي بسعادتك ووقتك لألي… كنت رح تتخلى عن أي شي مشاني… إذا خبرتك إني عايشة وقتها كنت هتيجي لعندي بعد ما استقريت هون… ما فيني أكون أنانية لهالأد… كان لازم أفكر فيك شوي… كان لازم أخليك تظن إني متت متل ما العيلة كلها راحت… ما كنت رح تعرف فيني بدر لولا أمي حليمة. أومأ يغمض عينه بألم ثم أردف بهدوء يعكس تشتته:

_تمام ريحانة… بدك تجمعى أغراضك وتيجي معاي… رح آخدك ع بيتي إنتي والست حليمة. نظرت له بحزن واردفت باعتراض: _منشان الله بدر… لا تخرب حياتك بعد هالعمر مشاني… خليني هون وأنا بعرف أدبر حالي. نظر لها مطولاً ثم أردف متسائلاً: _تفتكري رح أتركك؟ نظرت له قليلاً ثم هزت رأسها بلا واردفت: _لاء ما بتترك حدا إنت يا بدر. أردف وهو يقف: _لكان بتجمعى أغراضك كلها لأنه هنمشي هلا. أومأت بهدوء مجبرة وخطى هو قاصداً الخارج ولكنها أو

قفته متسائلة: _بدر! توقف يطالعها مستفهماً فتسائلت بترقب: _اتجوزت؟ نظر لها بصمت لثواني ثم أومأ برأسه دون حديث فابتسمت له بهدوء برغم الألم الذي اعتصر قلبها لا إرادياً فهو حبيب طفولتها وصباها. عادت تتسائله سؤال متتالي مردفة بترقب: _ومعك أولاد! كلمة جميلة تمناها دوماً وحلم بها في نومه وترجاها من رب العالمين خصوصاً إن رزقه الله بحبيبة قلبه واتم عليه نعمته بذرية صالحة منها. زفر بعمق يخرج من أفكاره ثم أردف بهدوء وترقب:

_لسة الله ما أراد. أومأت له وغادر هو الغرفة إلى الخارج ليساعدهما في جمع الأغراض البسيطة مثل الملابس والمستلزمات الشخصية فقط. وبالفعل بعد حوالي ساعتين نزل بدر ومعه السيدة حليمة وبالطبع ريحانة التي أصرت على النزول بمفردها بالطريقة التي اعتادتها ولم ترضى أبداً أن يساعدها أحد خصوصاً بدر الذي كان يطالعها بحزن وألم داخلي وعدم تصديق واستنكار لما يراه. عقله ما زال رافضاً تماماً ما يحدث.

ودعتا حليمة وريحانة جيرانهما واستقلتا سيارة بدر عائدتين معه إلى المنصورة. في شقة قمر. تجلس القرفصاء تحتضن رأسها داخل قدميها بصمت وشرود. ماذا يحدث لها؟ لما لم تسعد عندما علمت بأن زوجته ممكن أن تكون على قيد الحياة!! لما إلى الآن لم تهدأ وتريد معرفة حقيقة الأمر حتى تشعر بالراحة. ماذا يحدث لها معه؟ لما عناقه يشعرها بالأمان والسكينة! ولما هي بالأساس عندما تحزن تعانقه!

هذا هو نفسه بدر صديق والدها. هو نفسه الذي وافق على عقد الزواج هذا. كيف لها أن تفكر فيه بتلك الطريقة! رن الهاتف بجوارها للمرة التي لا تعلم عددها. تأففت وقررت تناوله ورؤية ما به عل عقلها ينشغل قليلاً عن التفكير في أمر تلك الزوجة العائدة من الموت بعد كل تلك السنوات. فتحته لترى ما به فوجدتها رسائل عبر الواتساب من المدعو خالد ولكن ما لفت انتباهها هي تلك الجملة: (تم استلام ١٥ ملف من الصور)

