خرج يوسف ومعه فريدة قائلاً: -أنا هقف على الكنبة كأني ساكن فوق، وأنتي تخبطي على ضهر الكنبة وهفتحلك تطلعي. فهمتي؟ هزت فيري رأسها بمرح طفولي وهي تمسك بلعبتها المفضلة وتركض للخلف. لمعت عيون ظافر بفكرة لينادي عليهم: -يوسف تعال يا حبيبي. -أيوه يا بابي؟ -طنط شروق وحشتكم صح؟ -آه آه أنا كمان أنا كمان يا بابي أشوفها! قالت فيري بحماسة ليردف ظافر بجدية: -طيب أنا هخليكم تطلعوا بس بشرط.
وقف ظافر عند باب الشقة يستمع إلى طرقات يوسف الذي اتفق معه على الصعود والاطمئنان على حال شروق وإخبارها بأن والدهم بالعمل وأنهم شعروا بالخوف وقرروا الذهاب إليها. كما أنه أعطاهم أكياس بها طعام جاهز أملًا في أن تأكل شيئًا، فقد سمع حسرة والدتها وهي تشتكي فقدانها للشهية وفقدانها للكثير من الوزن.
سمع الباب يفتح ولكن صوتها الضعيف لم يصل إليه سوى كهمهمات خافتة، تبعها صوت طفليه السعيد وإغلاقها للباب. تنهد وأغلق الباب ينتظر إما مكالمة من هاتف ابنه المعلق برقبته والذي لا يفارقه مهما حدث بناءً على رغبته، أو هبوطهم بعد تناولهم الطعام سويًا. اتجه ليستغل الوقت في إنجاز بعض الأعمال على حاسوبه، يحمد الله أن مديره سمح له ببضعة أيام كإجازة الآن لمللمة شتات أموره.
بعد مرور ساعتين نزل الطفلان ليبدأ هو في استجوابهم عن أحوالها وردة فعلها وهل تناولت الطعام معهم أم لا، والكثير والكثير. -أيوه يا بابا هي تعبانة بس أكلت لما قولنالها مش هناكل من غيرها. وكمان قالتلنا لما بابا يروح الشغل ويسيبكم لوحدكم اطلعوا وانزلوا قبل ما يجي، بس. قالتلنا منقولش قدامك!
قال يوسف وهو يحاول تجميع كلماته، فتعجب ظافر من هذا الطلب ولكن هو مقدم له على طبق من ذهب، فبذلك سيضرب عصفورين بحجر واحد وسيطمئن عليها وعلى أطفاله وسيزيل بعضًا من شعوره بالذنب لتركهم وحدهم وقت العمل. -ماشي يا يوسف يا حبيبي أنا موافق، بس أوعى تقولولها إني عارف حاجة أو إني بعتكم ليها، ماشي يا شاطرين! وضعت فيري يدها في فمها وهي تهز رأسها علامة على توترها، لابد أنه يضغط عليها ويشتتها، ولكنها كذبة بيضاء لإرضاء الجميع.
ابتسم وهو يبعد إصبعها عن فمها ويمسحه بيديه ويقبلها قائلًا: -يلا روحوا العبوا في أوضتكم. آه يوسف أنا هتفق مع المطعم يوصلكم بكرة كل يوم على فوق، ابقى اعمل نفسك أنت اللي بتتصل بيهم. -حاضر يا بابي. قالها يوسف وهو يهز رأسه بتأكيد.
واستمرت الحياة على هذا المنوال لأسبوعين تاليين، هو يذهب لعمله ويجهز أبناءه للصعود إليها، فينزلوا إليه قبل وصوله بنصف ساعة. لن ينكر السعادة والتغير في حالتهم المزاجية منذ صعودهم إليها، لابد أنها تواسي حزنها بهم. ابتسم وهو يتذكر رفض فريدة مساعدة يوسف لها للذهاب إلى المرحاض قائلة إنها ليست صغيرة وأنها لن تقبل أن يرى فتى "التوتة" خاصتها. كان يهم بالرحيل عندما فوجئ بوصول مكالمة من هاتف صغيرته. -الو يا يوسف؟
-بابي. بسرعة. شيري وقعت ومش بترد! قالها يوسف بذعر والبكاء يتخلل جملته. -متخافش يا حبيبي خليكوا جنبها، أوعوا تتحركوا أنا جاي حالًا. وخليه معايا على التلفون أوعى تقفل يا يوسف وخد أختك جنبك! قالها ظافر محاولًا التحكم في دقات قلبه المذعورة وهو يضغط على البنزين ليصل إليهم في أسرع وقت.
وصل إليهم في سرعة قياسية وقد كاد ينقلب بسيارته عدة مرات. فتح له يوسف الباب فهرع نحو جسدها على الأرض يتأكد من تنفسها، فيتنهد براحة عندما لامست وجنته هواء تنفسها الضعيف، وهو يتحسس نبض رقبتها في نفس الوقت. -ورايا يا ولاد على العربية بسرعة وهات المفتاح يا يوسف واقفل الباب ورانا. وبذلك حملها وهو يدفع ولديه للأسرع والهبوط أمامه سريعا. كما أنه اتصل على والدتها وهو في الطريق ليتبعوهم إلى المشفى. ويا ليته لم يفعل!
