الفصل 9 | من 27 فصل

رواية خيوط الغرام الفصل التاسع 9 - بقلم دينا ابراهيم

المشاهدات
26
كلمة
2,304
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

شعر ظافر بدقات قلبه تضرب في أذنه بشدة، ولكنه انتبه لأنفاس شروق العالية وعيونها الحمراء الباكية. انتفض بخضة يمسك يدها القابضة على المقعد بقسوة متسائلاً: -مالك يا شروق؟ نظرت له بألم مكتوم وذعر قائلة: -أنا بولد! في المشفي. أخذ ظافر يأتي ويذهب أمام غرفة العمليات وقلبه يعتصر بخوف رهيب. وعقله يعود به إلى جملتها الأخيرة وهي تدلف مع الأطباء بهلع تناديه قائلة: -لو حصلي حاجة ابني أمانة في رقبتك زيه زي يوسف يا ظافر!

زفر بحنق يدعو الله بأن ينتهي الأمر على خير، ويزيد بجواره يربت على ظهره: -ربنا كبير متقلقش! -بقالها أكتر من ساعة جوا! قالها بتوتر كبير. ليردف يزيد مطمئناً: -هي العمليات القيصري كده! -بس الزفت ده قال ساعة إلا ربع وعدى ساعة كاملة! -وبعدين يا ظافر، إنت بتقلق نفسك وخلاص، إيه يعني 15 دقيقة زيادة؟ وأنا هتصرف يا سيدي!

اتجه يزيد بثقة نحو باب جانبي يطل أيضاً على غرفة العمليات، يدق مرتين قبل أن تفتح له إحدى الممرضات فتحة صغيرة بتساؤل. ليردف بأدب: -لو سمحتي، إحنا عايزين نطمن على مدام شروق! -لسه يا فندم، لكن الحالتين اللي جوا تمام! ل يأتي صوت ظافر العاصف، فتنتفض الممرضة بخضة: -لسه إيه يعني! مين بيولد في ساعة! أبعده يزيد وهو يرسل أسفه للفتاة بعينيه قائلاً: -معلش، هو متوتر بس!

رمقته الممرضة بحدة قبل أن تغلق الباب في وجهيهم. ليضيق يزيد عينيه باتهام قائلاً: -عجبك كده! إيه في إيه يا ظافر، ما تهدي شوية! زفر ظافر وهو يبعد يد يزيد عن صدره، ليتجه إلى باب العمليات الرئيسي يدعو ويدعو. فإن حدث لها شيء، لن يتمتم الصغير فقط، بل أبناؤه أيضاً للمرة الثانية على التوالي، ويعلم جيداً أنه بفقدانها سيتحطم قلبه كلياً.

أغمض عينيه وهو يسند برأسه للخلف، حتى انفتح الباب لتخرج شروق على السرير المتنقل. انتفض نحوها يحمد الله على سلامتها. بينما التفت يزيد يساراً ويمينًا متسائلاً: -إيه يا جدعان، أومال فين النونو؟ -حضرتك اتفضل ناحية أوضة الأطفال هتشوفه من الشباك! -أشوفه من الشباك! هو أنا بحجز سينما؟ فين الواد؟ أردف يزيد، ليتجاهله ظافر ويتجه إليها. سمح لنفسه بملامسة يدها قائلاً: -حمدالله على السلامة! هزت رأسها بتعب وحاولت الابتسام قليلاً.

مرت لحظة صامتة تتحادث بها أعينهم، قبل أن تتحرك بها الممرضة إلى غرفتها. وقف ظافر ويزيد عند غرفة الأطفال وأنظارهم معلقة على ذلك الطفل الصغير النائم بهدوء بينما يبكي الأطفال حوله. ابتسم يزيد قائلاً: -نومه تقيل زي أبوه الله يرحمه! ابتسم ظافر نصف ابتسامة وهو يشعر بسعادة لم يتوقعها تنتشر بداخله. بعد مرور ثلاث أسابيع. -مش أسلوب ده على فكرة يا زلومتي، أنا بقالي تلت أسابيع مش عارف أشيل الولد!

نظرت له سلمى شزراً وهي تهز الطفل بين ذراعيها وتداعبه بفمها. ابتسم يزيد رغم غيظه ونظر حوله قبل أن يميل يقبل رأسها سريعاً ويبتعد. -يزيد! -أنا كان قصدي أبوس الولد! -برضه مش هديهولك! دلف ظافر يضع بعض الأكواب أمامهم قائلاً: -لأ انت ولا هي هاتوا يحيى واتفضلوا بقى من غير مطرود، عايزين ننام! أخذ الطفل من أحضان سلمى التي لازمت شروق الأسابيع الماضية وتحملت الكثير معهم. -ماشي يا أستاذ ظافر! تصبح على خير!

