الفصل 6 | من 20 فصل

رواية خيط ضعيف الفصل السادس 6 - بقلم نور البشري

المشاهدات
19
كلمة
1,415
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

بعد انفصالي عن وليد، كانت الفترة الأصعب في حياتي. حقًا، إنها تشبه تلك الفترة التي أعيشها الآن في هذه الغيبوبة، على حافة الموت. إذاً، هذه هي المرة الثانية التي تكون فيها روحي على وشك مغادرة جسدي. المرة الأولى كانت بفراق وليد، والمرة الثانية ربما تكون الموتة الأخيرة، فلم يعد ما يبقيني على هذه الحياة.

بعد فراقي لوليد، أصبحت شخصًا غير راغب في أي حديث. فقط الظلام والصمت والبكاء. لا أريد التحدث أو المواساة. كانت صافي تأتي لتجلس معي كل يوم، تتحدث دون جدوى. فما جدوى التحدث في انحدار الروح من كافة الحيا. فوليد لم يكن فقط حبيبًا، بل كان صديقًا وسكنًا. جعل عالمي كله يتمحور في دائرته. جعلني أرى العالم في عينيه، وأسمع بأذنيه، وألمس كل ما يحيط بي من خلاله، وتاركني عاجزة كصماء بكماء عمياء دون حركة.

وكأني طفلة صغيرة تركها ذويها في وسط بحر مظلم هائج، تتعلم من جديد كل شيء في هذه الحياة. طول هذا الشهر، كنت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا: "ماذا ارتكبت من ذنب؟ أهل وليد تواصلوا مع والدي واعتذروا عن أي حاجة حصلت من ابنهم، وأنهم مش فاهمين سبب تصرفه، ولا راضيين. كلمة والدته التي لازالت ترن في أعماق روحي: "وليد عمره في حياته ما كان فرحان زي ما كان مع نغم، مش عارفين إزاي دا حصل ووليد ساكت."

بعد مرور شهر في حالة اللا حياة التي أصبحت أعيشها، قررت أن أحاول مواصلة طريقي كما كان قبل وليد، حتى لا أصبح في النهاية خاسرة لكل شيء. وفي عراكي التفكيري، وجدت أمامي منشورًا على الجروب الخاص بالجامعة: "أدعو لمصطفى، حالته حرجة." صدمني ما قرأته، وظللت أبحث عن رقم مصطفى لأقوم بالاتصال به، ولكن الهاتف مغلق دون جدوى. تذكرت نهى، وعندما قمت بالاتصال بها، جاءني صوتها باكية: "نغم، انتي فين؟

مصطفى بيسأل عليكي على طول. مصطفى حالته صعبة يا نغم، عمل حادثة جامدة الأسبوع اللي فات. أرجوكي تعالي، هو طالب يشوفك. حاولت أتصل بيكي كتير، موبايلك على طول مقفول." وفي لحظات، كنت أرتدي ملابسي متجهة إلى مصطفى في المستشفى. وعندما وصلت، وجدته بين بضع أسلاك تمده بالحياة، ونهى ممسكة بيديه باكية. بصوت خائف أتحدث إلى نهى: "نهى، في إيه؟ نهى من وسط دموعها:

"مصطفى عمل حادثة جامدة، وهو كان عاوز يتكلم معاكي من قبل الحادثة. بقاله فترة بيحاول يوصلك." أنا أقرب من مصطفى: "مصطفى، أنا هنا. أنا نغم." مصطفى بصوت يخرج من بين نزعات الروح: "نغم، الحمد لله إنك جيتي. نغم، انتي قوية، متخليش حاجة توقعك. اوعديني إنك هتقفي على رجلك من تاني، وادعي لي." كلماته كأنها تؤكد مخاوفي بقرب نهاية مصطفى، ولكني أطمئن نفسي قبل أن أطمئنه: "مصطفى، أوعدك هتقوم وتشوفني وتبقي جنبي، انت ونهى."

مصطفى بصوت خافت: "نهى، حبيبتي، من بعدي يا نهى وعيشي حياتك. أنا آسف إني وجعتك. إنتي كنتي عارفة إني بحب نغم من زمان، ومع ذلك كملتي معايا." أنا: "مصدومة، مصطفى دا مش وقت الكلام دا. أنا عارفة إنك بتحبني زي أختك. نهى، متصدقيش كلامه." نهى: "مصطفى، أنا بحبك في كل حاله وفي كل وضع. أنا كنت فاهمة وعارفة إنك حبتني لما قربنا من بعض ونغم أختك، بس علشان خاطري قوم علشاني." مصطفى: "أنا بحبك يا نهى، بحبك."

