تحميل رواية قلب السلطة بقلم مروة البطراوي pdf
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكرار لحظة مخيفة، كأنها لعنة أبدية تُعيد نفسها بلا رحمة. وتكرار لحظة مدمرة، أشبه ببئر مظلم مليء باللعنات، لا نهاية له ولا مهرب منه. كان رائد يقف أمام الباب، لا يدري إن كان يعود لمنزل عمه، أم ينبش قبرًا منسيًّا. الهواء يحمل رائحة العطن والذكريات المتحللة. مدّ يده إلى المفتاح، لكنه توقف للحظة، كأن شيئًا بداخله يصرخ ألّا يفعل. ثم، بحركة بطيئة، دار المفتاح في القفل، وأصدر الباب أنينًا متعبًا وهو يُفتح. من الداخل، كان المنزل غارقًا في ظلال رمادية، كما لو أن الزمن قد تجمد بداخله. لم يتغير شيء، إلا أن...
رواية قلب السلطة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مروة البطراوي
تجمدت ليلى في مكانها، الكلمات تدوي في أذنيها كصفعة، تشق صمت الغرفة نصفين.
ليلى، بصوت مختنق: "تقولي إيه؟!"
الأم لم ترد، بل نهضت بخطوات بطيئة، كأن الأرض تحتها لم تعد ثابتة، واتجهت نحو خزانة جانبية، أخرجت منها صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وقد غطته طبقة رفيعة من الغبار.
الأم، وهي تمرر يدها على الغطاء: "أنا سكت سنين... قلت لنفسي، اللي فات مات، لكن الظاهر إن السكوت ما بيمحيش الخطايا... بيدفنها، بس بيفضل ريحتها تطلع، لحد ما تيجي لحظة وتخنق الكل."
مدّت يدها للصندوق، فتحته ببطء، وداخل الصندوق كانت هناك أوراق قديمة، ومظروف مغلق بلونٍ باهت.
الأم، وهي تنظر في عيني ليلى بثقل: "في حد رجع يدور... وأنا عارفة كويس مين ورا ده. دلوقتي مافيش مفر. كل حاجة لازم تطلع للنور، حتى لو وجعت."
كانت ليلى تحدق في الأوراق، قلبها يخفق بقوة، كأن يدًا خفية تعصره، شعور غريب بأن حياتها على وشك أن تتغير... للأبد.
في تلك اللحظة، كان رائد واقفًا أمام باب بيتها، يده مرفوعة على وشك أن تضغط الجرس، لكنه توقف. تردد لحظة، ثم زفر بقوة، وطرق الباب ثلاث طرقات ثابتة.
لم يكن يتوقع ما ينتظره خلف الباب.
ولم تكن ليلى تعرف، وهي تحمل الأوراق في يدها، أن الطرقات القادمة... ستفتح أبوابًا لا يمكن غلقها بعد الآن.
في الداخل، كانت ليلى تجلس وحدها، الأوراق مبعثرة أمامها، وذهنها غارق في دوامة من الأسئلة والذكريات. كل شيء حولها بدا باهتًا، كأن الألوان انطفأت فجأة، ولم يبقَ سوى الفراغ... فراغ يبتلعها دون رحمة.
نظرت إلى الورق، ثم إلى المظروف المغلق، ولم تكن تجرؤ على فتحه. يدها امتدت نحوه، لكنها توقفت في منتصف الطريق، كأن شيئًا خفيًا يردعها.
وفجأة، سمعت صوت خطوات في الخارج. في البداية ظنّت أنه أحد الجيران، لكنها سرعان ما انتبهت لصوت جرس الباب. قامت بتثاقل، قلبها ما زال مثقلًا بالذهول، وعقلها مشوش، لم تتوقع زائرًا في مثل هذا الوقت.
فتحت الباب، لتتسع عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها:
"أستاذ رائد؟!"
كان واقفًا أمامها، بهيبته المعتادة، مرتديًا بذلته الرمادية الداكنة، ملامحه هادئة، ونظرته تحمل شيئًا غريبًا... لمعة خفية لم تلحظها من قبل، كأن عينيه تخفيان أكثر مما يُقال.
رائد، بابتسامة هادئة، ونبرة محسوبة: "ممكن ندخل؟ فيه كلام مهم... عايز أقوله ليكي، ولي والدتك."
لحظة صمت ثقيلة مرّت، قبل أن تفتح ليلى الباب أكثر، كأنها استيقظت من غيبوبة قصيرة.
ليلى، بصوت خافت: "اتفضل... بس إحنا..."
قاطعها بلطف: "عارف... وعشان كده جيت."
دخل بخطى ثابتة، عينيه تمرّ على تفاصيل المكان كأنها تقرأ ماضيه، وأما ليلى، فكانت تدرك في تلك اللحظة أن الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم... قد بدأ يتلاشى.
دخل رائد بخطى ثابتة إلى الصالة، عينيه تتفقدان المكان سريعًا، بينما جلست نيفين على الأريكة، تدعوه للجلوس بإشارة خفيفة من يدها.
نيفين، بنبرة ودودة: "اتفضل يا أستاذ رائد، نورت المكان... ليلى، هاتي عصير أو حاجة؟"
رائد، بهدوء: "متشكر... مش هطول. جاي أتكلم في موضوع، ومش هرتاح إلا لما أخلصه."
نظرت نيفين إليه بدهشة خفيفة، لكن ابتسامتها لم تفارق وجهها. ليلى وقفت في مكانها، مازالت مشوشة من اكتشافات الصباح، والقلق يعصر صدرها.
رائد، موجّهًا كلامه لنيفين، لكن عيناه على ليلى: "أنا جاي أطلب إيد بنتك... رسمي. قدّامك، وبكل احترام."
خيم الصمت، كأن الهواء نفسه تجمد.
نيفين، بصدمة واضحة: "هاه؟! تقصد... تتجوز ليلى؟!"
هز رائد رأسه بهدوء، كأن الأمر محسوم: "أيوه... شايف إنها تستحق حياة تليق بيها، وأنا ناوي أكون جزء من الحياة دي، لو وافقت طبعًا."
ليلى كانت تحدق فيه، لا تعرف أهي تحلم أم تصحو على كابوس. قلبها يدق بعنف، ولسانها انعقد.
نيفين، بتوتر، وهي تحاول استيعاب الصدمة: "بس... ده قرار كبير. ولازم... لازم مهاب، أخوها، يكون موجود. مينفعش نتكلم في حاجة زي كده من غيره."
رائد، بهدوء شديد: "حقكم تفكروا، وأنا تحت أمركم. لما تكونوا جاهزين، كلموني... وأنا حاضر."
وقف بعدها، وابتسم ابتسامة خفيفة، ثم اتجه نحو الباب.
رائد، قبل أن يغادر: "أنا عارف إن القرار مش سهل... بس أهو في النور. مفيش ورايا حاجة، ومش ناوي أسيب ليلى تعيش حياة أقل من اللي تستحقها."
ثم خرج، وترك خلفه صمتًا أثقل من كل الأسئلة.
كانت ليلى واقفة، يدها على صدرها، كأنها تحاول تهدئة دقات قلبها، بينما نيفين مازالت في حالة ذهول.
ليلى، بغضب مكتوم: "إزاي ييجي يقول كده فجأة؟! ومين قال إني... إني موافقة أصلاً؟!"
نيفين، وهي تحاول تهدئتها: "اسمعيني بس... الراجل واضح وصريح، ومش جاي يتلاعب بيكي. ده مش زي أي حد، ده رائد الذهبي! يعني، مستقبل، وأمان، و..."
(ثم خفضت صوتها) "هو معجب بيكي يا ليلى، وده مش عيب."
ليلى، بعينين دامعتين: "مش دايمًا كل حاجة بتيجي من بابها تبقى صح... مش كل عرض لازم أقبله عشان شكله حلو من برة."
نيفين، وهي تنهض بتصميم: "مش هضغط عليكي، بس عايزاكي تفكري... وبلاش تاخدي قرار لوحدك. مهاب لازم يعرف، ولازم يبقى معانا. الموضوع كبير... ومينفعش يتفوت."
في تلك الليلة، لم تنم ليلى. كانت تتقلب في سريرها، تتصارع مع أفكارها كأنها تتقاذفها أمواج لا تهدأ. يدها تحت الوسادة، وعيناها تحدّقان في السقف كأنها تبحث فيه عن إجابةٍ غائبة. الحديث الذي دار بينها وبين والدتها عن رائد كان أشبه بجرحٍ مفتوح، لا يتوقف عن النزف.
لماذا اختارها؟
هل هذا الارتباط سيفتح لها بابًا جديدًا نحو السعادة، أم سيزيد من عبء الحياة عليها؟
ولماذا، رغم كل شيء، تشعر أن في اهتمامه المفاجئ بها شيئًا غريبًا، كأن وراءه سرًا، أو صفقة لم تُعلن بعد؟
أما رائد، فكان جالسًا في مكتبه الفخم، في مواجهة صورةٍ لنيرفانا، تبتسم في أحد أيامها السعيدة. عيناه كانت تغوص في ملامحها، لكن ذهنه تائه. كانت روحه ثقيلة، وعقله كأنما يُحاصر نفسه بنفسه. مدّ يده إلى الهاتف، وكاد أن يتصل بشامل، لكنه تردد، ثم ألقى بالهاتف جانبًا وتنهد بعمق، كأنما يحاول إخراج شيء يعجز عن التعبير عنه.
كانت تلك الليلة أشبه بفصلٍ عاصفٍ من حياة الجميع، يكتنفه غموضٌ لا يعلم أحد كيف سينقشع، أو متى ينقضي.
في قلب رائد الذهبي، اشتعلت شعلة جديدة من نار القدر، لكنّها لم تكن كعادتها، تلك التي يُشعلها العشق أو الجموح.
لا، هذه المرة وقودها حاجةٌ خبيثة، دُفنت تحت رمادٍ من الكبرياء والمكر، حاجةٌ تُخفي وجهها الحقيقي خلف قناع القوة والهيبة.
عقله، الذي طالما تباهى بفطنته، ضاق أفقه، وصار مشوّشًا بين ظلال عناده وتصلّب إرادته. لطالما أغلق الأبواب في وجه ليلى، وها هو القدر يدفعه اليوم ليطرق بابها هو.
لا حبًّا ولا شوقًا... بل كوسيلة.
وسيلة لتحقيق مأربٍ لم يبوح به، ولن.
لم يكن طلبه يدها سوى خطوةٍ مدروسة، خطّط لها بعناية، وسلك فيها طريق الخداع، ليُحكم قبضته عليها دون أن يمنحها فرصةً للهروب أو حتى الرفض. ذهب يطلبها دون علمها، أراد أن يضعها أمام الأمر الواقع، يجرّها جَرًّا إلى دائرةٍ لا مخرج منها، حيث لا تنفع الكلمات، ولا يجدي الاعتراض.
لم يكن طلبه استغاثةً من ضياع، بل فخًا محكمًا، محمّلًا بثقل المسؤولية. مسؤولية اسمٍ ترفض أن يُلصق بها... اسمٌ كجدارٍ بارد، لا حياة فيه ولا دفء.
ورغم ما تملكه ليلى من قوة شخصية، إلا أن فكرة العيش معه كانت كالكابوس؛ حياة بلا أمان، كالسير على حافة هاوية، تبتلع من يتعثر فيها.
رائد خطّط، قرّر، ونفّذ. يقودها نحو مصيرٍ تكرهه، إلى ظلال طريقٍ مظلم، لا تدري أين نهايته.
خطواته تُشبه وقع أقدام الشياطين على ترابٍ محترق.
كأنّ الحياة ألقتها عند شجرةٍ وحيدة، بجوار جدولٍ خادع... مياهه ساكنة، لكنها تُخفي تحت سطحها تياراتٍ غادرة.