-وانتوا من أهله، خدوا الباب وراكم! أما إنت بقى فتعالى يا أستاذ نام، أخواتك بيناموا خلاص، نام بقى وريح أمك شوية! لمس وجنته الصغيرة قبل أن يميل إليه يقبله. وضعه في فراشه الصغير بجوار فراش والدته وأخذ يهزه بعناية وهدوء. تثاءب بتعب، فقد كانت الأيام الماضية متعبة للغاية ما بين جنون أطفاله وبكاء يحيى الدائم، وشروق التي يراها تدور حول نفسها حتى تنهار في البكاء ليلاً حين لا تعتقد أن أحداً يستمع إليها، ولكنه يفعل!

ابتسم، لعل أفضل ما حدث في تلك الأيام هو إتمام زواجه منها، فتصبح زوجته على سنة الله ورسوله، وعودته للنوم في غرفته، ليس حباً بها ولكن تلبية لرغبة قلبه في البقاء مع عائلته في نفس المكان. نظر إلى الساعة بتعجب، لقد ذهبت لقراءة قصة للصغيرين قبل النوم، لما تأخرت هكذا؟

لم يكن يعلم أن صغيريه مرهقان إلى هذا الحد، حتى أحضر تلك المربية التي عاشرتهم أسبوع وهرعت تهرب من مهامها مستنكرة رفض الأطفال الدائم لها ورغبتهم في شروق فقط، فيبدو أن الخوف من وجود غريم جديد يتملكهم بشدة. ليستقر به الأمر بإحضار فتاة متوسطة العمر لتقوم بالأعمال المنزلية يومياً.

أعاد نظره إلى يحيى الصغير فوجده نائماً بعمق، قرر الذهاب لإلقاء نظرة عليها ثم أخذ حمام دافئ ليبسط عضلاته. فتح باب غرفة الصغيران يبحث عنها بعينيه. ليبتسم وهو يراها تتوسطهم وتغفو في نوم عميق. اتجه ببطء نحوها قبل أن يتوقف ويببيح لنفسه تفحص وجهها الجميل رغم تعبها وإرهاقها الواضح. طالت نظراته أقل مما ينبغي على جسدها الصغير الممتلئ في أماكنه الصحيحة. هز رأسه باستنكار من أفعاله، ليميل نحوها يهزها مرتين فتفتح عيونها بذعر. شهقت بخضة وهي تعتدل، فوضع ظافر يده على فمها وهو يشير لها بالهدوء بإصبعه حتى لا توقظ الأطفال، فيهمس قائلاً:

-اهدي! إنتي نايمة هنا ويحيى نايم جوا، أنا قولت أصحيكي تروحي له عشان لو عيط! هزت رأسها وقلبها يدق سريعاً وهي تشعر بكفه الدافئ يحاوط شفتيها المرتعشة. ابتلع ريقه بصعوبة وهو يستشعر توترها، ليتنحنح وهو يعود للخلف يبعد يده غصباً ويتجه للخارج وهي تتبعه. وقفت تفرك أصابعها بتوتر لتعود وتمرر أصابعها بين خصلات شعرها. لابد أنها تبدو كالزومبي بينما يقف هو كنجم متألق بلا أي مجهود يذكر. -امممم أنا هنام!

قالتها وهي تتجه إلى غرفتها، بينما هز هو رأسه يرغب فقط لو يتجه خلفها ويخطفها بين أحضانه. ما إن أغلقت الباب حتى زفر بحنق، لطالما كان التسرع في رفع الآمال العيب الأكبر بشخصيته، بالطبع هي لن تلاحظ وجوده كزوج ورجل، هي فقط تريد السند والحماية والأب لطفلها، وبالطبع هو لن يبخل بذلك أبداً. في شقة يزيد وسلمي.

أخذ يهز ساقه بعنف وهو يجلس بجوارها يشاهدها تقرأ كتاباً متجاهلة إياه تماماً. لم تكن تقرأ كلمة مما تراها وعقلها منغمس بتحليلاتها. قد يبات ويصبح يحلف لها أنه يرغبها ولا يرغب بطفل، ولكن وصول يحيى الصغير وجنون يزيد وحبه له أثبتا لها صحة قرارها، وإن كان هناك شك ولو بسيط في قرارها فقد زال تمام. نظف حلقه وهو يتثاءب ويحاول وضع ذراعه حولها، ولكنها اعتدلت برفض وهي تغلق الكتاب قائلة: -طلقني!

