عندما تغضب منك: أحضنها. عندما تكون صامتة: اسألها ما المشكلة؟ عندما تتجاهلك: أعطها الاهتمام. عندما تريد الابتعاد عنك: لا توافقها الرأي. عندما تراها في أسوأ حالاتها: قل لها أنك جميلة. عندما تراها تبكي: قبل رأسها وقل لها أنك تحبها كثيراً. عندما تغار عليك: يعني أنها تحبك كثيراً فوق ما تتصور. فالمرأة… لو خلقت طائراً لكانت طاووساً. ولو خلقت حيواناً لكانت غزالة. ولو خلقت حشرة لكانت فراشة.
ولكنها… خُلقت بشراً؛ فأصبحت حبيبة وزوجة وأماً رائعة وأجمل نعمة للرجل على وجه الأرض. فلو لم تكن المرأة شيئاً عظيماً جداً، لما جعلها الله حورية يكافئ بها المؤمنين. *** ظلت تبكي وتخفي وجهها في وسادتها. ثم استمعت لصوت الباب، وقد علمت أنه غادر المنزل. وقفت تزيل دموعها، وتركض لشرفتها تتطلع للأسفل. فوجدته يولج بعد قليل ويستقل سيارته ويغادر مسرعاً. نغزها قلبها لأجله، ودلفت تنظر للمرآة بعيون لامعة.
تنهدت باختناق وثقل في صدرها، فأسرعت بفك حجابها بعنف وهي تسحب أنفاساً بقوة لتهدأ. نجحت في فك حجابها، وجلست على طرف الفراش تفكر فيما فعله القدر به وبها. تنهدت، وقامت بخلع فستانها بدموع حارقة ومتساقطة على وجهها، يصبغها اللون الأسود وذلك بفضل مستحضرات التجميل. اتجهت بعد ذلك تخرج إحدى المنامات من خزانتها. التقطتها واتجهت خارجاً للمرحاض لتغتسل وتتوضأ لتصلي، لعلها ترتاح ويزيل هذا الثقل من فوق صدرها.
انتهت بعد دقائق وجلست تنتظره إلى أن يأتي. أما هو، فذهب إلى الصالة الرياضية التي يتردد عليها مؤخراً. وترجل من سيارته ودلف يتطلع على المكان من حوله بغضب وصراع داخلي يتآكله. "ماذا فعلت هذا؟ هل تضغط علي؟ هل كانت تخطط لهذا منذ البداية؟ خلع جاكيته وألقاه بإهمال على إحدى المعدات. ثم شرع في استعمال الآلات الرياضية ليصب بها غضبه وحزنه ووجعه كاملاً، من نفسه أولاً ومنها ثانياً. ***
في منزل ياسر، يجلس أمام ابنه نادر الذي يطالعه بتعجب مردفاً: "خير يا بابا؟ قل لي… أنا جالس لي نصف ساعة وحضرتك قلت لي: 'عايزك يا نادر' ومبتتكلمش! نظر له ياسر بترقب، وبدأت يردف بتروٍّ: "اسمعني يا ابني… اللي هقوله مش سهل." ضيّق نادر عينيه واستعد مردفاً: "خير يا بابا؟ قل! تنهد ياسر ينظر أرضاً، وبدأ يفرك كفيه، ثم قال: "بصراحة يا ابني، أنا كنت بفكر يعني…" أردف نادر بقلة صبر: "قل يا بابا، يالا." نظر له ياسر بقلق، ثم أردف:
"أنا كنت عايز أتزوج خالتك سلوى." نظر له نادر بصدمة وتعجب، ثم تحولت بعد قليل لابتسامة هادئة وأردف: "طب وماله يا بابا؟ ده حقك… وأنت عشت عمرك كله عشاننا. بس إيه اللي خلاك تاخد القرار ده فجأة كده؟ تنهد ياسر بقليل من الراحة وأردف:
"يا ابني، الوحدة صعبة… أنت مصير ربنا هيكرمك بنت حلال تعوضك. واختك ربنا أكرمها بأحن راجل في الدنيا. يبقى أكمل اليومين اللي باقيين لي مع ونيس. وبصراحة، ملقتش زي الست سلوى… ست جدعة ومحترمة وبتحبكم، وده أهم شيء عندي." أومأ نادر بتفهم، ثم أردف بهدوء: "وماله يا بابا… توكل على الله. بس أنت قلت لقمر؟ نظر له بقلق وأردف: "لسة… وبصراحة خايف أفتحها في حاجة زي كده." مد نادر كفه يربت على يد والده مردفاً بتعقل:
