الفصل 3 | من 38 فصل

رواية خسوف الفصل الثالث 3 - بقلم اية العربي

المشاهدات
18
كلمة
6,876
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

بدأت قمر تتناول الطعام فقد كانت على وشك الانهيار حقاً. أما هو فظل يتابعها بسعادة وهي تأكل، لا يعلم لما نما بداخله أمل أم هذا شعوره الآن ولكنه أفضل من ذي قبل. قام بدر وتحرك للأمام ثم التقط ذلك الشيء وعاد يجلس أمامها مردفاً وهو يناولها إياه: _اتفضلي. ده آيباد هيسليكي، عليه برامج وألعاب هتعجبك. ابتسمت ساخرة وهي تنظر لذلك الجهاز مردفة: _ألعاب! أنت فكرني عيلة؟ هز رأسه بنفي مردفاً: _لأ، أنا مش فاكرك. أنتي عيلة فعلاً.

انكمش وجهها ونظرت له بغضب جعله يبتسم عليها. ثم قام من مكانه يردف: _أنا هنزل أصلي في المسجد، وأنتي كملي أكلك كله. أومأت بينما غادر هو. والتقطت هي الجهاز سريعاً وتفحصته ظناً منها أنها تستطيع الوصول لخالد، ولكنها وجدت أن جميع برامج التواصل مشفرة بالكامل ولن تستطيع الوصول إليه بأي شكل. فجميع التطبيقات هنا تنحصر إما ألعاب أو برامج عرض فقط. ألقت الجهاز على الأريكة بغضب تردف بغل وتوعد: _ماشي يا بدر. هنشوف أنا ولا أنت. ***

في اليوم التالي استيقظ بدر صباحاً واستعد ليذهب لعمله بعد أن أدى روتينه. خرج من غرفته ينظر إلى باب غرفتها بترقب. اتجه نحوه وطرق بهدوء مردفاً من خلفه: _قمر! كانت نائمة وبرغم نومها الثقيل إلا أنها استيقظت تنظر بعيون متسعة قبل أن تستوعب أن هذا صوته. أعاد النداء مجدداً فأردفت بنعاس: _أفندم! أردف بدر من خلف الباب بترقب:

_أنا نازل الشغل ومش هتأخر. الفطار في المطبخ وأي حاجة هتحتاجيها هتلاقيها هنا. وجهزي نفسك عشان لما أرجع هخرجك. ترقب رد فعلها ولكن لا رد أتاه، فتنهد واتجه يغادر من المنزل ويغلق الباب خلفه كعادته. أما هي فاستمعت لصوت رحيله، لذلك قفزت بسعادة لا تصدق أنها سترى الخارج اليوم. آه ليتها تستطيع الوصول إلى حبيبها في تلك اللحظة، لكانت فرت هاربة من هذا الجحيم وليحدث ما يحدث. ولكن صبراً يا قمر، تمهلي قليلاً.

عادت بالزمن إلى قبل أشهر عدة. *** تجلس في منزلها تتابع دروسها بتركيز. والدها وشقيقها في مطعمهما. رن جرس الباب فوقفت متجهة لترى الطارق. وجدتها زوجة أخيها تنظر لها بترقب مردفة وهي تمر إلى الشقة: _بتعملي إيه يا قمر؟ أنا زهقت قولت أنزل أعد معاكي شوية. تنهدت قمر بضيق فهي دائماً على خلاف مع زوجة شقيقها. أغلقت الباب ودلفت تجلس مردفة بتكلف: _بذاكر يا مي. أنتي عارفة إن امتحاناتي قربت. خير في حاجة؟ نظرت لها مي باستنكار مردفة:

_يو! إيه يا قمر مالك؟ بقولك كنت زهقانة ونزلت أدردش معاكي شوية. تهجمت ملامح قمر ولكنها أومأت بصمت. بينما اتجهت مي إلى المطبخ تبحث عن شيئاً تأكله وقمر تراقبها بتعجب من أمر تلك الفتاة. رن هاتف قمر وكانت قد تركته في غرفتها القريبة من المطبخ، ولكن مي أسرعت تردف بمكر: _خليكي أنا هجبهولك. أنا قريبة عنك. وبالفعل أسرعت تتناول الهاتف وتنظر إلى شاشته لتلاحظ اسم حبيبي kh. مدت قمر يدها تنزع منها الهاتف وتردف بغضب: _فيه إيه يا مي؟

أنتي مالك ومال موبايلي أصلاً! نظرت لها مي بمكر واستفزاز واردفت: _فيه إيه يا قمر مالك اتعصبتي ليه؟ وفيها إيه يا حبيبتي لما يكون عندك حبيب! ما أنا وأخوكي كنا بنحب بعض من زمان أوي. تعالي بس احكيلي ده مين وإيه اللي بينكوا. نظرت لها بحدة وتملكها الغضب واردفت بتمرد: _الزمي حدودك معايا يا مي وملكيش دعوة بيا. أنتي فاهمة. واتفضلي يلا على شقتك عشان عايزة أذاكر. ظهر الوجه الأصلي لمي التي أردفت بغل:

_تمام. براحتك خالص يا قمر. أنا طالعة بس ليا كلام تاني مع أخوكي لما يرجع. نظرت لها قمر باشمئزاز. بينما انطلقت مي إلى الخارج لتصعد إلى شقتها. اتجهت قمر تغلق الباب خلفها بقوة وتستند عليه تتنهد بضيق. فدائماً ما توقع مي زوجها في شقيقته وتضع السم في العسل حتى بات شقيقها يحقد عليها ويراها سيئة. ليلاً عاد نادر من عمله مبكراً فهو يعود قبل والده. صعد مباشرةً إلى شقته التي ما إن دلفها حتى استمع إلى صوت بكاء يأتي من غرفة نومه.

