في اليوم التالي… استيقظ جابر على قبلات تغرق وجهه. فتح عينيه ليجد غزل جالسة بجانبه، منحنية عليه تقبّل وجهه قبلات حنونة، هامسة بصوت منخفض رقيق: = صباح الخير يا حبيبي. انتفض جالساً ينظر إليها بأعين متسعة، معتقداً أنه يحلم. لكنه تفاجأ عندما رآها تقترب منه وتجلس فوق ساقيه، تعقد ذراعيها حول عنقه، هامسة بدلال أطاح بعقله: = مالك يا حبيبي مخضوض كده ليه؟
غمغم باضطراب وقلق وهو يفكر بأن هذه ليست غزل التي رفضت بالأمس لمسته ومنحته فرصة أخرى لتصحيح ما بينهما: = في إيه يا غزل… مالك… انتي تعبانة؟ انحنت تقبّله على خده قائلة برقة: = تعبانة؟ يعني علشان بدلع حبيبي أبقى تعبانة؟ ده أنا حتى حضرت الفطار علشان نفطر سوا. هتف جابر بحدة وهو ينزع يديها من حول عنقه، ينظر إليها بأعين ملتمعة بالتوجس: = لأ انتي كده فعلاً فيكي حاجة غلط بجد.
عقدت ذراعيها مرة أخرى حول عنقه، مقربة وجهها من وجهه، هامسة بصوت منخفض: = ولا حاجة غلط ولا حاجة، كل الحكاية إني موافقة نفتح صفحة جديدة. لتكمل هامسة بصوت أجش، طابعة قبلة سريعة فوق فمه: = بحبك يا جابري. اهتز جسده بعنف، شاعراً كما لو صاعقة قد ضربته فور سماعه لتلك الكلمات التي كان ينتظرها مطولاً. أبعدها عنه برفق، هامساً بصوت أجش: = بتتكلمي جد؟
أومأت برأسها مبتسمة، لكنها أطلقت صرخة متفاجئة عندما ألقاها على الفراش واستلقى فوقها، يدفن وجهه بعنقها، يطبع عليه قبلات حارة لحوحة وهو يغمغم بصوت أجش: = عمري ما هخليكي في يوم تندمي على قرارك ده يا حبيبتي. غرزت غزل يدها بشعره، تتحسس نعومته برفق، مبتلعة غصة البكاء التي تسد حلقها وهي تفكر بحسرة: "لو كان صادقاً معها لتغير كل شيء بينهما. لا تعلم لم أراد أن يدمرها مرة أخرى؟ ألم يكفيه ما فعله بها بالمرة السابقة؟
أفاقت من شرودها هذا عندما شعرت بقبلاته تصبح أكثر جرأة. دفعته في كتفيه قائلة برفض: = جابر كفاية. لكنه أطلق هدير رافض، مما جعلها تدفعه بقوة أكبر، هاتفة: = جابر قلتلك كفاية. رفع رأسه أخيراً ينظر إليها بإحباط، قائلاً وهو يمرر يده فوق جانب رأسها بحنان: = ليه بس يا حبيبتي؟ ما انتي مراتي. غرزت أسنانها بشفتيها قائلة بحرج: = لأ بعد الفرح. كفاية اللي عملناه المرة اللي فاتت. تنهد بإحباط قائلاً بوجه متغضن:
= ماشي يا غزل. اللي عايزاه هعملهولك. ليكمل بحدة وهو ينتفض مبتعداً عنها بغضب، جالساً على طرف الفراش، مولياً ظهره لها: = مع إني يعني مش فاهم ليه؟ مراتي وحلالي والكل عارف إننا بنام في أوضة واحدة، يبقى إيه اللي يمنع؟ نهضت غزل جالسة خلفه، تحتضنه، واضعة رأسها على ظهره، تعقد ذراعيها من حوله، قائلة بهدوء محاولة امتصاص غضبه: = علشان أنا نفسي ليلة فرحنا تبقى مميزة يا جابري. لتكمل وهي تقبّل ظهره قبلات متفرقة لطيفة:
= مش انت عايزها تبقى مميزة يا حبيبي؟ استدار إليها ممسكاً بها، يجذبها نحوه، مجلساً إياها فوق ساقيه، قائلاً بلهفة: = عايزها طبعاً. واللي عايزه أكتر من أي حاجة إنك تكوني مبسوطة وسعيدة يا فراولة. احتضنها بقوة، قائلاً وعيناه تلتمع بالشغف، دافناً وجهه بجانب عنقها: = بحبك يا غزل. بحبك أكتر من نفسي ومن أي حاجة في الدنيا دي كلها.