"روح يا بابا واتكلم معاها، بس يكون بدر موجود. هو هيعرف يقنعها." أومأ ياسر مؤيداً، يردف بشرود: "ده اللي كنت ناوي أعمله… بس حالياً أنا ارتحت لما اتكلمت معاك." ابتسم لوالده بحنو، يردف: "ده حقك يا بابا، وأنا مينفعش أعترض. وقتها هبقى أناني." أومأ ياسر بترقب، يردف: "متشكر يا نادر." تنهد نادر ووقف يودعه، ثم صعد شقته، وترك ياسر يفكر في أمر ابنته ورد فعلها. هل يخبرها الآن أم ينتظر قليلاً؟ ***
في الثانية صباحاً، عاد بدر إلى شقته. كانت تنتظره تلك التي تقف في شرفتها. وعندما رأته واطمأنت، دلفت وتمددت على فراشها بصمت تام، ونامت متكورة على نفسها بقلب حزين. أما هو، فتطلع على غرفتها بشرود. آخذته عقله إلى من خلف هذا الباب الملعون. "ترى ما حالتها الآن؟ تنهد واتجه لغرفته يغلقها خلفه. ثم قرر أخذ حمام دافئ. وبعدها توضأ وصلى، واتجه ينام بقلب مكسور هو الآخر. صباحاً، استيقظت قمر مبكراً، حيث كانت ليلة ثقيلة جداً عليها.
خرجت تؤدي روتينها اليومي، وقد قررت إحضار فطور لهما، وبعدها سوف تحاول التحدث معه. بعد نصف ساعة، تقف في المطبخ تعد الأطعمة، بينما فُتح باب غرفة بدر وخرج منها يرتدي قميصاً وبنطال جينز، ويمر متجهاً لباب الشقة كأنه لم يراها. انقبض قلبها بشعور سيئ، وأردفت بحزن وترقب: "بدر! توقف مكانه، يخفض رأسه أرضاً بصمت، ينتظر حديثها. فتابعت بقلب مكسور: "مش هتيجي تفطر معايا؟
تنهد بقوة، ثم رفع نظره إليها عندما استمع لنبرتها الحزينة، يطالعها بعمق لدقائق، وكأنه يعاتبها بنظراته. رأى عينيها، فحَنّ لها واشتاق. لمح نظرتها الحزينة، فنغزه قلبه عليها، ولكن عاد عقله يذكره برفضها له أمس. التفت وفتح باب شقته، يغادر دون نطق حرف. أما هي، فنزلت عبراتها، والتوى فمها لا إرادياً. وجلست بعنف على المقعد تفكر وتفكر. "كيف عليها أن تشرح له أنه أغلى ما تملك؟ عليه أن يفهم ويقدر قلبها العاشق!
أين تفهمه المعهود لها؟ تنفست بقوة تهدئ من ثقل صدرها، وهي تضع كفها عليه. وقد قررت مجدداً أن تذهب وتصلي ركعتين، لعلها تهدأ وترتاح وتحصل على حل لهذا الوضع. *** مر يومان تجاهل بدر فيهما قمر، كما فعلت هي أيضاً. حيث بات يذهب لعمله صباحاً ولا يعود إلا في وقت متأخر. تسأله، فيجيبها بكلمات مختصرة ويتجه لغرفته وينام بقلب حزين. داخله مبعثر تماماً. يفكر ويفكر، ليته يسكن داخلها ويبوح لها بكل ما يؤرقه. ولكن كيف يفعل؟
وما بداخله وزنه ثقيل جداً، لن يحتمله قلبها الرقيق. حتى أن ياسر ونادر سألاه عن حالته، ولكنه طمأنهما ببعض الكلمات المختصرة، ناهياً النقاش في هذا الموضوع. أما قمر، فتآكلها الحزن حتى ظهر على ملامحها. جفاها النوم خلال هذين اليومين، ولم تذهب إلى الجامعة، ولم تتحدث أو تشتكي لأحد. وباتت تفكر كيف تعيده إليها بطريقة غير مباشرة. فإن هي أخطأت في عدم إعطائه ما تمناه، فهو أخطأ في عدم تفهمه واحتوائه المعهود لها.