تعجب واتجه إلى الغرفة يردف بترقب: _مي! دلف وجدها تجلس على الفراش تحتضن الوسادة باكية وتخفي بها وجهها. اتجه إليها وجلس أمامها يردف بتساؤل وقلق وهو يحاول رفع وجهها: _مي مالك يا حبيبتي مين زعلك؟ رفعت مي وجهها الملئ بالدموع ونظرت له بمسكنة واردفت بتعجب ومكر: _نادر! أنت جيت امتى؟ أنا هقوم أجهز العشا. كادت أن تقف ولكنه أمسك معصمها يجلسها مجدداً مردفاً بتساؤل ونبرة جادة: _سيبك من الأكل دلوقتي وقوليلي مالك يا مي! مين زعلك؟

تنهدت كأنها في حيرة واردفت بمكر: _عادي يا نادر. يعني إحنا بنات مع بعض محصلش حاجة. ضيق عيناه قبل أن يردف بترقب: _قمر اللي زعلتك؟ قالتلك إيه؟ نظرت مي لزوجها بتمعن ثم أخفت نظرتها أرضاً. فعاد ورفع بسبابته وجهها يردف بنبرة مخيفة وعيون متفحصة: _قالتلك إيه؟ أدعت البكاء واردفت بصوت متحشرج: _ابدااا...

نزلت أقعد معاها شوية لأني زهقت. لقيتها مدتليش وش. قولت أقوم أعمل شاي ولا عصير لينا احنا الاتنين. تليفونها رن ولأني كنت قريبة منه قولت أجبهولها. بس من غير قصد لقيت اللي بيرن حد متسجل بـ "حبيبي kh". ولسة راحة أديهالها الفون لقيتها خطفته مني ونزلت فيا بهدلة كأنها بلاعة واتفتحت. مع إني دايما بحاول أقرب منها وأصاحبها. بس هي دايما بتصدني. غلى الدم في عروق نادر التي برزت ووقف ينظر لزوجته قليلاً قبل أن يسرع إلى الخارج.

نادته مي مردفة بمكر: _نادر استنى أنت رايح فين! كان قد وصل نادر إلى الدرج الذي نزل من عليه مسرعاً حتى وصل إلى شقة والده. طرقها بقوة وبطريقة مفزعة أفزعت تلك التي في الداخل فـعلمت على الفور أنه هو. ارتعبت منه وقد فهمت ما حدث فـتناولت هاتفها وهاتفت والدها بخوف مردفة: _بابا الحقني نادر عمال يرزع ع الباب وعايز يتهجم عليا. أغلقت معه وأسرع ياسر إليها بعدما أمن المطعم لبدر بعد أن أخبره بهامش الموضوع.

وبرغم القلق الذي استحوذ على بدر من أجلها إلا أنه فضل عدم التدخل في الأمر. ظل نادر يطرق الباب بعنف مردفاً من الخارج: _افتحي يا قمر. افتحي بدل ما أكسر الباب. أردفت قمر من خلف الباب بتمرد برغم خوفها: _مش فاتحة يا نادر. وأنا كلمت بابا وجاي. اطلع للهانم اللي بخّلت لك السم وأنت لسه جاي. تملكه الغضب أكثر وظل يلكم الباب قبل أن يأتي ياسر ويوقفه مردفاً بتعنيف: _أنت بتعمل إيه يا نادر؟ أنت اتجننت؟

استمعت إلى صوت والدها فأسرعت تفتح الباب بعد أن اطمأنت واتجهت لترتمي في حضن والدها. ولكن أسرع نادر بالإمساك بربطة شعرها شدها بعنف منه مردفاً بغضب: _مين حبيبك اللي بتكلميه ده يا بت؟ صرخت فهجم ياسر على ابنه يلكمه في صدره مردفاً بغضب: _ابعد إيدك عنها يا حي*وان. ابعد. نادر يديه عن شقيقته ينظر لها بغل ثم أردف لوالده:

_ماشي يا بابا هبعد إيدي. بس ياريت تعرف من بنتك الغالية مين الشاب اللي هي على علاقة بيه وبيكلمها في التليفون. أردف ياسر بغضب عارم: _اخرص خالص. اختك مش بتاعة الأفلام دي. امشي من هنا يلا اطلع على شقتك. وتاني مرة لو إيدك اتمدت على أختك هقطعها لك. نظر له نادر بحزن ولوم. ثم نظر إلى شقيقته التي تستكين في عناق والدها واردف بايماءة وحزن: _ماشي يا بابا. بس ياريت تفتح عينك كويس على بنتك وتعرف هي بتعمل إيه.