. تعجبت فهي المرة الأولى التي يرسل لها خالد صوراً. دب القلق بداخلها وقررت فتح المحادثة لتصعق مما رأته. كانت عبارة عن صور بذيئة لها. لااا هذه ليست هي بالطبع ولكنها صممت بعناية لمن يراها يظنها هي بكل تأكيد. أوضاع مختلفة مشينة لها إن رآها أحدهم ستدمر سمعتها هذه المرة بكل تأكيد. ظلت تتطلع على الصور بعيون جاحظة وصدمة وهي تهز رأسها وتردف: _مش ممكن… مستحيل. علم هذا الحقير أنها رأتهم فابتسم بمكر وأرسل مجدداً:

(إيه رأيك في صورك الجديدة! ظلت تهز رأسها بعجز وضياع وتردف بهستيرية وكأنها تحاكيه: _مش ممكن… مستحيل… دي مش أنااا. جاءتها رسالة أخرى محتواها:

(لو عايزة الميموري اللي عليه الصور الحلوة دي أنا معنديش مانع… بس تيجي تاخديه بنفسك… وإلا كمان ساعتين بالضبط وهينزلوا على نفس الجروبات اللي صورك نزلت عليها قبل كده… ومش عايز أقولك بقى إن المرة دي لو حلفتي على مصحف محدش هيصدقك… وأبوكي بدل ما تجيله أزمة هيروح فيها خالص… يعني قدامك ساعتين يا تقابليني لوحدك يا أما متلومنيش على اللي هيحصل… والموبايل اللي معاكي هاتيه علشان يلزمني)

قرأت محتوى الرسالة وهي في حالة صدمة تامة لا تصدق ما تقرأه. أردفت بقوة وهي تهز رأسها: _لااا… مش ممكن… مستحيييل. رن هاتفها برقمه جعلها تنتفض مزعورة مما أدى إلى سقوطه أرضاً وهي تطالعه بعيون مرعوبة. تناولته بيدٍ مرتعشة ثم فتحت الخط ووضعته على أذنها تتنصت بصمت فأردف ضاحكاً بخبث: _هههه واضح يا قلبي إنك مصدومة ومعرفتيش تكتبي فأنا قولت أكلمك… شوفتي خليتك تردي عليا إزاي!! … بس إيه رأيك في الصور؟ أردفت هي بصوت مهزوز وترقب:

_خالد إنت مش هتنزل صور زي دي صح؟ … إنت عارف إن دي مش صوري. ضحك وأردف بشر: _أكيد يا بيبي عارف… بس محدش تاني يعرف… وزي ما إنتي عارفة العيار اللي ميصبش يدوش… وإنتي ليكي تاريخ والناس هتصدق متقلقيش… بس الحل في إيدك. سكتت تستوعب ما يتفوه به هذا الحقير. أحقاً كانت عمياء لدرجة أنها لم تلاحظ حقارته. أما هو فتابع حديثه يكمل بترقب: _ساعتين يا قمر… ساعتين وتبقى عندي لو عايزة الصور متنزلش… ولوحدك يا قمر… سامعة!

… زي ما كنتي هتهربي معايا بالضبط وزي ما كنتي بتخلعي من أبوكي وتجيلي… يعني نفس الخطة مع تعديل بسيط… وزي ما قولتلك الموبايل تجيبه… سلام. أغلق الهاتف الذي سقط من يدها ونظرت للا شئ تفكر في ماذا تفعل. يبتزها!!! خالد الذي لطالما وثقت به وأحبته وصدقت كلماته الحانية!! لهذي الدرجة كانت ساذجة وبلهاء لتقع في شباكه القذرة!! بعد دقائق من التفكير قررت الاتصال على بدر وإخباره وليحدث ما يحدث فهو الوحيد الذي سيحلها.

