جففت دموعها وشردت تفكر، لما لا تذهب إليه وتراه؟ وليحدث ما يحدث! وبالفعل، ولأنها قمر التي لا يعيقها عائق، وقفت على الفور تتجه لغرفتها بعد أن قررت الذهاب. لمعت الفكرة في رأسها. ارتدت ملابسها سريعاً، ولفت حجابها باهمال، وزفرت بقوة وهي تتطلع للمرآة وتشجع ذاتها على التحرك. تناولت حقيبة يدها وخرجت من غرفتها قاصدة الخارج. وبالفعل فتحت باب شقتها وخرجت.
نزلت الدرج فالتقت صدفة بالجارة التي تسكن في الطابق الثاني. نظرت لها الجارة بإعجاب وأردفت بابتسامة ودودة: _أنتي بقى قمرنا اللي محدش بيشوفه؟ تعجبت قمر وأردفت متسائلة: _هو حضرتك تعرفيني؟ ابتسمت السيدة تردف بهدوء: _لا يا عمري... كان نفسي أتعرف عليكي وأشوفك، بس بدر كان بيقول أنك مش بتحبي تظهري كتير. أومأت قمر بهدوء ثم ابتسمت مجاملة وأردفت: _اتشرفت بمعرفتك... عن إذنك. أومأت السيدة بوجه بشوش وأردفت:
_في رعاية الله يا حبيبتي. غادرت قمر، بينما دلفت السيدة أم محمد شقتها متعجبة من ظهور القمر أخيرًا بعد اختباء شهرين وأكثر. خرجت قمر إلى الشارع تمشي بتوتر وهي تلاحظ الأنظار المسلطة عليها. حاولت إيجاد سيارة أجرة لنقلها إلى المطعم، ولكن عليها أن تصل إلى الشارع العمومي حتى تجد إحداهن.
بالفعل أشارت لسيارة واستقلتها، وتحرك السائق وهي تفكر في رد فعل والدها وبدر عندما يروها، ولكن كان عليها أن تخاطر. لقد اختنقت حقاً وضاق بها الحال في ذلك المنزل. *** في المطعم، يقف ياسر وبدر كعادتهما يعدان الأطعمة المصرية والسورية للزبائن. وصل إليهما نادر وبدأ يساعدهما في إعداد الحلوى، بينما كان بدر شاردًا في أمر قمر وماذا يفعل كي يثبت لها ويريها حقيقة ذلك الخبيث. كيف يزيل هذا الغشاء المعتم من أمام عينيها وعقلها وقلبها!
مراقبة هذا الحقير وتتبعه لن تجدي نفعًا، فهذه لعبته وسيكتشف أمرها، بل وسيتلاعب هو بهما مضيعًا الوقت عبثًا. هو يريد أن يُسمعها اعترافات الفتيات زميلاتها بأنفسهن أمام عينيها حتى لا تجد مفرًا للهرب من التصديق والاقتناع. عليه أن يتصرف بسرعة وبحذر. تنهد بضيق، فصديقه الوحيد هنا في هذا البلد والذي يثق به ويستطيع أن يأمنه على هكذا موضوع، للأسف هو ياسر والدها! كيف يجدر به أن يستعين بغريب لا يثق به!
أما ياسر، فكان يفكر في قمر. اشتاق لابنته ولكنه مجبر على ارتداء قناع القسوة حتى تتعلم من أخطائها. وصلت سيارة الأجرة إلى الشارع الخلفي المؤدي إلى المطبخ مباشرة دون المرور بصالة الزبائن. ترجلت ودفعت الأجرة، ثم خطت بتمهل وهي تطالع المكان بعيون لامعة. وقفت أمام الباب الرئيسي تنظر له بتردد، أتُدخل أم تعود؟
تنهدت بعمق وتقدمت تفتح الباب الرئيسي غير الموصد ودلفت للداخل. وقفت في الردهة الصغيرة، لا يفصلها عن رؤية والدها سوى باب معدني سهل الفتح. بدأ قلبها يضرب بعنف وحبست أنفاسها وهي تحاول فتح الباب ببطء وهدوء لتستطيع النظر من خلفه دون أن يراها أحد. أول ما رأته هو ظهر بدر الذي يهتز أثر حركة يديه في حركة جعلتها تبتلع لعابها. حولت نظرها قليلاً فرأت شقيقها يعد قالب حلوى. تنفست بعمق تتساءل: هل اشتقت إليّ أيضًا يا نادر!؟ ...