قال جملته وصعد شقته. بينما أدخل ياسر ابنته إلى المنزل يردف بحنان وهو يربت على كتفيها: _تعالي يا حبيبتي. تعالي متزعليش. أجلسها وجلس بجوارها يتفحصها بحنان. فدائماً كانت قمر فتاة والدها المدللة والغالية. يغرقها بحنانه ورعايته ودلاله لأن والدتها توفت وهي صغيرة جداً. فكان لها الأب والأم والجميع. ولكن أحياناً جرعة الحب الزائدة تكون خطراً على من نحبهم. جلست قمر تنتحب بصمت ووالدها يهدأها مردفاً بثقة:

_متزعليش يا حبيبتي. أنا مش مصدق كلامه ده كله. أنا واثق فيكي يا قمر. متزعليش. بكت قمر أكثر لكونها لم تكن تستحق كل تلك الثقة. ليتها تستطيع إخباره الآن بأمر خالد. ولكن خالد منعها أن تخبر أحداً إلا عندما ينهي عامه الدراسي وقتها سيكون الأمر رسمي. ظلت في عناق والدها حتى غلبها النعاس. رن هاتف والدها فاخرجه على الفور يجيب بهدوء قبل أن تستيقظ. كان هذا بدر الذي أردف بقلق: _إيه أخوي ياسر. صار شيء؟ أردف ياسر وهو يقبل جبين

ابنته النائمة كالأطفال: _لأ يا بدر اطمن. مشكلة واتحلت متقلقش. معلش مش هعرف أكلمك لأن قمر نايمة أهي. أومأ بدر بتفهم وأغلق. تنهد بارتياح بعدما اطمأن عليها وأكمل عمله. بينما وقف ياسر يحمل صغيرته كعادته إلى فراشها حيث سطحها عليه وفرد عليها الغطاء واتجه للخارج. أما في الأعلى فدلف نادر يزرع ردهة شقته ذهاباً وإياباً بغضب. وقفت مي تتجه إليه مردفة بخبث:

_قولتلك متنزلش يا نادر. أنت عارف إن باباك عمره ما هيغلط قمر. كان لزومه إيه ده كله؟ وأكيد هيقولوا عليا إني وقعت الدنيا. اتجه إليها نادر يحتضنها ويردف بحزن: _لأ يا مي. أنتي مغلطيش. أنا مبقاش ليا حد غيرك يا مي.

بادلته العناق وهي تدفن رأسها في صدره وتبتسم بحقد. فهي منذ أن رأت قمر وهي تحقد عليها وعلى حياتها ودلال والدها لها وتلبيته لجميع مطالبها. فهي تربت وسط أسرة فقيرة وأب سيء يتعدى بالضرب على والدتها مما جعل من ذريته غير سوية. *** عودة للحاضر. وقفت قمر تتجه للخارج لتتابع نهارها بأي شكل حتى يأتي بدر ليلاً ويصطحبها. *** عاد بدر من عمله مبكراً كي يصطحب قمر إلى الخارج مثلما وعدها. دلف شقته وجدها ساكنة.

تحرك للداخل وأغلق الباب واتجه لغرفتها يطرق بابها بهدوء. فتحت قمر الباب بعد دقيقة تطالعه بهدوء فشرد في ملامحها وهدوئها الغير معتاد. أردفت هي بترقب وخوف تخرجه من شروده: _هنخرج فعلاً ولا رجعت في كلامك؟ تنهد بارتياح ثم أردف باهتمام: _أكلتي الأول؟ تأفأفت ولفت للجهة الأخرى ثم عادت إليه بنظرها واردفت بتهكم نظراً لمكوثها طوال اليوم بدون هاتف مما جعل الضجر يتمكن منها:

_على فكرة أنا كبيرة كفاية ومسؤولة عن نفسي. متحسسنيش إنك خايف عليا. لو خايف عليا مش هتقفل الباب بالمفتاح وتحبسني هنا لوحدي طول اليوم! لو فعلاً خايف عليا مكنتش وافقت على جوازنا من البداية. لكن أنت عايز بس تبان إنك شهم ووقفت جنب صاحبك اللي ليه فضل عليك. حاولت تردله جميله فيا أنا. انتوا الاتنين حكمتوا عليا بالموت وأنا حية وكل ده من غير حتى ما تسمعوني. نظر لها بتعجب وصدمة وعاد الألم ينهش أيسره. أردف باستنكار:

_أنتي ليه دايماً بتتعمدي توجعيني بالكلام! أنا بحاول جداً أكون متفاهم معاكي لأبعد درجة. وكتير جداً حاولت أتكلم معاكي بهدوء بس أنتي اللي رفضتي تماماً. بقفل الباب بالمفتاح لأني لو تركته مفتوح مش هلاقيكي. أخدت منك الموبايل بعد ما كنت ناوي أسيبه وكنت على علم بيه طول الفترة دي بس أنتي تواصلتي مع الحق*ير اللي اتسبب في كل ده تاني؟ أنتي بتفكري إزاي بجد يا قمر أنا مش قادر أفهم. معقول كل دي غشاوة على عقلك!!!

