فتحت باب جوايا اتقفل من سنين. وكأن عثوري على صورة وليد داخل صندوق الذكريات أخذتني إلى دوامة من الحنين والوجع واللهفة والألم في آن واحد، لتفتح باباً كنت أعتقد أنه أُغلق منذ سنوات. منذ عشر أعوام، أيام الجامعة. بعد حديثي مع صافي عن وليد ونظراته التي لم أفهم كيف أخذتني من روحي للحظات. "أول مرة ألاقي نفسي بتشد لوليد من غير ما أحس. بقيت أنا كمان بتابعه وبحاول أكذب نفسي. أنا طول عمري قوية، مش بجري ورا المشاعر!
من وأنا في الجامعة، كنت أكتب مقالات كتير عن الحب والمشاعر. كانوا مسميني "أسامة منير الجامعة". لسه فاكرة اليوم اللي لاقيت وليد جاي يكلمني لأول مرة. في طريقي لباب الجامعة، ظهر لا أعلم من أين ليقاطع طريقي. وكأنها كانت إشارة من الزمن أن كل طريق سأروحه سأنتقاطع فيه. وليد: صباح الخير يا نغم. أرد عليه بابتسامة: صباح النور يا وليد. وليد بنظرة لم أرَ في حياتي مثلها منه، نظرة تجمع مشاعر مدفونة منذ سنوات
وربما قبل ميلاد أي منا: أنا كنت عاوز أقولك حاجة، أنا. لأول مرة أجد وليد مش مجمع كلامه ومش عارف يقول إيه. أول مرة أبص في عينه من قريب كده. عيونه بتضحك ضحكة خطفت قلبي. مكملة كلاماته التي صمت صوتها لتسمح بصوت دقات الروح من عزف مقطوعتها: أنت إيه يا وليد؟ وليد، ولقد أنارت عينيه دقات روحه: أنا نسيت أنا كنت هقولك إيه.
قاطع صمتنا بإحساسي، ذلك الإحساس الغريب الذي يجمع ما بين الرغبة في الهرب من بين عينيه أو المكوث في دفء نظرته الحانية إلى آخر مدى الحياة. إحساس لا أفهم متى أو كيف ولدت دقاته بداخلي. أنا: طيب ماشي، ممكن أمشي؟ وبدأت في طريقي للتحرك. وليد: استني يا نغم. خلاص افتكرت. أنا أول مرة أقرا ليكي مقالة إمبارح اللي نشرتيها على بروفايلك في فيس بوك.
أنا: عادة مش بنزل غير في جروب مقالاتي. المقالة اللي كتبتها امبارح كانت بتتكلم عن صدق العيون. والمقالة امبارح نشرتها على بروفايلي بس. ساعتها اتأكدت أن وليد متابعني وفاهم. إني فاهمة. فاهمة نظراته، فاهمة دقات قلبه الصامتة في معركة حربه الداخلية. وكأن روحه في لحظة اتحررت منه وحضنت روحي بدفا وصدق. ومن وسط صمتنا جاءت ابتسامتي بخجل: شكراً لذوقك يا وليد. يفرحني أنك تتابعني. خرج صوته ممتزجاً
بلمعة عيونه: إنتي مبدعة يا نغم. وبعد كدا مش هفوت مقالة من غير ما أقرأها ليكي. كانت تلك المرة الأولى التي نتحدث فيها سوياً، وكانت ميلاد للكثير من الأحاديث بين أرواحنا قبل أن يكون بين كلماتنا. فقد كان وليد يختلق الأسباب في كل يوم لكي نتحدث لدقائق، وكأنه يخطف لحظات من هذا العالم ليحدثني فيها. "بيقولوا أن باب النجار مخلع، دي حقيقة جداً. أنا أول مرة أحس إني مش عارفة أتصرف. قلبي بيدق لأول مرة ولآخر شخص توقعته ومن غير سبب."
كانت تلك الجملة التي سطرتها في دفتر مذكراتي بعد حديث طويل بيني وبينه. لم أشعر بتلك السعادة في يوم إلا معه. سعادة وكأني أتحدث إلى روحي في جسد آخر. حديث لم ينتهِ إلا بعد أن اكتشفنا أن كل منا حولنا قد رحلوا، بعد مرور أكثر من 4 ساعات حديث وضحكات متواصلة. كل يوم كان بيعدي عليا كان وليد بيقرب مني أكتر. أيام كان كلامنا بيكون دقائق، وأيام نحكي بالساعات ويمر الوقت وكأننا في عالم منفصل عن كل ما حولنا.
متابعته ليا بعيونه كانت بتحسسني بالأمان والفرحة. إحساس كده غريب أول مرة أحسه أو أفهمه جوايا. لحد يوم نشر أول مقالة ليا على أرض الواقع. وكل أصحابي وزمايلي في الجامعة بيبارقولي، حتى الدكاترة، ما عدا شخص واحد بس. وليد. الوحيد اللي كان واقف بعيد مع أصدقائه، نظراته كلها غضب. صافي: نغم هو في إيه؟ وليد ماله النهارده؟ أنا توقعت إنه هييجي يباركلك زي كل الناس، لكن ده من الصبح قالب وشه.
وكان سؤال صافي هو نفس ما يتردد في داخلي ولم أبوح به، متظاهرة بأن الأمر طبيعي: عادي يا صافي، يمكن مضايق ولا حاجة. أنا مالي بيه. كنت بقول كده وأنا من جوايا مخنوقة جداً. أنا كنت متوقعة إنه هييجي يباركلي زي ما بيقولي على كل مقالة بكتبها، لكن اللي حصل مكنش كده خالص. خلص اليوم وفضل وليد، نظراته كلها غضب ليا. غضب غير مبرر. من أي حد يقربلي أو أي حد أكلمه.