التقطت هاتفها وقامت بالاتصال به ولكنها وجدت هاتفه مغلق. لعنت في سرها وبدأت تبكي وتعيد الاتصال مرة تلو الأخرى ولكن دون جدوى. تعيد وتعيد مرات عدة ولكنه مغلق. تنهدت بضيق وهي تشعر بالاختناق وكأن هناك ثعبان يلتف حول عنقها. بعد دقائق من الحيرة والضياع قررت مهاتفة والدها. لا تملك خياراً آخر. ولكن كيف لها أن تخبره بأمر كهذا!!! لااا لن تفعل. لن تتسبب في ضياعه ووعكته مرة أخرى.

لم يعد أمامها خيار سوى نادر شقيقها وهذا خيارها الأخير. بالفعل طلبت رقمه وانتظرت ليرد عليها. فتح الخط أيضاً واردفت هي بخوف وترقب: _نادر! … أنا قمر! أردف الآخر بغضب بعد ثواني واحدة: _إنتي بتتصلي عليا ليه يا بن آدمة إنتي!! … إنتي انسى خالص إن ليكي أخ اسمه نادر ومتتصليش بيا تاني. أغلق الخط بوجهها فضاقت سبلها وارتمت أرضاً تبكي بقوة وتجهش بألم يمزق روحها. يصرخ قلبها بقهر مطالباً بمنجده: (أين أنت يا بدر)

اقترب بدر على الوصول من مدينة المنصورة. حالته لا تسر فهو في زحام فكري وتشتت. عقله يعمل في كل الاتجاهات. يفكر في قمر وقلِق من أجلها. يريد أن يهاتفها ويطمئن عليها ولكنه يخشى شرح أمر ريحانة عبر الهاتف. عليه أن يجلس معها ويتحدثا سوياً بهدوء لذلك أغلق هاتفه حتى لا يتحدث مع أحد.

رن هاتف قمر مجدداً برقم خالد. اعتدلت بوجه محتقن ملئ بالدموع الحارقة. انقباض في حلقها جعل شهقاتها تخرج متألمة. تناولته وأجابت مجبرة تضع الهاتف فوق أذنها بتنصت. أردف الآخر بتهديد: _ساعتك الرملية قربت تخلص يا بيبي… فرصتك على المحك… أنا عارف إنتِ بتفكري إزاي بس أي حركة منك كدة أو كدة صدقيني صورك هتنزل فوراً. كفكفت دموعها ونظرت للأمام بقوة وهي تردف بجمود وكره: _أج يلك فين؟ ضحك عالياً بشماتة وأردف:

_أيوه كدة يا قمرة… كدة تعجبيني… هقولك يا حلوة… دانا حجزلك مكان مخصوص بعيد عن الدوشة. صرخت به مردفة بغضب وكره: _مش راحة بيوت يا زبا*لة يا ك*لب… هقابلك ف العربية والا مش جاية خالص. غضب وأردف بغل: _إنتي بتهدديني!!! .. إنتي ناسيه إن رقبتك تحت رجلي؟ تنفست بقوة واردفت بكره: _هقابلك ف العربية… وهتديلي الميموري وهجبلك الموبايل وأمشي علطول. ابتسم بخبث وأردف:

_تمام يا بيبي.. زي ما تحبي… مستنيكي ع الضفة…. هتلاقيني واقف جنب ال***** اللي إنتي عرفاه… ياما هربنا هناك بعيد عن العيون يا قلبي. أردفت بكره واحتقار لذاتها قبله: _جاية… استنانى. أغلقت معه ووقفت تتجه للمطبخ وقد اظلمت الدنيا أمامها ولم تعد تعلم الصواب من الخطأ. تناولت سكين حاد وتطلعت عليه بعيون سحب بريقها واردفت بصوت فقد الحياة: _لازم أدفع التمن… لازم أنا وإنت ندفع التمن يا خالد.