مسح على وجهه يستدعي الصبر مجبراً أمامها ثم تابع وهو يطالعها: _قمر أنتي مش بتفكري في جامعتك اللي أنتي سبتيها فجأة! مش بتفكري في سمعتك اللي واحد ك*لب زي ده كان هيدمرها! مش شاغلك باباكي الراجل اللي عاش عمره كله ليكي!!! أنتي أنانية للدرجادى؟ كل اللي وصلك إننا جينا عليكي بالعقد الباطل اللي بينا!

فكري صح مرة واحدة بقى. فكري بعقل بنت مرت بتجربة المفروض إنها تكون اتعلمت منها. باباكي فكر في حل يأمنك بيه من أخوكي ومن نظرة الناس ليكي بعد اللي حصل. نظرت له قليلاً بصمت وقد حجب الخسوف عقلها فلم تعد تعلم الخطأ من الصواب. لا تريد تصديق حديثه وتكذيب مشاعرها. ولكنه محق في أمر الجامعة. توترت ملامحها واردفت بحدة لاذعة وهي تبعد عيناها عنه: _وأنا كنت هروح جامعتي إزاي بعد اللي حصل!! نظر لها بتعجب واردف بقليل من الهدوء:

_واللي حصل ده مين اللي عمله! مهو الكل*ب ده. اتسعت عيناها بغضب واردفت مدافعة: _لأ مش خالد. خالد لا يمكن يعمل كدة أبداً هو حكالي الحقيقة. هز رأسه بيأس ثم مسح على رأسه بكفه يستدعي الصبر والهدوء مردفاً: _استغفر الله العظيم. يارب الهمني الصبر ياربي. رفع نظره إليها مجدداً يردف بهدوء: _لو لسه عايزة تخرجي ادخلي البسي وأنا هستناكي برة. التفت ليغادر وقد أرهق عقله حديثها الغير منطقي ولكنه عاد بنظره إليها مجدداً

يردف بنبرة تحذيرية: _البسي حاجة كويسة وشعرك ميظهرش. نظرت له بغيظ. بينما غادر هو ودلفت هي تبدل ثيابها. بعد نصف ساعة نزلت قمر الدرج خلف بدر وهي تشعر بالقليل من السعادة. فهي سترى الشارع بعد شهرين متواصلين لها في هذا السجن كما تنعته. أوقفها على مدخل المنزل مردفاً بهدوء: _استني هنا لما أخرج العربية من الجراج. نظرت للدراجة البخارية التي تصطف بجوارها ثم عادت بنظرها إليه واردفت بترقب وتمنى: _هو ينفع نروح بالمتوسيكل!!

توترت ملامحه قليلاً. فذهابهما سوياً على الموتور سيجعلها أكثر قرباً منه وهذا ما يخشاه ويحسب له ألف حساب. نظرت له باستعطاف تردف بترقب: _علشان خاطري خلينا نروح بالمتوسيكل! تنهد بعمق يطالع حركاتها التي تغلف قلبه بالسعادة ثم لا إرادياً أومأ لها مضطراً فهو لا يستطيع رفض طلباً لها برغم كل ما فعلته وتفعله وستفعله.

أما هي فكانت تفكر بطريقة أكثر مكراً. فبالسيارة ستكون حركتها مقيدة أكثر وهي تنوي تجربة خطة هروب يمكن أن تنفذها إن سنحت لها الفرصة. فك قيد الموتور وصعده بسهولة واحتراف أمام عينيها التي أعجبها ذلك المنظر. أردف وهو يطالعها بترقب: _اركبي بس أهم حاجة ابعدي رجلك عن المنطقة دي خالص (منطقة التروس الخاصة بإدارة حركة الدراجة البخارية)

أومأت وبالفعل صعدت خلفه ثم تلقائياً لفت ذراعيها حول خصره فعقدت معدته وأغمض عينه بسبب حركتها تلك التي أثارت وارعشت سائر جسده وأيقن أنها نقطة ضعفٍ له. تنهد بعد ثوانٍ وقد أدار المحرك واردف باستعداد وحنو: _امسكي كويس. تشبثت به بقوة وتحرك هو بسرعة متوسطة وقد بدأ يقود بمهارة تلفحهما نسمات الهواء المنعشة فينتفخ قميصه أسفل ذراعيها في مشهد جعلها تبتسم عليه وتتذكر والدها عندما كان يأخذها خلفه إلى مدرستها الإعدادية.

أردف بدر متسائلاً بملامح يظهر عليها السعادة: _عايزة تروحي فين يا قمر؟ تنهدت قليلاً وقد تذكرت ذلك المكان التي كانت تذهب إليه مع المدعو خالد. أردفت فجأة بشرود: _فيه مكان حلو ع النيل اسمه **** خدنا عنده. أومأ لها وبالفعل اتجه إليه غير مدركاً لما تفعله هذه الماكرة. *** في فيلا الوزير يجلس خالد في غرفته بغضب. يحاول الوصول إلى قمر ولكنه لا يستطيع. فجميع الوسائل التي تصل إليها خارج نطاق الخدمة.