أحاطته بذراعيها، تضمه إليها، والدموع تحرق عينيها وألم قاسٍ يعصف بقلبها. تتمنى لو كان يحبها حقاً. لكنها تعلم أنه يكرهها ورغبته بالانتقام منها تعميه. همست بصوت مرتجف ملئ بالألم والحسرة، بينما دموعها تنساب على خديها: = وأنا بحبك. بحبك يا جابر. رفع رأسه فور سماعه للألم في صوتها، قائلاً بفزع عندما وجدها تبكي: = بتعيطي ليه يا حبيبتي؟ دفنت وجهها بعنقه قائلة بكذب وهي تحاول السيطرة على دموعها:
= مش مصدقة إننا بقينا مع بعض أخيراً بعد كل اللي حصل بينا. قبّل رأسها قائلاً بحنان وهو يمسح دموعها برفق: = اللي حصل زمان عمره ما هيتكرر تاني. أنا عندي أموت ولا إني أأذيكي تاني يا غزل.
دفنت وجهها بعنقه تبكي بصمت، وكلماته تلك تشعر بها كخنجر يمزق قلبها. شدد من احتضانه لها، ممرراً يده بحنان فوق ظهرها، محاولاً تهدئتها حتى هدأت تماماً واستكانت بين ذراعيه. غارقة بالنوم. حملها برفق ووضعها فوق فراشه، ثم استلقى بجانبها جاذباً إياها إلى بين ذراعيه، يحتضنها بقوة إليه. ظل على حالهم هذا حتى غرق بالنوم هو الآخر. في اليوم التالي…
وقفت غزل تنظر بحيرة بين الفساتين العديدة المنتشرة حولها بالمتجر، فكل فستان كان أروع من الثاني. أشارت إلى واحد كان ذو تفصيلة رائعة قائلة بلهفة: = ده. ابتسم جابر مشيراً للبائعة لتأتي به إليها. أنزلته المرأة واصطحبت غزل إلى غرفة تبديل الملابس حتى تجربه. ارتدته غزل ووقفت أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها بانبهار، لكن قبضة اعتصرت قلبها عندما تردد صوت بداخلها يسخر منها ومن فرحتها تلك، مذكراً إياها بأن كل هذا مزيف.
طردت جميع أفكارها تلك عندما رأت جابر يأتي نحوها. وقف ينظر إليها بأعين تلتمع بالإعجاب، لكن تبدلت نظراته إلى مشتعلة عندما لاحظ أن الفستان يظهر جزء كبير من صدرها. اقترب منها قائلاً وهو يشير إلى فتحة الفستان الأمامية: = وده فستان فرح ولا قميص النوم بتاع الدخلة؟ احترق خديها بالخجل، هاتفة به وهي تلاحظ وجه البائعة الذي تلون بالخجل هي الأخرى: = جابر احترم نفسك. ده كلام تقوله.