مع رائد، لا مأمن.
صلابة ردودها بدأت تتآكل، وحدّة كلماتها فقدت بريقها.
شعرت بجسدها خفيفًا، كأن الأرض لفظتها من حضنها، وألقتها في فراغٍ لا قرار له.
في صمت الليل
جلس مهاب وليلى على الأرض، الظرف القديم بين إيديهم، مهاب كان صامت، وليلى قلبها بيرجف كأنها شايفة مصيرها جاي من بعيد.
فتحه مهاب، وسحب الورقة ببطء، واللي مكتوب فيها كان كفيل يخلّي قلبهم يقع.
"أولادي...ماعرفش لو هتشوفوا الورقة دي امتى، ولا إزاي. بس لو وصلِت ليكم، يبقى جالي يوم الحساب... وآن الأوان تعرفوا كل حاجة.
أنا طول عمري كنت بسعى للمال، والفلوس عمت عيني. شُفت الفرص ونسيت الرحمة.
كنت شريك لواحد اسمه صالح... الشراكة دي كانت بوابة الجحيم. إحنا اللي هدّينا بيوت، وسحبنا السُتُر من فوق روس ناس كانت عايشة بالأمل.
كنت بوقّع على سندات، وأجمّع على الناس ديون، من غير رحمة، من غير تفكير.
أمكم سألتني يوم... قالت لي: إنت بتؤذي مين؟
معرفتش أرد. ماكنتش قادرة تعرف إن الناس اللي بأذيهم مش بعيدين...
أنا ما قلتش اسم صالح ليها، زي ما مش هقول لقُصادكم لقبه، لأنه ليه نسل... نسل ممكن يقلب حياتكم فوق تحت لو عرف الحقيقة.
أنا عملت ذنوب كتير... وسايب لكم كل الأوراق، يمكن تفهموا، ويمكن تسامحوني، ويمكن تكرهوني... بس اللي حصل كان لازم يخلص.
سامحوني... لو عرفتم تسامحوا."
مهاب قلب الورقة، ولقى معاه سندات ديون قديمة، عليها توقيع نديم، واسم "صالح"، لكن اللقب ممسوح من الزمن.
وبعدين، سقطت من الظرف صورة باهتة... نديم واقف جنب راجل كبير، الاتنين بيبتسموا وهما بيوقّعوا على ورقة.
ليلى مسكت الصورة، عينيها اتسعت، وقربت الصورة من وشها.
الشبه... الصدمة... الصمت.
قالت بنبرة مرتجفة، فيها ذهول وكره دفين: "الشياطين شبه بعض... ده شبه رائد... نفس العيون، نفس البرد."
مهاب أخد الصورة منها، قراها بعينيه، وقال: "يعني صالح... ليه نسل؟ يقصد مين؟"
ليلى بصّت بعيد، كأنها بتقلب الليالي اللي فاتت: "النسل ده... مش معروف، بس اكيد معروف نواياه."
في الصباح الباكر، كانت رائحة القهوة تختلط بتوترٍ صامتٍ يملأ المطبخ.
نيفين واقفة أمام الموقد، تقلب في إناء صغير، لكن عيناها لا تفارقان ليلى، التي جلست على الطاولة، شاردة.
قالت نيفين بهدوء، كأنها تقيس كلماتها بعناية: "بصي يا ليلى... ساعات الواحد مايبقاش عنده رفاهية الاختيار."
رفعت ليلى عينيها نحوها ببطء، نبرة الحذر في صوت أمها زادت قلقها، لكنها لم تتكلم.
تابعت نيفين، وهي ترفع الإناء من على النار: "رائد راجل تقيل، ولو بيفكر يرتبط بيكي، فده معناه إن عندنا فرصة... فرصة ننجو، نفلت من اللى جاي."
ضربت ليلى الطاولة بقبضتها فجأة، وعيناها تتسعان بغضب: "نجو من إيه؟! انتي شايفاني صفقة؟! الجوازة دي مش هتحصل، مش هتحصل!"
وقفت بعنف، الكرسي يصدر صريرًا حادًا، واندفعت نحو غرفتها، لكنها عادت بعد لحظات، وجهها محمر، وصوتها مرتجف: "أنا رايحة دلوقتي، وهقول له بنفسي إنه ينسي الموضوع."
نيفين لم تتحرك، وقفت في منتصف المطبخ، الملعقة في يدها، والبخار يعلو، لكنها لم تعد ترى شيئًا.
كل ما بداخلها كان خوفًا أعمى من ظلال تهددهم، وظنت أن رائد قد يكون الحصن.
لكن ليلى خرجت وصفقت الباب خلفها، وكأنها صفعت معها الخوف كله.
وصلت إلى البناية، حيث تصطفّ السيارات الفارهة في انتظامٍ يشبه الصفوف العسكرية، تحت واجهة زجاجية تتلألأ كالمرآة المضللة في ضوء المساء الخافت. السكون يخيّم على المكان إلا من وقع أقدامها، وكأن الأرض تنتبه لها وحدها. رجال الأمن يقفون كالأعمدة، وجوههم جامدة، عيونهم ترصد كل شاردة، وأفواههم موصدة إلا من أمرٍ أو رفضٍ قاطع. ليلي تترجّل من سيارتها، تتلفّت كمن يتهيّب شيئًا لم تجرؤ حتى على تسميته، لكن عينيها كانتا مرآة غضبٍ لا يكتمه المدى.
رغم الارتجاف الكامن في أطرافها، سارت بخطى ثابتة كمن يُلقي بنفسه في قلب العاصفة دون رجفة، وقد نذرت نفسها ألا تعود كما جاءت.
الحارس (بصوت جاف كالحصى، نبرته لا تلين): على فين يا آنسة؟
ليلى (نظرتها حادّة كالسيف): رايحة لرائد الذهبي... ابعد عن طريقي.
(لمعت عينا الحارس ببصيص ساخر، ثم ارتسم على فمه شبح ابتسامة كمن يشهد نهاية يعلمها مسبقًا.)
الحارس: رائد باشا مستنيك... اتفضلي.
(شعور غائر بالخذلان والخطر كاد يجمّد الدم في عروقها، كأن الأرض تنكمش تحتها، لكن عنادًا دفينًا أعانها على ابتلاع ذلك الإحساس. ومضت، تمشي وكأن تحت قدميها شريطٌ من الجمر لا مهرب منه، يشتعل عند كل خطوة.)
صعدت إلى الطابق المطلوب، والفضاء حولها كأنما يضيق رويدًا رويدًا، جدران صامتة، هواء ثقيل، وصوت قلبها يتردد في الممرات الخاوية. حين وقفت أمام باب شقته، شعرت أن هذه اللحظة ليست لحظة عادية، بل فاصلة... ما قبلها لن يكون كما بعدها.
الباب فخم، تفصيلاته متقنة، لكنه بدا لها كأنياب مغلقة على فريسة لا تعرف إن كانت هي أم هو.
طرقت الباب بعنف، كأنها تُفرغ فيه جزءًا من الحريق الذي يشتعل بداخلها.
صوت رائد (من الداخل، عميق بارد كأنه آتٍ من كهف): اتفضلي... الباب مفتوح.
دفعته بحدة، واقتحمت الداخل، كأنها تقتحم قفصًا تعلم أنه مُحكم الإغلاق. خطواتها متوترة، لكن كل عضلة فيها مشدودة، عيناها تمسح الغرفة بلا ارتباك. الفخامة طاغية لكنها لا تخدعها؛ الجدران الخشبية الداكنة تبتلع النور كما يبتلع البحر الغريق، والكتب المتناثرة في الأركان ليست إلا ستارًا لرجلٍ يتقن ارتداء الأقنعة.
لكن العطر... العطر وحده هو الحقيقة. نفاذ، كثيف، ذكوري، وفيه شيءٌ مستفز، كأنه حضورٌ محسوس.
كان يقف عند النافذة، ظهره نحوها، يُشعل سيجارته بهدوء مَن اعتاد أن يتحكم حتى في حركة الهواء. وحين استدار أخيرًا، قابلها بعينين تلمعان ببرودٍ وسكون، كمن يُبارك صيدًا وقع في يده.
رائد (ابتسامة بالكاد تظهر، صوته ناعم كوشاحٍ مُبللٍ بالسم): كنت عارف إنك هتيجي.
(تقدّمت نحوه بخطوات غاضبة، الوقوف أمامه كان كالسير على حافة هاوية. عيناها لم تُزِح عنهما، فيهما تحدٍ لا يلين.)
ليلي (نبرتها قاطعة كالسيف): جاية أقولك كلمة واحدة... الجوازة دي مش هتحصل.
(نفث دخان سيجارته ببطءٍ محسوب، كمن يتلذذ بالتحكم في إيقاع اللحظة. لم تتغير ملامحه، عيناه ثابتتان، تخترقان صلابتها بثقةٍ وقحة.)
رائد (بصوت رخيم، ينضح يقينًا): الجوازة دي حصلت خلاص... ناقص بس توقيعك.
(ضحكت، لكنها كانت ضحكة قصيرة، باردة، تحمل مزيجًا من الذهول والاشمئزاز.)
ليلي: توقيعي؟! إنت فعلاً خيالك واسع! (تتقدم نحوه خطوة، عيناها ترميه بشرر) ده حتى أوهامك عايشة برا الواقع!
رائد (ابتسامة خفيفة لم تفارق شفتيه، صوته كأنه يُلقي حكمًا لا جدال فيه): قريب... رسميًا هتكوني على اسمي.
ليلي (تضحك، ضحكة مجروحة، ثم ينقلب صوتها للحدة): رسميًا؟! ده مش طموح... دي وقاحة. وأنا جاية أقولك آخر مرة... انساني.
(صمته كان أكثر استفزازًا من الكلمات. راح يتأملها بنظرة طويلة، نظرة تُفكك الكيان وتعيد تركيبه كما يشاء، وكأنها تحفة يُجيد التعامل معها.)
رائد (بهدوء قاتل، صوته أشبه بريحٍ باردة تمر فوق جمر): جميل... بحب الوضوح. بس مشكلتي بسيطة... أنا مش بعرف أنسى. خصوصًا لما الحاجة قدامي... تستحق إني أفتكرها كل يوم.
(تقترب حتى تُصبح على مسافة أنفاس، عيناها تحدّق فيه، لا ضعف، لا انكسار... فقط تحدٍ نقي.)
ليلي (بنبرة قاسية، تهين وتحتقر): إنت فاكر نفسك مين؟ رجل أعمال؟ سياسي؟ راجل مهم؟ في الآخر... إنت لا تملك إلا الفراغ... بتحاول تشتري اللي عمرك ما هتقدر تمتلكه.
(يبتسم رائد، اقترابه منها صار محسوبًا بدقة، المسافة بينهما تُشعل الهواء. صوته أصبح أخفض، كأنما يُهمس بما لا يُقال.)
رائد: وأنا مش بشتري... أنا باخد. (يميل نحوها قليلًا، صوته أبطأ) وباخد كويس. لو كنتِ مكانك... كنت فكرتي قبل ما تتكلمي.
(صمتٌ ثقيل ساد، تراجعَت خطوة، كأنها تبحث عن مَنفذ... لكن عينيها لا تزالان تحملان ذات البريق المتحدي. رفعت ذقنها بفخرٍ لا يُقهر.)
توقّف الزمن لوهلة، كأن الهواء ذاته أصبح أثقل من أن يُستنشَق. شعرت بشيءٍ خفيٍّ يقيّد قدمها، لا يُرى ولا يُلمَس، لكنها تحسّه... قبضته كأنها امتدّت من ظله، من صوته، من حضوره الذي يملأ المكان كأسرٍ محكم.