كانت تجلس مساءً في غرفة المعيشة بعقل شارد، تتابع فيلماً أجنبياً كعادتها. وفجأة، خطر ببالها شيء جعل عينيها متسعة، وابتسامتها أخيراً شقت ثغرها. غضت على شفتيها بخجل، وهي تتخيل ما تنوي فعله. ثم أردفت بتحدٍ وتلاعب: "ماشي يا بدر، أما أشوف أنا ولا أنت اللي هيستسلم للتاني! وقفت تركض إلى غرفتها وتفتح خزانتها. ثم قامت بإخراج تلك الأغراض التي ابتاعتها مع ناهد ليلة حفلتها.
نظرت لهم بخجل وتردد، ثم عزمت أمرها، والتقطت من بينهم قميصاً باللون البترولي قصير بجونلة لعند الركبة، وأكمام شفافة طويلة من الدانتيل، وذو فتحة صدر وظهر عميقة على شكل V. تنهدت تحفز حالها، وقد قررت ارتداءه. بعد نصف ساعة، تقف أمام مرآتها بترقب، وهي تضع مساحيق التجميل البسيطة وتهندم خصلاتها على شكل جديلة فرنسية. وبعد الخصلات تتساقط على عنقها الأبيض ووجهها الناعم.
تطلعت لهيئتها برضا، وتنفست بقوة، ثم تناولت قنينة العطر الخاصة بها لتضعه. ولكنها فكرت: "لما لا تثيره أكثر وتضع من عطره؟ بالفعل، ركضت إلى غرفته واتجهت لتسريحته، تلتقط قنينة عطره وتنثر منها القليل عليها. وتنظر لهيئتها برضا وتحدٍ، ثم عادت أدراجها مسرعة، حيث جلست أمام التلفاز في غرفة المعيشة تنتظره. بعد قليل، فتح الباب ودلف هو، يغلق خلفه، وعيناه تبحث عنها في كل مكان.
فبرغم حزنه وجرحه منها لشكه أنها تعمدت ما حدث، إلا أنه لا يستطيع النوم دون النظر إليها. ينفس فقط حينما يطمئن برائحتها ووجودها. تنهد بعمق حينما استمع لصوت التلفاز وعلم أنها مستيقظة. تنبه أنفه رائحة عطره التي اشتمها، فتعجب وخطى للداخل بصمت. أخذته قدماه إلى مكانها، ليراها مقنعاً عقله أنها قد تكون غفت كعادتها.
ولكنه توقف عند حافة الباب، يطالعها بصدمة، وهي تجلس القرفصاء، واضعة رأسها وسط وسادة ناعمة، تتابع التلفاز بتلك الحالة. رأت طيفه، فتوقفت تطالعه بتوتر، ثم تشجعت وتقدمت قليلاً، تردف باشتياق وهي تنظر لعينيه الحزينتين: "حمد الله ع السلامة." انفجرت براكين العشق بداخله، يطالعها بصدر عالٍ أثر كتم شهيقه، ولكنه أجبر نفسه على الثبات، يخشى النظر لهيئتها التي تضعفه. فهرب لعينيه، وياليته لم يفعل، فعينها تضعه أكثر.
