أسرع سليم نحوها، مما جعلها تتكئ عليه قائلة بصوت متقطع: -أنا حامل منك يا سليم. حالة من الصدمة والاندهاش أصابت سليم. حقًا لم يصدق كيف حدث ذلك، قائلاً: -مني؟
غابت سيرا عن وعيها تمامًا. إلى أن حملها، وترك مازن بحريته. فقام سليم بوضعها في السيارة يغادر بسرعة متوجهاً إلى المشفى. كان ينظر إليها وإلى حالتها ويضرب بيديه في السيارة أثناء القيادة، حتى وصل إلى المشفى. وهناك تم نقلها إلى العمليات. كاد سليم أن يدلف إلى العمليات معها، ولكن منعه الطبيب، وهذا لمصلحتها. تذكر سليم كل شيء حدث مع منه، قائلاً: -يا رب، قومها لي بالسلامة.
لم يرتح بال سليم، بل كان يفكر فيها. حقًا أنه آذاها بقدر كبير. لم يتحمل أن يحدث شيء لها أخيرًا. لم يستطع أن يتخلص من عذاب الضمير. ظل ساعتين واقفًا أمام غرفة العمليات. في حين لم يأت مازن. حتى خرج الطبيب من الغرفة قائلاً باطمئنان: -مبروك، جابت ولد. سقطت دمعة من سليم تلقائيًا عند سماعه تلك الكلمة التي استردت به روحه. إلى أن عانق الطبيب قائلاً: -شكرًا يا دكتور. الطبيب بابتسامة لطيفة: -أنا ما عملت غير واجبي.
عاد مازن إلى منزله والدماء تغلي في عروقه. كلما يرى شيئًا أمامه يقوم بكسره. إلى أن رأته والدته في هذه الحالة وشقيقته. فدلف مازن إلى غرفته لكي يهدأ، لعله عدم ظهورها أمامه تهدئه. إلى أن جلست معه والدته قائلة: -مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصلك دا؟ مازن: -اسألي الهانم، اللي عملت علاقة مع صاحبي، اللي كنت فاكره صاحبي. شوفي عمل فيا إيه، بس أنا مش هسيبه يتهنى بيها، نهايته هتبقى على إيدي. ربتت والدته على كتفيه قائلة:
-أختك لازم تبعد، أنا هسفرها عند خالتها. مازن: -أنا مبقتش عايز أشوفها قدامي. أميرة: -فين سيرا يا مازن؟ مازن: -سيرا خلاص مبقتش طايقها، ومعتش عايز أشوفها هي كمان. تبسمت أميرة قائلة: -خير ما عملت يا ابني، سيرا ما تنفعش ليك. راحت للي شكلها. بعدما تم نقل سيرا إلى غرفة مع طفلها، كانت تضمه إلى أحضانها مبتسمة تقبله من وجهه قائلة: -يا خلاسي، حبيب ماما، أنت حلو كده ليه؟
كان سليم ينظر إليها من وراء الباب. لم يتحمل أن ينتظر أكثر، فدلف إلى الغرفة. بمجرد أن رأته سيرا، عبس وجهها واختفت ابتسامتها المشرقة. جلس أمامها على الفراش، وقبل طفله. إلى أن نظر إلى سيرا التي لا تريد النظر إليه. أمسك ذقنها بطرف أصابعه لكي تلتفت له، ولكنها لم تنظر إليه. سليم: -وحشتيني. بللت سيرا شفتيها ولم تجب عليه. سليم بندم: -أرجوكي بصيلي، حتى لو من ورا قلبك. وحشني النظرة في عينيكي. نظرت سيرا له قائلة:
-أنا فعلاً هبصلك من ورا قلبي، عشان دي الحاجة الوحيدة اللي اتعلمتها منك من يوم ماشوفتك. علمتني أعمل كل حاجة من ورا قلبي. أمسك يديها يقبلها، إلى أن جعلها تلمس على وجهه قائلاً:
-أنا عارف إن إنسان وحش. عارف إن كل اللي عملته عمرك ما هتنسيه. بس أنا إنسان يا سيرا، كلنا فينا عيوب وبنغلط. أنا اللي خلاني كده إن طول عمري عايش في شر اللي حواليا، كنت لازم أكون زيهم عشان أقدر عليهم. أنا مبطلبش منك تسامحيني بس عايزك تشوفيني بقلبك، هتعرفي إن الناس هي اللي خلتني إنسان وحش. سيرا ببكاء: -أنا محدش آذاني في الدنيا أدك. ماشوفتش منك غير كل وحش. عايزني دلوقتي أقولك إن سامحتك وخلاص يا حبيبي أعيش معك وبحبك؟
دا صعب أوي عليا، والله العظيم صعب أوي. أنا اللي عملت كده في نفسي. أنا اللي هاجمتك عشان بتعمل حاجة تضر الناس. أنا اللي كان مفروض أبقى شكلك عشان أقدر أعيش في الدنيا دي. أنا اللي كنت مثالية في زمن ما فيهوش أي مثالية. سليم: -سيرا. سيرا: -أرجوكي كفاية، ابعد عني بقي، أرجوك. وابنك لو عايز تشوفه في أي وقت بيتي هيكون مفتوح لك. سليم: -أديني فرصة تانية، وأنا هتغير. كاد سليم أن يقبل رأسها، ولكنها منعته قائلة وهي تبوس يديه:
-أبوس إيدك، لو فعلاً ليا معزة عندك، ابعد عني. لا شيء يتغير. تظل سيرا على رأيها، لينتهض سليم من مجلسه متوجهًا إلى الخارج. ولكن توقف قائلاً: -لازم نتجوز، عشان أسجل البيبي باسمي. لا يتحمل سليم النظر إليها أكثر من هذا، لأنه حتمًا سيضعف وينهار، فتوجه إلى الخارج.