أخذتها وخرجت متجهة لغرفتها ثم بدلت ثيابها ووضعت حجاب رأسها وتناولت حقيبتها واضعة بها الهاتف والسكين وغادرت المنزل وهي تتطلع عليه بنظرة أخيرة خالية تماماً من أي أمل أو حياة. نزلت للأسفل ومنه إلى الشارع الرئيسي حيث استقلت سيارة أجرة وغادرت. في سيارة بدر الذي قارب على الوصول. نظر عبر المرآة ليرى وجه ريحانة زوجته نائمة في الخلف بسلام. ضيق عيناه يطالعها وما زالت صدمته مستحوذة عليه. ماذا سيفعل الآن؟ كيف سيتعامل مع قمر؟

بعد أن انتعش الأمل داخله في امتلاكها بعد ما حدث اليوم يأتي القدر ويقلب حياته رأساً على عقب!! ماذا يخبئ له المستقبل يا ترى! هل ستتقبل قمر وجود أخرى في حياته! هو لن يتخلى لا عن ريحانة ولا عن قمر. فالأولى كانت زوجته العائدة منذ زمن وابنة عمه الذي يكن لها الاحترام والتقدير. بينما الثانية هي الوحيدة الذي سكنت خمائل قلبه. هي الوحيدة الذي معها يتوقف الزمن ويضيع المكان بالرغم من رؤيتها له كصديق والدها.

أغمض عينه لثواني يتذكر عناقها له اليوم. عناقها الذي ضاعت لذته مع هذا الخبر الذي أتاه. كانت بين يديه يعانقها دون خوفٍ أو قلق. عندما ارتمت في حضنه وشدت من ضمه إليها بذراعيها الصغيرتين سامحة له باحتوائها شعر أنه امتلك الدنيا وحلاوتها وامتلك الجنة ونعيمها. حبيبته كانت قطعة المارشميلو بين يديه. عندما لف ذراعيه حولها واحتواها شعر بقلبه يقفز بسعادة ويصفق بصماماته فرحاً. يضخ عشقه لها في سائر جسده مما جعله لا إرادياً يخضع لرغبته بها أكثر.

تنهد بعمق وبداخله قلق من قرارها. مؤمن بقناعته أنه سيحاول جاهداً إقناعها به وبحبه وإكمال حياتهما سوياً يكفي أن تقبل. لن يظلمها معه أبداً ولكن يتركها؟ لااا مستحيل سيصبح أنانياً عندما يخصها الأمر. أما تلك النائمة في الخلف فسيسعى لرعايتها وتلبية احتياجاتها ومعاملتها معاملة طيبة. وأما عن قلبه فهو ليس عليه سلطان. توقف بدر أخيراً أمام منزله والتفت يتطلع على السيدتين النائمتين بترقب قبل أن يردف بهدوء: _ست حليمة… ريحانة!!

.. يلا وصلنا. تململتا الاثنتان بينما نظرت حليمة من النافذة بتعب جلي على وجهها وهي تردف متسائلة: _هيدا بيتك يا بدر؟ أومأ بدر وترجل يتجه نحو خازنة السيارة. فتحها وانزل منها الكرسي المتحرك المطوي ثم قام بفتحه واتجه يفتح الباب الخاص بريحانة ليساعدها ولكنها رفضت وبطريقة ما هي تعلمها وتدربت عليها طيلة السنوات الفائتة قامت بالتنقل من السيارة إلى الكرسي تحت أنظاره المتألمة.

أما حليمة فترجلت من الجهة الأخرى بخطوات مرهقة وهي تلتفت لناحيتهما وتقف مردفة بتساؤل: _وين شقتك يا بدر… بأي دور هي! أغلق بدر سيارته وطالعها مردفاً بهدوء: _عندي شقة بالطابق الأول كنت تاركها للإيجار… موجود فيها شوية أغراض فيكن تدبروا حالكن فيهن لليوم وأنا بكرة الصبح بروح بشتري أي شي بتحتاجوه. أومأت حليمة بينما هو نظر لريحانة وابتسم بحنو مردفاً: _يلا!