قاطعها بحدة وعيناها تشع بنيران الغيرة فور تصوره لكم الرجال الذين سيرون جسدها بهذا الفستان: = لأ. ما أنا عايز أعرف بجد. في قرون على راسي ولا حاجة علشان أسيبك تخرجي كده قدام الناس بمنظرك ده؟ هتفت بحنق وهي تتجه نحو غرفة التبديل: = خلاص. خلاص يا جابر هقلعه مش هلبسه. أومأ رأسه برضا، بينما ذهبت هي لنزع الفستان. خرجت بعد عدة دقائق قائلة بضيق وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها:
= اتفضل انت اختار الفستان. مادام كل حاجة بختارها مش عجباك. أمسك بها مقرباً إياها منه، يرفع يدها إلى فمه يقبّلها بحنان، قائلاً بلطف: = لأ يا حبيبي انتي اللي هتختاري فستان فرحك. بس بالمعقول حاجة كده محترمة مش تبينلي نص صدرك. نظرت إليه من طرف عينيها قائلة باستهجان: = طيب ما هو كل الفساتين كده. أعمل إيه يعني؟ قاطعها بحدة وهي يشير نحو العديد من الفساتين: = لأ في كتير قدامك أهو. ليكمل بعصبية وغضب عندما رآها تتفحص إحدى
الفساتين ذو الصدر المنخفض: = مش هتلبسي عريان يا غزل. لأ أما بلاها الفرح ده من أساسه. زفرت بحنق ثم ابتعدت عنه متجهة نحو نهاية المتجر، تحاول إيجاد فستان رائع الشكل ومحتشم في ذات الوقت. اختارت عدة فساتين لكن رفضهم جابر كل مرة متحججاً بالعرى، مما جعلها بالنهاية ترتمي فوق إحدى الأرائك قائلة بغضب وحنق: = المحل عندك اهو. شوف اللي يعجبك انت بقى. لأني بجد تعبت.
جلس بجانبها ممسكاً بيدها بين يديه، مشابكاً أصابعهما ببعضها البعض بعناق لطيف، مبتسماً لها، مما جعلها تهتف بحدة: = بتضحك على إيه يا جابر؟ = هتعرفي بتضحك على إيه دلوقتي. أجابها بخفة قبل أن يستدير نحو البائعة مشيراً إليها برأسه. أومأت له قبل أن تذهب بنهاية المتجر وتختفي بإحدى الغرف. راقبت غزل هذا وهي لا تفهم ما يحدث: = إيه؟ شدد من يده فوق يدها قائلاً بهدوء:
= من أول يوم اتفقنا فيه على الفرح وأنا جيت هنا واتفقت مع مصممة تصمملك فستان مخصوص ليكي انتي وبس. نظرت إليه غزل بأعين متسعة وهي لا تصدق ما يقوله، لكن فور أن رأت البائعة تخرج وبين يديها فستان يخطف الأنفاس من جماله، انفجرت باكية وقلبها يكاد يتمزق. "إذا كان يكرهها ويرغب بالانتقام منها، فلم عانى حتى يصمم لها فستاناً لها خصيصاً؟ أهذا جزء من خطته؟
" شعرت بالحسرة والألم. "لو لم يكن هذا حقيقياً، ماذا كان سيحدث إذا كان يحبها ويريدها حقاً؟ ماذا كان سيحدث إذا صدق كلماتها ووثق بها بأنها لم تحرق شقيقته ولم تفعل شيئاً تعاقب عليه؟ " لم أراد معاقبتها؟ ألم يكفيه ما فعله بها؟ ارتمت بين ذراعيه تحتضنه بقوة، هامسة من بين شهقات بكائها بألم وحزن: = ليه يا جابر؟ ليه؟ احتضنها، مربتاً على ظهرها بحنان، محاولاً تهدئتها، قائلاً برفق وقد أساء فهم سؤالها وبكائها، ظناً أنها تبكي فرحاً:
= علشان أنا زيك. عايز يومنا يكون يوم مميز في كل حاجة. أبعدها عنه برفق، ماسحاً بأصابعه دموعها العالقة بوجنتيها، قائلاً بحنان: = قومي يا حبيبي يلا جربي الفستان. ليكمل وهو ينهض ويجذبها معه، هامساً بأذنها بصوت أجش: = بس المرة دي مش هشوفه عليكي. خليه مفاجأة يوم الفرح.
أومأت غزل وذهبت مع العاملة حتى تجرب الفستان، الذي ما إن ارتدته شعرت بأنها أميرة خارجة من إحدى القصص الخيالية. امتلأت عيناها بالدموع وخنقها غصة ألم فور تذكرها أنها لن تستطيع ارتداء هذا الفستان مرة أخرى، ولن يستطيع جابر رؤيتها به، فهي ستهرب بيوم العرس مستغلة انشغال الجميع بالتحضيرات. اهتزت قدماها، شاعرة بألم يكاد يمزق روحها. أسرعت نحو غرفة التبديل وأغلقت بابها عليها. نزعت الفستان عنها سريعاً، ثم انهارت أرضاً تدفن وجهها بين ساقيها، تجهش في بكاء ممزق، وهي تتمنى لو كان الأمر مختلفاً ولم تكن مضطرة للهروب وتركه.