أين أنت يا أبي!؟ ظلت تسير بنظرها حتى استقرت عيناها عليه، يجلس على مقعد جانبي يستريح. نظرت له بعمق واشتياق. يبدو عليه الإرهاق كثيرًا. لمعت عيناها بدموع الاشتياق. تود أن تركض إليه وتعانقه وليحدث ما يحدث، لكنها خافت وقررت العودة. يكفي أنها رأته لتطفئ نار اشتياقها قليلاً. لم تلاحظ أن هناك أحدًا رآها، وكادت أن تغلق الباب فوجدت من يصرخ بغضب مردفًا وهو يطالعها بعيون مشتعلة: _أنتي إيه اللي جابك هنا؟
التفتت الأنظار حول نادر بتساؤل، ثم تحول نظر بدر وياسر إلى ما ينظر. أردف بدر بصدمة وهو يراها تقف بجسد متصلب وعيون متسعة: _قمر! أما ياسر، فقد ألجمته رؤيتها وشل لسانه، فقط ينظر إليها باشتياق. أما نادر، فأسرف إليها بغضب، ولكنه قبل أن يصل إليها، ركضت هي من أمامه مسرعة في اتجاه بدر الذي أسرع هو الآخر إليها. وقفت خلفه بحماية، ووقف هو ينظر لنادر بقوة مردفًا: _ما لك شغل بيها نادر... خليك بشغلك. أردف نادر بغضب وهو
يراها أمامه تحتمي ببدر: _ماليش دعوة بيها إزاي!؟ هي إيه اللي جابها هنا؟ مش قولنا متخطييش لا المحل ولا البيت تاني؟! كانت هي ساكنة تنظر فقط. لأول مرة تشعر بالغصة المريرة التي وقفت متصلبة في حلقها. قلبها يتلوى بألم من رد فعل شقيقها لرؤيتها. أردف بدر بقوة وهو ينظر لنادر داخل عينيه: _جاية لزوجها... قمر جاية ع محل جوزها نادر. توقف نادر ونظر لبدر بغضب قليلاً قبل أن يترك المكان بأكمله ويغادر.
التفت بدر إليها ينظر لها بحزن متسائلاً: _أنتي كويسة؟ أومأت له بعيون لامعة، فحسّها على المشي معه وأجلسها على إحدى المقاعد، ثم ذهب يحضر لها كوبًا من الماء وعاد يناولها إياه بحنو مردفًا: _اشربي. تناولته منه وبالفعل ارتشفت القليل، كل هذا تحت أنظار والدها الذي لم يزح عينه عنها منذ أن رآها. تنفست بعمق ورفعت نظرها تطالع والدها، فالتقت عيناهما لثوانٍ قبل أن يبعدها ياسر وقد قرر الوقوف وإكمال عمله متجاهلاً إياها تمامًا.
أغمضت عينيها بألم وتملكها الكبرياء، فوقفت تردف بقوة مزعومة: _أنا هروح. أوقفها بدر يردف بجدية: _استني يا قمر... هنروح سوا. نظرت له قليلاً فأومأ لها، فجلست مجددًا تنتظره. ذهب لياسر وأردف بصوت منخفض ولوم: _بيكفي أخي ياسر... بيكفي قسى بقى... هاي بنتك قمر... شو نسيت!! زفر ياسر بقوة ونظر لبدر قليلاً ثم أردف: _غصب عني يا بدر... غصب عني وصعب أوي... بس بقسي عليها عشان أحميها. هز بدر رأسه بقلة حيلة يردف بهدوء وتعقل:
_تحميها بحضنك ودعمك أخي... تحميها بحبك... قمر محتاجة الك أخي... حاول تنسى بقى واحمد الله إن ما صار شي. نظر له ياسر بتردد، فأردف بدر بيأس: _أنا هروح أوصل قمر... سلام أخي. قالها وغادر، بينما وقف ياسر يتابع حركة ابنته حتى خرجا سوياً من الباب الذي أتت منه. أخرج بدر موتووره من المكان المخصص له، يردف مشاكساً كي يخفف من حالتها: _شو يا صبية! بتركبي معي ع الموتور ولا بوقفلك تاكسي؟ نظرت له بشرود. يحدثها بلغته بعدما حرمها منها!
اقتربت قليلاً منه وأردفت بهدوء وتمرد وهي تنظر للموتور: _إيه رأيك لو توقف لنفسك تاكسي وتسيبني أنا أروح على المتوسيكل؟ رفع حاجبيه يطالعها باستنكار وابتسامة جذابة زادت وسامته وجعلتها تنسى ألم قلبها.