ابتسمت له واومأت فاتجه يجر الكرسي المتحرك حتى وصل إلى درجات السلم فقرر مناداة أحد الجيران ليساعده في حمل الكرسي من الجهة الأخرى حتى لا تتأذى. بالفعل لبى طلبه أحد جيرانه الذين يكنون له كل الحب والتقدير وحمل بدر الكرسي من الأمام بينما الجار من الخلف وصعدا بها حيث الطابق الأول.

أوقفاها أمام باب الشقة المنشودة وشكر بدر الرجل ونزل بينما فتح بدر باب الشقة بمفتاحه ودلف يشعل الضوء. نظر للشقة المعبأة بالتراب ثم تنهد وخطى يسحب الكرسي للداخل وتتبعه حليمة تتطلع على المكان بترقب وتردف بإرهاق وتعب: _هاد بدو شهر نظافة. أومأ بدر مردفاً: _ما تحملي هم… الصبح ببعت أجيب واحدة أو تنتين بيهتموا بالأمر… هلأ رح أنزل أجيب الأغراض من السيارة وأجي.

أومأت له ريحانة وغادر للاسفل يحمل أغراضهما ويصعد بهما مجدداً. دلف ووضع الأغراض في الأرض مردفاً بهدوء وهو يشير إلى الغرف: _هونيك فيه غرفة نوم مرتبة وهون فيه كمان واحدة بس محتاجة تتضبط شوي. ابتسمت واخفضت رأسها ثم نظرت له واردفت بألم خفي: _عم أحكي هيك منشان مرتك ما بدنا نوتر الأجواء. تنهدت بضيق ثم أردف بهدوء:

_ريحانة بدي منك تعرفي شي واحد… من هاللحظة وإنتي هون كمان زوجتي… وهاد أمر مفروغ منه… يعني ما تفكري بهالطريقة مرة ثانية. نظرت له قليلاً ثم أومأت بضيق بينما هو أردف بترقب: _طيب أنا بروح أجيبلكن أكل وبجي علطول. جلست حليمة على إحدى المقاعد التي أزاحت من عليها التراب بكفها واردفت بإرهاق: _مانا جوعانين. أردف بتصميم: _لاء ما بيصير… أنا ما بطول عليكن… ثواني حجيب أكل وأجي. نظر لريحانة مبتسماً واردف بحنو متسائلاً:

_خبريني شو بتشتهي؟ نظرت له ريحانة ببشاشة واردفت: _بشتهى أي شي من إيدك. أومأ بقبول مردفاً: _ولو أمرك سيدتي. اتجه بخطوات متزنة للخارج وهو يتنهد بعمق ويستعد لرؤيتها. اشتاق لها جداً خلال تلك الساعات الفائتة. صعد بحذر إلى أن توقف أمام الباب. سحب شهيقاً قوياً وزفره بقوة ليريح صدره ويستعد للحديث معها. طرق الباب بترقب ثم انتظر ولكن يبدو أنها نائمة هكذا اعتقد.

أخرج مفتاحه من جيبه ووضعه في فتحة الباب ثم لفه وفتح ودلف يتطلع إلى المنزل الذي شعر أنه مهجور وقد انقبض قلبه مردفاً بخوف جلي على معالم وجه: _قمر! بينما على الجهة الأخرى كانت قد توقفت سيارة الأجرة ونزلت منها قمر بعدما دفعت للسائق وهي تحتضن حقيبتها بحماية وترى على الناحية الأخرى من الرصيف سيارة هذا الندل تصطف على ضفة النيل وهو يقف خارجها يلوح لها في مكان خالي نوعاً ما من المارة إلا من بعض السيارات التي تعد على الأصبع.

نظرت له بعيون باهتة فاقدة للبصيرة وهي تعبر الطريق لتذهب إليه ولتنهي هذا الأمر الذي طال بينما هو ينتظرها بشغف مشمئز.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...