ازيك يا يخرب عقلك كنتي وحشاني بجد؟ ابتسمت منار وزال توترها بأن تكون قد تخطت حدودها وقالت: وانتي أكتر يا مدام شروق. مدام؟ مالك يا منار يا حبيبتي أنا شروق بس. قالتها شروق بملامح منكمشة لتضحك منار قائلة: معلش معلش أنا كنت متوترة بس. طيب ادخلي وقفي ليه؟ لا مينفعش، أنا سايبة عم هلال لوحده تحت. أنا قولت أطمن عليكي بسرعة وأجيبلك طلبك الدايم. طيب استني أجيبلك الفلوس. مصمصت منار شفتيها قائلة: فلوس ليه إن شاء الله؟
ده هدية مني ولا منشبهش يعني. ضحكت شروق قائلة: طيب كتر خيرك يا ست منار وخلّي عم هلال يخصمهم منك. خرجت ضحكتها الرنانة بعفوية لتهز رأسها قائلة: طيب يعملها كده وأنا هاكل كل اللي في المحل. يلا يسعد مساكي بقي أنا هنزل عشان متأخرش. الله يهنيكي ويسعدك يا ميرو. لو عرفتي تفضي اطلعي اقعدي معايا أنا بزهق لوحدي. ابتسمت منار وهي تهز رأسها بالموافقة وتهبط على الدرج بسعادة. *** في المساء.
دلف ظافر الذي غاب النهار بأكمله إلى المنزل. ابتسم تلقائيًا وهو يستمع لأصوات ضحكاتهم العالية. أخذ يلملم الأكياس التي أمضى ساعات طويلة يتسوق بها لإحضار ما يمكن أن ينقص الطفل، معتمدًا على خبرته مع يوسف وفريدة. زادت ابتسامته وهو يتذكر العاملة بالمتجر وهي تدور حوله بنشاط طفولي مستمتعة أن هناك رجلًا يقوم بتلك المهمة بدلًا من زوجته الحامل المتعبة، لذلك فقد حرصت على إعطائه كل ما ستحلم به امرأة من ألوان زاهية ملونة وملابس رقيقة مبطنة. هز رأسه بابتسامة، دائمًا ما يقع مصيره مع الصغيرات الحالمات.
تنحنح لينظف حلقه عسى أن تنتبه إلى وجوده. قبل أن يردف: يوسف، يا فريدة؟
اقترب بعد دقائق من مصدر أصواتهم بغرفة الأطفال فوجد الباب شبه مفتوح، ورغمًا عنه وجد نفسه ينظر من تلك الفتحة ويبحث عن سبب ضحكاتهم تلك. فرغ فمه وهو يرى شروق تجثو أمام الفراش حيث يجلس طفليه بشعرها الأسود القصير بشكل يعطيه جاذبية خارقة. تابع ملامحها ووجهها المشرق باحمرار وجنتيها من المجهود بالتأكيد، وهي ترفع إحدى الألعاب المحشوة فترسم بعض الأشكال المضحكة بوجهها وعينيها وتقول بصوت رفيع مضحك:
أنا عايز ألعب مع فيري يا فيري بقي، ماليش دعوة. قالتها وهي تهز رأسها عمدًا بالنفي، فتتناثر خصلاتها على وجهها ورقبتها بطريقة مغرية للغاية. زفر وهو يعود إلى الوراء. تبا لتلك التخيلات، أين ذهب تهذيبه وإيمانه؟ هي لم تصبح زوجته بعد. ليرتفع وجهه بنصف ابتسامة قاسية. وكأن ذلك سيحدث فرقًا، بالطبع هي لن تقبل أن يكون زواجهم أكثر من زواج ورقي. أحزنه ذلك التفكير، كالعادة، وشعر بغضب ينهش داخله. شروق!
هتف بحده وهو يعود نحو الأكياس. فانتفضت شروق برعب تبحث عن حجابها الملقي بجوارها، بينما يسبقها يوسف وفريدة بسعادة إلى والدهم. بابا!
حمل الصغيرة الراكضة نحوه يقبلها، ليميل نحو يوسف المحتضن لساقه مقبلًا لرأسه. خرجت شروق تمرر عيونها على كل تلك الأكياس، ليدق قلبها بترقب وذهول وهي ترى أسماء تدل على مقتنيات الأطفال قد تكون أغراضًا لفريدة ويوسف. لا تريد أن تتحمس كثيرًا، فأعادت أنظارها نحو أنظاره المراقبة للهفتها، فيمتلئ قلبه وداخله بسحابة دافئة ويتأكد له أنه اتخذ الخطوة الصحيحة. تلاشى غضبه الذي نشأ منذ قليل وهو يردف بهدوء:
الحاجات دي عشان البيبي، مش هتيجي تتفرجي عليها. ابتسمت وهي تشعر بدموعها تحاول الهرب، ولكنها ترفض البكاء في هذه اللحظة. قد تكون تافهة للبعض، ولكن إليها هي تعني الكثير والكثير. أحاطها يوسف وفيري بترقب، لتبتسم بسعادة وهي ترى أعينهم تكاد تأخذ شكل القلوب من الألوان الزاهية والأغراض. آخر كيسين هناك بتوع فيري ويوسف، ومحدش يمد إيده على حاجة. استنوا طنط شروق هتفرجكم. قفزت فريدة بسعادة قائلة: يلا يلا ورينا يا سيري!
