عاد بدر مساءً بملامح حزينة بعدما قضى حوالي ساعتين يفكر في حديثها… يفكر في معاملتها له هذا الأسبوع… كم كانت حنونة، مراعية حتى لريحانة… تذكر أفعالها وعرضها لفكرة الأطراف وتقديم المساعدة المالية بكل رضا ودون مقابل. فتح باب شقته ودلف يتنهد بعمق… جال المكان بأنظاره يبحث عنها… استقر بنظره على غرفتها المغلقة… لعن الباب هذا… لما عليه أن يحجبها عنه! أولم يعلم هذا الباب الملعون أن قلبه لن يهدأ أو يطمئن إلا برؤيتها!
لما لا يرفق هذا الجماد بحاله! خطى عدة خطوات حتى توقف أمامه… سحب شهيقاً يهدئ به لوّعة صدره… مد يده يطرق الباب بهدوء وينادي بنبرة مشتتة: "قمر! لم يأتيه رد فأدار مقبض الباب بحذر ولكنه وجده موصوداً من الداخل. تعالت أنفاسه ووضع جبهته على الباب يردف بصوت معذب: "قمر بلا ما نوجع بعض! افتحي هالباب… لا تضغطي علي! بفهم بشو عم تفكري… وبعرف إنه ما إلك ذنب بكل يللي عم يصير… بس خلينا نحكي."
أما تلك التي رأته من شرفتها عندما عاد فقد ظلت واقفة تنتظره بقلق وقلبٍ منقبض على حالته فما زالت ساقه متعبة. ركضت مسرعة عندما أغلق باب شقته وقامت هي الأخرى بإغلاق باب غرفتها ثم وقفت خلفه بترقب وها هي تستند بجبهتها عليه هي الأخرى تنهمر من عينيها دموعاً حارقة وهي تستمع إلى صوته بعذاب.
زفر بضيق وفك… الأول يشعر بقبضة حول رقبته تخنقه… قرر تركها متجهاً إلى غرفته… استمعت إلى خطواته العائدة وكادت أن تفتح بابها لولا الجزء العنيد فيها أجبرها على إكمال ما تنوي فعله. عاد لغرفته ودلف مرحاضه ليغتسل ويؤدي فرضه وينام بعدها لتكون هذه أول ليلة خصام بينهما. *** في الصباح استيقظ بدر بتكاسل تماطأ وترجل من فراشه متجهاً إلى المرحاض ليستعد للذهاب لعمله الذي تركه منذ أسبوع.
ولج للخارج من غرفته قاصداً غرفتها ولكنه تفاجأ بها تقف في المطبخ تعد الفطور فأنشرح صدره ونظر لها باشتياق. بادلته بابتسامة باهتة تجاهد لإظهارها مردفة: "صباح الخير." تعمق في ملامحها وطريقتها الهادئة… تنهد بعمق ثم تقدم منها يطالعها بحنين مردفاً: "كيفك قمر! حاولت جاهدة أن تبدو طبيعية واردفت وهي تضع قطرات العسل في صحنه بالملعقة الخشبية: "كويسة يا بدر… يالا علشان نفطر وننزل ع المطعم."
جلس على طاولة الطعام يطالعها بترقب وحنو مردفاً: "ما في داعي تجي قمر… ضلي هون أنا صرت منيح." أردفت بلهفة: "لأ يا بدر هاجية معاك واشوف بنفسي." هدأت قليلاً تطالعه مردفة بتحمحم: "احم… علشان بردو عايزة أطمن على بابا." أومأ بهدوء وجلسا الاثنان يتناولان فطورهما سوياً بهدوء غير معتاد لا يعجب بدر حتى أنه كاد أن يتحدث ولكنها ادعت انشغالها بأمورٍ أخرى كي تبتر أي حديث.
انتهى ونزلا سوياً وتوقف بدر أمام شقة ريحانة يطالع قمر بترقب فوجدها ساكنة تعبث بحقيبتها أو هكذا ادعت. طرق بابها وانتظر دقيقة ففتحت ريحانة تطالعهما بحزن خصوصاً قمر التي تشعر تجاهها بعذاب الضمير خاصةً بعدما رأت ملامحها الباهتة. أردف بدر بترقب: "صباح الخير ريحانة… بدك مني شي… اليوم رح أرجع ع المطعم." أومأت تردف بابتسامة هادئة: "اتيسر ابن عمي الله معك." أومأ ونظر لقمر يردف بترقب: "رح اطلع الموتور من المخزن."