في اليوم التالي… كانت غزل جالسة بالحديقة تقرأ إحدى الروايات التي تعشقها، عندما شعرت بشخص ما يجلس على المقعد الذي أمامها. التفتت تنظر لتستكشف من، متوقعة أن تكون حلا، فقد أخبرتها أنها ستأتي لزيارتها اليوم. لكن اتسعت عيناها بالصدمة فور رؤيتها لكرم، ابن عم جابر، هو من يجلس أمامها. ابتسم لها، بينما أسرعت هي تعتدل في جلستها، جاذبة حجابها فوق رأسها حتى يخفي شعرها بالكامل، قائلة بدهشة: = كرم!!! رجعت إمتى من السفر؟
أجابها كرم بهدوء مبتسماً: = لسة النهاردة. عرفت إن فرحك انتي وجابر بعد بكرة، فقولت آجي أبارك ليكوا. ابتسمت غزل قائلة بهدوء، وهي تشعر أن نظراته بها شيء غير مريح: = الله يبارك فيك يا كرم. قاطعها قائلاً وهو يحدق بها بنظرات غير مفهومة: = انتي مصدقة نفسك يا غزل؟ هتتجوزي الراجل اللي بهدلك ومرمطك بجد؟ اللي خدعك. انتفضت غزل واقفة، هاتفة به بحدة: = وانت مالك؟ بعدين إيه حوار إنه خدعني ده؟ قاطعها بحدة وغضب:
= أيوه عارف إنه خدعك يا غزل. صفا حكت لي على كل حاجة. قلقانة وخايفة عليكي وطلبت مني إني أساعدك. هتفت به بتلعثم، وقد صدمها ما فعلته صفا: = ميخصكش ولا يخص صفا في حاجة. نزع هاتفها منها، مما جعلها تهتف بغضب: = بتعمل إيه؟ سيب التليفون. أخذ يكتب عدة أرقام على الهاتف قائلاً بهدوء: = ده رقمي. لو احتجتي إني أساعدك في أي حاجة كلميني. ليكمل وهو يضع الهاتف أمامها:
= أنا بعتبرك زي أختي يا غزل. وأختي مقبلش إنها ترمي نفسها في التهلكة. جابر مش هيرحمك. أوعي تفتكري إنه هيسامح على اللي حصل لأخته. نظرت إليه غزل بصمت عدة لحظات، وقد شحب وجهها. لا تعلم بما تجيبه، فقد كان محقاً، فجابر لن يسامحها أبداً على ما يعتقد أنها فعلته بشقيقته. "لم لا تطلب مساعدته؟ فهو فرصتها الوحيدة للهروب من هنا." خرجت من أفكارها تلك، منتفضة في مكانها بفزع عندما رأت جابر يتقدم نحوهما، مغمغماً بحدة وعيناه
تشتعل بها نيران الغضب: = حمد لله على السلامة يا كرم. نهض كرم ملتفتاً إليه قائلاً: = الله يسلمك يا جابر. ربت جابر على كتفه قائلاً بقسوة: = خير قاعد هنا ليه؟ مدخلتش جوا. تنحنح كرم قائلاً بهدوء ماكر، فقد كان يعلم أنه غاضب بسبب جلوسه مع غزل: = أبداً كنت طالع بس لقيت بنت عمتي قاعدة، فقولت أسلم عليها.
أمسك جابر بذراع غزل جاذباً إياها لتصبح واقفة على قدميها، ضمها بقربه، محيطاً خصرها بذراعه بتملك واضح كرسالة لكرم بأنها ملكه، فقد كان يعلم جيداً أنه كان يحبها. فقد فضحته نظراته لها، كما قد فضحته الآن. فهو متأكداً من أنه لا يزال يحبها رغم سفره لمدة عامين وأكثر: = طبعاً انت معزوم بعد بكرة على فرحنا. هستناك.