بذلك التصريح، أخذت تفتح شروق الأكياس بسعادة بالغة، ويرافقها يوسف وفيري في ضحكاتهم وتعليقاتهم حول مدى صغر ذلك المولود المنتظر. أما هو، فقد جلس بعيدًا يتابعهم بتمني من بعيد، وعيونه تفترس أصغر ردود أفعالها وكل تعبيراتها، ويدها التي تلامس بطنها بين كل دقيقة والأخرى وكأنها تشاركه الحدث. لقد نجح في كبح مشاعره، وهي زوجة يحيى. أما الآن وهي على وشك الزواج منه، ترفض مشاعره التأني أو الصبر، حتى الشعور بالذنب أصبح لا يؤثر في كبح دقات قلبه.
*** في مكان آخر. ممكن تقعدي، زغللتيني. اسكتي يا لولو، أنا متعصبة جدًا. أردفت مني وهي ترمي نفسها على الأريكة الهزازة في حديقة قصرهم. لِتُجيب صديقتها لمياء المقربة: يابنتي نفضي، هو اللي خلقه، مخلقش غيره. وبعدين رجالة النادي كلهم تحت رجليك ويتمنوا بصة منك. لا، أنا عايزاه هو. هو فاكر بعد ما يطلقني ويبعتلي ورقتي يوم حفلتي قدام الكل هسيبه يستمتع بحياته؟
لا والف لا. أنا هقفلها عليه لحد ما أبقى أنا بس اللي قدامه، وساعتها هيجيلي يبوس القدم. أنا هذله ذل الكلاب. يابنتي ريلكس، محدش فاكر أصلًا. وبعدين ده مين يعني؟ ولا غني ولا فظيع. معرفش متعلقة بيه على إيه. عشان مش أنا اللي واحد زي ده يبيع ويشتري فيا. لازم أدمره. طيب يلا عشان اتأخرنا على حفلة رودي. لا، ماليش نفس. مودي باظ. بس رودي عاملة نار وأغنى الأغنياء هيحضروا. ده غير إنهم بيبقوا صغيرين وزي القمر.
نكزتها لمياء بنظرة ذات مغزى وابتسامة ماكرة. لتزفر قبل أن ترمش بتفكير قائلة: إذا كان كده يبقى يلا بينا. وبذلك وقفت العقربتان لبدء التجهيزات، عسى أن تنتهي الحفلة بسهرة إلى إحدى القرى الساحلية مع أوسم رجال الحفلة. *** داخل مبنى الأصدقاء.
أغلقت سلمى هاتفها مع الطبيبة بأسى بعد أن كانت في طريقها لتمضي الوقت مع شروق، ولكن بالطبع الأخبار لا تسر. توجهت إلى غرفتها مقررة الاختلاء بنفسها. ظلت تجول حول نفسها بتفكير غير مهتمة بمنع دموعها قبل أن تجففها بعنف، مقررة مواجهة يزيد بشكل مباشر. توجهت إلى غرفة الجلوس فوجدته يتربع الأريكة وهاتفه تحت أذنه وأوراق كبيرة متناثرة حوله، فالجميع في حالة تأهب لإعلان تلك الشركة الجديدة بين الأصدقاء. سعلت بخفة تشير إليه برغبتها في التحدث. فعقد حاجبيه قبل أن يستأذن، مغلقًا الهاتف في دقيقة. نظر لها وهو يفرك جانب وجهه بتساؤل. ابتسمت باتساع، فكاد يبتسم تلقائيًا، ففي ابتسامتها تقع سعادته. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
مفيش أمل خلاص، عمري ما هخلف. غامت عينيه بتفكير محاولًا لملمة أفكاره والتحكم في تعبيرات وجهه حتى لا يؤذي مشاعرها دون قصد. يكفي الحزن الدفين المنعكس في عينيها السوداء ليعلم أنها تنزف من الداخل. نظر للأوراق بحدة قائلًا: طيب. دوت ضحكتها الجافة المكان، لتردف وهي تقترب منه قائلة: وبعدين؟ مش مهم يا سلمى. رفعت وجهه بين كفيها وهي تميل نحوه تقبل جبهته قائلة بخفوت وحزن:
لا مهم يا يزيد. عشان خاطري ريحني لو فعلاً بتحبني، متعذبنيش بالذنب أكتر من كده. جذبها نحوه لتستقر في أحضانه على الأريكة، ليردف بخفوت وإصرار: الذنب إنتي اللي معيشة نفسك فيه يا حبيبتي، عشان إنتي مش عايزة تفهمي إنك حبيبتي وقلبي اختارك إنتي وهيختارك إنتي طول ما أنا فيا نفس.