رائد (بصوتٍ خافت، لكن كلماته كالرصاص): أهو ده اللي عندك؟ تجي تهددي... وتروحي؟
(كلماته لم تكن سؤالًا... بل صفعة، لا تُرى، لكنها طعنت كرامتها في مقتل.)
توقفت، كأن الأرض تحتها تشققت، واستدارت ببطء... عيناها الآن لم تعودا تحملان الغضب فقط، بل الذهول... الاشمئزاز... الشك في كل شيء.
ليلي (بنبرة مشبعة بالقرف): أنا مش جاية أهدد... أنا جاية أنهيك.
(سادت لحظة صمت قاتل. تبادل فيها جسدان التحديق، لكن الأرواح كانت تتقاتل بصمتٍ خلف تلك النظرات. هو لم يتحرّك، فقط نفث دخان سيجارته، ثم أطفأها بحركة بطيئة على حافة الكرسي كأنها رأس ثعبان سحقه بإصبعه.)
رائد (اقترب بخطوتين، صوته منخفض لكن فيه صفير خطر): اللي جاي ينهيني... ما بيبقاش لابس فستان وبيرتعش.
(حدّقت فيه، كأنها تُحاول أن تستوعب إلى أي مدى يُمكن للوقاحة أن تتجسّد في هيئة رجل.)
ليلي (اقتربت خطوة عنيفة، وجهها اقترب من وجهه، صوتهما صار مختلطًا بالأنفاس): أنا مش خايفة... ولا عمري هرتعش قدامك... ولا قدام أي شيء شبهك!
(ابتسم، لكنها كانت ابتسامة مميتة، خالية من الحياة، وكأنها قناع على وجهٍ شيطاني.)
رائد (همس): إنتي مش فاهمة حاجة... أنا... مش بتتهدد... أنا اللي بكتب النهاية... مش حد غيري.
(تراجعت ليلي لحظة، ليس خوفًا، بل كأنها تشم رائحة الفخ، ذلك الفخ الذي لا يُرى لكن يُحسّ... ضربات قلبها تتسارع، عيناها تحاول أن تقرأ بين الكلمات، خلف النبرة، في زوايا المكان.)
ليلي (باحتقار، ببطء): أنا اللي بختار نهايتي... مش إنت.
(صمتٌ. السكون صار خانقًا. لا صوت سوى دقات قلبها وهي تطرق جدران صدرها... ثم نظرت إليه نظرة واحدة أخيرة، نظرة كراهية حارقة،)
همّت بالخروج... يدها امتدت نحو الباب، قبضت على المقبض بقوةٍ لم تشعر بها، كأنها تمسك قطعة من الجليد الحارق،
جمدت أناملها عليه، وداخلها صراع بين ما يجب أن تفعله، وما تُريد أن تفعله.
أنفاسها تصعد وتعلو، صدرها يعلو بانفعالٍ مكبوت، لا يُرى منه شيء سوى تشنج خفيف في ملامحها.
وحين أدارت المقبض، شعرت كأنها تُدير العالم كله... كأن هذا الباب ليس بابًا، بل حدًّا فاصلًا بين ما كان... وما لن يكون.
وفجأة، جاء صوته... صارخًا، هادئًا، في آنٍ واحد، كصفعةٍ باردة تُسقط الحواس دفعةً واحدة:
رائد (بصوتٍ أجوف، يحمل في طياته سُخرية الهادم): ما تفتحيش الباب... وإنتي مش عارفة إيه اللي وراك.
تجمّدت يدها على المقبض، كما لو أن الزمن نفسه قد توقّف، وجمد معها.
اللحظة أصبحت أثقل من الجدران، صمت كثيف التفّ حولها كضبابٍ رمادي، كأن الباب بات هو العالم كله، وكل ما خلفه غيبٌ مجهول، لا يُكشف إلا بثمن.
عيناها لم تنظرا إلى الباب، بل هربتا إلى ما وراءها، حيث يقف...هو، كما لو أنه يمسك بخيوط اللحظة، يُحركها بإرادته، كأنّه سيّدها.
لم تلتفت، لكنها شعرت به، لم يكن بحاجة إلى كلمات أخرى...
صوته لم يكن مجرد صوت... بل كان يدًا خفية، قبضت على روحها، وسحبتها للخلف، دون أن تمس جلدها، وكأنها ارتدت خطوتها، دون أن تخطو.
وها هو يتقدم... خطواته لم تُسمع، لكن الأرض تحتها خذلت صلابتها، كأنها تشعر بذبذبات قدومه، كأن الغرفة تضيق، كأن المسافات لا تُقاس بالخطوات... بل بالنبض.
أنفاسه خلفها، لم تكن أنفاسًا عادية، بل كأنها ريحٌ دافئة تُلهب الهواء من حولها، وصدى صمته يملأ الفراغ، يجعل كل شيء... مضاعفًا.
هي واقفة، ساكنة، يدها على الباب، وقلبها... مُعلّق، لا ينبض خوفًا، بل شيئًا آخر... شيئًا لا اسم له.
هل هو تردّد؟ كبرياء؟ أم هو جرح قديم... يعاود النزيف؟ لا تدري.
لكنها تشعر به... يقترب. وكلما اقترب، انكمشت اللحظة، وأصبح القرار... عارٍ تمامًا أمامها.
رائد (نبرة ناعمة، تحمل في طياتها سمًّا لا يُرى): أنا بقول كده... عشان إنتي مش قد اللي برا. برا الباب ده... انسي نفسك. برا الباب ده... مفيش أمان.
تلك الكلمات... لم تكن تهديدًا. كانت واقعًا يُلقى أمامها كحجرٍ في بحرٍ ساكن، يُحدث دوامات لا تُرى، لكنها تُغرق.
عقلها امتلأ بها... وكل جزء فيها ارتجف بتلك الحقيقة.
أكان يخيفها؟ أم يحذّرها؟ أم يختبر قوتها؟ هي لا تدري... لكنها لم تهرب.
ظلّت واقفة... صامدة، لا تتحرك، كأنها تنظر إلى هوةٍ عميقة لا قاع لها.
(تجمّدت يدها على المقبض. كأن صوته نزَل على ظهرها بسوطٍ مُبللٍ بالثلج... شعور غريب تسلل لعقلها؛ ليلي لا تخاف، لكنها الآن تشعر أن شيئًا ما خارج المنطق، خارج قدرتها على التفسير، يدفعها لأن لا تفتح الباب.)
التفتت ببطء، كأنها تخشى أن تنظر، أن ترى... أن تكتشف.
رائد كان واقفًا مكانه... لم يقترب، لم يتحرك، فقط... ينظر.
لكن تلك النظرة لم تكن مثل أي مرة. نظرة رجل يعرف شيئًا، يخفي شيئًا، يملك خيوطًا... خيوطًا مربوطة برقبتها، وهي لا تعلم.
ليلي (بحدة، محاولة كسر الخوف الذي بدأ ينهشها): إيه اللي ورايا يا رائد؟! ها؟ إنت بتلعب لعبة نفسية؟ أنا مش طفلة.
(ابتسم، لكن ابتسامته هذه المرة... باردة، باردة لدرجة تجعل الدم يتوقف.)
رائد (بهدوء غريب، كمن يتحدث عن الطقس): لو خرجتي دلوقتي...هيتغير كل شيء. كل شيء.
(ضربات قلبها تصم أذنيها... أرادت أن تصرخ فيه، أن تصفعه، أن تكسر تلك الثقة التي يغلف بها نفسه. لكنها شعرت أن كلامه مش مجرد تهديد. لا... فيه حاجة تانية. حاجة هو عارفها، وهي لا.
اقتربت منه، عيناها تلمع كأنها تُمسك بخيط الحقيقة... خطواتها عنيفة، لكن قلبها يرتجف في صدرها كطائر حُشر في قفص ضيق.)
ليلي (بنبرة منخفضة، باردة): إنت بتخوفني بشَبه الكلام...بس أنا عارفة إنك فاضي...وأكبر دليل إني هنا...واقفة قصادك...ولا زلت حرة.
(رائد لم يرد. اقترب خطوة، ثم أخرى... حتى صار قريبًا جدًا، رائحته تُخيم على المكان، على حواسها، على عقلها.)
رائد (بهمس كأن صوته يُقال داخل عقلها): وإنتي تفتكري الحرية دي... جتلك ازاي؟ مفيش حاجة بتيجي من غير تمن، ليلي. وإنتي...لسه ما دفعتِش.
(شهقت بخفة... تلك الكلمات، ذلك الهدوء، ذلك التلويح بشيء مجهول... كلّه طعن كبرياءها. شعرت بشيء يهتز داخلها، كأن الأرض تحتها ليست ثابتة.)
ليلي (بصوتٍ يرتجف، غضبًا، قهرًا): أنا مش لعبة...مش ورقة في إيدك...ولو كنت فاكر إنك بتخوفني... فإنت غبي.
(ابتسم، ثم رفع إصبعه، وأشار إلى الباب... لا ليأمرها بالخروج، بل كأنه يقول: افتحي... وشوفي بنفسك.)
نظرت إليه لحظة طويلة... ثم إلى الباب... ثم عادت عيناها إليه. حدسها يصيح... لا تفتحي.
لكنها...مدّت يدها للمقبض.
(وفي اللحظة التي لامست فيها يدها الباردة المقابض المعدنية...
رائد (بهدوء قاتل): الرد بتاعك...هيغيّر كل حاجة.
(تتراجع ليلي بخطوة سريعة، صدرها يعلو ويهبط من فرط الغضب والاشمئزاز. تمسح يدها في ثوبها كأنها تطرد أثره عنها، ثم تستدير بعنف، تتوجه نحو الباب بخطى تكاد تُسمع كوقع الطبول.)
ليلي (بصوت مشحون): كفاية...أنا خلصت كلام.
(لكن قبل أن تلامس يدها مقبض الباب، يأتي صوته… هادئ، لكن يحمل نبرة مختلفة، نبرة تشبه الأوامر التي لا تُرد.)
رائد (بصوت منخفض، نبرته حادة): استني.
(تتجمد في مكانها، لا تلتفت، كأنها تحارب جسدها كي لا يستجيب لتلك الكلمة.)
رائد (نفس النبرة): مش كده، ليلي. إنتي مش هتمشي ورا ضهرك النار دي كلها.
(تستدير ببطء، عيناها كالسيوف، نظراتها تشق صدره، لكنها رغم الغضب، بتلمع… تلمع بحاجة أعمق.)
ليلي (بصوت هادي لكنه زي الرصاص): كل كلمة قلتها مش هتتنسى. وكل نظرة منك... مش هتعدي.
(تتقدم نحوه بخطوتين، تقف أمامه كأنها بتختبره، أو بتتحدى نفسها.)
ليلي (تحدق فيه، عينها لا ترمش): كنت عايزني أفتكرك كل يوم؟ تمام...هفتكرك، بس مش زي ما إنت فاكر. هفتكرك ك... الشخص الوحيد اللي ما قدرش ياخد مني إلا اللي أنا سمحت بيه.
(نظراته لا تتحرك، لكن عينه تلمع بوميض غامض، مزيج من التحدي والإعجاب… الخطر.)
رائد (نبرة ساخرة ببطء): ده كلام حلو…بس أنا متعود آخد الإذن من عيون اللي قدامي، مش من لسانهم. وانتِ...عينك قالت كتير.
رواية قلب السلطة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مروة البطراوي
ابتسمت ليلي... ابتسامة صغيرة، لا تُرى إلا في طرف شفتيها، لكنها تنبض بجرحٍ ساخر. ليست ابتسامة انتصار، بل ابتسامة مَن جرّب الحريق ولم يَحترق، من تذوّق الانكسار... وعاد أصلب.
ليلي (بصوت خافت... فيه نار مطفأة لا تزال تبعث دفئها): بس العين... كمان بتعرف تطفي اللي حاول يولّعها.