أردفت قمر معارضة بتوتر: "بلاش الموتور يا بدر خلينا نروح بالعربية." تنهد يطالعها بعمق وتعجب. أومأ يزفر بضيق ونزل وتركهما تقفان سوياً. وكانت ريحانة تريد هذا الأمر بشدة حيث أردفت بحزن: "قمر! … انتِ زعلانة مني؟! نظرت لها قمر بتأمل قليلاً ثم ابتسمت تدنو منها قليلاً وتتمسك بكفيها مردفة بهدوء وحنو:
"ريحانة متحمليش نفسك فوق طاقتها… ولا تحسي إنك ظلمانى خالص. انتِ أبعد ما يكون إنك تظلمي حد… انتِ إنسانة جميلة… متزعليش نفسك. واللي بيني وبين بدر أمور تانية تماماً بعيدة عن موضوعك معاه." هدأت ريحانة قليلاً واستكانت روحها وأردفت بحنو: "لكان وينا البسمة اللي ع وجك! هاي مانا قمر اللي بعرفها! ابتسمت لها قمر بهدوء واردفت بعدما أنبهها بدر: "أنا هنزل علشان بدر… وانتِ اتجدعي ووريني همتك في التفصيلات اللي صممتيها."
أومأت لها ريحانة بسعادة بينما الأخرى أسرعت تنزل الدرج ومنه إلى الخارج حيث استقلت سيارة بدر الذي يطالعها بترقب بينما هي مثلت انشغالها بربط حزام الأمان الخاص بها وهي تعلم أن عينه مسلطة عليها ولكنها تجاهلته. أما هو بدأ يقود إلى وجهته بنفسٍ ثقيلة وكأنه يحمل فوق صدره صخرًا بسبب هدوئها هذا. *** في المطعم يقف نادر وياسر كعادتهما يعدان الأطعمة بينما رن هاتف نادر برقم غير مسجل. أخرج هاتفه يطالعه بضجر فتساءل والده:
"مين يابني اللي عمال يرن عليك ده! زفر بضيق واردف: "هيكون مين يا بابا… أكيد هي مي… مهي مبطلتش اتصالات من وقت ما طلقتها… أنا بجد تعبت… أحسن حاجة أعملها أغير شريحتي." تنهد ياسر يطالعه بعمق ثم أردف بهدوء: "لو هترتاح كدة غيرها يابني… لأن هي مش هتسيبك… وشوية كدة هتلاقيها جتلك هنا." نظر لوالده بعيون غاضبة واردف:
"متعتمدش تيجي هنا… هي عارفة أنا ممكن أعمل فيها إيه… وبعدين مانا دفعتلها المؤخر كله على داير مليم… تحمد ربنا وتروح تشوف حالها بعيد عني بقى." رن هاتف ياسر بنفس الرقم فتعجب ونظر لابنه مردفاً: "ده رقم غريب بردو! … معقول تكون هي! تنهد نادر يطالع والده بترقب بينما أجاب ياسر يردف: "الو! أردفت هي على الجهة الأخرى بلهفة:
"أيوه يا عمي… أنا مي… وحيات قمر عندك يا عمي تخلي نادر يكلمني… أنا خلاص مش هعمل كدة تاني دي كانت وزة شيطان ومش هتتكرر… قوله يسامحني يا عمي وأنا هرجع وأعيش خدامة تحت رجليه." تناول نادر الهاتف من والده واردف بغضب أعمى: "إنتي إيه يا بني آدمة إنتي… مش قولنا خلصنا! … خلي عندك شوية كرامة بقى وحلي عني… أنا كرهت اليوم اللي عرفتك فيه." أردفت هي بلهفة وبكاء:
"حقك عليا يا نادر… أمي هي السبب هي اللي ضحكت عليا عشان أجيبلك العيل اللي كان نفسك فيه." أردف بصراخ متجاهلاً المكان والعيون التي تطالعه: "عايزة تجيبلي عيل ابن حراااام!!! … احمدي ربنا إني سبتك ومبلغتش عنك بعد اللي عملتيه ده… بس لو فكرتي تتصلي عليا أو على أبويا تاني متلوميش غير نفسك." أغلق الخط بوجهها ومال يستند على حافة الطاولة ويتنفس بقوة صدره يعلو ويهبط بعنف… اتجه ياسر الذي أردف للعمال: "يالا كل واحد يشوف شغله."