تحمحم وأردف كلمات خطرت على عقله ليهرب من أفكاره بتوتر ملحوظ: "ما بصير تضلي فايقة لهلأ منشان الجامعة اللي ما عاد روحتيها." تقدمت خطوتين، فأصبحت على مقربة منه، تردف بهدوء وهي تفرك أصابعها بتوتر: "طيب، تحب أعمل لك تتعشى قبل ما أنام؟ ابتعد بأنظاره عنها، يردف بأنفاس متسارعة: "يسلموا، ما بدي." أومأت بحزن ومرت من جانبه تتجه لغرفتها.
ويا ليتها لم تفعل، فقد تهافتت رائحتها عليه مع حركتها المقربة جداً منه، جعلته يغمض عينيه مستمتعاً بها ويتنهد بعمق. خطت في قبضة يده، يصارع شعوره في امتلاكها الآن. فكرامته تعلو رغبته، بينما هي لا تعلم ما يحدث بداخله تماماً. اتجهت لغرفتها وأغلقت خلفها، ثم وقفت أمام مرآتها تطالع نفسها بتعجب، مردفة بتمرد وتحدٍ: "ماشي يا بدر… اصبر عليا… عامل لي فيها تقيل!! تمام."
أما هو، فوقف لدقائق يتطلع على أثرها ويهدئ من تلك الحالة التي انتابته من هيئتها وما فعلته، ثم اتجه لغرفته. *** صباحاً، في شقة ريحانة. خرجت متجهة إلى مشغلها المقابل لتبدأ عملها بنشاط وحماس. دَلفت الشقة التي يُشغّل بها إذاعة القرآن الكريم بصورة مباشرة. اتجهت تفتح نوافذها تتنفس بعمق، ثم ارتكزت بكرسيها أمام ماكينة الخياطة الآلية التي صُممت لحالاتها.
بدأت بحياكة ما فصلته، حتى سمعت صوتاً، فالتفتت تتطلع على الباب، وجدتها أم محمد ومعها سدرة، تلك الطفلة الهادئة الجميلة. ابتسمت لهما ريحانة بسعادة وأردفت: "أهلين وسهلين." لفت بكرسيها وفتحت ذراعيها لسدرة، مردفة بحب: "تعي يا صبية لعندي." أسرعت سدرة تركض إليها وتضمها بصمت، بينما اتجهت أم محمد تجلس بجوارها، مردفة بحنو: "من أول ما صحيت وهي عايزة تروح لطنط ريحانة." ابتسمت ريحانة وهي تعانقها، مردفة: "نورتوني."
نظرت أم محمد حولها وأردفت: "بتعملي إيه النهاردة؟ أردفت ريحانة بهدوء، وهي تخرج الصغيرة من عناقها: "عم بخيط التفصيلات تبعهن لمحل ****." أومأت أم محمد، وهي تردف بحماس: "طيب، شوفي محتاجة إيه وأنا أعمله معاكي." وبالفعل، بدأتا الاثنتان في حياكة التفصيلات، وسدرة تجلس بجوارهما تنشغل بأشكال القماش الملونة. *** في الجامعة، خرجت قمر برفقة ناهد، التي أردفت بترقب: "خدي يا قمر، دي المحاضرات بتاعة اليومين اللي فاتوكي." تناولت قمر
الدفتر منها وأردفت بشرود: "شكراً يا ناهد." تعجبت ناهد وأردفت: "مالك يا قمر؟ فيه حاجة مزعلاكي؟ تنهدت قمر بعمق وأردفت: "ناهد، هو لو بدر زعلان مني وعايزة أصالحه من غير ما يبان إني عايزة أصالحه، أعمل إيه؟ ضيّقت ناهد عينيها وأردفت بترقب: "وليه مش عايزة تصالحيه بطريقة مباشرة يا قمر؟ نظرت لناهد وهما تمشيان في الطريق، مردفة بعيون لامعة: "لأني أنا موجوعة يا ناهد… قلبي واجعني منه وهو مش حاسس بيا." توقفت ناهد تطالعها بصدمة،
