نظر لها ظافر بملامح مؤكدة قوية قائلاً بتأكيد: -هتيجي معايا؟ -ولو جيت وأنا لوحدي؟ -مش هتبقي لوحدك، انتي هتكوني معايا أنا والأولاد! -مش فاهمه؟ -أنا مش هبقى مطمئن عليكي، انتي هتيجي تقضي شهور الحمل عندي في البيت وأنا كفيل أحميكي ومخليهوش يلمس شعرة منك! -بس إزاي، مينفعش! -عندك حل تاني؟ قالها وهو يقود سيارته بحدة، لتردف باعتراض: -طيب وشهور العدة اللي بتبقي في نفس المكان؟ -الضروريات تبيح المحظورات!
أنا مش هسيبك في الشقة فوق لوحدك ويا عالم ممكن يعمل فيكي إيه لو كسر الباب وانتي جوا؟ وبعدين أنا هأكد له إني معرفش عنك حاجة وإنك مش عندي وهلعبها بسلاسة! بعد ساعة في الطريق وتفكير عميق من الطرفين، وصلا إلى المنزل. -اتفضلي، أحم يوسف انت صاحي؟ هتف وهو يرحب بها، وتمنى إيقاظ أحد أطفاله لإنقاذه من عقله الذي توقف عن العمل وفقدانه للتصرف.
ليحمد الله في سره عندما خرج الطفلان راكضين بسعادة نحوه ما أن رأوها، فيوقفهم بحزم قبل الاصطدام قائلاً: -براحة على طنط شروق، محدش يخبطها عشان في بيبي في بطنها! ولكنها تجاهلته وهي تميل عليهم تحتضنهم وتقبلهم بحب. -وحشتوني يا كتاكيتي! -انتي مسكتي ليه يا سيري؟ أنا كنت بعيط، عايزاكي، متعمليش زي عمو يحيى! قالت فريدة بلوم طفولي. فتضمها شروق مرة أخرى وهي تعبث بخصلاتها.
-متزعليش يا روحي، وبعدين عمو يحيى في الجنة وهو شايفنا من فوق ومعانا دايما، بس إنتو مش حاسين بيه، وكمان جيت أهو وهفضل معاكم على طول! ابتسم ظافر بحزن، فغياب يحيى أثر على الطفلين، ولكن نظراته تعلقت بصغيره الذي يسبق سنه وهو ينظر إليه محللاً لما يحدث حوله وبينهم. رفع ظافر إحدى حاجبيه قائلاً: -طنط شروق هتعيش معانا على طول! هز يوسف رأسه وكأنه يعطيه المباركة، وأعاد نظره إلى شروق مرسلاً لها ابتسامته الواسعة، فتحتضنه هو الآخر.
انتهى هذا اليوم بأخباره لها بأن تختار غرفة تقيم بها، وبإخبارها بأنه لن يبيت معها في نفس المكان وأنه سيصعد لشقتها في الأعلى، فيزيل عنها أي قلق، ومجيّباً عن تساؤلاتها عن طبيعة تصوره لعلاقتهما معاً وبشأنه عند الزواج. انتهى الفلاش باك. *** ارتسمت ابتسامة راضية على وجهها، فهي تعلم جيداً أنه رجل لا مثيل له. ربتت على طفلها في أحشائها بأمل قائلة: -هتبقى أحسن ابن في الدنيا وهيكون عندك بدل الأب اتنين!
وبذلك التفكير أغمضت عينيها مستسلمة للنوم. في الشقة المقابلة. دلف يزيد على أطراف أصابعه لا يرغب في إيقاظها فتبدأ في محاضرته. قلبه يرغب فقط في ضمها. نظر إلى جسدها الهش المستلقي على فراشهم، ورمى بتحذيراتها عرض الحائط. ليس ذنبه أن زوجته سادية مجنونة، وقلبه مريض بحبها ويموت آلاف المرات في بعدها. استلقى بجوارها بهدوء، بينما استمرت هي في اصطناع النوم بقلب ممزق وهي تشعر به يقترب رويداً رويداً كطفل صغير يشتاق لوالدته.