فضّ تجمعهم وربت على كتف ابنه يردف بتروي: "اهدأ يابني… اهدأ حصل خير… يمكن ربنا نجاك منها عشان يعوضك باللي أحسن منها." *** أما عند مي التي بدأت تصرخ وتنتحب بشدة فأسرعت فردوس إليها لتحاول تهدئتها مردفة: "خلاص بقى يا مي اهدى… هيرجع يا عبيطة بس هو واخد على خاطره شوية من اللي حصل… أنا مش عارفة بس إيه عرفه إننا هناك." صرخت مي بها تردف بحدة:
"خلاص بقى بطلي كلامك ده… إنتي السبب في كل اللي أنا فيه… إنتي اللي وصلتيني لكده… دخلتيني في سكة الأعمال والدجالين لما تدمرت واتطلقت." أردفت فردوس بحدة مماثلة تعنفها: "بقى كده! … بقى كده يابنت بطني دي آخرتها لأمي اللي ياما عملت عشانك!
… ده أنا خليته زي الخاتم في إصبعك وبقى يعملك اللي انتِ عايزاه… أوْعي تفكري يا حلوة إنك عملتي كده بشطارتك لاااا… دي سكة الأعمال والدجالين اللي مش عاجبينك هي اللي عملت كده… قولي بس إنتي اللي غبية وجبانة لو كنتي سمعتي كلامي من أول كان زمانك في حتة تانية." نظرت لها باستنكار مردفة: "يعني إيه!! … يعني إنتي كنتي عامليالي عمل مع نادر! ضحكت فردوس بتهكم تردف:
"أيوه طبعاً وده مش عمل ده حجاب يخليه تحت أمرك… مانا كنت عاملة واحد لأبوكي قولي بس هو اللي راجل سو مطمرش فيه خير." نظرت لها بصدمة وذهول وهي تهز رأسها لتتأكد أن والدتها أضاعت مستقبلها بتلك الخرافات التي لا تنفع بل تضر وتخرب حياة من اتبعها. *** وصل بدر بسيارته في الشارع الخلفي للمطعم… أردف بحنو وترقب: "انزلي قمر وأنا بصف السيارة وبألحقك."
أومأت وترجلت من السيارة ثم خطت تقف جانباً تنتظره بينما هو صف السيارة وترجل منها متجهاً إليها يردف بترقب: "ليه ما دخلتي! تنهد تطالعه مردفة بهدوء: "مستنياك." ابتسم بحنو ودلفا معاً للداخل يلقي بدر السلام على ياسر ونادر فأسرع ياسر إليهما يسلم عليهما بترحاب ويعانق ابنته. كذلك تقدم نادر من بدر يردف بترحاب: "حمدالله ع السلامة يا بدر… نورت مكانك." أومأ بدر يبتسم بهدوء مردفاً: "تسلم نادر."
تطلع نادر على قمر التي تقف بجانب بدر تنظر أرضاً فأردف بقلبٍ حن واشتاق إليها: "ازيك يا قمر! رفعت نظرها إليه تطالعه بعمق ودهشة فرأت عيونه الباهتة وملامحه الحزينة فرق قلبها لأجله وأسرعت تعانقه فجأة دون سابق إنذار وكم كانت هي بحاجة ملحة لهذا العناق… كم تحتاج إلى مأوى يفهم ويترجم داخلها دون أن تتفوه بحرف.
تعجبوا جميعاً بينما بدر نغزه قلبه بشعور الغيرة والتملك ولكنه حكم عقله قليلاً وهدأ يسعد لأجلهما. أما ياسر الذي انشرح فؤاده بسعادة بلغت عنان السماء وهو يرى حال ذريته ونادر وكأنه كان متلهفاً لهذا العناق حيث أحكم قبضته عليها وظل معلقاً بها يعانقها باشتياق وحنين وأخوة لوثتها النفوس المريضة وها هي تعود لمجدها.