وبالفعل صعد على دراجته وصعدت هي خلفه تحيط خصره بذراعيها في حركة وضعها في قائمة حركات عشقه المفضلة. أدار المحرك وتحرك، ولكنه تفاجأ بها تضع رأسها على ظهره العريض وكأنها بحاجة إلى احتواء أحدهم الآن. يعلمها جيدًا ويعلم حالتها تلك. حاول دعمها بحركة بسيطة منه وقام بفرد ظهره وقربه منها أكثر، وتحدثت لغة الجسد ففهم جسدها ما يحاول فعله والدعم الذي يقدمه، فهدأت وبدأت تستكين وهدأ لوعة قلبه، ولكن نبضاته لم تهدأ بقربها هذا أبدًا.
*** عند خالد الوزير الذي يجلس في غرفته ينتظر اتصالًا من كاميليا لتخبره ماذا فعلت وهل استطاعت مقابلة قمر أم لا! رن هاتفه، فأسرف يجيب مردفًا بلهفة: _إيه يا كاميليا عملتي إيه! وصلتي لقمر؟ لوت كاميليا فمها تردف بسخرية وهي تجلس بجوار صديقتها نسمة: _ومالك ملهوف كده ليه! معرفتش أقابلها... جوزها رفض يخليني أقابلها. انكمشت ملامحه وأردف بغضب: _اومال هببتي إيه؟ نظرت لنسمة بتعجب ثم أردفت: _أبدًا... قولت زي ما أنت قولتلي...
إن كنا مرتبطين لفترة وفركشنا قبل ما تتعرف على قمر... يعني مديتلوش عقد نافع... متقلقش مش هيعرف يوقعها فيك... بس هو أنت يعني ناوي على إيه... كده مش هتعرف توصلها! شردت قليلاً يفكر ثم أردف بخبث: _خالد الوزير مش هيغلب... هوصلها وهاخد حقي منها ومن جوزها... الموبايل اللي معاكي ابقي هاتيهولي بكرة في الجامعة... سلام. أغلق معها وقام ليستعد للخروج، بينما هي نظرت لنسمة تردف بتعجب:
_بصراحة تبقى غبية أوي لو صدقته تاني وسابت البدر المنور اللي معاها ده... ياخرابي يا نسمة لو شوفتيه بدر وهو بدر فعلًا... طول بعرض بهيبة كده ولا عيونه... تجنن... مش ممكن ده اللي كلنا قولنا عليه ده عجوز! تعجبت نسمة وأردفت متسائلة: _قصدك على جوز قمر! ده بيقولوا صاحب باباها يا كاميليا! ضحكت كاميليا ساخرة تردف بغيظ: _صاحب باباها مين! ده كانها أكبر منه... حظها ضرب بس هي اللي غبية. شردت نسمة قليلاً تفكر في أمر ما
ولاحظتها كاميليا فتسائلت: _نسمة! أنتي روحتي فين؟ أردفت نسمة بعدما افاقت ووقفت تجمع أغراضها: _مفيش يا كاميليا أنا همشي لأني اتأخرت. تعجبت كاميليا من فعلتها تلك وبالفعل جمعت نسمة أغراضها وغادرت. *** وصل بدر أسفل المنزل وترجلا سوياً من فوق الموتور ثم صعدا إلى شقتهما. كانت قمر ساكنة لم تتفوه بحرف. فتح بدر الباب ودلفت هي وتبعها يغلق خلفه. خطت لغرفتها ولكنه أوقفها يردف بجدية: _استني يا قمر.
وقفت قمر مكانها وخطى هو باتجاهها. التفتت تطالعه فأردف بهدوء: _هتغاضى عن حجابك اللي ظاهر نصه شعرك وهتغاضى عن نزولك لحالك بدون علمي بس لأنك حزينة... غير هيك كان بدك تتبعي الأصول يا قمر... كنتي عرفتيني إنك بدك تشوفي والدك وأنا كنت أخدتك معي لهناك. نظرت له بحزن وأردفت بتمرد: _أعرفك إزاي إني عايزة أشوف بابا!؟ وأعرفك إزاي إني هنزل أصلًا!؟
وأنت سايبني هنا بين أربع حيطان طول الوقت لوحدي ومش معايا حتى موبايل أتواصل مع أي حد ولا مسموح لي أتحرك طول اليوم! ما فيش غير الجهاز اللي عليه شوية ألعاب زودوا طاقتي السلبية وبقيت حاسة إني هتجنن! ده حتى الجارة اللي تحت اتفاجئت لما شافتني! تملكها الغضب وتابعت بحدة: _أنت عارف إن بابا واحشني وروحت أشوفه غلطت في إيه أنا!! بس هو نسيني! حتى أخويا الوحيد اللي المفروض يكون ضهري كان عايز يضربني! ليه كل ده؟
قول لي أنا بتعاقب على إيه! على إني حبيت؟ ولا على غلطة معملتهاش وكانت من تدبير واحدة حقيرة!! اقترب منها يضع سبابته على عقلها مردفًا بهدوء يضغط على أحرفه علها تستوعب: _غلطتك إنك لاغية ده... مشكلتك إنك ما بتفكري بالعقل يا قمر... مشكلتك إنك وثقتي في الإنسان الغلط... مشكلتك إنك مصدقة إنها خدعة من زميلة ليكي والحقيقة إن الكلب ده هو السبب في الفضيحة اللي صارت... بتعرفي شو غلطتك الوحيدة يا قمر! نظرت له بتعمق فتابع:
_غلطتي إني ماخدت موبايله يوم ما هجمت عليه... وقتها كان كل شيء اتضح... بس كان غضبي عميني... افهمي يابنت الناس... هو حب ينتقم مني ومن أبوكي بعد ما أكل علقة وبعد ما خطته فشلت فنشر الصور ع الإنترنت وهو متأكد إنه رح تكون فضيحة ألك إنتي بس مو إله لأننا وسط مجتمع عقيم... بدليل إنه مكمل عادي بحياته وبيروح جامعته وانتي هون عم تفكري إنه انظلم متلك!