بالطبع سيشتاق! فهي السبب الرئيسي الذي جعله يبتعد عن والدته وشقيقته، حتى وإن كانتا كسفاحتين يقتلانها بكلماتهما المميته يومياً. وسيظلان عائلته، وهي السبب في إبعاده عنهم. شعرت به يضمها لصدره بحب، واستمعت إلى أنفاسه تستنشق عطرها، ويغمر وجهه في شعرها الأسود المموج.
انقبضت يداها بألم، ترغب لو تنسى الحياة والصواب والخطأ وتلتفت إليه تضمه وتختبئ بين ضلوعه، وتطمئنه بأنه الحب الأول والأخير، ولكنها لن تستسلم الآن، فالنهاية باتت قريبة، خاصة مع خططها القادمة. قبل رأسها بشفتين مهزوزتين بهمساته وهو يقربها إليه أكثر وأكثر، قائلاً بخفوت: -عارف إنك صاحية. لعقت شفتيها، تاركة إياه يضمها أكثر، ترضي بها اشتياقها الحار له ولمساته، ليهدأ قلبها قليلاً باقترابه.
توسدت ذراعه الذي وضعه تحت رأسها بلا مبالاة، فأردف بخفوت: -مش ناوي تعقل بقى وتريحنا؟ وصلها الصمت قليلاً، قبل أن يأخذ نفساً عميقاً قائلاً بتعب: -مش ناوية تحني إنتي؟ أغمضت عينيها لربط جأشها، فتقول بقلب يعتصر: -لازم تتجوز يا يزيد! شعرت بعضلاته تتشنج حولها، وبذراعيه تقسو حولها، ثم ترتخي بعد ثوانٍ قليلة، قائلاً بهدوء: -سلامة عقلك يا حبيبتي، أنا متجوز فعلاً! حاولت إبعاد يده بغضب، ولكن دون جدوى، فاستسلمت لاستفزازاته
قائلة بصوت جليدي: -انت فاهم كويس! كفاية هروب من الواقع، إيه هتحبني شهر شهرين سنة سنتين قبل ما تحس! أنا بقدم لك فرصة تريحك وتشيل هم سنين وسنين جاية! -نامي يا سلمى! قالها مغمض العينين وكأنه لم يستمع لحرف منها، ولكنها استمرت غاضبة. -ممكن تبطل دور المثالية دي؟ انت في الأول ولا في الآخر راحل، ومينفعش تعيش مع واحدة زي الأرض الب... هدر بحدة قاطعاً حديثها، وهو يدفعها قليلاً وقلبه يحترق.
-ما هو عشان أنا راجل، مينفعش تقوليلي الأسطوانة الزفت دي كل يوم، أنا خدت قراري، لازم تحترميه سواء عاجبك أو لأ، أنا مش هسيبك يا سلمى، حطيها حلقة في ودانك عشان ترتاحي وتريحيني... أنا مش هسيبك! أعطاها ظهره بأنفاس منقطعة، وغضب يكاد يطفو من أذنيه. شعرت برغبة كبيرة في البكاء، ولكنه أبى أن يظهر ضعفاً أو يستسلم الآن.
أما هي، فلا، فقد هبطت دموعها مخلوطة بألم وغصة وغضب وحزن، والكثير من المشاعر التي يصعب وصفها، وأعطته ظهرها تخفي وجهها بين طيات الغطاء. شعر بجسدها ينقبض وينبسط بعنف دون صوت. فالتفت بهدوء، وحزنه يغيم عينيه، يحاوطها بين ذراعيه رغم مقاومتها التي دامت ثوانٍ معدودة، فينتهي به الأمر محتضناً إياها بشدة، مخفياً وجهه بين خصلات شعرها المموج، منتظراً أن يأتيهم النوم سوياً للهرب من الواقع. في الشقة العلوية.
شعر بنبضات قلبه في أذنه، وهو يراها تبتسم له بعيونها الخضراء كالغابات الأندلسية. توقفت أنفاسه وهي تقترب منه بابتسامة مشاكسة، غير آبهة لوضعه النصف العاري، فوضعت أطراف أصابعها على جبهته، ومررت بها على أنفه ثم فمه ببطء شديد. هل يمكن أن يموت المرء من الترقب؟
فكر وهو يشعر بيدها الأخرى تلامس صدره بنعومة طاغية، تعبث بثباته، وفي نفس الوقت يرى شفتيها الوردية تقترب وتقترب، فيدور رأسه عندما لامست شفتيه بخفة، وردة تنغلق تخفي محياها، منتظرة النهار. رفع يديه يمسك ذراعيها بقوة وشوق، ويقربها لصدره، ليتفاجأ بها تتلاشى كهواء بين كفيه، وهو يحاول تعميق قبلتها وتذوق شفتيها، ولكن دون جدوى. -شروق! همس بشوق، قبل أن ينتفض ظافر برعب من على فراشه، ينظر حوله بريبة وهو يتصبب عرقاً. حلم!
