الفصل 3 | من 27 فصل

رواية خيوط الغرام الفصل الثالث 3 - بقلم دينا ابراهيم

المشاهدات
28
كلمة
3,064
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

وصل إلى أذانهم صوت جرس الباب فقالت شروق مانعة تقدم يوسف. -خليك انت يا يويو، العبوا جوا دي طنط سلمي. وتوجهت إلى الباب تفتحه بابتسامة بادلتها إياها سلمى الممسكة بعلبة شوكولاتة في يدها. -صباح الخير. -صباح الخير، اتأخرتي يا سلمى هانم! -أنا اتأخرت ولا الهانم سهت؟ ومتصلتش تأكد ظافر نزل ولا لأ! على العموم أنا قلت أكيد نزل، ده شغله من تسعة والساعة حداشر دلوقتي! قالت سلمى بحاجبين مرفوعين وهي تدلف وتغلق الباب خلفها.

رفعت النوتيلا بين راحتيها قائلة: -معلقتين ورايا على أوضتك! وتوجهت إلى غرفة شروق وكأنها تملك المكان. هزت شروق رأسها بضحك وأسرعت لإحضار معالق لالتهام جنة الحياة بالنسبة لها. بعد مرور عشرين دقيقة. نظرت سلمى بذهول للعلبة الفارغة فوق معدة شروق المنتفخة وقالت: -هو ظافر مجوعك ولا إيه! تجاهلتها شروق وهي تلتهم آخر بقايا المعلقة لتردف: -مجوعني شوكولاتة عشان الدكتور قال ممنوع! -يانهارك أسود! وجالك قلب تاكليها!

-متتاخديش في بالك، ده دكتور نص كم، قال إيه الشوكولاتة بتهيج الجنين، بقت هرمون السعادة بتهييجه. أنتي بتبصيلي ليه كده؟ نظرت لها سلمى شزراً لتردف: -آخر مرة أجيبلك يا مستفزة! خافي على نفسك واللي في بطنك، أنتِ معندكيش دم، أنتِ عارفة في كام حد غيرك نفسه يجيب عيل وربنا مش كاتب! قالتها سلمى بحرقة ونار تكوي داخلها بشكل شخصي، هي من أكد لها الأطباء عدم إمكانية إنجابها بالرغم من مرور أربع سنوات على زواجها.

شعرت بندم لوهلة، ولكن شروق تستحق حتى تهتم بجنينها أكثر. ولكنها لم تتوقع دموع شروق التي انهالت بغزارة، فاتسعت عيناها بصدمة وهي تعتدل بجوارها تحتضنها بشكل جانبي قائلة: -أنتي بتعيطي ليه يا بنتي، أنا مقصدش، أنا بس خايفة عليكي! هزت شروق رأسها بالموافقة وهي تحاول إيقاف دموعها، ولكن هرمونات الحمل تغلبت على عقلها لتردف بعد مدة: -أنا عارفة إنك متقصدش، وإنك الوحيدة اللي خايفة عليا بجد. -الوحيدة!

بالنسبة لظافر اللي بيلف حوالين نفسه عشان الهانم وهيموت من القلق عليكي. ضحكت شروق بانكسار قائلة: -أنتي بتضحكي عليا ولا على نفسك، ما إحنا عارفين إنه خايف على اللي في بطني مش أنا! هزت سلمى رأسها بتعجب لتردف بتأكيد: -فعلاً اللي ميشوفش من الغربال يبقى أعمى! -تقصدي إيه؟ -أقصد إنك جبله، ممكن تفهميني أنتِ بتقدمي إيه للراجل ده؟

بلاش السؤال ده، ممكن تقوليلي واحد معيش عياله على كف عفريت عشان سلامة الهانم هيعمل كده عشان اللي في بطنك بس، وبلاش ده كمان، لما يقف الساعة خمسة الفجر مستني الفرن اللي قدام البيت يفتح عشان الهانم بتتوحم على كرواسون ده يبقى اسمه إيه! نظرت لها شروق وعقلها يعجز عن الإجابة لتردف قائلة: -اسمه إيه؟ -اسمه إنك واكلة المستعطفة!

فُوقي لنفسك بقى، اللي حصل مكنش نهاية الدنيا، خلاص ده مكتوب ربنا وقدره، بس طول ما ربنا مديكي نفس يبقى لازم تعيشي وتعيشي صح! -مش سهل يا سلمى. أنا لحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصلي وأنا في السن ده، وبعدين يرضي مين أعيش والغلبان ده ملحقش يتهنى معايا أسبوع! -أنتي هتكفري ولا إيه! وبعدين ده شهيد عند ربنا وعريس في الجنة! -صعبان عليا أوي، وصعبان عليا ضحكته اللي راحت وحنيته، وخايفة يكون قراري غلط، بس هو هيقدر مش كده!