ظلا على حالتهما تلك لدقائق وقمر تبكي بفرحة وحنين وألم وانكسار أما هذا العاشق الذي حركه قلبه وكاد أن يخطى مردفاً بهمس وغيرة عندما طال عناقهما: "بيكفي هيك." ولكنه توقف عندما ابتعدت قمر عن شقيقها وتطالعه بدموع ونادر يضم وجهها بكفيه ويزيل قطرات الدموع بإبهامه مردفاً بحنو: "وحشتيني يا مرمر… وحشتيني أوي." ابتسمت بسعادة على لقبها الذي كان يناديها به في السابق واردفت مبتسمة: "وأنت كمان وحشتني أوي يا نادر."
تنهد بارتياح وسعادة بينما تقدم بدر منهما واردف بحنو: "خلصنا بقى بيكفي بكي… وانتِ قمري يالا اعدي هون بتكون أجرك بتوجعك." طالعته بعمق وحب ثم التفتت تطالع نادر بسعادة وكذلك والدها… نزلت عبراتها مجدداً وهي ترى عائلتها تلتف حولها… والدها الذي مدها بكمية دلال تكفي العالم وتفيض… شقيقها الذي غاب عنها وعاد لتوه بحنانه وحبه… قلبها وروحها الذي أعطاها وببذخ كل شيءٍ كانت تفتقده.
تفكر وتفكر… يالها من محظوظة… نعم حرمت من أم وحنانها وصحبتها وعناقها ولكن في نهاية الأمر جاء العوض على هيئة بدر. أردف ياسر بسعادة: "يالا يالا يالا كله يشوف شغله احنا هنكسل ولا إيه… وانتِ يا قمرى… تعالي اعدي هنا." اتجهت تجلس بجوارهم بينما أسرع بدر يبدل ثيابه بالروب الأبيض الخاص به ويغسل يده بالمعقم ليبدأ الطهي الذي غاب عنه منذ أسبوع حيث اشتاق له. بينما هي جلست تطالعه كعادتها بحب… بعذاب… بتنهيدة ملّوعة. ***
في منزل أم محمد حيث حضر ابنها ليساعدها في جمع الأغراض وكذلك فعلت شيماء ابنتها. جاءت السيارة لتنقل أغراضهما وجاء معها شقيقها محمود الذي صعد يطرق بابها ليبدأ بحمل الأغراض معهما ونقلهما للأسفل. بعد حوالي ساعة انتهوا من تنزيل الأغراض بمساعدة الشيالين أيضاً وتجهزت أم محمد تستعد للمغادرة ولكنها اتجهت تطرق باب ريحانة. فتحت ريحانة تطالعها بعيون لامعة مردفة بحزن: "خلص خالتي… بدك تروحي! دنت الجارة تعانقها بحنو مردفة بدموع:
"مش هسيبك يا حبيبتي… هجيلك كل يوم أعد معاكي وهكلمك في التليفون… خدي بالك من نفسك يا حبيبتي." أومأت لها ريحانة بينما ابتعدت أم محمد تطالعها بحنو ولكن قاطعهما صعود محمود شقيقها يردف بعجلة: "يالا يا أم محمد." ولكنه توقف عندما نظر ورآها للمرة الثانية… نبض قلبه لا إرادياً للمرة الثانية لرؤيتها فأومأ لها برأسه يحييها بينما هي تعجبت لأمره. أما الجارة فأردفت بسعادة: "ده أخويا محمود يا ريحانة أبو سدرة."