رمشت بعينيها عدة مرات تفكر في حديثه. هل تصدقه بعد كل ما اقتنعت به طوال تلك الفترة!؟ من ناحية خالد وكلامه وتأكيده بأنه لم يفعل، ومن ناحية أخرى بدر المحق في أمر واحد وهو أن خالد أكمل حياته كأن شيئًا لم يكن. أما هي، فقد كان العقاب كله من نصيبها. تركها ودخل غرفته وخرج بعد قليل ثم مد يده بهاتفها يردف بثبات: _امسكي قمر... اعملي شو بدك... أنا رح أسيب لك الفون والباب... بس تأكدي إن إذا ضليتي بهاي الأفكار رح تخسري أكتر...
وأنا بعرف إنك مش معتبراني زوج ليكي بس حذاري يا قمر... حذاري تخلي حدا يحكي عني كلام عاطل. مدت يدها بتوتر تلتقط الهاتف منه ثم تطلعت عليه قليلاً وأردفت بترقب: _طيب هتخلي بابا يسامحني؟ ضيق عينيه يتنهد بعمق ثم أردف: _هحاول يا قمر... هحاول... أبوكي بيحبك جدًا بس هو حزين من اللي صار... كان واضع ثقته كلها فيكي. أخفضت رأسها بحزن، ولأول مرة يظهر على ملامحها الخجل. أردف قبل أن يغادر: _أنا هرجع على شغلي...
وانتي إذا احتجتي حاجة حاكيني. أومأت له وغادر هو بالفعل، تاركًا لها الهاتف وتاركًا الباب بدون قفل، فلم يعد لديه حديث أو كلام بعد كل ما تفوه به. عليه أن يضعها في اختبار، ويتمنى أن تنجح ولا تخيب ظنه بها هذه المرة، وإلا سقطت من فوق الهاوية وسحبته معها. أما هي، فنظرت للهاتف بين يديها وشردت في حديث بدر معها. عادت بذاكرتها إلى الماضي، إلى تلك الليلة المشؤومة قبل حوالي شهرين ونصف. *** **عودة للماضي**
بدأت الجامعة منذ أسبوع وتوافد عليها الطلاب من جميع التخصصات، بينما كاميليا تتابع خالد وقمر بعيون متفحصة وتحوم حولهما لتتنصت وهي تراهما مندمجين في الحديث. كانت قمر تطالعه وتردف بسعادة: _بجد يا خالد! يعني أتكلم مع بابا بقى؟ أومأ لها بسعادة زائفة وأردف بترقب: _أيوه يا حبيبتي... بس أنتي هتيجي معايا النهاردة أعرفك على ماما زي ما اتفقنا؟ تنهدت بشرود وتوتر، فتابع بخبث: _لو مش حابة مش هضغط عليكي...
بس ماما من النوع الدقيق شوية حتى في اختيار عروسة ابنها... وهي بنفسها طلبت تشوفك بعد ما حكيتلها عنك امبارح... بس بردو زي ما أنتِ تحبي. فرحت بحديثه وأردفت بثقة: _تمام يا خالد... هاجي معاك بعد المحاضرات... أنا بثق فيك جدًا يا خالد... أنت دلوقتي بقيت أقرب لي من أي حد. ابتسم لها خالد بحب زائف يردف: _وأنتي كمان يا قمر... يلا يا حبيبتي روحي لصاحباتك وأنا كمان هروح لأصحابي.