قالتها شروق وهي تستسلم لبكائها مرة أخرى. لتربت عليها سلمى لتهدئها قائلة: -وحدي الله وكفاية عياط بقى عشان اللي في بطنك، الواد اللمض ده، وأنا متأكدة إن يحيي الله يرحمه هيبقي عايز كده، محدش هيخاف عليكي أو على اللي في بطنك أكتر من ظافر، أنتِ خدتي قرارك ولازم تكملي للأخر عشان تعيشي وتعيشي ابنك اللي هقطعه بوس لما يجي! قالتها وهي تنظر إلى عيون شروق بنصف ابتسامة وتلمس بطنها بكفها بحنان بالغ وترسل للطفل بالداخل قبلة هوائية.

ابتسمت شروق وأمسكت بيد سلمى تربت عليها قائلة: -فالحة بس تنصحيني يا أبلة فضيلة وناسية نفسك، خلي عندك إيمان في ربنا وإن شاء الله هتبقي أحسن وأحن أم قريب! ابتسمت لها سلمى بعيون حزينة وهي تحاول تغيير الموضوع حتى لا تكشف أمام شروق الكثير والكثير مما يحدث في حياتها، فأبعدت يدها بمرح قائلة: -اتفضلي يا هانم، الساعة بقت تلاتة ومحدش عمل غدا للرجالة الشقيانة دي! انتفضت شروق بهلع وهي تمسح دموعها.

-يالهوي، يويو وفيري لازم ياكلوا دلوقتي! منك لله يا سلمى يا نكد أنتِ! نظرت لها سلمى بذهول وأردفت: -أنا نكد يا قطة يا ناكرة للجميل. أنا ماشية يا واطية، وأنتِ شوفي عيالك اللي مجوعاهم، ويارب أبوهم يجي شرير وجعان ويخربها على دماغك. ضحك الاثنان واتجهت شروق معها حتى اطمأنت أنها دلفت إلى شقتها بالجهة المقابلة وأغلقت الباب وهي تتجه إلى غرفة الصغيرين حيث يلعبان، فصاحت بمرح وهي تطل من الباب: -مين عايز ياكل برجر وبطاطس!

قفز الصغيران بسعادة. -أنا أنا أنا! لتلتفت شروق بمرح وهي تمسك بجنينها بيدها اليسرى وتشير للطفلين للهرع خلفها باليد اليمنى قائلة: -ورايا على الفيزبا! ضحك الصغيران وأمسك يوسف بطرف ثوبها وتبعته فيري تمسك بطرف قميصه من الخلف بحماسة وفرح افتقداه كثيرا. في مكان عمل ظافر. جلس ظافر يفرك عينيه، فقد أرهقه العمل على الحاسب منذ أن جلس على مكتبه في الصباح كمدير قسم البرمجيات في الشركة، ولكن العمل عمل، ومن يطلب العلا عليه الشقاء.

ابتسم، يبدو أن داء يوسف في الأمثلة المغلوطة انتقل إليه. وبالطبع كأي فكر آخر يراوده يجب أن يتلوه فكر عنها "شروق". لا يعلم لمَ وكيف تغلغلت بداخله هكذا، ربما حب يحيي لها ومديحه الدائم لها طوال شهور متواصلة حتى من قبل أن تعلم هي بوجوده ومراقبته لها. أو ربما هدوؤها وحبها الظاهر لأطفاله فيجد بها بديلاً لأم افتقدوها. أو ربما هو فقط يرفض الاعتراف بأنها سلبت شيئاً من أعماقه من النظرة الأولى، شيء يرفض تحديده أو الإشارة إليه، ولكنه يشعره بالنقص بدونه والوحدة القاتلة.

تماماً كحالة بوفاة يحيي. أغمض عينيه بألم. كم يشتاق لذلك العنيد السلس المعشر، رحمه الله ويجعله في فسيح جناته. نظر له أحد زملائه قائلاً: -مالك يا ظافر؟ نظر له ظافر بانتباه مشتت ليردف قائلاً: -مفيش حاجة، صداع خفيف. هز رأسه وهو يعود إلى عمله مرة أخرى. أما ظافر فقد غرق في ذكريات أليمة مر عليها شهور، ولكن كل دقيقة تعود إليه وكأنها حدثت للتو، ليفقد رفيق العمر آلاف المرات في اليوم. ***

جلس كالتمثال وسط شقته لا يصدق ما حدث، منذ وصول الخبر المشؤوم في الصباح الباكر "يحيي"، من تبقى له من عائلته في هذه الحياة رحل عنه وتركه وحيداً. ليكون ونيسه الوحيد أنه شهيد في الأرض وحي يرزق في السماء. يتذكر ذلك ليشفي نار فقدانه. زفر وهو يعاود الاستغفار، ينظر حول الرقعة التي يجلس بها. ويتذكر وقوفه في تلك الرقعة بالذات وسط أطفاله وكأنه طفل بينهم، قبل أن يبدأ الغناء بمرح بأغاني الجيش والوطن وهو يمشي خطوات عسكرية سريعة وكأنه يقدم عرضاً عسكرياً حصرياً لأبناء ظافر.