تطلعت على شقيقها وأردفت: "ودي ريحانة يا محمود حبيبتي وأختي الصغيرة." أردفت ريحانة باحترام وهدوء: "أهلاً وسهلاً يا أستاذ محمود." ابتسم محمود بهدوء ونفض الأفكار من رأسه… لعن نفسه وتذكر أنها زوجة صاحب البيت مردفاً بهدوء قبل أن يعود أدراجه: "أهلاً بحضرتك." نزل الدرج يلعن حظه وقلبه الذي نبض لملاك ليست خالية بينما ودعت شقيقته ريحانة وغادرت هي الأخرى معه ومع أولادها. *** في منزل سلوى تتجمعن حول مائدة
الطعام فأردفت بثينة بترقب: "ناهد الجامعة هتبدأ بكرة! أومأت ناهد تردف وهي تتناول قطعة خبز: "أيوه يا بوسي… هروح مع قمر… هي كلمتني نبقى نمشي سوا." أومأت بثينة تردف بترقب: "حلو أوي إن قمر هترجع الجامعة… تعرفي إن قمر محظوظة بوجود شخص زي بدر في حياتها." أومأت ناهد تردف بتأكيد:
"قمر برغم إن عمي ياسر ونادر بيحبوها جدا وكل طلباتها كانت مجابة بس اتحرمت من اللي عندنا يا بثينة… اتحرمت من الاحتواء… بعد موت بابا الله يرحمه بالرغم من إنه مات واحنا مش صغيرين أوي بس ماما احتوتنا أنا وإنتي وكانت صديقتنا وشاركتنا حياتها وخلتنا نواجه معاها أي مشكلة عشان نقدر فيما بعد نعتمد على نفسنا… إنما قمر اتحرمت من كل ده بسبب خوف عمي ياسر عليها ودلعه ليها… قمر راحت لأسوأ شخصية عشان خاطر اعتقدت إن هو ده اللي هيحتويها
فعلاً… بس لأن ربنا بيحبها وعارف قلبها وشايفه بعتلها بدر… قمر الأول كانت بتحاول تاخد ومش عارفة تعطي لأن أصلاً كانت محتاجة حاجات كتيييير… إنما قمر دلوقتي هتبدأ تعطي كل اللي حواليها حب… لأن بدر بيحبها بجد… وهو كمان كان محتاج جدااا قمر الشقية في حياته… بدر مثال حي للزوج الصالح اللي ربنا قال عليه… بس للأسف أغلب الأزواج حالياً ميعرفوش من كلام ربنا غير مثنى وثلاث ورباع واضربوهن وبس."
أومأت بثينة تردف بعيون لامعة: "معاكي حق يا ناهد… هو أنا بصراحة مستغربة تقبل قمر للوضع اللي جه فجأة ده وزوجة بدر اللي رجعت من الموت بعد السنين دي كلها… بس لما عرفت اللي حصلها صعبت عليا أوي… للأسف زيها كتير الحرب دمرت حياتهم… بصراحة الله يكون في عون قمر… بس يارب بدر ميظلمش حد منهم… إحنا حوالينا أشباه رجال ظالمة أوي… وللأسف بيبقوا فاكرين نفسهم رجالة بحق وهما ذكور بتستقوى على مخلوقات أضعف منهم عشان يثبتوا قوتهم."
ربتت سلوى التي تتابع بصمت على كف ابنتها تردف بحنو وحزن: "متزعليش على زوج سيء… يمكن ده اختبار من ربنا… بس خلي عندك يقين إنه هيعوضك… وأهو لو على مدحت هنبعد عنه خالص… ويكفي إننا طلعنا منه بآسر… لأجله تكرم ألف عين." قالتها وهو تدنو من حفيدها تقبله بحنو والصغير يهلل فرحاً. نظرت بثينة لصغيرها بسعادة ودموع واردفت بعزم وشموخ: "معاكي حق يا ماما… الحمد لله إني هخلص منه في أسرع وقت… برغم إن سكوته ده مقلقني."
تنهدت سلوى بقلق ولكنها نظرت لابنتها مطمئنة تردف: "سبيها على الله ياحبيبتي." *** في المطعم كانت قمر تقفز كل عشرة دقائق تسحب بدر من معصمه وتجلسه بالاجبار ليتسرح عشر دقائق أخريات والآخر يطيعها بسعادة برغم أنه لم يستطع إكمال عمله براحة ولكنه يعلم أن هذه التصرفات نابعة من خوفها عليه لذلك يستقبلها بحب. أما نادر الذي يقف يقهقه على شقيقته المجنونة بينما ياسر يطالعها بتعجب مردفاً بضجر:
"لااااا… ده مش طريقة شغل دي… ما تركزي يا بنتي مهو كويس أهو… إنتي هتنطي له كل ثانية! … هو لو تعب هيعد لوحده." تطلعت على والدها تردف بترقب وقلق: "يا بابا جرحه ممكن لا قدر الله ينزف تاني… وقتها بقى هتنفعني في إيه الكبة السورية والكنافة النابلسية!!!! نظر ياسر باستنكار لبدر الذي يبتسم بسعادة مردفاً: "فرحان أوي سعادتك!!! … طب لما هو كده جيت ليه كنت أرتاح في البيت وسيبنا نعرف نشوف شغلنا." أومأ بدر يردف بحب وحنو وهو يطالعها:
"روقي قمر الزمان أنا منيح ما تعتلي همي." نظرت له بحب ثم اخفضت بصرها لتقطع حديث العيون ولتفصل بين هذا الأمر وأمر طلاق ريحانة فهي لن تتخذ منه موقف على حساب صحته بالتأكيد. تنهدت تجلس بضجر وتردف: "خلاص يا بابا هسكت أهو… بس على فكرة انتوا كده هتخلوني أروح الجامعة وأنا قلقانة عليه… كده انتوا مش هتاخدوا بالكم منه وممكن كمان إنت وابنك تضغطوا عليه في الشغل." طالعها والدها باستنكار لثوانٍ ثم نظر لبدر واردف بضجر وطريقة حانقة:
"خد الهبلة دي روحها وابقى ارجع لوحدك." انفجرت قمر تقهقه عالياً بضحكة رنانة نابعة من أعماق صدرها على هيئة والدها مما جعلهم جميعاً يضحكون عليها وكذلك بدر الذي كان يطالعها بعشق وعذاب. *** مساءً عاد بدر مع قمر إلى منزله. صعدا الدرج وتوقفا أمام شقة ريحانة يردف بترقب: "انظري قمر لحتى نطمن ع ريحانة." نظرت له بعمق… تود الانتظار حقاً ولكن أجبرت نفسها على القول: "طيب هطلع أنا أغير لحد ما تيجي."