أومأت له وغادرت، بينما هو التفت ليغادر ولكنه تفاجأ بكاميليا تطالعه بغضب وتردف من خلفه: _يعني أنت هتعرفها على مامتك يا خالد!؟ طب اشمعنى هي؟ نظر لها بحنق وأردف بملل: _كاميليا... اطلعي من دماغي بقى أنا مش ناقصك. قالها وغادر، ووقفت هي تطالعه بتوعد مردفة: _ماشي يا خالد... أنا بقى هعرفك مين هي كاميليا الحاوي. ذهب خالد إلى أحد أصدقائه والذي دائمًا يلتقط له الصور مع قمر وغيرها. أردف بحذر وهو يتطلع حوله:
_تخلص وتسبقني ع الفيلا... أبويا وأمي مش هناك... وزي ما أنت عارف... خليك فوق متظهرش غير لما أقولك. أومأ له صديقه وغادرا الاثنان سوياً لينهيا محاضراتهما. بعد انتهاء الجامعة، خرجت قمر وهاتفت والدها تخبره أنها ستذهب مع ناهد قليلاً ثم تعود، وبالطبع وافق على الفور، فهو لم يعتاد على الرفض أو الاعتراض. بينما هي كانت تجلس بجوار خالد في سيارته، وقد تملكها شعور بالبغض وعدم الراحة، ولكنها تجاهلته وأكملت.
نظر لها خالد مبتسمًا بخبث وبدأ يتحرك بسيارته، وبالفعل غادر بعد أن التقطت لهما كاميليا صورة سوياً وقامت بإرسالها إلى رقم الواتس الخاص بطلبات مطعم والدها، وأردفت معها رسالة محتواها: (أستاذ ياسر قمر بنتك بتكذب عليك.. هي راحة مع خالد الوزير الفيلا بتاعته اللي عنوانها -ياريت تلحق بنتك لأنها مش عند ناهد صحبتها زي ما بتقولك كل مرة) أغلقت تبتسم بنصر وشماتة، بينما وصلت الرسالة على الفور إلى الهاتف الخاص بالطلبات المرسولة.
من حسن حظها أن بدر كان قريبًا من الهاتف عندما وصلت الرسالة. فتح الرسالة يقرأها، ولكنه تصنم مكانه مما يراه. هل هذه قمر!؟ قرأ الرسالة وقد برزت عروق وجهه من شدة الغضب. كور قبضته وأصبح قلبه يتلوى بألم وغضب، ولكنه لم يلاحظ ياسر الذي أتى من خلفه ينظر بترقب مردفًا: _فيه إيه يا بدر مالك؟
ولكن ياسر أيضًا كانت الصدمة من نصيبه وهو يرى صورة ابنته داخل سيارة أحدهم. نزع الهاتف من يد بدر وقرأ الرسالة بعيون جاحظة، حتى أن جسده اهتز لولا يد بدر التي ساندته. نظر له بقلة حيلة مردفًا: _دي قمر بنتي! مش ممكن! لم تكن حالة بدر أفضل منه، بل كان قلبه يتألم، فالوحيدة الذي نبض قلبه لأجلها يراها هكذا! يراها تجاور شابًا وتذهب معه!! لم يعهدها هكذا أبداً!! أردف بدر بجدية: _قوم أخي... قوم نلحقها لقمر.
نظر له ياسر وأومأ، ثم بالفعل تحركا مسرعين بالدراجة البخارية إلى العنوان الذي أتى بالرسالة. *** وصلت سيارة خالد إلى الفيلا ودلف من البوابة الرئيسية حتى وصل أمام الباب الداخلي. نظر لها بمكر وأردف: _انزلي يا حبيبتي. أومأت بتوتر وبدأ ينتابها القلق، ولكن بالفعل ترجلت وخطت خلفه حتى دلفت الداخل. أغلق باب الفيلا ونظر لها بعمق وخبث، ثم أشار لها قائلاً: _تعالي اقعدي هنا. أومأت بتوتر وخطت معه تجلس على المقعد الذي أشار عليه.
أردف بخبث: _تشربي إيه؟ أردفت بتوتر وهي تتطلع حولها للمكان الذي يبدو هادئًا تمامًا: _مالوش لزوم يا خالد... يا ريت تنادي على مامتك عشان أروح. أومأ لها مردفًا: _طبعًا يا حبيبتي... بس على الأقل خليني أجيب لك حاجة تشربيها... ثواني وراجع لك.
أومأت له بقلق، بينما هو دلف إلى المطبخ وأحضر كوبًا ووضع به عصير البرتقال المعبأ، ثم أخرج من جيبه قنينة صغيرة تحتوي على مخدر ووضع في كوب العصير بعض القطرات منه، والتي هي كفيلة بجعل من يتناولها ينام لأطول فترة ممكنة. خرج إليها يحمل كوب العصير مردفًا بابتسامة صفراء: _اتفضلي يا حبيبتي... اشربي لحد ما أنادي ماما... دي هتفرح جدًا جدًا.