فيصيح بمرح: -أبطالنا في سيناء، طياراتنا فوقينا، حامين أراضينا. فيصيح أولاده بأصوات مبتسمة غير واعية لمعاني سامية، ولكنها البداية ليلين القلب لأم غالية. -وقالوا إيه علينا دولا وقالوا إيه! فيلتفت بسعادة وجدية مصطنعة صائحاً بصوت أجش: -للشهادة رايحين، ماتقولوا أمين! فيردد الطفلين بسعادة: -آمييييييييييييين!

تجمعت دموعه في مقلتيه وذكرياته تعود به من بين أصوات ضاحكة عابثة انتهت من أداء تحية عسكرية وهمية لثلاثتهم، فيبدأ المرح الحقيقي ويحيي يركض خلفهم وكأنها مداعبة لاصطيادهم. تنفس من فمه يحاول تمالك مشاعره ودموعه المحاربة للسقوط. لقد ظن أن تلك الدموع جفت بوفاة والدته رحمها الله، ولكن الحياة تصر على اختطافها من بين جفنيه ومعاقبته بالعيش وحيداً.

خيم عليه الحزن أكثر وهو يستمع إلى أصوات البكاء من أعلى. ابن عمه والأخ وصديق عمره رحل في مقتبل العمر، كزهرة اقتطفت في أوج ازدهارها. ذلك العريس الذي لم يمضِ على زواجه السبعة أيام وزوجته الصغيرة يافعة الشباب وقلبها المحطم وصوت بكاءها الذي يرفض الابتعاد عن ذهنه. أغمض عينيه بشدة ليعاود فتحها وهو يتمنى أن يكون مجرد كابوس ويستفيق منه في أي لحظة.

صوت بكاء وصراخ هستيري يأتي من أعلى. تلك المسكينة ترفض مغادرة عش الزوجية التي لم تتهنّ به هي أو هو. شعر بصغيريه يحاوطان قدميه بذعر. فمال بحنان وقلق يرفع كلاً منهما ويضعهما على ساقيه يحتضنهما إلى صدره قائلاً وهو يرى دموع صغيرته: -ماتعيطيش يا حبيبة بابا، مفيش حاجة. -أنا خايفة يا بابي. -وأنا كمان! هي طنط شيري مالها؟

قالها يوسف وهو الآخر على حافة البكاء، ولكن كعادته يحاول إمساك دموعه أمام والده وشقيقته الصغيرة حتى لا يزيد خوفها. نظر لهم بحيرة يبحث عن مقولة لا تكسر بخاطرهم وبراءتهم في آن واحد، ولكن لم يجد. -طنط تعبانة شوية بس متخافوش، هي هتبقى كويسة قريب، ممكن تبطلي عياط يا فيري عشان خاطر بابي مش بيحب يشوف الدموع دي. قالها ظافر بنبرة حانية وهو يزيل بقايا دموعها من على وجهها الصغير البريء.

ظل يوسف ينظر له مطولاً، تلك النظرات الواعية التي تحزن ظافر على ضياع طفولته، ليلتفت له ظافر وهو يعقد حاجبيه بتساؤل، فيبتسم الصغير قليلاً ويعاود دفن رأسه في صدر والده. علت صرخات شروق القادمة من الشقة العلوية ووصلت إلى أذنه خبطات أقدام وكأنها تركض بحيرة يميناً ويساراً فوق رأسه. تأكله القلق وقرر التدخل إنسانياً على الأقل، وليس لأي غرض آخر يشعره بخجل وتأنيب الضمير.

حمل يوسف وفيري معاً لتبرز عضلات يديه المكتسبة من العمل، فقد شقي كثيراً في شبابه هو ويحيي عندما فقدا كل أفراد أسرتهما الصغيرة والمكونة من والده وعمه وزوجتيهما الواحدة تلو الأخرى. بدأت عندما فقد والده وعمه لواءين سابقين تم اغتيالهما بسبب إحباطهما لبعض الإرهاب مصادفة. ليليه والدته التي لم تتحمل الصدمة، فيصبح يتيماً الأب والأم وهو على مشارف الجامعة.