دلف عليه والده ينظر له بحدة مردفاً مباشرةً دون سابق إنذار: _أنت تواصلت تاني مع البنت اللي اسمها قمر! نظر خالد إلى والده بجرأة واردف: _ليه! خير؟ غضب شريف واردف بحدة: _لما أسألك تجاوب متسألش. جوزها جه هنا وكان عايزك. وأنا هددته بس شكله كده مش من النوع اللي بيخاف. يعني أحسنلك تبعد عنها خالص وملكش دعوة بيها. توتر خالد واردف بقلق وهو يقف: _جوزها! جه هنا امتى؟ أردف شريف بغضب:

_مش مهم جه امتى. المهم تبعد عنها خالص. أنا مش ناقص مشاكل ولا شوشرة. وكفاية اللي حصل قبل كده وقدرنا نلم الموضوع. دي دلوقتي واحدة متجوزة. المرة الجاية لو قربت منها أنا مش ضامن إيه اللي هيحصل.

خرج شريف مندفعاً من غرفة خالد. بينما شرد الآخر يفكر بغضب. فما زال يريد الانتقام من هذا بدر على ما فعله به. هو لم يأخذ غايته من قمر مثلما كان يخطط. إن لم يفعل ما توعد به أمام أصدقائه فتكون وصمة عار بالنسبة له. عليه أن يجد حلاً وخطة بديلة في الحال. *** وصل بدر إلى المكان التي أخبرته عنه قمر. صف الموتور وترجلت قمر وتبعها هو وخطى سوياً إلى الداخل. رحب بهما النادل الذي نظر لقمر وعرفها على الفور ولكنه التزم الصمت.

لم تبالي هي ومرت قاصدة الطاولة التي كانت تجلس عليها مع المدعو خالد. تبعها بدر بتعجب من تصرفاتها. جلسا سوياً وبدأت قمر تشرد في مظهر النيل وتتذكر حبيبها وحديثهما سوياً متجاهلة بدر تماماً. جاء النادل يتطلع عليها ثم أردف موجهاً حديثه لبدر: _اتفضل طلباتكوا إيه! تنهد بدر ونظر إليها متسائلاً: _هتطلبي إيه؟ خرجت من أفكارها على صوته المتسائل واردفت ناظرة للنادل: _تشيز كيك وميلك شيك. أومأ النادل فهذا طلبها المعتاد.

بينما أردف بدر بهدوء: _وأنا قهوة سادة. أومأ النادل وغادر يحضر طلباتهما. بينما نظر بدر لقمر واردف متسائلاً بترقب: _أنتي جيتي هنا قبل كده! توترت ملامحها واردفت بعيون زائغة وكذب: _أنا!! احم آه في مرة أنا والبنات جينا هنا من كام شهر. أول ما دخلت الجامعة. شعر بدر بالضيق وعدم الراحة في حديثها ولكنه قرر الانتظار. بعد دقائق جاء النادل بالطلبات ووضعها وغادر. تناول بدر فنجان القهوة وبدأ يرتشف منه وهو يتطلع

على قمر التي أردفت فجأة: _احم. أنا هروح التواليت. نظر لها بدر بعمق قليلاً قبل أن يومئ. فوقفت هي متجهة للمرحاض الخاص بالمطعم تلقائياً دون سؤال أحد عن مكانه. كان يتابعها بعينه حتى اختفت عن أنظاره وبدأ يشعر بعدم الراحة. أما هي فدخلت إلى الدرة المؤدية إلى المرحاض بالفعل ولكنها اتجهت إلى مكان طهي الأطعمة وأشارت للنادل الذي جاء متسائلاً: _خير يا آنسة! أردفت بتوتر وهي تنظر خلفها: _لو سمحت ممكن موبايلك ثواني؟

هعمل مكالمة بسرعة. نظر لها النادل بقلق ثم أومأ وهو يخرج هاتفه من جيبه وناولها إياه. التقطته منه سريعاً وابتعدت لآخر الردهة ثم قامت بالاتصال على الرقم التي تحفظه عن ظهر قلب. بعد ثوانٍ فتح الخط وأجاب خالد متسائلاً: _الو! أردفت قمر بلهفة: _أيوه يا خالد أنا قمر. تعجب خالد واردف بتساؤل: _قمر! رقم مين ده؟ تنهدت وتابعت:

_اسمعني دلوقتي مش لازم أسأل. أنا في المطعم اللي كنا بنتقابل فيه أنا وأنت. وبدر برة وأنا مش عارفة هاخرج تاني ولا لأ. لو ينفع تيجي تاخدني! توتر خالد قليلاً وبدأ يفكر ماذا إن رآه بدر قبل أن يهربا وقتها هو هالكٌ لا محالة. أردفت قمر بلهفة: _بسرعة يا خالد مافيش وقت. أنا لو روحت مش هعرف أكلمك تاني لأنه أخد الفون مني أنا بكلمك من موبايل الجرسون. أردف خالد بترقب وخبث: _تمام يا حبيبتي. مسافة الطريق وهبقى عندك. بس أنتي جاهزة!

أوراقك معاكي؟ أومأت قمر وقد زادت ضربات قلبها تدفق مشاعر سلبية استحوذت عليها وهي تردف: _آه معايا. جبتهم في الشنطة قبل ما أخرج. أردف بقلق: _تمام. مسافة السكة وهجيلك يا حبيبتي. أغلقت معه وناولت الهاتف للنادل شاكرة ووقفت تسحب شقيقاً قوياً بتوتر وقد بدأت تشعر بالاختناق والضيق لا تعلم لما.