تتراجع خطوة واحدة، كأنها ترسم بخطوتها خطًا لا يُتجاوز، فصلًا نهائيًّا. ثم تدور بعينيها لا بجسدها، وتتركه خلفها كأنها تترك حربًا لم تُهزم فيها، ولم تُرد الانتصار.
***
(يمسك "رائد" بمعصمها فجأة، يسحبها نحوه بعنف، ويدفعها نحو الحائط باندفاعٍ غامض. عينا ليلي تتسعان من الصدمة، لكن نظرتها لا تهتز، لا انكسار فيها... بل نار.)
رائد (بصوتٍ واهن، أشبه بالسم الزاحف): آخر مرة يا ليلي... إقبلي الجواز مني بكامل كرامتك. قبل ما ييجي اليوم... اللي تترجّي فيه وما تلاقيش باب.
(تشُدّ ذراعها بقوة، تتنفس بثقل، وتحدّق فيه بثبات كأنها تشقّ طريقًا وسط العاصفة.)
ليلي (بجرأة صارخة): إنت بتفكّرني هخاف؟ الخوف لو عرف طريقي... كان زماني وقعت من زمان. جرب تشوف... يمكن تتفاجأ.
(يضيق عينيه، ثم يترك يدها ببطء محسوب، كأنما يختبر رد فعلها. يضحك ضحكة قصيرة، لا فرح فيها... فقط برودة قاتلة.)
رائد (بسخرية ملساء): أنا مش بحتاج أهددك... أنا عندي استعداد أُفاجئك. دلوقتي... حالًا. تحبي تجربي؟
(يميل برأسه قليلًا، يتأمل ملامحها بدقة، ثم يبتسم ابتسامة خافتة... لكنها تحمل نذرًا بشيءٍ أكبر.)
رائد: أنا مصمم عليكي... مش بس علشانك. علشان بنتي. نيرفانا محتاجالك... وأنا مش بعرف أوصلها. إنتي الوحيدة... اللي تقدر تربيها بعيد عن طيش أمها، وعن اللي أنا ما قدرتش أكونه ليها.
(تضحك ليلي... ضحكة موجعة، كأنها لا تصدّق ما تسمعه، أو كأنها تشفق عليه من نفسه.)
ليلي (بسخرية مريرة): ده مش حُب... ده هوس. وأنا مش دواء لخرابك.
(يتنفس ببطء، يدير ظهره للحظة، ثم يعود إليها، عيناه صارتا أشد برودة، كأنهما جليد يحترق.)
رائد (بصوت قاتم): أنا جاي من الباب. لو قفلتيه... هدخل من الشباك. وساعتها... اللوم مش عليّ.
(تتقدم نحوه خطوة، بثبات... كأنها لا ترى سواه، أو كأنها ترى شيئًا خلفه.)
ليلي (بصوتٍ صلب): الدنيا ما خلصتش عليك... دورلك على غيري يا رائد بيه.
(تستدير لتغادر، لكن صوته يخترق اللحظة، يلاحقها كرصاصة في ظهرها.)
رائد (بابتسامة ساخرة، صوته يرتفع قليلًا): إنتي اللي اخترتي... وأنا بحب اللعب الطويل.
(تتوقف... للحظة فقط. يتسلل ارتعاش خفيف إلى جسدها، لكنها تقاومه. تتراجع خطوة، تحدّق فيه بدهشة، ثم تهتف بصدمة مكبوتة.)
ليلي: إنت فعلاً مجرم... مش معقول!
(يضحك ضحكة قصيرة ساخرة، يقترب خطوة، نظراته خليطٌ بين اللهو والجد... كأنّه يُخفي سكينًا تحت ابتسامته.)
رائد (يميل برأسه، بصوت هادئ): ده أنا... أغلب من الغلب والله.
(يتغير صوته، يلين فجأة، كأنّه يستدرجها بكلمات صادقة، مظهره مغاير لكن عينه تفضحه.)
رائد: أنا مصمم عليكي... علشان نيرفانا. أنا واخد الموضوع بجد... عايزك بالحلال. أنا غلطان؟
ليلي (تحدّق فيه بدهشة، لا تصدق ما تسمع): موضوع بنتك؟ (تضيق عيناها بشك) تقصد... تعلقها بيا؟!
رائد (يبتسم، يهز رأسه ببطء، صوته كأنه يروي مأساة): نيرفانا عندها 15 سنة... مراهقة، فاهمة يعني إيه؟ والمراهقة دي... نار مش هعرف أطفيها لوحدي. إنتي الوحيدة... اللي تقدري.
(صمت، تتسع عينا ليلي، فمها ينفتح بدهشة مكتومة، يكمل رائد كأنه يعترف بسر خطير.)
رائد: أنا ماعرفتش أكون أب ليها... كنت صغير لما اتجوزت أمها. غلطة جامعة... ومشيوا بيها لجواز. لو ما اتجوزتهاش؟ نيرفانا كانت هتكون... بنت خطيئة. (ضحكة باردة) أنا خايف عليها... خايف تغلط نفس غلطتنا. فاقد الشيء لا يعطيه... وأنا فاضي من جوه. إنتِ... اللي تملي الفراغ.
(تتنفس ليلي بحدّة، تحاول دفعه بعيدًا، لكن يدها ترتجف... تغلب رجفتها بحدة في الصوت.)
ليلي (بحدة): كفاية! أنا ما بقيتش أعرف أعيش بسببك. شيلني من دماغك!
(يتراجع خطوة، يترك لها الفراغ، لكن عينه لا تتركها. يتنهد، يرفع رأسه، صوته هذه المرة صارم، بلا التفاف.)
رائد: مش هشيلك. مش دلوقتي. لو ما جيتيش بمزاجك... هاجيبك غصب. بس ساعتها... هتندمي.
(لحظة صمت... عينا ليلي تشتعلان. تتقدّم نحوه، تقف أمامه، لا يرتجف فيها شيء.)
ليلي (بصوتٍ خافت، كأنها تُلقي عليه الحكم الأخير): أنا... متعودة أحرق اللي يقرب زيادة.
(تدور عنه... خطواتها ثابتة.)
***
(تتجه نحو الباب، خطواتها كأنها تُدق على الأرض إعلان استقلال... وفي اللحظة التي تُمسك فيها المقبض، يتوقف الزمن للحظة، كأن العالم كلّه يترقّب ما بعد هذه اللحظة. لا تتحرك، لا تستعجل، بل ترفع عينيها نحوه... تترك كلمتها الأخيرة كرصاصة بلا صوت.)
ليلي (بهمسٍ كحد السيف، يجرح ولا يُسمع): خد بالك... اللي بيفكر يكسرني... بيبقى أول واحد بيتكسر تحت رجليّ.
(النبرة في «تحت رجليّ» لا تقبل نقاشًا، نبرة سيدة لا تُهدد... بل تحكم. ثم تفتح الباب ببطء، لا تستأذن بالخروج، بل تقتحم اللحظة، كأنها تُملي شروطها على الغياب. وكأن كل خطوة تهمس: أنا اللي بختار النهاية... مش أنت.)
(الهواء يندفع من الخارج كعاصفة خفيفة، كأن الكون أخيرًا تحرر، أو ارتعد. تخطو خارج العتبة، ثم... تتوقف، تتلفت بعينين لا تسأل، ولا تتردد، بل تُسجل لحظة وداع... لا له، بل لما ظنه ذات يوم سيطرة.)
ليلي (بصوت كالهمس، لكن وقعُه صاعق): كل خطوة ببعدها عنك... هي أول طوبة بتتهد من عرشك.
(ثم تمضي... والباب يُغلق كأنه خُتم، لا يُفتح إلا بسفر جديد. صوت الإغلاق ليس نهاية... بل وعد بمعركة أخرى... أكبر.)
(يُغلق الباب بهدوء، لكن وقع صوته كأنّه صدى قَسَمٍ قُطِع... أو عهدٍ بالحرب. الهواء في الغرفة يظل ساكنًا، كأنّ الزمن نفسه توقّف.)
(رائد لا يتحرك... عيناه لا تفارق الباب، نظرة جامدة، تحتها نار... نار تُطبخ على مهل.)
(ثم... تبتسم شفتاه ببطء، ابتسامة لا تُشبه البشر، باردة... مرعبة... وكأنّه وجد في التحدي لذّته الحقيقية.)
رائد (بصوت خافت، يتمتم وكأنه يُحدّث ذاته): هي خرجت... بس ما خرجتش مني.
(يتقدّم بخطوة، يضع يده على المكتب، يطرق بأصابعه فوق الخشب بنغمة ثابتة... تفكير عميق، شرّ يُخطط له.)
رائد (ببطء، وعيناه لا تزالان على الباب المغلق): إحنا كده ابتدينا بجد... اللعبة... بقت لعبة حياة.
(يُخرج هاتفه، يتصل بأحدهم، نبرته حادة، لا تحتمل التردد.)
رائد: تابعوها... من أول ما تطلع من باب العمارة لحد ما ترجع بيتها. ما تفكّروش، بس نفّذوا. ولو حد فكّر يقرب منها... حتى بالنية... أنا اللي هقرّب... وهتكون نهايته عندي.
(يغلق الهاتف، يلقي به على الطاولة، يمرر يده في شعره كأنّه يُهدّئ عاصفة داخله... ثم يضحك... ضحكة قصيرة، خافتة... لكنها تحمل نذرًا.)
رائد (لذاته): هي مش عارفة بتلعب مع مين... وأنا... بحب ألعب.
(يتّجه نحو النافذة، يُزيح الستارة قليلًا، ينظر إلى الأسفل... يتخيّلها ماشية بثباتها المعتاد، وهو... فوق، يراها، يراقبها، يخطط لها.)
رائد (بهمس): كل خطوة بتمشيها بعيد عني... هي خطوة أقرب لرجوعها ليّا... بس بشكل تاني. وأنا... هاصبر.
(صمت... ثم يغمض عينيه، نَفَسه بطيء، لكنه مُحمَّل بوعود ثقيلة... وابتسامة جديدة ترتسم على وجهه، هذه المرة فيها شيء من الألم... شيء من الذكرى.)
رائد (بصوت أشبه بالحلم): ليلي... هتكوني ليّا. بس مش زي ما إنتِ فاكرة. زي ما أنا... عايز.
(تُغلَق الستارة، يعود الظل يكسو الغرفة... وتختفي ملامح رائد وسط الظلام، لكن صوته... يظل يتردد داخله، كأنّه وعد... أو تهديد.)
***
(يبتعد رائد عن النافذة، يتجه إلى خزانة صغيرة خلف المكتب، يفتحها بهدوء، ويخرج منها ملف أسود، مغلق بحرص. يضعه على المكتب، يجلس ببطء، ثم يفتحه... صفحات، صور، مستندات... عيون حمراء تراقب كل شيء.)
(يمسك بصورة ليلي، التُقطت من بعيد، وهي خارجة من المدرسة... عيناها فيها قوة، لكنها متعبة. يمرر أصابعه على الصورة، يبتسم... ابتسامة تحمل غطرسة المنتصر.)
رائد (بصوت خافت): كل نقطة ضعفك... هنا. وكل قوة فيك... أنا اللي هشكلها.
(ينقل بصره إلى ورقة فيها تفاصيل... تحركاتها، علاقاتها، أقاربها، أصدقاؤها... كل شيء محسوب. يضع يده فوق اسم معين... يتوقف.)
رائد (يهمس): آسر… صاحبك ولا حاجة تانية؟ لازم أعرف... وإن كنت ما بحبش أشك، لكن لازم أتأكد.
(يمسك الهاتف مرة أخرى، يتصل برقم مختلف هذه المرة... الصوت في الطرف الآخر يظهر الاحترام والتوتر.)