وكانت هذه آخر كلمات مصطفى في الحياة. أصوات أجهزة تصفر معلنة إنهاء حياته. هرج ومرج للحظات، ثم كلمات الطبيب: "البقاء للأقوى.. شدوا حيلكم." وكل منا محتضنة الأخرى، أنا ونهى، وفي انهيار تام. حضر والدي إلى المستشفى وأنهى إجراءات المستشفى والدفن مع أهل مصطفى.

خسرت مصطفى أيضًا. زاد الألم والوجع. لم أعد أستطيع حتى أستيقظ خوفًا من مواجهة يوم جديد. وجع وليد، موت مصطفى، إحساس رهيب بالخوف والوجع من كل حاجة. بقت شايفه كل حاجة حواليا ظلام. يوم عزاء مصطفى. كان لقائي الأخير مع وليد وحسام. حسام: "شدي حيلك يا نغم." أنا: "شكرًا يا حسام." حسام: "نغم، أنا عارف إن الحمل كبير عليكي وإنك مش قادرة، بس لازم تقفي علشان تعدي اللي جاي." قطع كلامه وليد دون حتى أن يوجه لي أي حديث. وليد:

"يلا يا حسام." كان وليد يتفادى أن تأتي عينه في عيني، أو حتى أن نتحدث بأبسط كلمات الواجب. وهذا ما كان جرحًا ليكمل على ما في من وجع روحي. عقلي متسائلًا: "معقول وليد بيعاملني كأنه ما يعرفنيش؟ هو فعلاً ما يعرفنيش؟

لأني بقيت شخصًا ثالثًا خالص، غير نغم اللي عرفها، أو حتى قبل ما يعرفها. نغم قبل ما يعرفها كانت قوية وناجحة وواثقة في نفسها، عيونها كلها أمل وبهجة. ونغم اللي معاه كانت روحها مربوطة بروحه، كان هو كل حياتها. عيونها كلها حب ونور وحياة ليه. ونغم دلوقتي إنسانة محطمة من كل حتة، وضعيفة، مجروحة، وشايفة كل حاجة ظلام. عيونها مطفية، زي ما تكون نسيت الضحكة من سنين." (فكيف أكون غريبًا في أرض يومًا كانت وطني؟

فهل هناك غربة أشد موتًا من غربة روحك في أرض كنت تسكنها يومًا؟ وقد كان وليد لي وطنًا وسكنًا، وأصبحت روحي دونه غريبة عن عالم لا تعرفه. الوقت بيمر بطئ أوي عليا، زي ما تكون كل حاجة واقفة من بعد موت مصطفى، وأنا مش عارفة أفوق. صحيح أنا كنت بعيدة عنه الفترة اللي فاتت علشان أرضي وليد، بس طول عمره ليه معزة أخ في قلبي. كان هو الوحيد اللي هيقدر يشدني من الظلمة.

الفترة دي كنت مش عارفة أسند نفسي، ولا أسند نهى. اللي رغم كل حاجة كانت أقوى مني بكتير. في خلال شهرين، نهى كانت رجعت لحياتها وشغلها. كانت على طول بتقولي: "الحزن في القلب مش في وقفة الحياة." أنا ونهى فينا حاجات كتير شبه بعض. شخصيتنا، طباعنا، حتى طريقة تفكيرنا. مصطفى الله يرحمه كان دائمًا بيقول: "زي ما تكونوا كربونات من بعض بشكل مختلف." بس نهى شبه نغم بتاعت زمان، مش نغم اللي موجودة دلوقتي.

عدى 4 شهور على موت مصطفى، و5 شهور على فراق وليد. قررت إني أرجع أنزل شغلي من تاني. اتصلت بمدير التحرير. أنا: "مساء الخير يا فندم. أنا نغم، حضرتك فاكرني؟ مدير التحرير: "أه طبعًا يا نغم، فاكرك. إزيك عاملة إيه؟ أنا سمعت عن كل الظروف اللي مرتي بيها الفترة اللي فاتت، ربنا معاكي ويقويكي." أنا: "شكرًا لحضرتك. أنا كنت عاوزة أسأل حضرتك لو لسه في مكان ليا في الجريدة، أنا بحاول أرجع من تاني." مدير التحرير:

"أه طبعًا يا نغم، ليكي مكان. وأنا عند وعدي ليكي إني أعينك كمان. انتي موهبة نادرة، وعشان أكون دافع ليكي إنك تقفي على رجلك من جديد، انتي زي بنتي، وأنا لو هتمني حاجة هتمني إن بنتي تبقى زيك في شخصيتك ونجاحك." أنا: "شكرًا لحضرتك يا أفندم، وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك."

(الحياة ممكن تاخد منا فرحة، بس خليك واثق دائمًا إنها هتديك فرحة تانية مكانها. ممكن تكون مش بنفس مقدار الفرحة اللي أخدتها منك، بس هتعوضك. دي أهم حاجة، بالي على الأقل يديك أمل جاي في بكرة.)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...