أومأت بابتسامة هادئة تتناول منه العصير، وبالفعل تركها وصعد للأعلى حيث الغرفة التي يختبئ بها صديقه. دلف وأردف بتساؤل: _ها عملت إيه! أردف الآخر بحماس: _كله تمام... الكاميرا جاهزة والأوضة كمان جاهزة. حكّ خالد كفيه ببعضهما يردف بابتسامة صفراء خبيثة: _أخيرًا يا ست قمر... أخيرًا يا حلوة. في تلك الأثناء، كانت قمر تنظر للكوب بترقب وعمق. هناك شيء داخلها يخبرها أن لا ترتشفه...
شيئًا ما يخبرها أن تركض وتغادر هذا المكان في الحال. وصل بدر أمام الفيلا بدراجته البخارية وترجل هو وياسر مسرعان حتى وصلا إلى البوابة الرئيسية. ضربها بدر بعنف فخرج لهما الحارس يردف بترقب: _خير... أنتوا مين. أردف بدر بحدة وغضب: _افتح هالبوابة. نظر له الحارس بقلق وأردف مهددًا: _امشي من هنا حالا وإلا مش هيحصل خير.
أومأ بدر وهو يقترب منه، ثم قام بسحبه من بين القضبان الحديدية حتى الصقه في البوابة وضغط على رأسه بقوة في الحديد مردفًا: _معك حق ما هيصير خير فعلًا لو ما فتحت هالباب. ارتعب الحارس وأومأ يردف وهو يخرج المفتاح من جيبه: _تمام يا باشا هفتح. لم يعترض الحارس لأنه يعلم أن ما يحدث بالداخل مصيبة لا يعلم بها شريف الوزير، لذلك فضل فتح البوابة حتى لا يتضرر هو.
بمجرد أن فتحت، أسرع بدر وخلفه ياسر إلى الداخل، بينما في تلك الأثناء بدأت قمر تتناول العصير بالفعل ونزل خالد من أعلى الدرج يبتسم مردفًا بخبث: _ماما جاية حالا يا حبيبتي... اشربي. ابتسمت له وارتشفت، ولكن قاطع انتباهه طرقات عنيفة على الباب الداخلي، ظنها من الحارس فأسرع يفتح صارخًا: _فيه إيه! فتح وقبل أن يستوعب ما يحدث، هجم عليه بدر يبغته بلكمات قوية، جعلت من تلك الجالسة تقف مذعورة تردف بصدمة وهي تراهما: _بابا!
اتجه إليها والدها ينظر لها بخيبة أمل، ثم قام بصفعها بقوة وغضب أمام أعين بدر الذي ترك خالد واتجه إليه يردف بحدة: _اهدى أخي... هات قمر ويالا بينا من هون. سحب ابنته التي بدأ الموقف والمخدر يسحبها للظلام، وخطى خلف بدر، ولكن وقف خالد مجددًا يردف بغضب وشفتيه وحاجبه ينزفان من أثر اللكمات: _سبوها... مش هتمشي من هنا. جز بدر على أسنانه بغضب، ثم كور قبضته مجددًا وأردف وهو يلكمه لكمة قوية ويمسكه من ياقة قميصه باشمئزاز:
_قرب منها مرة تانية وبتشوف أنا شو رح ساوي فيك. رأت قمر ما حدث لخالد وقد تمكن منها المخدر بالرغم من قلةُ، فسقطت بين يدي والدها الذي حملها بقلبٍ ممزق، بينما نظر لها بدر بحزن وشفقة، وأخذوها وخرجا تاركين هذا الخالد بوجه ملئ بالكدمات. في طريقهم للخارج، قابلوا شريف الوزير الذي نظر لهما بتعجب متسائلاً: _أنتوا مين! وبتعملوا إيه هنا؟ نظر له بدر بغضب وأردف بحدة: _اسأل ابنك.
تركوه وغادروا عائدين إلى منزلهم، بعدما أوقف بدر سيارة أجرة لتنقل ياسر وقمر وتبعهما بدراجته البخارية. أما في الداخل، فوصل شريف إلى ابنه يطالعها بصدمة مردفًا وهو يقترب منه: _فيه إيه يا خالد.... مين الناس دي وعملوا فيك ليه كده؟ وقف خالد بتعثر مستندًا على والده، ثم تجاهله وأردف وهو يصعد الدرج ببطء وانفاس لاهثة: _مفيش يا بابا موضوع وخلص.
نظر شريف لابنه بذهول وغضب وقرر مهاتفة زوجته لتأتي، بينما الآخر صعد للأعلى حيث الغرفة التي يختبئ بها صديقه وأردف بغل وغضب وتوعد: _الصور اللي معاك كلها من بكرة الصبح تنزل من إيميل فيك على جروب الجامعة وجروبات المنصورة كلها... أنا عايز فضيحتهم تبقى بجلاجل... عايزها متخرجش من بيتهم تاني.