رائد (بلهجة آمرة): عايز كل حاجة عن آسر... شغله، بيته، تحركاته، تاريخه. وما تستنونيش... ابدأوا من دلوقتي.
(صمت قصير، ثم يضيف بنبرة أكثر خطورة): ولو لقيت حاجة مش هتعجبني... هتشتغلوا عليها من غير ما تستنوني.
***
خلال الشهر الماضي و هي المهلة المحددة التي أعطاها لها لتقرير مصيرها و قام بأبعاد نيرفانا عن المدرسة بتلك الحجة و لكن هو أبعدها حتى لا تلتقي مع اوس ذلك الشاب الذي خرجت معه يوما ما، كانت يقين مسؤولة عن نيرفانا بشكل شبه كامل، حتى إنها لم تجد فرصة لرؤية شامل إلا نادرًا. لم تعترف بذلك لنفسها، لكنّها كانت تفتقده... افتقادًا صامتًا، يتسلل إليها في لحظات التعب والوحدة. لذا، حين علمت بقدومه هذا الصباح، تسلّل شيء من السعادة إلى قلبها دون أن تبوح به، كأنّها تستعيد جزءًا من ذاتها التي غفلت عنها.
وبمجرّد أن رأته أمامها، أسرعت بتصريف العمال، ثم وقفت متأهبة، وكأنها تتهيأ للقاء طال انتظاره.
شامل، بابتسامته الجذّابة التي تحمل في طياتها ألف معنى:
– مساء الخير يا يويو!
ارتسمت السعادة على وجهها، إشراقة دافئة لا تخطئها عين، وهمست بعذوبة:
– مساء النور يا شمولة… وحشتني أوي يا حبيبي.
شامل، وقد ابتسم ابتسامة دافئة تشبه حنان الوطن:
– وإنتِ كمان وحشتيني…
(ثم تابع بلهفة صادقة)
– أمال فين أميرتنا الجميلة؟ النهارده هترجع مدرستها، مش كده؟
يقين، وهي تشير للطابق العلوي:
– نيرفانا فوق، بتجهز… شوية وهتنزل مع رائد.
شامل، متعجبًا وهو يرفع حاجبيه:
– وهو فين رائد؟!
يقين، بهدوء:
– في أوضته… بيجهز هو كمان.
شامل، وقد ومضت عيناه بدهشة:
– هو خلاص اتصالح معاها؟!
يقين، زافرة بأسف:
– لأ، للأسف لسه.
شامل، وقد بدا على ملامحه استغراب صادق:
– الله! أمال هتروح المدرسة إزاي؟!
يقين، بنبرة حائرة:
– ماعرفش والله يا شامل… ما إنت عارف رائد، دماغه لوحدها… محدش يعرف بيفكر إزاي.
شامل، بتفهم وإدراك:
– أوك… عمومًا ربنا يستر.
(ثم غمز لها بخفة)
– بس إنتِ مش ناوية تجهزي زيهم ولا إيه؟ مش معقول ييجي الوقت اللي نتقابل فيه تاني وتنكسلي، صح؟!
يقين، مبتسمة بدلال:
– لأ يا حبيبي، اطمن… أنا طالعة دلوقتي ألبس وأجهز نفسي… هفاجئك.
أنا بس كنت عايزة أشوفك مشتاق لي ولا لأ، وأتأكد إن كل حاجة بينا زي ما هي.
شامل، وقد أشرق وجهه بسعادة:
– أوك يا حبيبتي، يلا بقى اطلعي جهزي نفسك… عايز أشوفك أحلى واحدة في البيت النهارده.
أنا عايزك تطلعي أحلى من زمان.
يقين، ضاحكة بخفة:
– معقول يا شامل؟! أنا طول عمري زي القمر… بس مش زيك، أنا هاجي جنبك إيه؟!
شامل، وقد ألقى نظرة سريعة حوله ثم اقترب منها وهمس بصوت أجش:
– ده إنتِ مزة يا يويو… ما شوفتش زيك أبدًا.
ده إنتِ حتتي… النظرة ليكي بتخليني آيد ناااااار!
ارتعش جسدها قليلًا تحت همساته، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، همست بها وكأنها سرٌ لا يحتمل البوح:
– عمري إنت يا شامل… بحبك أوي.
شامل، وهو يربت على وجنتها بحنو:
– وأنا بحبك أكتر… يا روح شامل.
يلا بقى… اطلعي جهزي، الوقت بيجري.
يقين، تسبل جفنيها بخجل ودلال:
– أوك، يا قلبي.
شامل، يراقبها وهي تصعد الدرج، يبتسم كأنما يخبئ في قلبه وعدًا قديمًا:
– منتظرك…
(ثم ظل واقفًا للحظات، نظراته لا تفارق أثرها على السلالم، وكأنها تركت جزءًا منها مع كل خطوة صاعدة.)
***
لم يمضِ وقت طويل حتى انفتح باب غرفة رائد، وخرج منها بخطوات واثقة، كعادته، يرتدي بذلته الرمادية الداكنة، ونظرة الصرامة تظلل ملامحه. عيناه تجولان في المكان كمن يبحث عن خلل في النظام. وما إن لمح شامل واقفًا في صالة البيت، حتى توقفت خطواته للحظة، قبل أن يتابع سيره ببطء محسوب.
رائد، بنبرة رخيمة ولكنها حذرة:
– صباح الخير.
شامل، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لكنها تحمل نبرة تحدٍ دفين:
– صباح النور… يا باشا.
صمتٌ خفيف تسلل بينهما، كأن الهواء امتلأ بشحنة توتر خفية. تطلع رائد إليه بنظرة فاحصة، ثم اقترب خطوات محسوبة، كمن لا يريد المواجهة لكنه لا يتهرّب منها أيضًا.
رائد، متسائلًا ببرود:
– جِيت بدري النهارده… فيه حاجة ولا جاي تشوف يقين وبس؟
شامل، بنبرة متماسكة:
– اللي جاي عشانه واضح… مش محتاج أوضحه، صح؟
رفع رائد حاجبيه، وابتسم ببرود خفيّ، ثم اقترب أكثر حتى صار على بُعد خطوات منه. نظر في عينيه مباشرة، وكأنما أراد أن يرى ما وراء السطح.
رائد، وهو يخفض صوته بنبرة مشحونة:
– أنا ما بحبش اللف والدوران… لو ليك عندي حاجة قولها.
لو ليّ عندك… برضو قولها.
شامل، وقد اشتد صوته قليلًا، دون أن يفقد ثباته:
– مش كل حاجة ينفع تتقال… وفيه حاجات بتبقى باينة من غير كلام.
ابتسم رائد ابتسامة قصيرة، كأنها نصل يلمع في الظلام. ثم قال:
– يقين بتاعتي أنا… مش من حقك تدخل حياتها أكتر من كده.
أنا اللي مسؤول عنها… وأنا اللي محدد حدود التعامل.
شامل، يرمقه بثبات، ثم قال بتهكم خفي:
– مسؤول؟! وإمتى بقت المسؤولية عندك كده… ولا دي بس لما يكون في حد غيرك موجود؟
اتسعت عينا رائد قليلًا، لكنّه لم يفقد هدوءه. تنفس بعمق، ثم قال بلهجة قاطعة:
– أنا راجل بحب أتكلم واضح… يقين تحت سقفي، في بيتي، والبنت نيرفانا كمان…أي حركة منك خارج المألوف… هتكون ردودي قاسية.
شامل، يقترب خطوة، ونبرته تزداد حدة:
– وأنا مش بخاف من ردودك… ولا عمري كنت بلعب ورا ضهرك.
أنا راجل… ولو عندك مشكلة مع وجودي، قولها بصراحة.
لحظة صمت مشحونة، تبادل فيها الطرفان نظرات حادة، كأنهما يتصارعان دون سلاح. ثم فجأة، ظهر صوت يقين من أعلى السلالم، تقف وقد بدت ملامحها مضطربة، وعيناها تتحرك بينهما بقلق.
يقين، بصوت مرتعش:
– فيه إيه؟! إنتو بتعملوا كده ليه؟!
التفت كلاهما إليها، وفي لحظة خاطفة، تغيرت ملامح رائد إلى هدوء مزيف، بينما ابتعد شامل خطوة، وكأن شيئًا لم يحدث.
رائد، بنبرة ناعمة:
– مفيش حاجة يا يقين… كنا بنتكلم بس.
شامل، وهو يبتسم لها ليطمئنها:
– صباحك زي الفل يا يويو… استعجلي نيرفانا علشان المدرسة .
لكن عيني يقين ظلت متعلقة بهما، كأن قلبها يعلم أن شيئًا تغيّر… وأن المشهد الهادئ يخفي تحت سطحه نذر صراع آتٍ.
***
كان النهار قد انتصف تقريبًا، حين قرر شامل أن يستأذن من المدرسة ليقابل يقين. خطواته كانت واثقة، لكن قلبه يحمل نوايا لا يعلم بها سواه. غير أنه، وقبل أن يبلغ بوابة الخروج، اعترضت طريقه ليلي، وعيناها تتقدان قلقًا وشكًّا.
كانت تدرك يقينًا أن هناك أمرًا ما يُدبَّر في الخفاء. فالوقت الذي منحه لها رائد قد انقضى، ورغم ذلك، لم يأتِ بنفسه لاستلام نيرفانا من المدرسة كعادته، بل أرسلها مع السائق، وحدها. لم يكن ذلك غيابًا عابرًا في نظر ليلي، بل غياب مقصود، جزء من خطة محكمة، تكاد تشعر بخيوطها تلتف من حولها شيئًا فشيئًا، حتى كادت تخنقها.
ولم تجد أمامها سوى شامل، فاستوقفته بنبرة عاجلة، تطلب منه أن يرافقها إلى منزل والدتها. اعتقدت في قرارة نفسها أنه ربما يستطيع التأثير عليها، ليقنعها برفض عرض الزواج من رائد بنفسها، عسى أن يشعر الأخير بشيء من الحرج أو التقدير فيتراجع عن ضغوطه.
لكن ليلي لم تكن تدري أنها تلقي بنفسها بين يدي رجل لا يرغب إلا في عكس ما تتصوره.
شامل كان يحمل في قلبه مصلحة واحدة فقط: أن تتم هذه الزيجة بأي ثمن، أن تصبح ليلي زوجة رائد، ليفتح لنفسه الطريق خاليًا نحو يقين، دون حسيب أو رقيب.
***
في منزل نيفين، كان التوتر مشتعلاً كأنما الجدران تضيق بهم، والهواء يثقل في الصدور. كانت ليلي تتحرك بانفعال واضح، كلماتها تتلاحق كأنها تحارب طواحين الهواء، بينما ظلت والدتها تتابعها بعينين ضيقتين، توحي بنفاد صبرٍ بلغ مداه.
وفجأة، دوّى صوت نيفين، حادًا قاطعًا كسيف مسلول:
– شايف عصبيتها يا شامل يا ابني؟ أهو من ساعة ما بدأ الموضوع وهي كده، راكبها ستين عفريت! والله العظيم لأخرج عن شعوري وأوريها شغلها كويس!
هزّ شامل رأسه مبتسمًا ابتسامة دبلوماسية، يحاول تهدئة الأجواء بصوته الرزين:
– لأ، بالهداوة يا حاجة نيفين. ليلي عاقلة وبتفهم، أكيد بس متضايقة شوية، ما إنتِ عارفة البنات، بتحب تتدلع.
لكن ليلي لم تكن في حالة تسمح لها بالمسايرة أو التراخي، فردّت بحدةٍ لا تخفى:
– لأ، ده مش دلع يا مستر شامل! ولو سمحت، يا ريت تلتزم باللي اتفقنا عليه. حضرتك هنا علشان تقنع ماما تقول لرائد بنفسها إنها مش موافقة. عيب أوي اللي بيعمله! أنا مش طفلة، وهو مش وصيّ عليّ! إيه حكاية مهلة الشهر دي؟! هو أنا بنته؟! وبعدين... يبعد بنته عني في نفس الشهر؟! ده ضغط نفسي متعمَّد!