غمغم كرم من بين أسنانه وهو يسيطر بصعوبة على رغبته بتمزيق عنقه، فهو لا يتحمل رؤيته وهو يلمسها بهذا التملك. فهو يعشقها بجنون، ولولا دخوله مصحة الإدمان منذ عامين لكانت ملكه الآن، لكنه لن يتركها له. حتى وإن كلفه هذا حياته، فهو الآن أكثر نضجاً ويملك من المال ما يمكنه من الوقوف في وجه جابر العزايزي من أجلها: = أكيد. ده فرح أخويا وأختي ولازم أكون موجود. أومأ جابر برأسه قائلاً بهدوء: = ادخل سلم على عمك عثمان وعمتك لبيبة.
وإلا أكمل وهو يجذب نحوه أكثر غزل التي كانت جاهلة للحرب الصامتة التي تدار بين الاثنين: = عن إذنك إحنا بقى. هننام شوية. انت عارف ترتيبات الفرح قد إيه متعبة. هز كرم رأسه بصمت، غاصباً شفتيه على رسم ابتسامة صغيرة، وهو يشاهدهم يستديرون مبتعدين، متجهين نحو داخل المنزل. ضغط على قبضته بقوة، مانعاً نفسه بصعوبة من اللحاق بهم وقتل جابر، لكنه حاول تهدئة نفسه: "فسوف يحصل عليها. حتى لو كلفه ذلك حياته أو حياة جابر."
دفع جابر غزل إلى داخل غرفته، هاتفاً بقسوة وهو يغلق الباب خلفهم بقوة اهتزت لها أرجاء المكان: = إيه اللي قعدك مع الواد ده؟ هزت كتفييها مجيبة إياه بهدوء، وهي لا تفهم سبب غضبه هذا: = فيها إيه يعني؟ ابن عمي ورجع من السفر وشافني وسلم عليا. هتف بها مقاطعاً إياها، وتعبير وحشي مرتسم على وجهه: = ابن عمك مين؟ وأنا إمتى بسيبك تقعدي مع رجالة؟ انتي هتستعبطي؟ أجابته بحدة، رغم شعورها بالخوف من لهيب الكراهية الذي يلتمع بعينيه:
= فيه إيه يا جابر؟ هو كل ما تشوفني واقفة مع راجل؟ تحسسني كأني بخونك معاه؟ ولا كأني ماشية معاه في الحرام؟ اشتعلت عيناه بنيران حارقة، زمجر من بين أسنانه بقسوة: = اخرسي. ومسمعش صوتك. انتي مجنونة؟ مستوعبة بتقولي إيه؟ انفجرت هاتفة به، ضاربة راحتي يديها بصدره بقسوة، قاصدة استفزازه: = لأ مش هخرس يا جابر. لما انت مش واثق فيا، بتتجوزني ليه؟ إيه أي راجل أكلمه يبقى خلاص هخونك معاه؟
أمسك بيدها بقسوة، وفجأة دفعها على الفراش، واستلقى فوقها، محتفظاً بذراعيها مثبتة فوق رأسها. اتسعت عيناها من الضراوة في وجهه عندما ضاقت عيناه، وصدر هدير خافت من حلقه وهو يمسك بها، يجذبها إليه، ساحقاً شفتيه على شفتيها في قبلة قاسية جعلتها تأنة ألماً. حاولت دفعه بعيداً لكنه لم يتزحزح، وظل يقبلها بذات القسوة والضراوة، يحركه غضبه والاحتراق بنيران غيرته التي كانت روحه تتلوي على جمرها. حرر شفتيها ودفن وجهه، يقبل حنايا عنقها
وفكها قبلات متفرقة. لكنه أفاق من غيمة غضبه واندفاعه عندما شعر بجسدها يرتجف، بينما تنفجر باكية بشهقات ممزقة. تصلب جسده فور إدراكه مدى حمقاته وماذا كانت ستدفعه غيرته لفعله. أحاط وجهها بيديه وانحنى، طابعاً قبلة حنونة على جبينها، هامساً
بصوت أجش بأذنها: = حقك عليا يا فراولة. ليكمل وهو يمسح دموعها محاولاً تهدئتها: = أنا بثق فيكي. بس مش بثق في الناس. الناس بقت وحشة. مبقتش بضمن حد. همست غزل بصوت مرتجف حزين من بين شهقات بكائها: = انت قافل عليا يا جابر. ممنوع أخرج. ممنوع أتكلم مع حد. ممنوع أزور حد. حتى حلا وصفا عمري ما روحتلهم بيتهم. رفع يدها إلى فمه مقبلاً راحتها وهو يغمغم بهدوء: = كل ده هيتغير حاضر. هخليكي تروحي تزوري حلا وصفا وتتكلمي براحتك مع أي حد.