بينما عند خالد الذي شرد يفكر قليلاً في الأمر بقلق خوفاً من بدر أن يراه ولكنه في نهاية الأمر قرر الذهاب فهذه فرصته للانتقام وقد أتت له على طبق من ذهب. خرجت قمر مجدداً إلى بدر وجلست تنظر له ولكنها وجدت ملامحه متهكمة غاضبة. تعجبت بصمت وبدأت تتناول الحلوى التي أمامها متجاهلة إياه. أما بدر فكان يطالعها بصمت ونظرة عتاب حادة كأنه فهم ما تنوي فعله. توترت قليلاً ولكنها ظلت تأكل وتنظر للنيل من حولها بقلق. أما

هو فوقف فجأة واردف بحدة: _يلا بينا. تركت الشوكة من يدها واردفت تطالعه بعيون متسعة وتعجب وقلق: _يلا على فين!!! أنا لسه مخلصتش! أخرج من جيبه بعض الأوراق المالية ووضعها على الطاولة مردفاً بنبرة لا تحمل النقاش: _قولت يلاااا. وقفت منتفضة وقد تهكمت ملامحها. تناولت حقيبتها وخطت معه للخارج بغضب وصمت وهي تفكر. هل كشف أمرها؟ ترك الموتوسيكل مكانه وقد أوقف سيارة أجرة مما جعلها تردف متسائلة: _هنركب تاكسي ليه!!

تجاهلها تماماً وبالفعل توقفت سيارة الأجرة الذي فتح هو بابها الخلفي وأدخلها وأغلق الباب ثم لف وصعد من الجهة الأخرى وانطلقت السيارة عائدة بهما إلى البيت بعدما أفشل مخططها وجعلها تحقد عليه أكثر وأكثر. *** بعد دقائق وصل خالد بسيارته أمام المكان. خشي الترجل على قدمه حتى لا يلتقي ببدر وفضل الانتظار خارجاً ولكن انتظاره سيطول. قرر الاتصال برقم النادل وبالفعل أخرج هاتفه وقام بالاتصال على نفس الرقم. أجاب النادل بترقب: _الو.

تحمحم خالد واردف بتساؤل: _كان فيه آنسة بتكلمني من الرقم ده من شوية!! أردف النادل بهدوء: _أيوه هي مشيت هي واللي معاها من دقايق بس. تعجب وأغلق الهاتف ثم نظر للأمام بغضب وحنق مردفاً: _مشيت! معقول يكون عرف إنها ناوية تهرب! طب وبعدين بقى في الحكاية اللي طالت أوي دي؟ بعد دقائق أخرى وصلت السيارة أمام منزل بدر. ترجل هو وتبعته هي بغضب عارم. دفع للسائق أجرته ونظر لها بحدة مردفاً: _اطلعي.

دبت قدماها في الأرض بغضب وصعدت وهو خلفها إلى أن وصلت أمام شقتهما. فتح الباب ودلفت بغضب متوعدة وتبعها هو مغلقاً الباب خلفه. وقفت في نصف الصالة تطالعه بغضب من فشل خطتها وقد أردفت بتمرد: _أنت إزاي تتعامل معايا كده!!! أومال خرجتني ليه؟ أنت قاصد تهيني قدام الناس! اقترب منها حتى أصبح وجهه قريباً جداً من وجهها واردف بنبرة غاضبة قوية متألمة: _للدرجة دي شايفاني صغير!! للدرجة دي شايفاني غبي!! ولا عشان أنا بتعامل معاكي بلين!

لازم أكون قاسي وعنيف معااااكي؟ تراجعت خطوة للوراء بخوف واردفت متسائلة بتوتر وزعر وهي تعلم الإجابة: _ليه بتقول كده أنا عملت إيه!! اعتدل يشدد على خصلات شعره الأمامية بقوة وغضب ثم فجأة رطم المزهرية الكريستال التي كانت موضوعة على طاولة عمودية في أحد الأركان بظهر يده بقوة فسقطت وتناثر زجاجها في كل مكان أمام أعين تلك التي دب الرعب في قلبها وهي تراه لأول مرة في حالته تلك.

أما هو فقد جن جنونه وهو يعيد فعلتها في عقله. تقدم منها مجدداً وهي تطالعه بعيون متسعة وتعود للخلف بخوف. بينما هو تجاهل خوفها وظل يقترب إلى أن سقطت على الأريكة من خلفها فمال عليها يردف بحدة وألم: _أخداني المكان اللي كنتي أنتي وحبيبك بتروحيه!!! قاعدة معايا وأنتي بتفكري فيه وفي الكلام اللي كان بينكم!! للدرجة دي انتي ما عندك إحساس! ما شوفتيش إزاي الجرسون كان بيبصلي!! أنا تعملي معي كده!!! أنا تخلي الناس تحكي عني بالعاطل!!!