أنهى كلماته وهو يتابع تساقط دموعها بحزن، فيميل عليها يطبع قبلة خفيفة على وجنتها. رفعت كفيها تمررها على وجنتيه المنبتة بشعرات قصيرة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تلمسه للمرة الأخيرة، تنظر له بعيون تشع بحب العالم، لتردف بعد مدة: وعشان أنا حبيبتك مستحيل أرضى بكده. أغمض عينيه بغضب وحزن قبل أن يزيل يديها ويرفعها عنه، يضعها على الأريكة بجواره ويلملم أوراقه بتجاهل قائلًا: أنا طالع لمروان. وبذلك القول اختفى عن عيونها الباكية. ***
بعد فترة. زفر ظافر بحنق قائلًا: مش كنا استنينا الافتتاح ده بعد شروق ما تولد؟ الله! تاني يا ظافر! ما قولنا السوق فرض إننا نبدأ بسرعة، وبعدين ربنا سهل وقدرنا نشتري مكان جاهز من مجاميعه بموظفيه. إنت إيه مضايقك بس؟ قال يزيد للمرة الألف وهو يقف أمام باب شقته منتظر خروج سلمى. مفيش، بس الدكتورة قالت إنها ممكن تولد في أي لحظة. والتانية. قال ظافر بقلق.
متقلقش، متقلقش. وبعدين دي حاجة بسيطة، ومروان عامل مفاجأة بعرض مسرحي، يعني لازم أعضاء الإدارة التلاتة يبقوا موجودين.
هز ظافر رأسه بالموافقة، وما هي إلا دقائق حتى خرجت شروق مرتدية فستانًا أسود رقيقًا غاية في الرقة، ويحيطها الحجاب الأبيض الذي أصر على أن ترتديه، رافضًا طقوسها بربط الحزن بالأسود، فابن عمه شهيد حي في السماء، ويجب ارتداء الأبيض لا الأسود. وقد رضخت له بعد مشادة حادة بينهم انتهت بتدخلات يوسف وفريدة وهم يتهمانه بسوء معاملتها. تبعها يوسف المرتدي قميصًا وشورتًا، وصغيرته مرتدية فستانًا أحمر منقطًا بالأبيض. مال بنصف ابتسامة يحملها ويعدل فستانها، متحسسًا الشورت الأبيض القطني، يتذكر عندما جن جنون شروق حين علمت أنه يجعلها ترتدي الفساتين على ملابسها الداخلية فقط، متهمة إياه بالإهمال. ماذا يعلم هو عن عالم النساء؟
مالت نظرة منه لفستان شروق واتسعت ابتسامة. بالتأكيد ترتدي هي الأخرى. التقت أنظارهم لترتبك شروق وهي تراه ينظر إلى فستانها وتتبع نظراته، تخشى أن يكون قد اتسخ أو شيء من هذا القبيل، ولكنها لم تجد شيئًا. خرجت ضحكة خفيفة منه قبل أن يستدير ليتجه إلى الأسفل. عديم الذوق والأدب. فكرت بغضب وعقلها يدور حول سبب تلك الضحكات. هل يرى مهرجًا أمامه؟
ذلك اللعين. تخطت قامته وهي ترى يزيد يمسك بيد سلمى، ولاحظت تشنج جسد صديقتها، لتقطب حاجبيها بتفكير. هل تشاجرا أم ماذا؟ *** مال يزيد على سلمى محذرًا: بطلي تفركي، مش هسيب إيدك طول اليوم ده. نظرت بعيدًا بغضب لتردف بعد دقائق: عزمت مامتك وأختك؟
لم يجيبها، لتهز رأسها بحنق وتزم شفتيها، بالتأكيد لم يفعل، فهي هادمة العائلات. صعدت معه السيارة ليترك يدها أخيرًا، فتلوح لشروق المتسائلة مطمئنة إياها أن كل شيء على ما يرام. بعد مرور ساعة، وقف مروان ينتظرهم بالخارج بابتسامة بالغة، ليردف بسعادة عند نزولهم: يلا، العرض هيبدأ. دلفت شروق الممسكة بيد يوسف الصغير تنظر حولها بانبهار، لتقف عند بوستر كبير معلق بفخر، فتحنو عيناها وترتسم شفتيها بابتسامة حزينة.
إهداء إلى العنصر الذهبي في حياتنا... البطل والشهيد يحيى الراوي رفيق الدرب. نظرت إلى الأسفل تحادث صغيرها بالداخل، حديث فخر وحب يفهماه هما وحدهما. تعالي اقعدي.
قال ظافر بهدوء وصوت محشرج بالمشاعر وهو يدلّها على مكانها. جلس جوارها وفريدة على ساقه، تشعر بالخوف للجلوس وحيدة وسط هذا الجمع من الناس. أما يوسف، فجلس بثقة بجوار مروان. بعد مقدمات ودقائق طويلة أشعرته بالملل، حتى وإن كان هو من يتوسط الأضواء والأحداث، بدأ أخيرًا العرض المسرحي باسم (وطن) . احتضن فريدة إليه وقلبه يتقلب داخل صدره، ويتم أسره من أول كلمة تخرج من فتى صغير مرتديًا زيًا عسكريًا ويتوسط خشبة العرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!