لينتهي يحيي في الكلية الحربية راغباً في اتباع مسيرة والده وعمه، وأن يفقد والدته سريعاً بعد صراع مع المرض. أما هو فلجأ لمجال آخر يبحث به عن حياة افتقدها. قد تبدو حياة تعيسة فاقدة لكلمة حياة حتى، ولكنه ويحيي كانا سنداً لبعضهما البعض وتعلمّا الفرحة والحب معاً.

أحبط بشدة وهو يتذكر وقوعه في شباك الفتاة الغنية جميلة الجميلات ليتزوجها فيكتشف مع الأيام أنها قبيحة الروح وجافية القلب، ليضيع من عمره ثلاث أعوام شاقة مع تلك البغيضة الشمطاء يحاول إصلاح الأمور دون جدوى. والأمر الجيد الذي خرج به منها ويريح قلبه هو يوسف الذي أكمل عامه الثاني حينها، وفريدة التي تركتها له وهي رضيعة لم تكمل شهوراً بقسوة لم يعهدها أو تقابله يوماً.

نظر بأسى لطفليه وهو يدثرهم بفراشهم ويتحسر على فقدانهم لحنان الأم وأمانها، فعلى الأقل هو عاش أسعد أيامه مع والديه وتعلم معنى الاحتواء الذي يفشل هو بمفرده في توفيره. ابتسم قليلاً ليوسف الذي يقسو عليه قليلاً ليصبح رجلاً ويتحمل مسؤولية ليست له، ولكنه بكل شجاعة يصر على إتمام دوره لإسعاده وحماية شقيقته. أمسك بيده الصغيرة يقبلها ويربت عليها، فترتسم ابتسامة يوسف صراحة وفخراً لأنه يرضي والده.

اتسعت ابتسامة ظافر بحب وفخر وعاد يقبل رأسه ويربت على شعره مرة قبل أن يردف قائلاً: -ناموا وأنا هطلع أطمن على طنط وهنزل أطمنكم، اتفقنا؟ -اتفقنا. قال الصغيران بصوت ناعس ليبتسم داخله. يعلم تمام أن الاثنين سيغطيان في نوم عميق ما إن يغلق الباب. ترك النور مضاءً لإرضاء فريدة، وما إن أغلق الباب حتى زالت ابتسامته وهو يضع رأسه على الباب ويرتسم الحزن ملامحه. تنفس بعمق واتجه ليصعد ويرى ما يحدث بالأعلى. وهو على الدرج وصل إلى

أذنه صوتها الحزين الباكي: -سيبوني حرام عليكم، ابعدوا عني سيبوني سيبوني، أنا هقعد هنا. يليها صوت والدتها العجوز: -خلاص يا رامي سيبها تبات هنا النهاردة عشان خاطري، هي فيها اللي مكفيها. كانت الأصوات تقترب، يليه صوت فتح باب شقة بعنف، وإذا بصوت أخيها البغيض يعلو: -ماشي نسيبها لوحدها، بس من بكرة هتيجي معانا.

استدار ظافر ليهبط الدرج مرة أخرى وهو يخرج مفاتيحه للدخول إلى شقته، لا يريد أن يزيد شقائها باعتقاد ذلك البغيض أنه معتاد على الصعود إليها. لتقول والدة شروق الباكية وهي تغلق الباب خلفهم: -يا ابني الرحمة، سيبها وأنا الصبح هاجي أبص عليها، بلاش فضايح، عيب كده. وقف ظافر يستمع إليهم من خلف الباب حتى اختفت همهماتهم. هز رأسه بغضب، هو لم ولن يبتلع المدعو شقيقها يوماً. -الله يرحمك يا يحيي ويحسن إليك. قالها من أحشاء قلبه.

وهو يتجه إلى غرفته لأداء صلاة إضافية عسى أن تشفع له ولفقيده. وكان مع كل سجدة يدعو على هؤلاء القتلة والخونة من يدخلون اسم الإسلام والله في أعمالهم القذرة ويحللون به إرهابهم للبشر. لينتهي دعواته لبلد باركها الله بخير أجناد الأرض. لا يعلم ظافر كيف مر الشهرين التاليين عليهم، ولكن يشعر بالهموم تزداد على أكتافه يوماً بعد آخر وهو يستمع إلى توسلات والد شروق وصياح أخيها كل يوم للعودة إلى منزلها.

يحيي كان لينتظر منه أن يحل تلك المعضلة وأن يهتم بها. لم ينسَ يوم استدعائه الطارئ عندما طرق بابه قائلاً (لو حصلي حاجة شروق أمانة في رقبتك) زفر بيأس متمتماً: -لا إله إلا الله. أعمل إيه بس يا ربي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...