كان لا يزال ذراعه بالهواء فأعاده بجواره متجاهلاً إياها واتجه لمشاهدة التلفاز. -يزيد بكلمك رد عليا! -وأنا مش عايز أتكلم يا زلومتي! -طلقني لأني بكرهك هرجع لأهلي! رمقها بنظرة لو كانت موجهة لرجل لهرع هارباً، فأردف بهدوء ينذر بالشر: -ترجعي عند أهلك مين؟ عقدت ملامحها بغيظ، فبداخلها تعلم أن أسرتها البسيطة سترفض بقاءها والابتعاد عن زوجها خوفاً من أن يلتصق بها لقب مطلقة، ولكنها أكملت بشجاعة:

-بيت أهلي يا يزيد، إيه نسيت إن ليا أهل! -لأ منستش، بس عندي فضول أعرف هتقوليلهم إيه؟ نظرت له بصمت قبل أن تخفض بصرها قائلة: -هقول لهم إني مستحيل أخلف وإننا اتفقنا ننفصل! -إحنا مين يا سلمي؟ القرار ده ليكي لوحدك! -متصعبش الأمر علينا أكتر من كده لو سمحت، طلقني واتجوز غيري! -مش هطلقك يا سلمي! جزت على أسنانها بغضب لتردف بغضب منفجر: -طلقني بقى أنا زهقت، إنت إيه يا أخي معندكش دم! أنا مش عايزة أعيش معاك، مش طايقاك، مش طايقاك!

وقف بحدة يطيح بالطاولة أمامه، فتصرخ بخضة وهي تضع يدها على رأسها تستمع إلى صراخه المدوي: -إنتي اللي معندكيش دم! ارحميني بقى! إنتي كل يوم بتموتيني بكلامك ده، إنتي كل ثانية بتدبحيني بغبائك، ارحميني يا شيخة وارحمي عيشتنا اللي بقت سودة! كانت تبكي بشدة جعلت سائر جسدها يرتعش. جثا أمامها قائلاً بغضب وهو يمسكها بحدة يحاول إدخال كلماته إلى عقلها عنوة: -اسمعيني كويس!

أنا مش هطلقك وشغل الجبروت اللي بقيتي فيه ده مش عليا، أنا عامل حساب لحب كان بينا وعارف ومتأكد إنك بتحبيني وإنك مصرة تكرهيني فيكي! خرجت شهقات بكائها وهي تبعد عيناها عن نظراته المتهمة، فأردفت بقله حيلة وحزن: -أنا آسفة بس أرجوك ابعد عني وطلقني! -بصيلي وأنا بكلمك! علا صوته وهو يهزها بعنف حتى أعادت رأسها تنظر إلى عينيه بنظراته التي تعكس موت قلبه. هز رأسه بخيبة أمل ليردف:

-لو فاكرة إني هطلقك يبقى أكيد اتجننتي، يمكن إنتي سهل تنسي حبك ليا وتنسي إني كنت في يوم كل حياتك، ويمكن إنتي خدعتيني من الأول ومحبتنيش أصلاً! متقاطعنيش! صرخ بحدة عندما حاولت التحدث، لتغلق فمها ودموعها تهبط. استكمل حديثه وهو يشد على كل كلمة قائلاً: -لو وصلت إني أكسرك وأعيد تأسيسك من أول وجديد مش هتهز، وأنا بعملها بالذوق، بالعافية هتفضلي جنبي، أنا مش لعبة في إيدك تقرري تاخديها أو تسيبيها في أي وقت، إنتي فاهمة!

نظرت له مذهولة وهي تشاهد عيونه تزداد سواداً بغضب وغل مع كلماته، حتى دفعها تماماً بحدة واتجه كالإعصار يبحث عن مفاتيحه. سحب هاتفه قبل أن يخرج من الشقة تماماً غير آبه أنه يخرج بملابسه البيتية. أما هي فقد انتهى بها الأمر متكورة على ذاتها تخرج كل أحزانها في دموع حارقة تخرج من قلبها الممزق، كارهة مصيرها داعية الله أن ينهي هذا العذاب. في شقة ظافر.

كاد يستسلم للنوم عندما أتاه صوت بكاء الرضيع. تنهد بتعب عندما استمر بكاؤه فقرر رؤيته خوفاً أن تكون شروق منهكة تماماً ولا تسمعه. رأى نور المطبخ مشتعلاً وسمع صوت الماء، لابد أنها تغلي بيبرونات الصغير لإعطائه اللبن. دلف يحمل الصغير بين ذراعيه يهدهده بحذر شديد من أن يضره بيداه الكبيرتان، وأخذ يهمس له بابتسامة: -ماما جاية بالأكل خلاص، بطل فجعة!

قلقت شروق عندما توقف الصغير عن البكاء، وما إن أشعلت النار على الماء حتى توجهت سريعاً للغرفة. توقفت عندما رأت طفلها بين ذراعي ظافر. انتفض قلبها ينقبض وينبسط. ومشاعم غريبة عليها بدأت تحيط بها كسحابة كبيرة، ماذا يسمى هذا الشعور الذي يعصف بداخل الإنسان فيسرق منه الكينونة! ارتسمت بسمة خفيفة على وجهها وهي تراه يضع الصغير النائم بهدوء بالغ ورقة لم تعهدها منه. هل هذه اللمسات الرقيقة تقتصر على من يحب؟

ترى ماذا سيكون شعور يديه القوية على بشرتها! اتسعت عيناها بخجل وهربت مسرعة إلى المطبخ. هل فقدت عقلها تماماً! وعلي ماذا ستعلق تلك الرغبة الغريبة، فلا وجود لهرمونات الحمل للومها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...