مردفة: "قمر! اهدى يا حبيبتي… فيه إيه بس احكي لي! وبعدين بدر بيحبك جداً يا قمر وبيعمل أي حاجة تفرحك." هزت رأسها وأردفت بقهر وقلب معذب: "وأنا كمان بحبه يا ناهد… بحبه أكتر من أي حاجة في الدنيا. ولو طلب روحي مش كتير عليه." ضيّقت ناهد عينيها متسائلة بترقب: "فيه إيه يا قمر!! إيه اللي وجعك أوي كده؟ تنفست بعمق، ثم أردفت:
"بدر مش عارف يحدد حياته يا ناهد… بدر عايش صراع بين ضميره وقلبه… ودايماً بييجي على قلبه عشان يريح ضميره، بس هو تعبان وأنا كمان تعبانة أوي. وياريت يتكلم أو يشرح، لأ ده ساكت وخايف يكلمني." تعجبت ناهد لدقيقة، ثم أكملتا طريقهما، وأردفت ناهد بترقب: "أنتِ قصدك على موضوع ريحانة! أردفت قمر بحزن: "أيوه يا ناهد… بصي، مع إن أنا وأنتِ مختلفين، بس لو أنتِ مكاني هتتصرفي إزاي؟ تحمحمت ناهد وشردت تفكر في هذا الوضع وتضع ذاتها به،
ثم أردفت بترقب: "بصراحة صعب أوي يا قمر… يعني أنا لأني حبيت زياد مش متخيلة إنه يكون في حياته زوجة غيري. الموضوع صعب يا حبيبتي، بس أنتِ عارفة إن وضع ريحانة مختلف تماماً." أردفت قمر بتفهم: "عارفة يا ناهد… ومقدرة ده جداً… ونفسي إحنا التلاتة نرتاح." أردفت ناهد بحنو: "سيبها على الله يا حبيبتي… ربنا يدبرها بقدرته." تنهدت، تومئ، ثم نظر لناهد بعمق. لا تستطيع إخبارها بعدم إتمام زواجهما. زفرت بقوة، تردف:
"طيب، دلوقتي أنا أخليه يتكلم إزاي من غير ما يبان إني بصالحه؟ نظرت لها ناهد بحيرة، ثم أردفت بتروٍّ: "بصي، هو أنا معرفش أوي، بس أكيد بشوية حنية ودلع وكده." أومأت، تردف بحرج: "عملت كده وبرضه بارد! ضحكت ناهد بخفة، وأردفت بترقب: "متقلقيش… بدر بيحبك جداً ومش هيهون عليه يفضل زعلان منك." تنهدت قمر بقوة، تومئ، وأكملتا طريقهما إلى وجهتهما. *** مساءاً، عادت أم محمد إلى منزلها الجديد، وها هي تجلس أمام شقيقها محمود،
الذي يسأل بلهفة: "يعني هي مصممة ع الطلاق يا أم محمد؟ أومأت السيدة، تردف بحنو: "أيوه يا حبيبي… هي مصممة، وهو قالها: 'لما يركب لها الأطراف هيطلقها'." شرد بتعجب وأردف: "معقول فيه حد يتخلى عن ملاك زي دي؟ هزت أم محمد رأسها، مردفة بدفاع:
"لأ لأ يا محمود… بدر ده مافيش أطيب منه ولا أعقل منه. بدر عاش حزين على موت أهله ومراته سنين، كان بيموت فيهم كل يوم. ده لولا صاحبه ياسر، كان زمانه حصلهم يا حبة عيني. أصلاً ريحانة حكت لي عن حياتهم في سوريا. هو شاف كتير بصراحة، وجه على نفسه كتير… وأنت عارف إن القلب وما يريد بقى. بس إن جيت للحق، ريحانة وبدر مينفعش يبقوا مع بعض. الاتنين شبه بعض يا محمود." تعجب محمود متسائلاً، وأردف: "إزاي يا أم محمد؟ ابتسمت وأردفت:
"يعني تحسهم كده من كوكب تاني… عاقلين أوي وهاديين وطيبين بزيادة. علشان كده تلاقي حياتهم سوا مكانتش متوازنة بما الكفاية. مينفعش كل حاجة يبقى لونها أبيض… لازم حبة ألوان يحلوا الدنيا." تساءل محمود بفضول: "وهو بدر مبسوط دلوقتي؟ أومأت أم محمد وأردفت: "جداً… أنت أصلاً تبص له تشوف الفرحة في عيونه. أو يمكن أنا اللي لاحظت كده لأني شفت حزنه. بس حقيقي، قمر هي اللي قدرت تسعد قلبه وتخرجه من حالة الحزن اللي كان عايشها." تنهد محمود،