فكر ظافر وهو ينظر إلى شقيقها العابس الذي يزفر بحنق كل 5 ثوان، فاتجه إلى والدتها الجالسة بجوار طفليه يربت عليها ليهدئها. -متقلقيش يا حاجة إن شاء الله خير، أكيد ضعف عشان مش بتاكل كتير. ليردف رامي بحدة: -وأنت عرفت منين إنها مش بتاكل؟ زفر ظافر قائلًا: -أكيد عشان شكلها باين عليها إنها ما أكلتش من شهرين! -أنا قولتلك بلاش الجوازة دي. منكم لله أنتوا السبب أنت وابن عمك معدوم الضمير الله يجحمه!
هجم عليه ظافر متجاهلًا إهانته، ولكنه لن يرضى بأن يُساء أحد إلى ابن عمه ذاك، ذاك من يعتبر بطل ويلحق الفخر باسم عائلته. دفعه ظافر بحدة وهو يمسك رقبته يضغط عليها قائلًا: -أنا لولا اللي إحنا فيه ده كنت كسرت كل عظمة في جسمك يا عديم الإنسانية والدين! إيه متعلمتش إنك تهينش حد ميت أو أبشع إنك تتكلم بالباطل على الناس! لم يشعر سوى بشهقات أبنائه ووالدة شروق وهي تحاول إفلات ابنها من بين أصابعه قائلة:
-سيبه يا ابني هو أعصابه بايظة عشان أخته، سيبه عشان خاطري! نفض رامي ذراع ظافر عندما خفف من قبضته وهو يرمقه بنظرات نارية حقودة. أخرجهم من هذا الموقف خروج الطبيب، فهرع ظافر وهو يمسك يد فيري الخائفة وتسبقه والدة شروق إليه. -طمني يا دكتور. قالت والدتها ليبتسم الطبيب لظافر قائلاً: -اطمنوا المدام حامل مبروك! شحب وجه الجميع لأسباب مختلفة. -حامل!
قالت والدتها وهي ترمي بجسدها على المقعد خلفها تفكر في مصير ابنتها كأم وحيدة وأرملة. بينما عادت الابتسامة على وجه ظافر بذهول قائلًا دون تصديق: -حامل! -أيوه بس لازم تهتم بيها شوية لأنها ضعيفة جدًا وعندها نقص حديد ولازم تواظب على الأدوية دي! ليخرج صوت رامي صائحًا: -حامل إزاي أنت مجنون! نظر له الطبيب بغيظ وسخافة قائلًا: -أيوه يعني مش فاهم قصدك؟ ليزم رامي شفتيه قائلًا بجحود: -مش عايزينه، نزل اللي في بطنها!
ليفقد ظافر ما تبقى لديه من صبر فيترك صغيرته ويباغته بلكمة وهو يهجم عليه بغضب، بينما حاول الأطباء والأمن تفريقهم. -أنتِ إيه يا أخي حيوان مش بني آدم زينا! قال ظافر ليرد عليه رامي بحدة: -أنت اللي إنسان أناني وحقير وبعدين أنت مالك أنت هي قريبتك احنا حرين يا أخي! -يا أساتذة عيب كده أنتم في مستشفى عام، يا أما هنتصل بالبوليس ونعملكم محضر شغب!
قال مدير القسم بحدة لهم ليبتعد الاثنان بعنف ويتجه ظافر ليمسك يوسف وفريدة الباكيان ويتوقف عند والدة شروق بغضب قائلًا: -اسمعي يا حاجة اللي في بطن بنتك ده على جثتي إنه ينزل، ده آخر أمل ليا مش من أخويا بس لا من عيلتي كلها. ولو أي حاجة حصلت أنا هرفع عليكم قضية ومش بعيد أقتل ابنك ده بإيدي! -عيب الكلام ده يا ظافر أنا مش صغيرة! قالت لها والدة شروق بحرقة وغضب من المصائب التي تتوالى عليهم.
-العفو يا حاجة بس أنا مش برمي كلام في الهوا. ليأتيه صوت رامي المغيظ من الخلف: -أنا مش هسمح إن أختي تعيش مذلولة وحيدة عشان حتة عيل شايل اسم عيلتك. أنا هخليها تنزله وهجوزها يا ظافر من حقها تعيش حياتها ومش من حقك تتدخل! ليبتسم ظافر بسخرية قائلًا: -لا أخ الصراحة طول عمرك بتفكر فيها! ضيق رامي عينيه بغيظ لتقابله نظرات ظافر المتحدية قبل أن يعيد نظره إلى والدة شروق قائلًا:
-لو على الجواز هو اللي هيريحكم، أنا هتجوزها وأعتقد مش هتلاقوا حد يخاف أو يحافظ على اللي في بطنها قدي! ليصيح به رامي مستنكرًا: -بعينك! وأنا إيه اللي يخليني أجوز أختي لواحد مطلق وعنده عيلين، مش كفاية المصيبة اللي في بطنها! جز ظافر على أسنانه حتى لا يقتلع عينيه، فتدخلت والدتها سريعًا لإنهاء حدة الموقف. -روح يا ابني أنت ولما شروق تفوق هقولها وهنفكر ولو في نصيب هكلمك!