لم تمهلها نيفين لتُكمل، فقد انفجرت فيها كبركانٍ هائج:
– بنت؟! بتقولي بنت؟! إنتي اتجننتي ولا إيه؟ بتغطي عليا؟! قطع لسانك يا قليلة الأدب!
رفع شامل يده في إشارة لتهدئة الأمور، وقال بصوت هادئ يحمل نبرة تسامح:
– سيبيها تتكلم يا حاجة نيفين.
لكن نظرة نيفين المشتعلة لم تهدأ، صاحت في وجهه بانفعال:
– مش سامع كلامها؟ دي مش محترمة!
تنهّد شامل بصبر ظاهر، ثم التفت إلى ليلي وقال بلهجة هادئة لكنها جادّة:
– بصي يا ليلي، أنا صديقك، وزي أخوكي. ولو ليَّا أخت و"رائد الذهبي" اتقدملها، مش هشوف قدامي غير مصلحتها.
حدّقت به ليلي بعدم تصديق، ثم قالت بسخرية لاذعة:
– مصلحتي؟! مع واحد بيهددني بالاغتصاب؟! همجي ومتهوّر؟! رائد نفسه لو سألته، مش هيقدر ينكر إنه قال كده!
حاول شامل التخفيف من وقع كلماتها، فقال بصوت رخيم:
– يا ليلي، تهديد وخلاص، عارفاه لما بيتنرفز بيقول أي كلام، عمره ما يعمل كده بجد. ده راجل بيخاف على سمعته.
ثم مال نحوها قليلًا، وأردف بنبرة مقنعة:
– دي فرصة عمرك. رائد ممكن يخليكي ملكة، حياتك كلها هتتغير، صدقيني، أنا بتمنالك الخير، مش غير كده.
قهقهت نيفين بغيظ، وهزّت رأسها:
– مش وش نعمة يا شامل! زميلتك غاوية الفقر !
ضحك شامل بخفة، وقال بلا مبالاة:
– ولا يهمك يا حاجة نيفين. ما هي بردو بنتك، وحبيبتك.
ردّت بامتعاض:
– مش ناكرة، بس البِت دي غيظاني! الراجل مافيهوش غلطة! شاب، حلو، وغني جدًا! عايزة إيه تاني؟!
شدّت ليلي قامتها، وواجهتها بعينين دامعتين، لكنها تماسكت وقالت بصلابة:
– الفلوس ما تعنينيش، اللي يهمني راجل أعرف أعيش معاه، أب لأولادي. لازم أختار صح، مش أي راجل همه سمعته علشان مجلس الشعب! سمعته حلوة دلوقتي، بكرة تبقى في الطين!
ألقى شامل نظرة سريعة على نيفين، ثم قال بصوت دافئ:
– لو مش مقتنعة، إديله فرصة... فترة خطوبة، مش هتخسري حاجة.
زفرت ليلي بحدة:
– أنا مش حقل تجارب!
قطّب شامل جبينه، وقال بلهجة آمرة:
– قولنا ياخد فرصته بقى!
ثم أردف بنبرة أكثر لطفًا:
– ما تتعبيش قلب أمك، أنا مش هضرك، ورائد على ضمانتي. لو ما استريحتِيش، أنا بنفسي هفركش الموضوع.
ثم نظر إليها نظرة طويلة، وقال بصوت خافت:
– عشان خاطري... يا ليلي.
ظلت ليلي تنظر إليه بعدم رضا، قبل أن تطلق زفرة ثقيلة، كأنها تنهزم أمام جدار لا يُخترق.
خرج شامل من منزل نيفين بخطوات واثقة، وعلى وجهه طيف ابتسامة، لا تخفى على من يترصده. لقد بات واثقًا أن ليلي ستخضع، فليس لها سوى والدتها، ووالدتها قد باعت موقفها. لم يبقَ إلا يقين، تلك الورقة الأخيرة التي يجب أن يسيطر عليها... يقين كانت الهدف، و"رائد" لا يعلم أن رقعة الشطرنج بدأت تتحرك لصالحه، حتى وإن بدت الأمور بغير ذلك.
***
صعد إلى الشقة التي تجمعه بـيقين، وما إن دلف من الباب حتى خلع سترته برشاقة وألقاها على الأريكة، كأن المكان ملكٌ خاص له لا يُنازع عليه. وقف أمام المرآة يُهندم ثيابه الفاخرة، يعدّل من ربطة عنقه وينفض عن كتفيه الوهم، ثم نظر إلى انعكاسه بنظرة تحمل مزيجًا متوهجًا من الغرور والرضا، كمن يرى نفسه فارسًا منتصرًا على رقعة لا يُهزم فوقها.
استدار ببطء نحو يقين، التي كانت تقف عند النافذة، يكسو ملامحها قلق شفيف وهي تتفحّص الخارج بعينين متحفزتين، وما إن التقت عينها بعينه حتى تبدّلت نظرتها إلى حالمة ساكنة.
اقترب منها بخطوات محسوبة، ثم انحنى قليلًا، ودفن وجهه بين لفائف شعرها المتدلية، يستنشق عبيرها وكأنه يتزوّد بلذة لا تنتهي. همس في أذنها بنبرة خافتة تحمل مزيجًا من السخرية والإعجاب:
– بس تصدقي؟ حلو التغيير ده... صايع قوي!
ضحكت يقين ضحكة قصيرة ناعمة، ومالت برأسها للخلف لتفسح له مزيدًا من الاقتراب، وقالت بصوت مغمور بالدلال:
– إبقى تعالَ كل يوم في الميعاد ده يا حبيبي... بس يلا بينا، نرجع، أحسن حد ياخد باله من غيابي.
أدار شامل عينيه بتكاسل، ثم استند إلى الحائط بإهمال متعمَّد، وقال بثقة لا تخلو من استفزاز:
– ما تخافيش، محدش واخد باله إنك مش في البيت أصلاً، وأخوكي... غرقان مع ليلي في المدرسة! لا وقت ولا دماغ لأي حاجة تانية.
اقتربت يقين منه بخطوات أنثوية متمايلة، ووضعت ذراعيها حول عنقه، وهمست بقلق مغلَّف بالحب:
– طيب... بردو مش بحب أخاطر، خصوصًا بيك. وبعدين، أخويا إيه اللي يشغله بواحدة زي ليلي؟!
رفع شامل حاجبًا بسخرية، وهو يمرر أصابعه على ذقنه متصنعًا الدهشة:
– يا سلام! طب وما يشغلش باله بيها ليه يعني؟ هو إنتي شايفة أخوكي ملاك ما بينزلش الأرض؟! ده راجل، وأي راجل ممكن يقع.
ابتسمت يقين، ولمعت عيناها بمزيج من الحب والتملك، ثم رفعت يدها تلمس وجنته بحنان وقالت بنبرة هامسة:
– راجل... بس مش زيك، إنت أحلى حاجة حصلتلي في الدنيا. ربنا ما يحرمني منك يا شامل.
ثم ضمّته إلى صدرها بقوة، كأنها تتشبث به من عالمٍ آيل للانهيار، تسعى أن تُجمّد اللحظة في حضنه، أن تهرب من الزمن إليه.
أما شامل، فاكتفى بابتسامة صغيرة، تمرّدت على زوايا شفتيه، وأخذ يُمرر أصابعه في خصلات شعرها بهدوء، كمن يُهدهد طفلة مدللة لا يُريد إيقاظها من حلم. ثم همس لها بلطفٍ ظاهر:
– ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي... ماشي، يلا نرجع لـ"الأشكيف" أخوكي.
قهقهت يقين برقة، ثم تشابكت أصابعها بأصابعه، وسارا معًا نحو الباب، خطواتهما تغرق في صمتٍ يوحي بالكثير... أكثر بكثير مما يبدو على السطح.
***
بعد توصيل نيرفانا الي المدرسة
ما إن لمحَت حور صديقتها تُومئ برأسها من بعيد، حتى فهمت أن الخطة تسير كما رُسم لها، بل إن لحظة المواجهة قد آن أوانها. قلبها يخفق بقوة، وهي تُمني نفسها بانتصار يثبت أن نيرفانا لا تُقهر، مهما اشتد الحصار عليها.
كان "أوس" يجلس في سيارته المظللة، يحدّق في المرآة الأمامية بعيون يملؤها الترقب، وحين لمح حور تقترب، نادى بنبرة باردة خلت من الحماس:
— "ها يا حور... إيه الأخبار؟"
أجابته وهي تفتح باب السيارة الأمامي، لتجلس بجواره دون تردد:
— "خلصت... نيرفانا جاية، ومفيش حد واخد باله."
أدار وجهه نحوها، وابتسامة خبيثة ترتسم على ملامحه، قبل أن يقول بنبرة ناعمة تحمل نصلًا خفيًا:
— "كويس... جه وقت الحساب بقى."
رمقته حور بنظرة مرتابة، وقالت بتردد:
— "بس خليك فاكر... أنا قلتلك هقابلها بيك، مش أكتر."
ضحك بخفة، ثم اقترب منها قليلًا حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها، وهمس:
— "وهل تفتكري إني هأذّيها؟ أنا عايزها... بس بطريقتي."
في تلك اللحظة، ظهرت نيرفانا عند زاوية البوابة، تلتفت حولها بحذر، ثم لمحت السيارة السوداء بانتظارها. أسرعت بخطوات متوترة، قلبها يخفق كمن يهرب من قيدٍ إلى قيدٍ آخر، لكنها لا تبالي، فالمهم أن تخرج... أن تنتقم.
فتح لها أوس الباب الخلفي، فصعدت مسرعة وجلست، تتنفس بعنف، قبل أن تقول بنبرة يختلط فيها اللهفة بالتمرد:
— "أوس... أنا مش هارجع! خُدني بعيد، أي مكان... مش عايزة أشوفهم تاني."
نظر إليها من المرآة، عيناه تلمعان بوميضٍ خفي، وقال ببطء وكأنه يوزن الكلمات
— "هخدك بعيد... وهتشوفي بنفسك، لما كلهم يعرفوا إنك مش ملكهم تاني."
رواية قلب السلطة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مروة البطراوي
ترددت نيرفانا للحظة وهي تُغلق باب السيارة خلفها، ثم التفتت نحو أوس بنظرات متحفزة، بينما حور وقفت خارج السيارة، عيناها لا تكفان عن الترقب، وقلبها يضطرب كأنها تودّ التراجع ولا تملك الجرأة.
قالت حور بسرعة وهي تشير بعينين قلقتين:
— "حاسبوا... مستر شامل مش مضمون، ممكن يرجع فجأة."
لم يلتفت إليها أوس، بل ابتسم ابتسامة باردة، وضغط على دواسة الوقود بقوة، حتى اهتزّ جسد السيارة للحظة، وقال بثقة لا تخلو من تهكم:
— "اللي زي شامل؟ اتلهى في نفسه دلوقتي... محدش هيقدر يوقفني."
وانطلقت السيارة، تبتلع الطريق تحت عجلاتها، وتترك خلفها صمتًا ثقيلًا، وقلقًا يأبى أن يهدأ.
---
بينما كان يجلس قربها في سيارته، مرر شامل عينيه على يقين بنظرة مشتعلة، فيها من الشهوة ما يكفي لإشعال قلبٍ بارد، ثم مال نحوها ببطء، كأنه يغوص في عطرها المسحور، وتمتم بنبرة واهنة لكنها مغمورة بالافتتان:
— "إممم… ريحة شعرك… بتدوّخني. أهو الواحد لسه عارف يتبم عليكي، هنا وبس."