يردف بشرود: "أتمنى إني أنا كمان أكون سبب إني أقدر أسعد ريحانة وأخرجها من حزنها. إنسانة جميلة فعلاً وتستاهل تتحب… وأنا لما شفتها مكنتش عارف إنها متجوزة، بس معرفش حصلي إيه… مش حاسس أبداً إن ناقصها حاجة… يعني بجد هي حالة فريدة. ده كفاية سدرة خرجت من الحالة اللي كانت فيها على إيدها." ربتت شقيقته على كفه، تردف بحنو:
"واضح كده إن ربنا ألف بين قلوبكم… أنت وهي تستاهلوا كل خير… وسدرة محتاجة جنبها واحدة زي ريحانة. الاتنين هيبقوا عوض بعض… هي بجد ست مافيش زيها." تنهد، يومئ بشرود في ملامحها التي حفظها عن ظهر قلب، ولا إرادياً بات عقله يفكر بها. *** مر يومان آخران على قمر، التي كانت يومياً تضبط هاتفها على موعد قبل قدومه بساعة، وتهندم حالها لتحاول لفت انتباه بدر بطرقها المجنونة والجريئة، التي كان يقابلها بعيون قرأتهما هي جيداً.
يدعي الهدوء عكس نيرانه المشتعلة، ولكن ما حدث يومها كان كفيلاً ليسحق فرحته التي تمناها. *** مساءاً، عاد من عمله مبكراً بعدما أرهقه التفكير بها. تنهد بضيق وصعد لشقتها. فتح الباب ودلف يجول أنظاره باحثاً عنها بترقب. المكان ساكن تماماً، يبدو أنها نائمة. أغلق الباب بهدوء وخطى، تأخذه قدماه إلى غرفتها لا إرادياً. توقف أمام بابها يزفر بقوة. أنفاسه مسلوبة.
"اشتقت إليها بطريقة تجعل منه بركاناً يوشك على الانفجار. كل شيء بها يحركه بطريقة جنونية. يعلم أنها تتعمد إثارته وتعذبه بأفعالها، ويحاول جاهداً بقوة وعزم أن يبدو أمامها طبيعياً، ولكن لا." "كيف له أن يبدو طبيعياً ومعشوقته وحلاله أمامه بتلك الحالة؟ ماذا تظنه هي؟ إنها تتلاعب بالنيران، ولولا كبرياؤه لضرب باعتراضها هذا عرض الحائط وليحدث ما يحدث. ولكن عليه أن يصبر عليها. هي من حرمت نفسها عليه… وعليها أن تأتي إليه بإرادتها."
فتح بابها ببطء شديد. وجدها ممتدة على الفراش تنام بعفويتها المعهودة. طالعها بعمق واشتياق شديد. "ليته يستطيع التقدم قليلاً والنوم بجانبها. ليته فقط يعانقها ولو ثوانٍ ليخمد اشتياقه إليها قليلاً وليريح هذا القلب المنهك." ظل ينظر إليها لدقائق ترهقه أفكاره. زفر بضيق واختناق، وقرر الذهاب لغرفته لأخذ حماماً بارداً يهدئ به نيران صدره وقلبه. خطى لغرفته بالفعل واتجه إلى المرحاض الخاص به.
أما هي، فدق هاتفها ينبهها بالموعد المنشود. استيقظت بتكاسل وهي تحاول غلق الهاتف بإهمال. تناولته تنظر له بترقب، فوجدت الساعة السابعة، فتسللت تترجل من فراشها. تنهدت بعمق ووقفت تتجه للخارج حيث المرحاض الخارجي. عادت بعد قليل تتجه لخزانتها، ثم بحثت بداخلها عن شيء مناسب ترتديه اليوم لتبدأ جولة جديدة من جولات جنونها. مدت يدها تلتقط قميصاً قصيراً ذو حمالات رفيعة، لونه أحمر صارخ.