اعتدل يدور حول نفسه لا يقبل فكرة ما حدث ثم عاد إليها مجدداً يتابع: _إزاي وثقت فيكي! إزاي كنت شايفك مسئولة!! كنتي عايزة تهربي!!! دخلتي الحمام لحتى تكلمي الكل*ب ده صح؟ ردي عليااا. قال الأخيرة بصراخ أفزعها وجعلها تومئ بصمت فتابع: _كنت حاسس كده. ولما دورت في شنطتك وشوفت أوراقك وجواز سفرك اتأكدت. ليه بتعملي معي كده، ليييه؟

بدأت قمر تبكي بقوة وتهز قدماها لا إرادياً بخوف. نظر لحالتها قليلاً قبل أن يغمض عينه ويقرر الهدوء بعض الشيء. اتجه يجلس على الأريكة المجاورة يضع رأسه بين كفيه وبغمض عينه بألم. بينما هي زاد بكاؤها وبدأت تنتحب وترتعش مما جعله يستغفر سراً ثم أردف بهدوء نسبي: _اهدى يا قمر. لم تهدأ قمر بل زادت حالتها تلك فاستغفر ووقف يتجه للمطبخ بحذر وعاد بعد ثوانٍ يحمل كوب ماء ثم مد يده إليها يردف بحنو: _اشربي يا قمر واهدي.

هزت رأسها معترضة وهي تردف ببكاء وصوت متحشرج: _مش عايزة حاجة. تنهد بضيق ووضع الكوب على الطاولة. قلبه يجبره على تهدئتها وعقله يجبره على الابتعاد. ظلت تبكي وترتعش تحت أنظاره لدقائق وبالطبع تغلب قلبه على عقله واتجه إليها يجلس بجوارها بترقب وقلق من أن تعنفه أو تبعده كعادتها فهو لم يعد يحتمل ردود أفعالها المجنونة هذه.

جلس ومد يده يربت على ظهرها بحنو وحزن. ولكنها فاجئته وارتمت بين ذراعيه تبكي وكأنها تحتاج إلى الاطمئنان والاحتواء بشدة. تصلب جسده لثوانٍ يستوعب ما فعلت ثم بدأ يلف ذراعيه ببطء حول جسدها الضئيل يحتويه بين صدره ليشعرها بالأمان ويمتص خوفها وحزنها ويبث لها الهدوء والسكينة. بعد دقيقتين هدأ فوران قلبه وبردت نار صدره بعناقها المفاجئ له. أما هي فبدأ انتحابها يهدأ رويداً رويداً حتى استعادت وعيها وهدوئها.

تململت من بين ذراعيه ففك قيده عنها واعتدلت هي في جلستها تنظر أرضاً بخجل لما فعلته ولكنها كانت بحاجة ملحة إلى مكان آمن تلجأ إليه ولم تجد إلا صدره. أما هو فتحمحم ووقف مضطراً يبتعد قبل أن يعانقها مجدداً فهذا ما يتمناه منذ زمن. جلس أمامها يطالعها بصمت. أما هي فرفعت نظرها إليه لترى ملامحه كما لم تراها من قبل. وسيم جداً ودافئ. استطاع أن يمتص غضبها وقلقها وخوفها منه بمجرد عناق. أردف هو بهدوء وحنو متسائلاً: _أحسن دلوقتي؟

أومأت بصمت فناولها كوب الماء مجدداً. تناولته هذه المرة وبدأت ترتشف القليل ثم توقفت ووضعته على الطاولة. تنهد يعود بظهره للخلف ثم رفع رأسه للأعلى يغمض عينه. كيف له أن يقنعها أنها مخطئة! تصرفاتها مراهقة غير مسؤولة ستوقع نفسها في الأخطاء. متمردة عنيدة لا تستجيب لا بالعنف ولا باللين. حقاً احتار في أمرها. عاد برأسه إليها يطالعها بتشتت مردفاً: _أعمل معاكي إيه؟ نظرت له بهدوء ثم أردفت بصدق:

_أنا عارفة إن أنا غلطت. بس ده رد فعل لحكمك عليا أنت وبابا. تحشرجت تكمل بحزن: _أنت متخيل لما تحبسني هنا طول الوقت ده كله لوحدي هتصرف إزاي!

أنا أصلاً طول عمري عايشة لوحدي. حتى في بيت بابا كنت دايماً لوحدي وبابا في شغله. بس كنت بتسلى مع أصحابي. إنما هنا أنت حابسني زي المتهمة وحتى ناهد صاحبتي خليتوني أقطع علاقتي بيها. خالد هو الإنسان الوحيد اللي كان بيفهمني. كان بيسليني. مع إني عمري ما خليته يتعدى حدوده معايا. اتصرفت غلط يمكن بس مسمحتلوش يغلط أو يتمادى أبداً. وهو أصلاً تقبل كده وكان راضي ومبسوط كمان. خالد هو اللي فهمني عن أخويا اللي دايماً كان بيتعصب عليا

من أقل كلمة مراته تقولهاله. بابا أيوه كان بيحبني بس معلمنيش الصح ولا الغلط. أعطاني الحرية في كل حاجة بس كنت دايماً وحيدة. أنا كنت محتاجة إيد تطبطب والإيد دي كانت خالد. اللي حصل ده مكنش مقصود أبداً. انتوا اللي فسرّتوه على مزاجكم لأنكم عايزين تقتنعوا إنه وحش وبتسلى بيا. بس لأ هو كان فعلاً هيعرفني على مامته وباباه وبعد ما هيطلب إيدي رسمي من بابا. وحتى الصور اللي انتشرت دي هو مالوش علاقة بيها. بس انتوا حكمتوا عليا

بالإعدام. خلتوني أمضي على عقد جواز غصب عني. حتى أنت اللي كنت مفكر إنك غير بابا. طلعت زيه وحبستني هنا في بيتك وبقيت تعاملني بجفاف بعد ما كنت بتتعامل معايا حلو. كل حاجة هنا بقت تخنقني وبقيت بحس إني هموت لو خرجت من هنا. أنا كنت عايزة أكمل تعليمي وأتخرج وأفرح وأتجوز اللي بحبه زي أي بنت. أنا مغلطتش أبداً. أنا حبيت وده مش عيب.