غادرت تصعد أمامه أنظاره المتنهدة بعمق بينما هو طرق الباب وفتح يدلف وينادي على ريحانة التي خرجت من غرفتها تطالعه بعيون مرهقة وهدوء: "أهلين بدر كيفك! تطلع عليها بترقب ثم اتجه يجلس ويردف: "أنا تمام… بس إنتي فيكي شي؟! تنهدت بعمق تخطت بكرسيها حتى توقفت جانبه واردفت بابتسامة هادئة: "لا أنا تمام بس ضليت طول اليوم أفصل موديلات وما حسيت ع حالي." أومأ بتفهم ثم أردف بترقب: "يبدو أنك كتير متحمسة لهالموضوع ريحانة!
أومأت تردف بحماس: "إيه يا بدر كتيير متحمسة." تنهد ثم أردف بترقب: "وأنا رح أبلش من بكرة إن شاء الله… بس ما رح يكون هون بالشقة… رح أفتحلك شقة الخالة أم محمد لحتى تكوني براحتك… ورح أجيب الماكينات من حدا بعرفه ما تعتلي هم." نظرت له بذهول وامتنان تردف شاكرة: "هيك كتير ابن عمي… عند جد كتير." أردف بحنو وترقب: "ما في شي بيكتر عليكِ ريحانة… قوليلي إذا بدك شغلة تانية! هزت رأسها تردف بامتنان:
"تسلم من كل شر… بس إذا بتسمح بدي أجي معك لحتى أختار الماكينات… لأنه أنا بدي ماكينات من نوع خاص." أومأ يردف وهو يقف: "إيه تكرم عيونك… بتيجي معي وبتختاري شو ما بدك." أومأت بسعادة فها هي تقترب من تحقيق حلمها الذي طالما حلمت به وهذا بفضل الله ثم بدر. أما هو فأردف متسائلاً يقف قبل أن يغادر: "إذا احتجتي أي شي دقي لي." أومأت له تردف بهدوء: "باقي شي أخير بدر وما ح ارتاح إلا إذا بتساوي لي إياه!
تنهد ونظر لها بعمق يعلم جيداً طلبها… تساءل بتشتت وخوف: "جاوبيني ريحانة بالاول… هالطلب سببه قمر؟! تطلعت عليه قليلاً ثم اردفت بتروي: "أُعد بدر." جلس مجدداً يترقب حديثها فتابعت: "هلا إذا هالشي صار وانت معي… وما كنت اختفيت عن حياتك 10 سنين… بتعتقد إني كنت رح أضل زوجتك!! أردفت بتأكيد وشهامة: "وإنت بتعتقد إني كنت رح أطلقك! أومأت بتأكيد تردف: "إيه بدر… ما كنت ح ارتاح لحتى أنفصل عنك وأتركك تكفي حياتك براحة… بتعرف شو السبب!!!