ولم ينتظر أكثر… مدّ يده يحيط وجهها برفقٍ متعطش، ثم انحنى يقبّلها كما لو أنه يسرق من اللحظة ما يشبع به اشتياقًا طال.
لكن اللذة لم تكتمل… إذ ارتجف الهاتف بين يديه فجأة، قاطعًا الحلم بصوت الواقع الجاف.
نظر إلى الشاشة بعبوسٍ ضيق، فظهر أمامه الاسم الذي لا يُرد… رائد الذهبي.
ضغط شِبه مُكره، وما إن فتح الخط حتى دوّى صوت رائد، قويًا، حاسمًا، لا يمنح مجالًا للتفكير أو جدال:
— "ابقي جيب نيرفانا… بدري. قول خلصت شغلك بدري. مش عايزها تحسّ بحاجة!"
وانقطع الاتصال بنفس القسوة التي بدأ بها، دون حتى أن يمنحه فرصة للرد… فقط أوامر تُلقى، ولا سبيل سوى تنفيذها.
رفعت يقين عينيها نحوه، القلق يطفو على ملامحها كضوء خافت، تمسح الخوف بكلمات خرجت منها كأنها سر دفين:
— "كلّ مرة يتصل عليك وأنا معاك… بحسّ إنه شايفنا… شايفنا واحنا بنبعد. عمره ما سهّل علينا حاجة يا شامل!"
شامل زفر، وكأن صدره يحمل همًّا أثقل من احتماله، ثم عاد إليها دون أن يُجاري قلقها، طبع قبلة خاطفة على شفتيها، قبل أن يغمغم بنبرة مستسلمة، ممزوجة بمرارة ضاحكة:
— "أه والله… مفيش حد مسكين في الدنيا دي قدي."
---
في المقعد الخلفي، جلست نيرفانا تحدّق في الطريق المتسارع خارج النافذة، كأنها تهرب بعينيها من شيء يطاردها داخليًا. يدها تقبض حقيبتها الصغيرة بقوة، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ لا تهدأ.
همست بصوتٍ بالكاد سُمع، وكأنها تخاطب نفسها:
— "أنا مش هارجع... مهما حصل."
أوس لمحها من المرآة، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه، لكن عينيه بقيتا جامدتين، لا تشي بشيء. مدّ يده إلى الهاتف الموضوع بجانبه، وأرسل رسالة سريعة، ثم التفت نحوها وقال بنبرة رخيمة تحمل ما لا يُقال:
— "كل حاجة ماشية زي ما كنت عايز... بس ناقص خطوة واحدة."
نيرفانا التفتت نحوه، عيناها تضيقان بشك، لكنها لم تنطق. فقط أعادت النظر للطريق، وكل شيء بداخلها يقول إن ما ينتظرها... ليس كما تخيلت.
---
داخل المنزل، حيث تتكاثف نُذر العاصفة القادمة...
عاد رائد الذهبي إلى بيته، لكن ما إن تخطّى العتبة حتى شعر كأن شيئًا غامضًا يجثم على صدره... هاجس غامض، قلق مبهم، قلبه يضجُّ بتحذير لا يعرف له سببًا. وقف لحظة يتلفت حوله، كأن عينيه تبحثان عن أمر مفقود، ثم صعد الدرج بخطوات ثقيلة نحو غرفة ابنته.
وقف أمام الباب، دقّه بنغمة حملت مزيجًا من لهفة الأب وقلقه:
— "نيرفانا؟ جيتي يا بابا؟ أوعي تكوني زعلانة عشان بعت شامل يجيبك بدري…!"
لكن الصمت كان هو الجواب… صمتٌ يلسع أكثر من الكلام.
مدّ يده إلى المقبض، فتح الباب بحذر… ووقع بصره على الفراغ.
الغرفة خالية… لا نيرفانا… ولا حتى أثر.
اشتعلت النار في صدره، اندفع كالسهم يهبط على الدرج، خطواته تقرع كأنها طبول إنذار، واندفع نحو غرفة الطعام حيث كانت يقين تجلس، لا تدري ما يحدث.
— "يقين! خرجتي النهارده من غير ما تقولي؟! نيرفانا مش فوق!"
رفعت رأسها، مفزوعة، وقد باغتها صوته الحادّ، نهضت متوترة، تتلفت نحوه بذهول:
— "إيه فيه إيه يا رائد؟!"
وقف أمامها، عينيه تقدحان شررًا، وملامحه بين الغضب والذهول.
— "نيرفانا مرجعتش البيت! إزاي؟!"
تسمرت يقين في مكانها، وكأن الأرض سُحبت من تحتها:
— "مش في البيت؟! يعني إيه؟! يمكن جت وخرجت تاني؟! … و أنا لسه راجعة!"
رائد يقترب منها خطوة، صوته يخرج كالسياط:
— "البنت مرجعتش يا يقين! البنت مش هنا!"
هتف بها، ويده ترتجف على هاتفه، يتصل بـ شامل، بينما عيناه تنغرسان فيها بنظرة نارية:
— "انتي كنتي فين؟! ازاي تسيبي البيت من غير إذني؟! نيرفانا مسؤوليتها عليكي!"
صوت يقين ارتجف، تحاول الدفاع وسط العاصفة:
— "مسؤوليتي إزاي بس؟! والله العظيم، ما بعرف أتنفس من ساعة ما حابسنّي جنبها! رائد، ربنا يعلم… أنا بس خرجت ساعة… أنا مالي؟!"
في تلك اللحظة، دخل شامل بخطواته، لكنه توقف كالمُسمّر، وقد التقط الكلمات الأخيرة، عيناه لا تفارق يقين.
ثم تحرك ببطء نحو رائد، وصوته يحمل قلقًا مكتومًا:
— "انا قلت انك انت اللي روحت تجيبها النهارده"
رائد التفت نحوه كالمفترس الجريح، وانفجر فيه، كمن تلقّى خيانة من أقرب الناس:
— "أنا؟! انت اللي المفروض تجيبها! إزاي تسألني؟! أنا عايز الدنيا كلها تتحرك… لحد ما نيرفانا ترجع! الليل ده… ما يليلش إلا وهي هنا…"
تلاقى نظر شامل بنظر رائد، ثم قال بصوت ثابت، رغم العاصفة:
— "هنلاقيها… وقبل ما الليل يليل."
---
السيارة انحرفت عن الطريق الرئيسي، إلى مسلك جانبي غير ممهد، يتعرج بين أشجارٍ كثيفة وأرضٍ جرداء، كأنها طريق لا يعرفه أحد. شعرت نيرفانا باهتزازات السيارة تحتها، ورهبة خفية تسللت إلى صدرها، فشهقت دون وعي:
— "إحنا رايحين فين؟... ده مش الطريق لأي مكان!"
لم يُجبها أوس، فقط زاد من سرعة السيارة، كأنه يتجاهلها عمدًا، أو كأنه لا يسمعها أصلًا.
صرخت بصوت أعلى، نبرته حادة:
— "أوس! بقولك إحنا رايحين فين؟!"
عندها فقط، أبطأ السيارة قليلًا، ثم نظر إليها من المرآة، عينيه خاليتين من أي دفء، وقال بنبرة باردة كالصقيع:
— "للمكان اللي هتبقي فيه حرة... بعيد عنهم كلهم."
قالت بحدة:
— "يعني إيه؟! حرّة؟! إنت وعدتني ناخد بعض ونسافر بعيد!"
ضحك ضحكة قصيرة، وغمغم بصوت كالسُمّ:
— "سافر؟... ده إنتي لسه ماعرفتيش أنا ناوي أعمل إيه."
تجمد الدم في عروقها، حدّقت فيه بذعر، وقبل أن تنطق، توقفت السيارة فجأة.
كانت الأرض منبسطة، حولها صمت مخيف، وأمامها... سيارة أخرى تقف في الظل، لا يُرى من فيها. قلب نيرفانا انفجر بالخفقان، وقالت بصوت متهدج:
— "إيه ده؟... مين دول؟!"
فتح أوس بابه بهدوء، ثم التفت نحوها وهمس:
— "اللي هيساعدوني... عشان تكوني لي، للأبد."
فتح الباب الخلفي، لكنها لم تتحرك، ارتعشت يداها وهي تقول بانهيار:
— "إنت كداب... إنت مش زي ما قلت!"
وفي تلك اللحظة، ارتفعت أصوات أقدام تقترب... وخُيّل إليها أن أحدهم نطق اسمها.
التفتت بجزع... ثم تجمدت.
كان هو...
يقف أمامها، عيناه مشتعلتان... وصوته كالسيف:
— "انزلي يا نيرفانا... دلوقتي!"
— "إنت؟!"
وصدرها يعلو ويهبط، وعيناها تتسعان... كأن كل شيء انهار في لحظة واحدة.
---
في جعبة كلٍّ منا رواية، لكن رواية رائد الذهبي تختلف عن جميع الروايات...
إنها ليست مجرد حكاية، بل كارثة تتكشف خيوطها أمامه، كلوحة قاتمة تُلطّخها أقدارٌ سوداء. وقف عند النافذة الزجاجية لمكتبه، يطالع المدينة المترامية تحته، مصابيحها المتلألئة بدت كنجومٍ مضطربة، كأنها تعكس ضجيج الأفكار الذي يعتمل في صدره. هاتفه كان ساكنًا على سطح المكتب، لكنه كان يعلم أن العاصفة تتجمع خلف هذا الصمت.
حينما انطلقت في أرجاء المدينة موجات البحث عنها، كان عقله مسرحًا للسيناريوهات المحتملة. أين ذهبت؟ مع من؟ وكيف استطاعت الإفلات من أسواره المحكمة؟ كان قد استنفر رجاله، دفعهم إلى الشوارع، المحطات، الفنادق، حتى الأزقة الضيقة لم تسلم من أعينهم. ورغم ذلك، كان هناك صوت داخلي يخبره أن الأمر ليس بهذه البساطة.
---
كان واقفًا أمامها، جسده يملأ المكان مهابة، وعيناه تتقدان بنارٍ لم ترَها فيه من قبل... نار الغضب، والخذلان، والحسم.
كان شامل.
نعم... شامل.
بذلته غارقة في العرق، كأنه كان يركض منذ زمن، وجهه متجهم، وفكّه مشدود كمن يوشك أن ينفجر، وبصوته الذي لم تعرفه بهذه الحدّة من قبل، صاح من جديد:
— "قلت لك... انزلي يا نيرفانا!"
أوس ضحك باستهزاء، واقترب خطوة، ثم قال بسخرية لاذعة:
— "إيه ده؟! رجعت بدري يا شامل؟! ما كنتش قافل على نفسك شغل؟"
لم يرد شامل، بل أمسك بجانبي باب السيارة، وكأن يديه صارتا فولاذًا، ثم فتح الباب بعنف، ومدّ يده نحو نيرفانا التي كانت ترتجف كأنها في حلم لا تملك فيه قرارًا.
— "اختاري يا نيرفانا... دلوقتي... هنا أو هناك."
أوس رفع يده فجأة، كأنها إشارة، فظهر من خلف السيارة رجلان غريبان، يتقدمان ببطء.
لكن شامل لم يتحرك، بل رمق أوس بنظرة قاتلة، وقال بنبرة لا تحمل تهديدًا... بل حكمًا:
— "جرب تلمسها... وشوف هتعيش قد إيه بعدها."
تسمرت نيرفانا في مكانها، قلبها كاد يتوقف، بين رجلين كلاهما كان بابًا... لكنها الآن عرفت، أي باب كان جحيمًا.
---
أوس تقدم خطوة، جسده متوتر، وعيناه لا تفارقان شامل، وقال بلهجة كلها تحدي:
— "هو انت فاكر نفسك مين؟! دي مش بتاعتك... دي بتاعتي أنا!"