نظرت له بقوة ممزوجة بالقلق والخجل، ولكنها أرغمت نفسها على إكمال ما تنوي فعله لترى نفس النظرة التي تراها دائماً في عينيه عندما يراها هكذا. تلك النظرة التي تشعرها بأنوثتها وتزيد من إصرارها على تلك الأفعال المشاغبة التي تعذبه. علو صدره ونهجانه وعيونه وملامحه عندما يراها كالإدمان بالنسبة لها. نظرت للقميص في يدها وعزمت أمرها على ارتداءه، وبالفعل بعد دقائق تقف أمام مرآتها تطالع نفسها وتمشط خصلاتها النارية بعذاب قلب مشتاق.
سحبت نفساً عميقاً لتهدأ من لوعة قلبها. خطت للخارج كي تستعمل عطره كعادتها مؤخراً. اتجهت لغرفته ودلفت تخطو إلى المرآة، والتقطت قنينة العطر تنثر منها الكثير على جسدها حتى أصبحت رائحتها فواحة، وكأنها بذلك تنتقم منه. تنهدت بعمق، وقد لمعت عيناها بدموع الاشتياق والجفاء. زفرت بقوة، ثم التفتت لتعود، ولكن ارتطم جسدها بجسد صلب خرج لتوهِ من حمامهِ، يلف حول خصره منشفةٌ بيضاء.
رفعت نظرها إليه بصدمة وجسد متيبس، بينما هو لف ذراعيه حولها تلقائياً، وهو يخفض بصره إليها يطالعها بعمق وصدمة. يحبسان أنفاسهما سوياً، وعيون يتدفق منها مشاعر من نوعٍ خاص. ظلا يتطلعان إلى بعضهما ويحبسان أنفاسهما. ثم زفرا بقوة، وأصبحت نبضاتهما صاخبة. خاصة هذا الذي انحنى فجأة، ضارباً بكل شيء قرره عرض الحائط، وهو يتناول من رحيقها قبلة عاشقة متعمقة هزت كيانهما وأسقطت الجدار المتآكل لكلاهما.
ابتعد عنها يطالعها بعيون يضخ منها العشق ضخاً. دار حديث العيون. بحث في عينيها عن طلبه، فوجد الرضا والاستسلام. ثم بصمت تام لكليهما، انحنى يلتقطها بين ذراعيه، وعيناهما هي فقط المتحدثة، متجهاً بها إلى فراشه، ليعاقبها على ما فعلته بقلبه، وليذيقها من عشقه حتى تكتفي، وليحقق حلماً تمناه منذ زمن، وليتم زواجه منها بسعادة مفرطة تكاد توقف نبضاته. ***
في منتصف الليل، ينام بدر بعمق، وأنفاس كالأمواج المتراقصة بسعادة تتوسط قمر ذراعيه، يعانقها بتملك وحب. مستيقظةٌ هي، تبكي بصمت حتى لا يسمعها، ولكن انقباض حلقها أخرج شهقاتها. فاستيقظ بدر مفزوعاً، يطالعها بخوف وقلق، مردفاً: "شو صار قمر؟ عم يوجعك شي؟ هزت رأسها التي تخفضها في صدره حتى لا يرى عينيها، ولكنه تعجب وأردف متألماً: "شو بكى يا عمري؟ احكي لي! رفعت نظرها ببطء، تطالعه بعيون لامعة، وتردف بحرج وتيه:
"كنت عايزة أعذبك شوية كمان… لأنك يومها أهملتني يا بدر ومبقتش تفهمني ولا تتكلم معايا." اعتصرها مجدداً، يتنهد ويغلق عينيه وذراعيه وقلبه عليها، مردفاً بترجٍ وقلب عاشق: "لا بترجاكي قمر، لا تساوي فيني هيك… لا توجعيلي قلبي بعد كل هالمشاعر اللي عيشتها معك… بعرف يا عيوني إنو يومها أخطأت بحقك، بس صدقيني غصب عني." أخرجت رأسها من صدره، تتطلع عليه بتمرد وعناد، مردفة وهي تشير بسبابتها في صدره: "أنت السبب يا بدر في اللي حصل ده."