ليكمل بحدة وعيناه تنطلق منها الشرارت: = ما عدا طبعاً الرجالة. ده طبع فيا وعمره ما هغيره.
أومأت غزل برأسها وهي تجد الصعوبة في فهمه. لا تعلم أهذا جزء من خداعه لها أم ماذا. استلقى جابر على ظهره جاذباً إياها معه لتصبح مستلقية فوق صدره. احتضنته غزل بقوة، فقد أصبح باقي أقل من يومين وتتركها غصة ألم عصفت بقلبها فور إدراكها أنها لن تستطيع رؤيته مرة أخرى. لا تعرف كيف ستعيش بدونه، فمنذ أن فتحت عينيها بهذه الحياة وهو كان معها في كل لحظة من حياتها. دفنت وجهها بعنقه، جاذبة نفساً عميقاً من رائحته الرجولية الرائعة،
هامسة بصوت مرتجف: = أنا بحبك أوي يا جابر. رفعت رأسها تنظر إليه هامسة، وعيناها محتقنة بالدموع: = خليك فاكر دايماً إني بحبك، وإنك أغلى حاجة عندي في الدنيا دي. مرر يده على جانب وجهها، عاقداً حاجبيه باستفهام: = إيه يا حبيبتي؟ أنا حاسس إن فيكي حاجة غلط الأيام دي؟ دفنت وجهها بعنقه مرة أخرى، هامسة بصوت مختنق: = أبداً مفيش والله، بس حبيت أقولك إني بحبك.
طبع قبلة فوق رأسها، بينما استكانت هي بين ذراعيه تتنعم بشعورها بوجودها بحضنه الذي ستفقده قريباً. باليوم التالي…
كانت غزل جالسة بغرفتها، عيناها مسلطة بتردد فوق الهاتف الذي بين يديها. فقد كانت تفكر بالاتصال بكرم وطلب منه مساعدتها بالهرب غداً ومنحها بعض المال حتى تستطيع بدء حياتها بعيداً عن جابر، لكنها خائفة من إشراك كرم في هذا، لكن ليس أمامها خيار آخر، فهي لا تملك أي مال أو مكان تذهب إليه. فلا يمكنها الذهاب إلى منزل نبوية، فسوف يكون أول مكان يبحث جابر به عنها، لذا ستقترض بعض المال من كرم وستعيدهم إليه بعد أن تعمل وتستقر.
هزت رأسها بالموافقة على خطتها تلك. استجمعت شجاعتها واتصلت به، ولدهشتها أجاب على الفور كما لو كان ينتظر مكالمتها تلك: = إزيك يا كرم عامل إيه؟ أنا… أنا غزل. أجابها بلهفة: = أيوه أيوه يا غزل خير؟ في حاجة؟ ابتلعت الغصة التي تسد حلقها قبل أن تهمس بتردد: = كـ… كنت عايزك تساعدني إني أهرب من هنا. وكنت عايزة مبلغ وهسدهولك والله أول ما ربنا يكرمني. هتف كرم بحماس وفرح: = أخيراً سمعتي كلامي. مش قولتلك جابر ميستهلكيش.