مسح بكفيه على جبينه ورقبته، وزفر ليستغفر مطولاً، وتوالياً. ما الذي يحدث له؟ ها هو في عمر الخامسة والثلاثين، ويحلم كالمراهقين، أحلاماً محرمة! تلك الفتاة أصبحت خطراً عليه، هز رأسه بعنف، بل هو من أصبح خطراً عليها. ليزفر متمتماً: -سامحني يارب، أنا مقصدتش ده، حلم! تنهد طويلاً، قبل أن ينظر إلى الساعة فيجدها تشير إلى الخامسة فجراً. قرر أن يأخذ حماماً بارداً، متأكداً أنه لن يتذوق طعم النوم الآن.
ليقرر استغلال هذا الصباح في عمل مفاجأة تستحقها. ربما تلهيه قليلاً عن الشعور بتأنيب الضمير لما حدث للتو. في مكان آخر. -ماتت، اتكل بقى! قالت منار لأحد الزبائن المزعجين الذي يمطرها بكلمات داعبة قبل ذهابه.
التفتت تنهي تكييس باقي الخبز، قبل أن تسحب واحداً وتجلس على مقعد بأول الدكان، وعقلها مشغول بمروان، تنتظر حضوره، فقد تأخر عن موعده. كما أنها لم ترَ زوج شروق يتجه معه إلى العمل منذ أسبوع أو أكثر، وبدأت تشعر بالقلق على شروق. ابتسمت بتفكير، ولما لا تستغل الموقف للحديث معه، ومنه تطمئن على صديقتها. نعم، ستفعل ذلك.
وقفت تنفض فستانها الملطخ بقليل من الدقيق الأبيض، وبحثت في حقيبتها المتهالكة عن مرآتها الصغيرة، تهندم وجهها وتضع أحمر الشفاه الذي لا يفارقها، برغم أنها لا تضع أي مساحيق للتجميل أو تمتلكها من الأساس، ولكن أحمر الشفاه هو عشق لا يمكن نسيانه. كان مروان يلملم بعض الأوراق من سيارته، قبل أن يلقي نظرة عليها كعادته في اختلاس النظرات لها. فلتابع محاولاتها للهندمة.
ضيق عينيه وهو يتابعها، تخط شفتين مكتنزتين بشدة بلون الغزال الأحمر. لما كل هذا الاهتمام بالنفس؟ هل تنتظر أحدهم؟ رجلاً مثلاً أو حبيب ما؟ قضب جبينه بتفكير، وشعر بغضب يتملكه، لينظر إلى مرآة سيارته، يحادث نفسه قائلاً: -إيه يا مروان، هتخيب على كبر؟ هتبص لواحدة لو اتجوزت بدري كنت خلفت قدها؟ هز رأسه باستنكار، أين ذهب ذلك الرجل الهادئ الوقور الذي يرفض الحب والمداعبات ويركز على عمله فقط؟ لما يميل عقله بهذه التفاهات الآن؟
تلك الصغيرة مبهورة به، كحال كل الفتيات في سنها، وعليه هو التنبه إلى تصرفاته حتى لا يرسل لها أفكاراً مختلطة. ولكن يبقى السؤال الذي يقتله حيرة: إلى من تتزين؟ زفر وفتح باب السيارة بحنق، ليغلقها بغضب. استدار يرمقها مرة أخيرة، فاتسعت عيناه وهو يراها تتجه نحوه بعلبة في يدها. نظر إلى الخلف للتأكد أنها تناديه. قطب حاجبيه بغيظ، وهو يعيد نظره إليها، إذا كانت تأتي لتتقرب منه أو التودد إليه، فسوف يصفعها على وجهها، قليلة الحياء!