… لأنني ما في آخد وما أعطي… بيكفي إنه كنت رح تضل معي وأنا ما بجيب ولاد… أما بعد هالابتلاء ما فيّ بدر… ما فيني آخد منك اهتمام ورعاية وحنان وتقبل وما أعطيك شي بالمقابل… رح أتوجع لآني رح أكون قصرت بحقوقك اللي أي زلمة بدو ياها وأبسطها إنه يكون إلك ولد… افهم عليا هاي طبيعتي… إنت ضحيت كرمالي وكرمال العيلة كتير وهلا دوري… اخرج قمر برا حساباتنا… وصدقني هاي رغبتي وهاد قراري… فكر فيه منيح وردلي خبر… وأنا رح أضل بنت عمك لآخر العمر."
اقترب منها قليلاً ثم مد يده يتمسك بكفيها بحزن مردفاً: "وأنا عند قولي ريحانة…. أنا ما فيّ أتركك هلا… وما كنت هأترك قبل." وقف يتجه للباب فأردفت بترقب وثبات وجدية: "وما فيك تجبرني ع وضع ما بدي ياه بدر." التفت يطالعها بعيون مشتتة ضائعة ثم قرر الصعود بعقلٍ مشوش وصراع بين الواجب والضمير والقلب. أما هي فتنهدت بعمق تغلق عينيها بحزن على ما وصل إليه الوضع… فثلاثتهم بين ليلة وضحاها مُحيت السعادة من عيونهم وغلف الحزن ملامحهم.
تركها وصعد للأعلى يفتح باب شقته ثم دلف وأغلق خلفه وعيناه تبحث عنها. زفر براحة وهو يرى غرفتها مضيئة وبابها الملعون هذا مفتوح. خطى باتجاهها بقلبٍ ينبض بعنف حتى دلفها ولكنه تعجب من خلوها. وُلج خارجاً ليبحث عنها ولكن لم ينتظر كثيراً حيث خرجت لتوها من المرحاض الخارجي تجفف يدها بمنشفة وترتدي منامة طفولية… رفعت نظرها إليه تطالعه بترقب فلمحت الحزن في عيناه… رق قلبها له واردفت بتوتر وقلق: "إنت كويس! تمعن في ملامحها
بعيون معذبة واردف بتساؤل: "كيف شايفتيني! تحمحمت واردفت بتوتر ومراوغة: "يمكن تعبت في الشغل النهاردة!! اتجه إليها حتى توقف أمامها… نزل بنظره لعيناها يردف بحب وحنين: "ما في شي بهالدنيا بيتعبني وبيشتتني متل بعدك عني." سحبت شهيقاً قوياً تهدئ به لوعة صدرها واخفضت بصرها لا تقوى على النظر إليه بينما هو أصبح في حالة أخرى واستحوذت عليه مشاعر الحب من قربها.
مد يده يرفع وجهها الخافض إليه وتوحدت أنظارهما وتحدثت العيون تبوح بمشاعر كليهما فسمح لنفسه أن يميل ويتذوق شهدها باشتياق وحب… يقبلها بحنو وتعمق وهي بين يده ساكنة.
ظل هكذا يعانقها ويقبلها مبتعداً بعقله عن العالم وما فيه بينما هي نبهها عقلها المهموم فانكمش قلبها بشعور مؤلم مخالف وخائن لهذه المشاعر فلم تجد سبيل إلا دمعة حارقة نزلت من عينيها المغلقة على وجنتها وصولاً إلى شفاهها ملامسة لشفاه هذا المحلق مما جعله يستيقظ ليسقط على أرض الواقع مبتعداً عنها وهو يفتح عيناه يطالعها بصدمة عندما توالت العبرات من عينيها المغلقة يردف بذهول وروحٍ معذبة: "قمر إنتِ عم تبكي!!
فتحت عيناها تطالعه بعمق والدموع تحيطهما فحاولت تجفيفهما بكفيها واردفت بصوت متحشرج متألم وهي تخفض رأسها: "معلش يا بدر أنا لازم أنام بدري عشان بكرة أول يوم في الجامعة." مرت من أمامه بخطوات سريعة تتجه لغرفتها تحت أنظاره المصدومة والمتألمة… أغمض عينه بقوة يزفر بإختناق وهو يقول بهمس: "ليه عم تعذبيني وتعذبي حالك… ليه عم تضغطي علي وإنتِ بتعرفي إنه غصب عني… اااه يا اااالله."