عاد قلبه يؤلمه من جديد. هي تعترف بحبها لآخر أمامه وعليه أن يتفاهم ويتقبل ذلك. لا تراه أبداً مخطئ ومخادع وعليه أن يتقبل ذلك. لما لا ترفق بحالته اليائسة! لما لا تباااالي! يعلم أنها تفكر في غيره وتفضل غيره وعليه أن يتقبل بالإجبار. عليه أن يعشقها في صمتٍ تام. حتى لو انفجر قلبه وسط قفصه الصدري من شدة الألم فليصمت. حتى وإن أدمعت عيناه دماً فليصمت. حتى لو احترق دمه وجف من عروقه فليصمت. يكفي أن تكون هي ملكة قلبه.

تنهد بضيق يبتلع حلقة مريرة ثم أردف بهدوء: _طيب يا قمر لو جبتلك دليل إنك كنتي غلطانة وإن خالد ده كان كذاب واستغلالي! ياترى هتصدقي؟ نظرت له بعمق تفكر قليلاً. هل يمكن أن تثق بدليله أكثر من كلام حبيبها! أومأت عندما طال تحديقها به وقد تيقن إجابتها. أردف بهدوء وقد استنفذت تلك المسألة روحه وجهده:

_تمام. بس برغم كده هجيبلك دليل قوي. برغم كده يا قمر هحاول أثبتلك إنك كنتي غلط ووثقتي بالشخص الغلط. هكون متفاهم معاكي لأبعد درجة تتخيليها. وبالنسبة لصاحبتك أنا هخليكي تشوفيها. ومحاضرات الجامعة هتكون عندك من أول بكرة وتبدأي تذاكري وتهتمي بمستقبلك وتنسي الماضي شوية. من أول بكرة يا قمر عايزك ترجعي قمر البنوتة بتاعة زمان باستثناء حكاية خالد ده تماماً لحد ما أجيبلك دليلي. وقتها بدك تصدقييني أو بخرجك من سجني.

نظر لها نظرة أخيرة ثم وقف ليجمع قطع الزجاج المكسورة ولكنه التفت إليها مجدداً يتابع: _لو عايزة كل الأمور توضح أمامك! ولو حابة إن ينور بصيرتك؟ جربي تصلي يا قمر. اتجه إلى المطبخ ليحضر أدوات التنظيف. بينما هي شردت تفكر في حديثه المقنع نوعاً ما. وقفت وتحركت بهدوء إلى غرفتها. ولكن قبل أن تصل إلى الباب انحنت تصرخ بألم أثر قطعة الزجاج التي جرحت قدمها.

أسرع بدر إليها تاركاً ما بيده وهو ينحني على ركبتيه ويتمسك بقدمها مردفاً وهو يرفعه إلى أنظاره يتفحصه: _أنتي قمتي ليه دلوقتي بس!! كانت تتألم وقد بدأ الجرح ينزف ولكنها اردفت بتمرد: _برضه هتلومني أنا! مش أنت اللي كسرت الفازة؟ هز رأسه بقلة حيلة وهو يضغط على الجرح ثم وقف وحملها فجأة عائداً بها بحذر إلى الأريكة.

مددها عليها واتجه يحضر علبة الإسعافات الأولية ثم عاد ينحني بجانب قدميها تحت أنظارها المتعجبة. بدأ يطهر الجرح وهي تنكمش وتتألم تحت أنظاره وقلبه الذي شعر بالندم من غضبه وتهوره الغير معتاد. ضمد جرحها البسيط واعتدل يجلس مجدداً يطالعها بتنهيد قبل أن يردف بهدوء: _أنا آسف. آخر شيء أقصدُه هو أني أجرحك يا قمر. نظرت لعيناه وعندما وجدت بداخلهما بريقاً غريباً توترت وأبعدت نظرها تردف بتلعثم:

_لاااا. أبداً. حصل خير. مانا كمان كسرتلك البيت كله امبارح. شبح ابتسامة ظهرت على فمه ثم أومأ لها ووقف يردف: _زي ما أنتي متتحركيش لحد ما أجمع الإزاز ده كله.

أومات له وبالفعل بدأ ينظف المكان بنفس الطريقة السابقة وهي تتابعه بنظرة جديدة وقد رأت جانب جديد من شخصيته. جانب حنون متفهم. فبعد ذلك الموقف التي ظنت أنه سيعاقبها على ما فعلته وسيعنفها جاء هو بتصرفه وخالف توقعها. فقط جعلته دموعها يتراجع. حسناً إذاً هذا سلاحها الجديد معه الذي ستستعمله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...