نظر لها باستنكار ووجه منكمش، مردفاً: "أنا!!! كيف لكان! شو أنا اللي جيت لعندك ع الغرفة! أردفت بعناد وتمرد لذيذ: "لأ، بس أنت جيت بدري… أنت جيت إمتى أصلاً! أنا ما حسيت بوجودك." نظر لها بترقب. "جميلة حتى في نوبات جنونها." أردف بتساؤل وخبث: "لَكان شو اللي فوتك ع غرفتي؟ تحمحمت، تطالعه، ثم أدارت عينيها تتطلع على موضع قلبه، مردفة بخجل: "كنت بدخل كل يوم أستعمل البيرفيوم بتاعك عشان لما تشمه عليا تتجن أكتر."
قهقه، يعتصرها بحب ويردف زافراً بارتياح وسعادة وشعور ملوكي لم يعيشه قط: "واتجننت وصرت متلك يا قمري." ابتعد قليلاً، ثم نظر لوجهها بعمق، وأردف متسائلاً بترقب: "أنتِ كيف صرتي هلا؟ عضت شفتيها بخجل، وأخفضت بصرها عنه، فرفع وجهها يجبرها على النظر إليه، مردفاً بمشاعر متدفقة وتيه: "مبسوطة يا قمرى! لم تجبه بالكلام، بل كانت نظرتها كفيلة لتحرك مشاعره الممتعة بها، ليسبحا معاً في نهر عشقهما، ليعلمها هو أبجدياته بكل حب وعشق وحنان.
*** استيقظ بدر صباحاً، تتلاعب نسمات الهواء حوله. اليوم ربيع جديد لحياته. التفت يتطلع على تلك القابعة بداخله منذ أمس. يبدو أنها اتخذت من عناقه بيتاً لها. تنهد بعمق وسكينة وشعور بالكمال في حضورها. حاول التملل بهدوء ونجح في ذلك، ثم وقف يتجه للمرحاض الخاص بغرفته. وقام بسد فتحة حوض الاستحمام، ثم فتح صنبور المياه الدافئة ليملأه.
اتجه يحضر عبوات الشامبو وسائل الاستحمام وبعض الورود الحمراء التي اشتراها خصيصاً لهذا اليوم، ووضع منها داخل حوض الاستحمام حتى غطت الرغوة المياه وتناثرت الورود حولها. امتلأ الحوض، فأغلق الماء وخطى للخارج عائداً إليها. ثم اقترب منها، يردف بهدوء وترقب: "قمري! تمتمت مبتسمة في نومها، كأنها ترى حلماً جميلاً. ابتسم عليها، ثم دنا لمستواها، يزيل الغطاء عنها ويحملها بين ذراعيه بحنان واستمتاع.
فضمّت جسدها له دون وعي، تكمل حلمها الممتع، بينما هو خطى بها إلى المرحاض، ومنه إلى حوض الاستحمام بهدوء، يجلس بها داخله. فشهقت مفزوعة، لولا يده التي طمأنتها، وأنفاسه من خلفها حينما همس لها وهو يضع رأسها على صدره: "هششش… استرخي حبيبتي، أنا معك، لا تخافي." فتحت عينيها تنظر حولها. شعور أكثر من رائع يغلف داخلها.
قربه منها والمياه الدافئة والروائع المنعشة جعلتها في عالمٍ آخر تماماً، حيث هدأت واستندت برأسها على صدره مجدداً، تغلق عينيها، شاعرة بنوعٍ آخر من السعادة التي لم تجربها. كذلك هو، أغلق عينيه مستمتعاً بهذا الحلم والانسجام وهذه المشاعر التي لا مثيل لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!