كانت شوارع القاهرة في آخر الليل شبه فاضية، لكن الهوى كان بيلفح الوش ببرودته كأنه بيصحّيك من أحلامك غصب عنك. مريم كانت راجعة من شغلها متأخر كالعادة، ماسكة شنطتها ومشي بخطوات سريعة، عينها على الطريق وقدامها، وودنها بتلقط أي حركة حواليها. هي مش من النوع اللي يتوتر بسرعة، بس الليلة كان فيه إحساس غريب بيزحف جوه صدرها، كأن حاجة مش مظبوطة.
المكان حوالين بيتها هادي بشكل مبالغ فيه، والشارع الضلمة فيه متقطعة بين عمود نور شغال والتاني مطفي. قلبها بدأ يدق أسرع، بس قالت لنفسها: –عادي يا مريم، إنتي تعبانة ومخيّلة حاجات. خطوتها زادت سرعة… وفجأة، من غير أي إنذار، كشاف نور عربية ضرب في عينيها من بعيد. مريم ضايقت، غطت وشها بإيدها تكمل مشي، لكن العربية قربت أكتر وأكتر… وبقفلة فرامل حادة، وقفت قصادها. الباب اتفتح، وصوت رجولي حاد قال: –اركبي.
مريم وقفت متجمدة ثانيتين، عينيها ضاقت وهي بترجع خطوة لورا: –هو إيه ده؟ إنت مين أصلاً؟ الراجل ما ردش بكلام كتير، بخطوة سريعة كان عندها، مسك دراعها بحزم، وبإيد تانية فتح باب العربية، وبمنتهى البساطة… دفعها جوه وقفل الباب. هي حاولت تصرخ، بس كل حاجة حصلت بسرعة، وأول ما حاولت تمد إيدها على المقبض، حسّت البارد المعدني لشيء صغير بس ثقيل عند جنبها. صوته جه هادي… لكن فيه تهديد صريح:
–ما تجربيش تلعبيها صحافة استقصائية… مش في مصلحتك. وهو لسه سايق، مريم كانت قاعدة في العربية، إيديها متكتّفة ومربوطة، بس نظرتها متحدّية كأنها مش أول مرة تتحط في موقف مجنون زي ده. عينيها لفت في المكان، وبصّت له بنظرة كلها استنكار وهي بتقول: –حلو أوي… خطف رسمي كده من غير مقدّمات؟ طب كنت سبّتلي الكيس على الأقل، فيه شيبسي ما خلصش. ما ردّش، سكت، وكمل سواقة. ملامحه جامدة، صوته هادي بس مرعب: –لما أخد قرار، ما بحبّش أشرح.
–آه طب، ده باين… بس خُد بالك، أنا بطّلت أقتنع من أول نظرة! بصّ لها من المراية، ولأول مرة اتكلم وهو مركز في الطريق: –أنتي دخلتي دماغي، وكنت هاخدك سواء بالكلام... أو بالطريقة دي. ضحكت بصوت عالي وهي بتقول: –يابني ده أنا لو عارفة إن دماغك واسعة كده، كنت لبست حاجة أشيك من الترننج! سكت لحظة… وبعدين قالت وهي بتتنفس بعمق: –بس بيني وبينك… أنا مش خايفة. رد عليها ببرود: –يبقى لسه ما تعرفينيش كويس.
العربية كانت ماشية بسرعة في طريق جانبي بعيد عن أي إشارة أو زحمة. النور اللي جاي من الأعمدة المتباعدة كان بيقطع وشه في لحظات، يبين قسوة ملامحه مرة، وهدوءه الغامض مرة تانية. مريم كانت بتحاول تحلل الموقف، عقلها بيجري في كل الاحتمالات: مين الراجل ده؟ وليه خطفها؟ ولو حاولت تهرب، هل هيعرف يمسكها تاني؟ لكن في نفس الوقت… جزء صغير منها كان بيقول إن فيه حاجة وراه، حاجة أكبر من مجرد "خطف". هو، اللي كان ساكت معظم الوقت، فجأة
رفع صوته شوية وهو بيقول: –أنا اسمي رعد. قالها وكأنه بيقدّم نفسه في اجتماع عمل، مش في جريمة خطف. مريم رفعت حاجبها وقالت بسخرية: –تشرفنا يا أستاذ رعد… أنا مريم، وبالمناسبة مش بحب أروح مشاوير ليلية من غير دعوة رسمية. ابتسم ابتسامة صغيرة، ابتسامة من النوع اللي ما تعرفش هي تهديد ولا إعجاب. –هتعرفي كل حاجة قريب… بس دلوقتي، إنتِ معايا، وده أهم حاجة.
العربية دخلت على طريق ترابي، وبدأت تهتز تحتهم، وبعد كام دقيقة وقفها قدام فيلا كبيرة في منطقة شبه منعزلة. النور اللي حوالين الفيلا كان قوي، وفيه حراسة واقفة، وده كان أغرب من أي حاجة توقعتها. فتح باب العربية، ونزل الأول، وبعدين مد إيده لها. –يلا. مريم وقفت مكانها، بصّت له بعند: –مش نازلة…
هو ما اتكلمش، بس نظرته كانت كفيلة تخلي قلب أي حد يوقف، وبخطوة واحدة كان ماسك إيدها ومجرّها نازلة، لحد ما لقت نفسها وسط المكان، والبوابة بتتقفل وراها. كان واضح إن الليلة دي بداية حاجة… كبيرة، وخطرة. ومريم، رغم كل اللي حصل، كانت حاسة إن الخوف مش هو اللي مسيطر عليها… الفضول كان أكبر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!