شعر بالكذب يشع من بين كلماتها، ولكنها هزت رأسها باستسلام وغضب وهي تستمع لصغيريها يبكيان بهلع. فقرر الرحيل واتجه بهم إلى المنزل ليهدئهم. انتهى الفلاش باك.
زفر ظافر وهو يفرك وجهه ليستكمل عمله محاولًا نسيان الماضي قليلًا راغبًا في نسيان عيون خضراء ذابلة. كاد يندمج بعمله عندما وصل ذلك العطر اللعين إلى أنفه قبل طرقات حذائها ذو الكعب العالي. رفع رأسه بذهول مشدوها وهو يرى زوجته السابقة تقترب من مكتبه بكامل أناقتها ومساحيق التجميل تكتسي كل إنش من وجهها. شعر بمعدته تعتصر باشمئزاز. لماذا أتت إلى هنا؟ ألا يكفيها مكالماتها التي لا تتوقف لاستعادته؟
تلك الساحرة لا تسأل حتى على أطفالها أو تبدي مرة واحدة رغبتها في رؤيتهم. يقسم أن كانت قد طلبت رؤيتهم أو بكت لأجلهم مرة واحدة لكان أعادها ورضى بعذابه معها، ولكنها أنثى مجردة المشاعر والأمومة. وقفت "منى" أمام مكتبه بابتسامة مغرورة من سلالة الحسب والنسب والجاه، تلك من استطاعت الإيقاع به هي ووالدها، من رسمت الحنان والطاعة والحب والهيام. جلست بكل عنجهية غير مبالية بنظراته النارية ونظرات زملائه المتوترة. -إزيك يا بيبي؟
قالتها "منى" من بين شفتين مرسومتين بعناية بالغة باللون الأحمر القاتم. -كنت كويس لحد ما شفتك. قالها ظافر بابتسامة توازي ابتسامتها المقيتة. وراقب تلك الابتسامة تهتز ولكنها أكملت بكل غرور: -هتفضل طول عمرك عديم الذوق يا بيبي، بس مش مهم اللي بينا أكبر من كده ولا إيه؟ قاطعهم صوت أحد الموظفين وهو يشعر باحتدام الموقف قائلًا: -إحنا هناخد بريك قهوة بعد إذنك؟ هز ظافر رأسه وأشار لهم بالذهاب بيده. ما إن خلى المكتب
لهما حتى قال ظافر بحدة: -عايزة إيه يا مني جاية هنا ليه؟ -وحشتني يا بيبي! وضع يده على رأسه يفركها بغضب حتى لا ينفجر بها، ولكنها تابعت في ذهوله بجرأتها وسذاجتها فتردف قائلة: -وحشني دفا حضنك ولمسة شفايفي. -قد إيه أنتِ حيوانة ومش طبيعية! قاطعها بتلقائية وهدوء دون أن يرمش له جفن. -أنت ليه مصر تنرفزني؟ قالتها بحدة وصوت عالٍ قليلًا ليردف ظافر غاضبًا:
-الكلام ده تضحكي بيه على ظافر اللي وقعتيه في شباكك وكان فاكر نفسه بيحبك، لكن دلوقتي لا يا مدام! -ظافر بتاع زمان أو ظافر بتاع دلوقتي، أنت ملكي ولا حاجة من غيري! أنا في إيدي أضيعك حالًا ودلوقتي قدام عينيك! ابتسم ببطء قائلًا: -أعلى ما في خيلك اركبيه يا مني واتفضلي من غير مطرود! توت ضحكاتها الشريرة لتردف بغل دفين برفضه الدائم لها: -لا أنت اللي مطرود يا يا بشمهندس!
راقبها ظافر وهي تتجه نحو السكرتارية فتخرج كارت والدها الشهير مفتاحها للعبث في الحياة وكأن البشر دمى من حولها. شعر بغصة في حلقه عندما أشارت لها السكرتيرة بالدخول، فتلتفت له بانتصار وتتجه تتبختر في مشيتها متجهة إلى صاحب الشركة.
وقف ظافر يلملم أشياءه يعلم تمامًا أنه سيطرد اليوم، فأمسك بورقة يسبقها إلى نصرها. وما هي إلا دقائق حتى كتب استقالته ووضعها على مكتب السكرتارية طالبًا منهم تقديمها بالنيابة عنه وخروجه من المبنى الذي شهد بدايات عمله وحلمه وشقاء ليالي كثيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!