بعد كلمات صافي التي لامست حقيقة ما أخفيه داخليًا عن مشاعر وليد تجاهي، وكيف أني أصبحت دون قصد أفهم ما يضايقه، كأني أعرفه منذ زمن. وفي لحظات غرق في تفكيري عن كل ما يدور بداخلي، قطعني رسالة وصلت إلى بريدي في الفيس بوك من آخر شخص أتوقعه… وليد. فتحت الرسالة مع دقات قلب متسارعة، لا أعلم سببها. رسالة وليد: "ازيك يا نغم، عاملة إيه؟ أنا عاوز أقولك إني فرحت النهارده لما شوفتك كويسة ومنورة زي ما اتعودت أشوفك دائمًا."
ترددت لحظات لأكتب له ردي على رسالته، ليأتي ردي: "شكرًا، شكرًا يا وليد على سؤالك واهتمامك." وليد: "نغم، مش هتنزلي المقالة الجديدة؟ وعلى فكرة، المقالة اللي نزلتيها في الجرنال رائعة زي كل مقالاتك." تحولت دقات قلبي المتسارعة إلى دقات ترقص من الفرحة لشعوري بمشاعره التي لامست روحي. أنا: "هنزلها قريب." وليد: "طيب، ممكن أسأل هتكلمي فيها عن إيه؟ أنا: "عن ترتيب الوقت." وليد: "من الواضح إنك اتعلمتي من تعبك الفترة اللي فاتت."
أنا: "أنا برتب وقتي جدًا، التعب بس على كل حاجة جت مرة واحدة." وليد: "ربنا يوفقك." كنت أشعر في تلك اللحظة بشعور وليد، وأنه يحاول فتح أي حديث مشترك بيننا. فرحتي كانت تشبه فرحة طفلة بأول قطعة حلوى تأتي لها في الحياة. وكأن ما تحمله دقات روحي من إحساس أصبحت كوليد في لحظات ميلاده الأولى في الحياة، مبتسمًا بلمسة حانية لأول دقة في حياته. وفي صباح اليوم الثاني، عند وصولي للجامعة، وجدت وليد في انتظاري.
وليد: "صباح الخير يا نغم." أنا: "صباح النور." وليد: "عاملة إيه النهارده؟ يا رب تكوني نمتي كويس." أنا: "الحمد لله، أحسن النهارده كتير." يقطع كلامنا حسام، صديق وليد المقرب، بابتسامة ودية. حسام: "إزيك يا نغم؟ ازيك يا وليد." وليد: "في حاجة يا حسام؟ أنا كنت بسأل على نغم عشان تعبت من يومين." حسام بضحكة مكتومة ليظهر أنه يفهم ما يحويه قلب صديقه: "…ماشي." أنا: "بعد إذنكم عشان متأخرة على المحاضرة."
لأنسحب بهدوء، ولكن هل حقًا انسحبت؟ أم دقات روحي ظلت في مكانها بين طلة عين وليد. كل يوم كان يمر علينا، كان وليد يتقرب مني أكثر، ودائمًا ما كنت ألاحظ غضبه الشديد من أي شخص أتحدث معه. أتذكر تلك المرة التي كنت أتحدث فيها مع مصطفى، زميلي المقرب لي دائمًا، كنت ما أعتبره أخي، فنحن معًا منذ اليوم الأول للجامعة، ومعًا في التمرين الصحفي. علاقتي كنت قريبة به، ودائمًا ما كنا نتحدث ونضحك على أبسط الأشياء.
وفي لحظة فجائية، وجدت وليد قادمًا اتجاهي، ينطق اسمي بغضب شديد، ووجهه متجه. وليد: "نغم… نغم… عاوزاك دقيقة لو سمحتي." أنظر إليه نظرة تجمع بين القلق والتأهب للشجار، ليأتي ردي عليه: "نعم يا وليد… حاضر." وليد بنبرة صوت تحمل العصبية والغضب: "عاوز أتكلم معاكي لوحدنا حالا." أنا: "ماشي، بس ممكن أفهم في إيه متعصب كدا ليه؟ وليد: "من فضلك يا نغم، لوحدنا."
اعتذرت لمصطفى عن قطع حديثنا، واتجهت مع وليد لنجلس سويًا في كافتيريا الجامعة. اختار مقعدًا في آخر الكافتيريا، بعيدًا عن الزحام الطلابي، لتكون أول مرة نجلس معًا بعيدًا عن الزحام. لازلت أذكر إحساسي في تلك اللحظة بفرحة غامرة، مع أنه كان يحمل في داخله بركانًا من الغضب. ظل صامتًا لدقائق ينظر إلي فقط، لأبدأ أنا حديثي. وليد بنبرة صوت هادئة تحمل الغضب في نفس الوقت: "نغم، هو أنتي فعلاً مش فاهمة؟
أنا: "لا، محتاجة أسمع منك عشان أفهم." وليد: "يعني مفهمتيش باهتمامي بيكي حاجة." أنا: "وليد، ممكن تتكلم على طول، أنا مش بحب ألغاز." وليد: "نغم، انتي كنتي بتهزري مع مصطفى كدا ليه؟ ومع فرحتي بغيرة وليد الواضحة ومشاعره وتفهمي لسبب ضيقه، إلا أني شعرت بالضيق، كأني في تحقيق رسمي، ولم تكن هذه هي الطريقة التي تربيت عليها من أبي، فطالما تعودت أن يكون التعامل بهدوء وبدون صوت عالي. ليأتي
ردي عليه بنبرة تحمل الضيق: "ممكن أفهم إنت بتتكلم معايا كدا ليه؟ وليد: "نغم… أنا… أنا... وساد الصمت للحظات دون أن ينطق أي منهما. أنا: "اتكلم.. إنت إيه يا وليد." وليد: "نغم قومي روحي من فضلك." نظرت إليه في ذهول، وتركته وانصرفت دون انتظار أي كلمة أخرى منه. وعند وصولي إلى منزلي، فتحت بريدي على الفيس بوك، لأجد رسالة من وليد:
"نغم أنا أسف على أسلوبي معاكي، إني كنت حاد معاكي. نغم أنا أول مرة أكون كدا… أنا بتجنن من أي حد يقرب ليكي… نغم أنا بحبك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!