نظر له صديقه بصدمة ثم أومأ، وبالفعل بدأ يستعمل اللاب توب الذي أتى به وهو يقوم بفتح ملف الصور التي أعدها مسبقًا لتظهر في أوضاع غير لائقة وهما داخل السيارة وفي المطعم سوياً. *** وصل بدر إلى منزل ياسر أولاً، ثم وصلت سيارة الأجرة وترجل منها ياسر، ثم حمل قمر بين ذراعيه وساعده في ذلك بدر، ثم صعدا سوياً إلى المنزل، بينما كان نادر وزوجته ينزلان الدرج معًا. تجمد نادر عندما رأى شقيقته غائبة عن الوعي، وأردفت مي بذهول:
_مالها قمر يا عمي؟ نظر ياسر لبدر الذي أردف: _تعبت شوية في الجامعة وكلمونا لنروح نجيبها. أردف نادر بقلق: _طيب ليه ما أخذتوهاش على المستشفى؟ أجيب لها دكتور؟ هز ياسر رأسه يردف بحزن: _لأ... هي هترتاح وهتبقى كويسة. أكمل ياسر طريقه إلى الشقة وتبعه بدر الذي فتح له الباب ودلف، بينما أردفت مي بخبث: _يالا يا نادر نمشي... واضح إن باباك مش عايز يدخل. نظر لها قليلاً ثم أردف وهو يخطو: _تمام يالا.
غادرا سوياً، بينما في الأعلى وضع ياسر قمر على الفراش ووقف يطالعها بحزن، وقد أدمعت عيناه، لا يصدق إلى الآن أنها فعلت ذلك. بينما بدر نظر له بحزن تارة ولها بلوم تارة أخرى. أردف ياسر بتشتت: _أعمل إيه يا بدر... أعمل إيه؟ تنهد بدر يتابع بقلبٍ حزين: _ولا شي أخي... بدنا ننسى... بدنا ننسى ونحمد الله إننا وصلنا بالوقت المناسب... وإلا كنت رح صير قاتل اليوم.
نظر ياسر لابنته مجددًا لا يعلم كيف يتصرف معها عندما تستعيد وعيها وهو لا يعلم أنها نائمة تحت تأثير المخدر. لقد ظنها فقدت الوعي من صدمتها، لذلك أردف بترقب: _طيب نفوقها؟ أومأ بدر، وبالفعل اتجه يحضر زجاجة عطر وناولها إياه، ثم قام ياسر برش القليل منها على يده ومدها إلى أنف قمر التي تململت بعد دقيقة نظرًا لعدم تناولها جرعة المخدر كاملة. أبعد يده عنها ووقف يبتعد، بينما هي تحاول فتح عينيها وتحاول تذكر ما حدث.
فتحت عينيها ونظرت لهما من حولها، ثم أردفت وهي تحاول الجلوس برأسٍ مشوشة: _أنا فين.. إيه اللي حصل؟ نظرت حولها وجدت فراشها وغرفتها، فتعجبت وبدأت تتذكر كل شيء، فاتسعت عيناها ونظرت لوالدها الذي لف نظره عنها، فالتفتت تنظر لبدر الذي يطالعها بغضب وحزن. تذكرت ما حدث لخالد فأردفت متسائلة بتحشرج وحزن: _أنتوا عملتوا كده ليه!؟ أنتوا فهمتوا غلط.. خالد حصله حاجة!؟
لم يستطع بدر التحكم في ذاته، فضرب الحائط من خلفه بقبضته وهو يطالعها بغضب مردفًا: _غلط شو وصح شو... أنتي كيف بتروحي مع هيك واحد ندل وجبان! كيف بتخدعينا قمررر!!! كيف قدرتي تعملي هيك أصلًا. نظرت له بصدمة، ثم نظرت لوالدها تنتظر دفاعه عنها، ولكن والدها نظر لها وأردف بغضب مماثل: _عملتي ليه كده! عملتي فيا وفي نفسك ليه كده؟ أنتي عارفة لو كنا اتأخرنا شوية كان ممكن إيه اللي يحصل؟
أنتي عارفة إنك كنتي بتكذبي عليا طول الفترة دي وبتوهميني إنك راحة لناهد؟ قول لي... انطقي... أتماديتي معاه لحد فين؟ هزت رأسها تردف بصدمة وتلعثم ولهفة: _لأ... محصلش أي حاجة يا بابا... مسمحتلوش حتى يمسك إيدي... خالد بيحبني وهييجي يتقدملي... صدقني يا بابا هو بيحبني جدًا وكنت راحة معاه أول مرة النهارده عشان أتعرف على مامته... أنا آسفة يا بابا إني كذبت عليك بس أنت كنت هترفض علاقتي بخالد وهتمنعني أقابله...