الفترة دي أنا فاكرة كويس. كنت على طول مضغوطة ما بين شغلي كصحفية تحت التمرين والمذاكرة. وداخلياً مش فاهمة حاجة من تصرفات وليد وزعلانة من نفسي إني بسمح له يأثر عليا، وأنا اللي طول عمري قوية. تقريباً مكنتش بنام. ودا طبعاً أثر عليا صحياً ونفسياً. وفي يوم كان عندي تقديم فكرة مشروع في محاضرة، وفي وسط كلامي حسيت بدوخة ووقعت. ولما فوقت كنت في عيادة الكلية. الدكتور: نغم من الواضح إنك بترهقي نفسك جامد، ودا غلط على صحتك.
صافي: هي مش بتنام يا دكتور، طول اليوم مذاكرة وتحضير. الدكتور: لازم تاخدي إجازة يا نغم. ومن الواضح إنه في حاجة مضايقاكي أو ضاغطة عليكي. لأتي ردي: لا يا دكتور، مافيش حاجة. هو بس ضغط إني بحب أعمل كل حاجة في وقت قصير. وفي خلال ما أنا بكلم مع الدكتور، لمحت وليد واقف بعيد بيراقب اللي بيحصل، وظاهر عليه الخوف والقلق. حاولت مبينش إني أخدت بالي وطلبت من صافي تساعدني علشان أقوم وأروح أرتاح في بيتي.
بعد خروجنا من عند الدكتور. سمعت نداء وليد. وليد: نغم نغم استني. نغم إنتي كويسة؟ أنا قلقت عليكي. مالك؟ نظرة عيونه كانت مليانة قلق ماشوفتش قبل كدا. قلق يطمّن ويفرح. خرجت كلماتي ما بين فرحة بقلقه وعدم رغبة مني في إظهار شوقي لكلماته، وكأنها اعتراف داخلي لروحي أنني قد أصبحت أشتاق لحديثه: أنا كويسة يا وليد، شكراً لسؤالك. أنا بس مضغوطة الفترة دي. وليد: خدي بالك على نفسك يا نغم. تحبي أروحك؟
أنا: شكراً، أنا معايا عربيتي وصافي هتسوقها لحد البيت. وليد: ماشي يا نغم، بس مترهقكيش نفسك. وشدي حيلك بقى علشان مستني المقالة الجاية بتاعتك. بابتسامة جاءته كلماتي: إن شاء الله. دعواتك. وليد شخصية غامضة جداً. وقت بحس فيه حنية الدنيا، ووقت بحس فيه شخص جامد، وقت بحس إنه بيلعب. بس في نفس الوقت نظرات العيون متكذبش.
وكأن وليد كان ميلاد لغز في حياتي، وحقيقة الأمر اللغز الأكبر هو مشاعري التي انجرفت لروحه دون إذن مني. ولكن هل المشاعر تأخذ إذن من أصحابها قبل التوجه لعشق الروح؟ وفي اليوم الثاني. صافي: نغم هو إنتي إيه اللي بينك وبين وليد؟ أنا مش فاهمة حاجة. بينكم نظرات كتير وبيجنن لما بيشوفك مع حد. وامبارح كان قلقان عليكي. والأغرب من كل دا إنك بتعملي ليه حساب دلوقتي وإنتي مش واخدة بالك. وكأن كلمات صافي جاءت
لتضعني في مواجهة مع نفسي: بصي يا صافي، أنا لأول مرة في حياتي أكون مش فاهمة اللي بحسه أو اللي جوايا. أنا بكون مبسوطة باهتمام وليد، مقدرش أنكر ده. في إحساس حاسة مش قادرة أحدده. أنا معرفش وليد شخصياً لحد دلوقتي، بس الإحساس اللي جوايا زي ما يكون حاجة بتشدني ليه من غير ما أحس. وقبل ما أكمل كلامي، لاقيت وليد جاي يسلم عليا. وليد: عاملة إيه النهاردة يا نغم؟ شكلك أحسن. أنا: آه الحمد لله، شكراً لاهتمامك. وليد: على إيه؟ إحنا...
زملاء. تخرج كلماتي بابتسامة تخفي حيرتي في أمري: آه طبعاً. يلا يا صافي علشان نروح المحاضرة. بعد إذنك يا وليد. وليد: نغم استني. خدي بالك من نفسك. متخديش كل حاجة على أعصابك. إحنا عاوزينك. صافي بنبرة تحمل الخبث: مين اللي عاوزاها يا وليد تقصد؟ وليد وقد شعر بالخجل من صافي: قصدي شغلها يعني. وإنتي طبعاً يا صافي. شعرت بدقة قلب وليد في تلك اللحظة. وقد قررت إنهاء الموقف بكلماتي: شكراً ليك تاني يا وليد.
لأستدير محدثة صافي: إيه اللي إنتي قولتي ده يا صافي؟ أكيد يقصد شغلي وإنتي مكنش لازم تحرجيني. صافي: لا يقصد. هو اللي عاوزاكي وإنتي فاهمة دا يا نغم، بس مش عايزة تصدقي. نغم إنتي دا كله بجد مش فاهمة إن وليد بيحبك. بيحبك يا نغم. وكأن كلمات صافي كانت كنقرات على باب روحي لتواجهني بما أشعر به. معرفش يا صافي. أنا مش هطلع المحاضرة، أنا رايحة. صافي: ماشي، بس إنتي مش رايحة، إنتي بتهربي. أنا أكتر واحدة فاهمة.
لأنهي حديثي: باي يا صافي. وقد كانت صافي تنطق بالحقيقة، وربما تكون للمرة الأولى والأخيرة في حياتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!