قاطعته غزل تفرك جانب رأسها، محاولة التخفيف من نبض الألم الذي يعصف بها: = بكرة. أنا عايزة أهرب. بكرة قبل الفرح. غمغم كرم بارتياب: = بكرة بس؟ دي هتبقى فضيحة لجابر والناس مش هترحمه. همست غزل وهي على وشك البكاء: = وده اللي أنا عايزاه. صمتت قليلاً مفكرة قبل أن تغمغم: = بس ههرب إزاي؟ جابر مالي المكان كله برجالته. قاطعها كرم سريعاً:
= مالكيش انتي دعوة. أنا هتصرف. كل اللي عايزة منك تبقي مستعدة أول ما أكلمك وتنفيذي كل اللي هقولك عليه. همهمت بالموافقة قبل أن تقول بامتنان: = شكراً يا كرم. أنا لو ليا أخ مش هيقف معايا زي ما انت وقفت معايا كده. أجابها بهدوء وهو يجز على أسنانه، محاولاً عدم إظهار غضبه لها: = متقوليش كده يا غزل. إحنا أهل.
أنهت معه المكالمة وجلست خلف مقعد مكتبه، عيناه تلتمع بالنصر. فها هو حلمه أخيراً سيتحقق، ستصبح ملكه. فقد كان يحبها منذ الصغر، لكنه ظل بعيداً عنها بسبب حبها لجابر، حتى أنه تحول لتعاطي المخدرات حتى ينساها. فكلما كان يراها معه كان يتألم. انهارت صحته مما جعل والده يدخله مصحة الإدمان وأخفى عن الجميع الأمر، موهماً إياهم بأنه قد سافر للعمل بالخارج. وظل كرم بالمصحة مدة طويلة بسبب إدمانه الذي لم يشفى أبداً، فقد كان يملك ناس
بالمصحة تهرب له المخدرات مما جعل حالته تسوء. وعندما اكتشف أمره طرد العاملين بالمشفى وبدأ رحلة علاجه من جديد وانتهى منها هذا الأسبوع. وفور خروجه علم بزواج جابر من غزل وما حدث لبسمة واتهامها لغزل بحرقها، مما شجعه هذا على جعل غزل تنقلب على جابر، وهذا ما نجح به بالفعل. فقد كانت تظن أنه سيهربها ويتركها تذهب بعيداً، لكنها مخطئة، فهذه فرصته التي لن يخسرها. فسوف يختطفها ويجعلها ملكه. سيخبئها بمكان لن يصل إليه كائن حي.
سيجعلها ملكه. ملكه وحده.
لمعت عيناه بالنصر والسعادة. تنهد وتراجع في مقعده، يستند للخلف مسترخياً وهو يفكر بأنه بقى القليل، وأخيراً سينال مراده. يوم العرس…
كان الوقت عصراً، وكان الجميع منشغلاً في تحضيرات العرس بالخارج، بينما كانت غزل جالسة بغرفتها بوجه شاحب، تشعر بالاختناق والألم. فقد أرسل إليها كرم رسالة يخبرها بأنه باقي أقل من ساعة وعليها أن تتجهز. أمسكت بهاتفها تنوي إرسال له رسالة، لكنها ألقته من يدها عندما فتح باب غرفتها ودلف جابر إلى الداخل. انتفضت متجهة نحوه، تلقي بنفسها بين ذراعيه تحتضنه بقوة. ضمها بقوة، محيطاً إياها بذراعيه، لا تعلم كيف ستتركه وتذهب، لكنه من
أجبرها على هذا. هو من أراد الانتقام منها ودعسها أسفل حذائه للمرة الثانية، فلم يكفيه ما فعله بها بالمرة الماضية، لكن رغم ذلك قلبها الأحمق لا يزال يعشقه. يحبه كما لم يحب أحداً من قبل، فهو أغلى ما تملكه بهذه الحياة، لكنها لا تستطيع الوقوف ساكنة وتتركه يخدعها للمرة الثانية. دفنت وجهها بعنقه، مقبلة إياه بحنان،