إحنا بنحب بعض بجد وهثبت لك ده. نظر لها ياسر بغضب وأردف: _بيحبك! أنتي مصدقة إن الكلب ده بيحبك! يا خسارة يا قمر... يا خسارة. قالها وخطى يردف: _تعالي يا بدر. نظر بدر لها نظرة أخيرة متألمة بقلبٍ ممزق، ثم خرج معه للخارج وجلسا سوياً يردف بدر بغضب وجدية: _أخي ياسر... هالك*لب ده لازم يتبلغ عنه. هز ياسر رأسه معترضًا يردف بقوة: _لااا يا بدر... لااا مش هقدر... الناس وقتها هتجيب في سيرتي وسيرة بنتي...
خلينا نقفل ع الموضوع وكفاية أوي اللي حصل... وقمر أنا هعرف إزاي أعيد تربيتها... لأن واضح إني حررتها أوي. *** بعد يومين في الجامعة، انتشرت صور قمر وخالد سوياً بين الطلاب الذين بدأوا في مشاركتها وإرسالها للجميع، وما زاد الأمر سوءًا هو حضور خالد إلى الجامعة بكدمات وجهه بعدما أخبر أصدقاؤه أنها ناتجة عن ضرب والد قمر حينما رآهما سوياً في الفيلا.
انتشر الخبر بسرعة البرق حتى وصل إلى مسامع الناس في منطقة منزل ياسر ووصل إلى نادر الذي كان يتصفح هاتفه ورأى الصور والكلام الذي يقال عن شقيقته، مما جعل الدماء تغلي في رأسه ووقف مذهولاً يستوعب ما رآه. نظر أمامه لدقائق ثم أردف وهو يسحب سكينًا من طبق الفاكهة الموضوع فوق الطاولة: _آه يا حقيرة يا فا****. صرخت مي التي رأت الخبر تمنعه من النزول مردفة بصراخ: _نادر أنت اتجننت هتقتل أختك. أردف وهو يزيحها بقوة وقد جن جنونه تمامًا
من الصور والكلام: _ابعدي عني لازم أموتها وأرتاح منها ومن قرفها. أبعد زوجته ونزل الدرج يركض مسرعًا، ثم ظل يطرق الباب بقوة وقمر في الداخل تبكي وهي ترى صورها ملئت الإنترنت وكلمات بذيئة تقال عنها لا تمت للواقع بصلة. أسرعا الاثنين إلى المنزل القريب من المطعم، ولحق بدر نادر الذي كاد أن يكسر الباب واردف بغضب وهو يسحب منه السكين: _أنت جنيت ولا شو؟ بدك تقتل أختك؟ أردف نادر بصراخ: _أيوه أقتلها وأشرب من دمها كمان...
دي فضحتنا... دي كانت راحة مع الكلب ده بيتكم وأنتم تضحكوا عليا وتقولولي دي تعبانة!! نظر لوالده واردف بحدة: _عرفت تربي يا ياسر باشا... ونعم التربية.. قلت لك إن بنتك على علاقة بواحد مصدقتنيش... أهي صورها مع الكلب ده مالية الدنيا والناس كلها جايبة سيرتها بكلام قذر. كان ياسر يتابع بصمت وقد ألمه قلبه بشدة، فمسك قلبه بكفه ليهدأ من الألم حتى أنه شعر بروحه تنسحب، ولكن أسرع بدر إليه يسنده ويردف: _أخي ياسر... فوق يا أخي.
أما نادر فسكت عندما لاحظ حال والده. طرق بدر الباب واردف بقوة: _افتحي يا قمر. قامت قمر بخوف وفتحت بدموع وندم. كاد نادر أن يهجم عليها ولكن بدر منعه وأدخل ياسر وأغلق الباب في وجهه. جلس ياسر على المقعد يضع رأسه بين كفيه وبدأ يبكي. أردف بقهر وحزن: _ابني هيقتل أخته... وبنتي طعنتني في ضهري وفي قلبي... أعمل إيه يا ربي... أعمل إيه! كانت قمر تتابعه ببكاء ودموع القهر والندم، بينما تقدم منه بدر واردف مهدئًا: _اهدى أخي...
اهدى كل شيء له حل. كان ياسر في عالمٍ آخر يفكر ويفكر، إلا أن رفع رأسه ونظر لابنته، ثم نظر إلى بدر لثوانٍ بصمت قبل أن يردف برجاء وترقب: _اتجوز قمر يا بدر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!