بعد مرور ٥ أيام، خرجت سيرا من المشفى، وكانت مقيمة في منزلها. ليأتي سليم ومعه المأذون، ويتم عقد القران. سبحان من جعلها متماسكة إلى تلك اللحظة. بعدما خرج المأذون، أغلق سليم الباب بالمفتاح. وعاد إليها. كادت أن تدلف إلى الغرفة، ولكن أوقفها سليم. لتهتف قائلة: -أنا تعبانة وعايزة أنام، عن إذنك. قبل رأسها قائلاً: -أنا هنام هنا، وأنتي ادخلي أوضتك.
لم تهتف سيرا بشيء، بل ذهبت إلى غرفتها وارتمت على فراشها وهي تتألم بداخلها. مدد سليم بجسده على الركنة، وكان يفكر في أشياء كثيرة. هل سيترك سيرا؟ فليس أمامه سوى أن يجعلها على راحتها. قد تحبه إن ابتعد عنها. سمع صوت صراخها في الغرفة، فنهض مسرعًا إلى الداخل قائلاً وهو يحاوطها بكتفيه: -مالك يا سيرا؟ سيرا بصراخ: -بطني، بطني بتوجعني أوي، مش قادرة. سليم بلهفة: -اهدي، اهدي أرجوكي، هطلب دكتور. سيرا بصوت عال:
-لسه هستنى دكتور، بقولك تعبانة، مش قادرة. سليم: -طب فين الدوا اللي الدكتور كاتبهولك؟ شاورت سيرا بيديها نحو الدواء، فأخذه سليم وأعطاها إياه. بعدما أخذت شعرت بأن الألم يختفي. بل كانت تتشدد في قميصه، وهو يضمها إليه. كاد سليم أن ينهض بعدما شعر أنها ذهبت في النوم، ولكنها تتشدد به أكثر، كأنه يقول لا تتركني. مدد سليم بجانبها، ضاممها إلى أحضانه.
أتت صباح يوم جديد في سماء القاهرة. تستيقظ سيرا من نومها لتدرك أنها في أحضانه، فانتفضت من مكانها قائلة بصوت عال: -إيه دا؟ أنت إيه اللي نايمك هنا؟ استيقظ سليم على أثر صوتها قائلاً: -معلش، واضح إن راحت عليا نومة. نهض من الفراش متوجهًا إلى الخارج. فذهبت ورائه سيرا قائلة: -أنا مش محتاجاك، ياريت ترجع بيتك.
أومأ سليم رأسه، ودون أن يهتف بكلمة توجه للخارج. ذهب سليم إلى المول، لا يريد العودة إلى منزله. حتى بقي في المول طوال اليوم. في حين سيرا كانت جالسة تطعم طفلها، لتُدقق في ملامحه وتجدها ملامح سليم. قائلة: -تعرف إنك الحاجة الحلوة اللي عملها سليم ليا يا يوسف. طب أنت عارف إني بحبك أوي. كانت سيرا تمارس حياتها بشكل طبيعي وسعيدة بوجود الطفل في حياتها. لتسمع صوت طرقات الباب وتنهض لكي تفتح وتجده مازن. سمحت سيرا بالدخول له قائلة:
-أهلاً يا مازن، عامل إيه؟ مازن: -الحمد لله، مبروك. سيرا: -الله يبارك فيك، ولو إنها متأخرة شوية، ولكن مش مهم. مازن: -أنا مش قصدي على البيبي. سيرا باهتمام: -أمّال قصدك إيه؟ مازن وهو واضعًا ساقه فوق الأخرى: -على طلاقك من سليم. وقعت كوب المياه من يدها عند سماعها هذا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!