هامسة بصوت أجش مختنق: = بحبك يا جابر. ضمها إليه قائلاً وهو يضغط جسدها على جسده: = وأنا بحبك يا قلب وعيون جابر. اختنقت بالدموع عند سماعها رده هذا. تعلم أنه يكذب، فهو لم يحبها أبداً. ابتعدت عنه على مضض، فيجب أن تتجهز حتى تذهب. رسمت ابتسامة مرتجفة على شفتيها، قائلة بمرح كاذب: = جاي تعمل إيه؟ انت مش عارف إنك تشوفني قبل الفرح فال وحش. ابتسم قائلاً وهو يمرر يده بحنان فوق وجهها يرسم ملامحها:
= جاي أقولك إن بعد الفرح محضرلك مفاجأة. شعرت برجفة رعب تسري بعروقها فور سماعها كلماته تلك، فقد أخبر بالمرة الماضية أنه يعد لها مفاجأة بعد كتب كتابهم، وفاجأها فعلاً بإلقائها بأحضان رجل آخر. غمغم جابر بقلق عندما لاحظ شحوبها هذا: = مالك يا حبيبتي؟ تعبانة؟ غصبت شفتيها على ابتسامة قائلة بهدوء، محاولة بث الاطمئنان بداخله: = أبداً مفيش حاجة. توتر بس الفرح. رفع يدها إلى شفتيه يقبلها بحنان، فقد أصبح هذا عادته مؤخراً، قائلاً:
= متخفيش. فرحنا هيبقى أحلى فرح اتعمل في البلد وكل الناس هتتحاكى عنه. أومأت مبتسمة، لكنها توترت عندما اقترب منها وأحنى رأسه نحوها وعيناه تلتمع بالرغبة، لكن طرق على الباب جعله يرفع رأسه، هاتفاً بحدة: = أيوه؟ مين؟ أجابته إحدى العاملات بالمنزل: = العروسة يا بيه مستنية حضرتك تحت يا باشا، وبيقول حاجة مهمة. زفر جابر بحدة قائلاً بغضب: = قوليله جاي. ثم التف لغزل قائلاً ويده تمر فوق جانب شعرها:
= هنزل أشوف اللي ورايا. وأنتي يا حبيبي استعدي علشان الكوافير جاي كمان ساعة. أومأت له مبتسمة، بينما تشعر بالتواء حاد يصيب معدتها. طبع قبلة فوق جبينها قبل أن يسرع منصرفاً، بينما انهارت غزل فوق الفراش، تطلق نحيب متألم وهي تنفجر باكية. فهي غير مستعدة لتركه. كيف ستتركه وتذهب؟ لكنه في كل الحالات سيتركها، فالأفضل لها أن تتركه هي قبل أن يفاجأها بخداعه لها. انتفضت جالسة عندما صدح رنين هاتفها ينبئ عن وصول رسالة. فتحتها
مسرعة عندما وجدتها من كرم: ** اجهزى يلا وأول ما أرن عليكي تخرجي من الباب اللي ورا أوضتك القديمة اللي في البدروم. هتلاقيني مستنيكي ورا الحظيرة ** أرسلت له غزل رسالة تسأله والقلق ينبض بداخلها. لم تمر ثوان إلا وقد وصلها رده: ** متقلقيش أنا هتصرف. وعامل حساب لكل حاجة. يلا انزلي انتي بس **
أسرعت غزل بارتداء عباءتها السوداء، عاقدة طرحتها حول رأسها، ثم أسرعت بهبوط الدرج بحذر، خوفاً أن يقابلها أحد، لكن لحسن حظها لم تصادف أحد. ركضت نحو غرفتها القديمة التي تقع أسفل الدرج، ثم فتحت الباب الذي بها والذي كان يؤدي للحديقة. فور خروجها، سمعت صوت ضجيج وصراخ بعض الرجال، كما لو كان هناك شجار بينهم، لكنها لم تبالي وأسرعت راكضة نحو الحديقة الخلفية، وعندما وصلت إلى الحظيرة وجدت كرم يقف هناك ينتظرها. ركضت نحوه مسرعة، ابتسم لها وأمسك بيدها قائلاً
بحماس: = جدعة عرفتي تخرجي. همست غزل بصوت مرتجف لاهث وهي تنظر حولها بخوف وقلق: = هنخرج إزاي؟ أجابها كرم وهو يجذبها خلفه نحو الحظيرة حتى يصلوا إلى الباب الخلفي: = عربيتي برا. متقلقيش. لحقت به غزل، لكن توقفت متجمدة بمكانها، شاعرة بالدماء تجف بعروقها عندما سمعت خلفها صوت دوى طلق ناري هز الأرجاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!