أين العقل يا صاحب العقل! قرر التحرك وتجاهلها، وبالفعل نجح في الوصول إلى أسفل المبنى، ظناً منه أن الرسالة بالرفض قد وصلت إليها، ولكنها أبهرته وهي تناديه بصوت يملؤه شجن ومشاكسة. -أستاذ مازن! التفت يرى هذا المازن بغضب، فوجدها تقف أمامه وتنظر إليه مباشرة. كبحت ضحكتها وهي ترى الضيق يرسم وجهه، لتعمدها بمناداته بشكل خاطئ. ليردف بحدة قائلاً: -اسمي مروان! -يوه، يقطعني، معلش يا أستاذ مروان، لا مؤاخذة! قالتها بمشاكسة واضحة.
فاتخذت شفتيه وضعية الخط الرفيع، ليردف قائلاً: -تؤمريني بحاجة؟ -أيوه، كنت عايزة أطلع شقة الراجل اللي كان بينزل معاك الشغل الصبح! قالتها بلا مبالاة، وكأنها تتحدث عن الطقس، وهي تلعب بطرف شعرها. -أفندم! قالها بغضب وعيون مشتعلة، فهي بالتأكيد تقصد ظافر. -الراجل ده اللي كان... -أنا عارف هو مين! قالها بحدة، يرغب لو يصفعها على وقاحتها، ليستكمل بحدة: -عايزة منه إيه؟ -مش منه، أنا عايزة مراته!
هدأ الغضب في عينيه، وقد بدأ يستجمع أفكاره. حسناً، وداعاً للعقل والتفكير، وتلك الوقحة أمامه. -انتي عايزة شروق؟ -آه، عايزة أطلعلها الكيك ده، بقالها كتير منزلتش! هز رأسه بالموافقة، وأشار لها باتباعه. صعدت منار بابتسامة واسعة، تتبختر بخطواتها، تتمنى لو يعطيها الفرصة لتسبقه، عسى أن تتفنّن في جذبه على طريقتها الأنثوية. وقفت بخضة عندما وقف في منتصف الطريق، يلتفت لها بغضب قائلاً وهو يرمقها من أسفلها لأعلاها:
-إيه ده، انتي طالعة معايا عادي كده؟ نظرت له كأنه مجنون، قائلة: -أومال أطلع معاك إزاي يا أخويا! هز رأسه بقله صبر على سخافتها، ليردف بحدة: -يعني انتي حد يقولك تعالي تيجي على طول؟ ابتسمت بمشاكسة، ابتسامة هزت قلبه وأرعشته بين ضلوعه. -مش فاهمه؟ قالتها وهي ترفع حاجبيها لثانية، قبل أن تهبطهما في الثانية التالية. -يعني أنا أقولك أوصلك، تعالي تثقي فيا وتطلعي معايا؟ افرضي ضحكت عليكي! -يالهوي، تضحك عليا!
لا، إذا كان كده أوافق بقى! قالتها ترغب في مشاكسته، عسى أن تكسر تلك العبسة من على وجهه، وهي تقترب منه على الدرج، ليرتبك بشدة ويعود خطوة للوراء، غير متوقع جراءتها. ضحكت بمرح قائلة: -مش هتوصلني بقى يا أستاذ مروان! رمش، لا يزال مذهولاً من جراءة تلك الوقحة، قبل أن يتنحنح قائلاً: -اتفضلي قدامي، الدور الجاي الشقة على إيدك الشمال.
لم يعلم سر الابتسامة الكبيرة التي ارتسمت على وجهها وهي تتقدمه، ولكنه علم سريعاً وهو يراها تطيل في تمايل خصرها المحفور بعناية للدخل بين جسدها الممتلئ بتناسق أنثوي رهيب. ابتلع ريقه بغضب، وقد جف حلقه، ونظر لأسفل، يرفض أن تلاعبه طفلة. وصلت، ليشير إلى شقة على يمينه، قبل أن يتخطاها دون كلمة، يصعد إلى شقته. أتاه صوتها الأنثوي ذو الرنة المميزة: -تسلم لي يا أستاذي! لم يجيبها حتى وهو يختفي عن أنظارها.
-هييييييح، كتك القرف في حلاوتك! قالتها وهي تطرق الباب، فتستقبلها شروق المبتسمة بعد ثوان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!