قالها بتنهيدة عميقة ثم نظر لغرفتها التي أغلقتها عليها ثم أجبر قدميه على التحرك لغرفته ليتجه لمرحاضه بأنفاس ثقيلة معذبة. *** مر أسبوع على الأحداث انشغلت فيه قمر بالجامعة والدراسة أو هكذا ادعت لتتجنب بدر متعمدة بعد هذا اليوم بحجة انشغالها في مراجعة محاضراتها مما جعله يعطي لها بعد الهدنة حتى لا يكون سبباً في تشتتها وليوفر لها النجاح والتفوق.
أما هو أجبر نفسه على الانشغال بمشروع ريحانة حتى يهدئ أفكاره بها… فاستدعى العمال الذين قاموا بتوضيب الشقة المجاورة وتجهيزها لتصبح مشغل حياكة واصطحب ريحانة معه لشراء الماكينات كما تريدهم تماماً.
أما حياته طوال الأسبوع فأصبحت معتمة مملة تضعف روحه وفؤاده… هو بحاجة ملحة لأن يضمها إلى قلبه… يحتاج إليها بقوة تجعل منه شخصًا تائه ليس بدر المعهود… تأكد أن بُعدها عنه جريمة يحاسب عليها قانون عشقه… حتماً سيأتي موعد العقاب… حينها لن يكون هيناً ليناً معها أبداً. في شقة ريحانة تجلس على كرسيها تردف بسعادة لبدر الذي يجلس أمامها شارداً: "بدر! … ما بعرف كيف بدي أشكرك… صار الحلم حقيقة وأكثر." تنهد يطالعه
بعيون ضائعة ويردف بحنو: "هاد لأنه إنتِ نيتك خير وبتستاهلي كل خير ريحانة." تنهدت تبتسم له ثم أردفت بترقب وجدية: "بما إنه خلص مشروعي هلا فينا نحكي بدر! اعتدل يطالعها بترقب متسائلاً: "بشو بدنا نحكي! أردفت بتصميم: "هلأ فيك تطلقني… عن جد بدر أنا بدي هالشي يتم بأسرع وقت." طالعها بصمت لدقائق… لف نظره عنها يردف بهدوء: "رح أساوي لك شو ما بدك ريحانة… بس مو هلا." زفرت بضيق تتابع متسائلة: "ل كان إمتى بدر!!
… إمتى رح ترتاح وتريحني من هالتعب!! سحب شهيقاً قوياً بعمق يهدئ به لوعة قلبه وعذابه ثم أردف بشهامته المعهودة: "وقت تركبي هالاطراف وتبعدي عن هالكرسي… وقت تمارسي حياتك متلنا فيني أساوي شو ما بدك ريحانة… وما تقلقي ما ضل كتير… أنا عم أتواصل مع طبيب مختص ورح نشوف الأنسب لحالتك ونساويه." وقف على حاله يردف بصرامة:
"ريحي لي حالك إنتِ وما تشغلي بالك بهالأمور… أنا بعرف كيف أدبر حالي… بس هلا تتركي لي فكرة الطلاق. وما بقى تحكي فيها من هلا لوقتها." أومأت بضيق بينما هو أردف يتطلع في ساعته قبل أن يغادر: "بدي أروح أجيبا لقمر لأنه ناهد رفيقتها ما راحت اليوم." غادر بعدها يستقل دراجته البخارية ويقود متجهاً إلى جامعتها بينما في تلك الأثناء كانت هي قد استقلت سيارة أجرة لتنقلها إلى البيت.
وصلت قمر ومرت على ريحانة في طريقها متمنية لها التوفيق في هذا المشروع بينما الأخرى أخبرتها بذهاب بدر إليها فهاتفنه أنها عادت بنفسها مما جعله يغضب ويعود إليها. صعدت شقتها بعد ذلك لتبدل ثيابها وتجلس تراجع محاضرتها بعقلٍ شارد كعادتها مؤخراً حيث تبدل حالها تماماً من الشغب والتمرد إلى الهدوء التام أو الحزن الخفي والصمت الذي يقبض على صدرها لعدم إخبارها أي شخصٍ ما يحدث معها.
رن جرس بابها يعلن عن وصول أحدهم. تعجبت فبدر يمتلك مفتاحاً… خطت بترقب تتطلع من العين السحرية على الطارق ثم اتسعت عيناها بسعادة وهي تسرع بفتح باب الشقة وتعانق هذا الذي يبادلها بحنو واشتياق مردفاً: "وحشتيني يا مرمر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!