شامل لم يرد، فقط خلع سترته ببطء، وعيونه لا ترمش، ثم ألقاها على الأرض، وصوته خرج كالرعد:
— "قرب... وريني نفسك يا بطل."
لم ينتظر أوس، بل انقضّ عليه كالسهم، يضربه بقبضة غادرة في صدره، لكن شامل ثبت مكانه، كجبلٍ لا يتزحزح، ثم ردّها بلكمة خاطفة أصابت وجه أوس، فسقط على ركبته.
صرخ أوس، واندفع من جديد، لكن شامل أمسكه من صدره، وطرحه أرضًا بقوة جعلت الغبار يتطاير من تحته.
الرجلان المرافقان لأوس تحركا، لكن شامل لم ينتظر، خطف حجرًا من الأرض، ولوّح به، وعيناه تقسمان الموت:
— "اللي هيقرب... هديله نهاية مش هيعرف يوصفها!"
تراجع الرجلان مترددين، بينما أوس ينهض متثاقلاً، والدم ينزف من فمه، يلهث، ويضحك بهستيرية:
— "كل ده... عشان واحدة؟! دي مش فارقة معايا زي ما انت فاكر!"
اقترب شامل، وأمسك بتلابيبه، ثم صرخ في وجهه:
— "هي مش واحدة... دي نيرفانا! ولو قربت منها تاني... والله ما هتلحق تندم!"
ثم تركه يسقط كخرقة بالية، والتفت نحو نيرفانا التي كانت تتابع المشهد بعينين دامعتين، وصوت مختنق.
مد يده نحوها، وقال بنبرة دافئة رغم كل شيء:
— "تعالي... كفاية لعب بالنار."
نيرفانا لم تتحرك... لحظة صمتٍ ثقيلة مرت، قبل أن تخطو خطوة نحوه، ثم الثانية، حتى صارت أمامه.
لكنها لم تمسك يده.
بل قالت بصوت مرتجف:
— "ليه جيت؟ بعد ما كلكم سبتوني لبابي يذل فيا و يهيني ؟!"
جفف شامل فمه بكم قميصه، وقال بنظرة كسرت كل شيء فيها:
— "ما سبناش... إحنا منقدرش نقوله لا . بس انا هحاول معاه من تاني."
---
على جانب الطريق، في منطقةٍ شبه خالية لا تُرى فيها إلا أعمدة إنارة شاحبة، توقفت سيارة شامل للحظاتٍ كأنها تلتقط أنفاسها بعد مطاردةٍ غير معلنة. من خلف الزجاج، بدا الليل كثيفًا، يحمل في طياته توترًا لم ينقشع بعد.
كان شامل يحدق في الطريق أمامه، أنامله لا تزال تضغط على المقود بشدة، فيما يجاهد أن يُخفي اضطرابًا خلف ملامحه المتماسكة.
إلى جواره، جلست نيرفانا، متيبسة، يعلو صدرها ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، ووجهها لا يزال يحمل آثار الصدمة... والخذلان.
أدار شامل رأسه نحوها، وسأل بنبرة حازمة لكنها غير قاسية:
— "انتي فاهمة كنتي رايحة على فين؟! ده كان هيموّت الدنيا كلها عليكي."
نيرفانا لم تنظر إليه، بل ظلّت تحدّق في الفراغ أمامها، ثم تمتمت بصوت متهدج:
— "أنا... أنا كنت حاسة إني مش قادرة أتنفّس... حسيت إني مخنوقة... كلّهم بيشدّوني، بيضغطوا عليا، وأنا مش قادرة أصرخ. أوس قاللي هخرجك من دا كله... وأنا صدقته."
هزّ شامل رأسه ببطء، ثم قال بنبرة مشوبة باللوم:
— "صدقتيه؟ ده أراجوز، واللي زي ده لو خرجك من حاجة، هيحبسك في مصيبة أكبر."
نظرت إليه نيرفانا بعيونٍ دامعة، وهمست بمرارة:
— "أنا ماكنتش بهرب من بابا... كنت بهرب من إحساسي إني متراقبة، متحاصَرة. أوس أوهمني إن دي الفرصة... وكنت مستعدة أمشي وراه عشان أتنفس، ولو لمرة واحدة."
تنهد شامل، ثم استند إلى المقعد وقال بهدوءٍ محمّل بثقل التجربة:
— "الحرية ما تبقاش في الهروب... تبقى في المواجهة. بس انتي صغيرة، وغضبك أكبر منك... ومحدش علّمك تمشي صح."
ثم التفت إليها، وقد لان صوته قليلًا:
— "اسمعي كلامي... الليلة دي تعدي، وبعدها تقعدي مع أبوكي وتتكلمي. الراجل ده لو باع الدنيا كلها، ما يبيعكيش. وده مش كلام... ده واقع، أنا عارفه بعيني."
ظلت نيرفانا صامتة، ثم همست أخيرًا، بوجعٍ يختلط فيه الندم بالحذر:
— "أنا غلطت... بس خفت أقول، خفت الكل يلومني... خفت أكون لوحدي."
شامل لم يرد، بل أعاد تشغيل المحرك، وقال بنبرةٍ قاطعة:
— "مش لوحدك... بس لو كنتي كملتي وراه، كنتِ بقيتي لوحدك فعلًا... ضايعة. يلا بينا نرجّعك... قبل ما رائد يشعل الدنيا."
وانطلقت السيارة، تحمل معها ندم نيرفانا، وحزم شامل، وسؤالًا لا زال معلقًا... هل ستغفر الأيام هذا التهور؟
---
في منزل "رائد الذهبي"، كان الليل قد بدأ يسدل ستائره الثقيلة، والهواء مشحون برائحة توتر لا تُرى... في المكتب العلوي، جلس رائد أمام النافذة المفتوحة، عيونه ثابتة على الطريق، كأنه بينتظر عودة جُندي من معركة... أو ضحية من فخ.
يداه مشبوكتان أمامه، وسيجار لم يُشعل بعد، بين أصابعه، كأن لحظة الإشعال لا تجيء إلا في التوقيت الصحيح... توقيت إعلان الحرب.
دخلت "يقين" بخطوات هادئة، وقال بصوت حذر:
— "العربية قرّبت... شامل معاها."
لم يرد رائد، فقط أشعل السيجار، ونفث أول نفس بقوة، ثم قال دون أن يلتفت:
— "اخليهم يفتحوا البوابة... وخليك قريب."
تحركت يقين فورًا، بينما رائد ظل واقفًا، والشرر يتطاير من بين أنفاسه، وعيناه ترصدان الطريق الممتد تحت أنوار خافتة... حتى ظهرت سيارة سوداء قادمة من بعيد.
همس لنفسه، والغيوم تتلبد في صدره:
— "رجعتي يا نيرفانا... بس ما حدش هيطلع من النار دي زي ما دخل."
السيارة اقتربت... وتوقف الزمن.
وانطفأ السيجار على حافة النافذة.
---
ما إن انغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة "شامل"، حتى تغيّرت قواعد اللعبة.
فلم تعد نيرفانا تلك الفتاة التي هربت تطلب الخلاص، ولا عاد رائد الرجل الذي يكتفي بالمراقبة من علٍ.
أوس لم ينتهِ.
والعدو الحقيقي... لم يظهر بعد.
في ظلال الليل، تُعقد التحالفات وتُنسج الخيانات، ويُبعث الماضي من تحت الركام ليأخذ بثأره.
والسؤال الذي سيطرح نفسه...من سيحترق أولًا... ومَن سيُشعل النار؟
---
في غرفةٍ فخمة، يلفها الظلام كعباءةٍ ثقيلة، تنبعث منها رائحة المال المشبع بالخطيئة، والسلطة الملوّثة. كل تفصيلة فيها تصرخ بالثراء، لكنه ذلك الثراء الذي يحمل بين طياته سمًّا بطيئًا ينهش الأرواح.
على أحد الجدران، علّقت شاشة ضخمة، تنبعث منها صورة واضحة: نيرفانا تدخل إلى سيارة شامل، وملامحها حائرة، كأنها تهرب من قدرٍ لم تدركه بعد.
وفي ركنٍ مظلم، جلس أسر العزبي على كرسي جلدي، ينساب تحته كأنه عرشٌ وُلد للهيمنة. بين أنامله مسبحة سوداء، يقلبها ببطءٍ شيطاني، وعيناه مثبتتان على الشاشة بثباتٍ يبعث القشعريرة. صوته خرج واطئًا... لكنه كان يحمل بين طبقاته نغمة نزيف الأرواح.
أسر (بهدوء قاتل):
— "ضيّعت البنت... مش كده؟"
وقف أوس أمامه، متوتّرًا، يتعرّق رغم برودة الغرفة، يحاول أن يُحافظ على تماسكه، لكن عينيه تفضحانه.
أوس (متوتر، متلعثم):
— "ماكنتش لوحدي... شامل ظهر فجأة، والمكان كان مفتوح، ما لحقتش—"
رفع أسر إصبعه ببطء، يقاطعه دون أن يشيح ببصره عن الشاشة.
أسر (بنبرة موت بارد):
— "مفيش حاجة اسمها ما لحقتش... فيه حاجة اسمها فاشل. وأنا... ما بشتغلش مع الفشلة."
بلع أوس ريقه، وعيناه تدوران في المكان كأنهما تبحثان عن مخرج، لكنه كان يدرك تمامًا... لا مفر.
أوس (بصوت أضعف، شبه هامس):
— "أنا عملت اللي اتقاللي بالحرف... قرّبت منها، وخليتها تيجي برجليها. مين كان يتوقع إن شامل هيقلب الدنيا؟!"
لم يرد أسر، بل ظل يقلب في المسبحة، وكل خرزة تمرّ بين أصابعه كانت تشبه حكمًا بالإعدام. ثم قال فجأة، بصوتٍ أخطر من السكون:
أسر:
— "أنا بتوقّع كل حاجة... عشان كده اسمي أسر العزبي... ورائد الذهبي، عايز يعرف أنا مين."
رفع أوس رأسه بدهشةٍ حقيقية، كأن صاعقة سقطت فوقه.
أوس (باندهاش):
— "رائد؟! بيدوّر عليك؟"
ابتسم أسر ابتسامة باردة، ابتسامة لا دفء فيها ولا حياة.
أسر (ببطء قاتل):
— "مش عليّ... عايز يعرف كنت بعمل إيه مع ليلي... وكنت قريب منها ليه."
تجمّد أوس في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة، وكأن الأرض انشقت تحت قدميه.
أوس (بصوت مرتعش):
— "ليلي؟... ليلي نيرفانا؟!"
وفجأة، تغيّرت ملامح أسر، وارتفع صوته لأول مرة، حادًا كحد السيف:
أسر (بغضب مكبوت):
— "اسكت... ما تجيبش اسمها تاني! هي ورائد بينهم حساب... وأنا، ليا حساب تاني... أعمق... أوجع."
اقترب منه بخطواتٍ بطيئة، حتى صار أمامه مباشرة، عينٌ في عين، كأنهما على حافة هاوية.
أسر (بغلظة ووعيد):
— "رائد فاكر نفسه فوق الكل... بس لما يعرف الحقيقة... هيكره اليوم اللي اتولد فيه."
ثم استدار، وعاد إلى كرسيه بهدوء من يُتقن السيطرة. جلس، وقلب مسبحته مرةً أخرى، وقال بنبرةٍ تشبه الهمس... لكنها كانت إعلانًا واضحًا:
أسر (كأنه يُحدّث ذاته):
— "كلّهم فاكرين إنهم بيختاروا... بس الحقيقة؟... كلّهم بيلعبوا دوري... دوري أنا، اللي مرسوم من زمان."
صمت ثقيل خيّم على المكان، لا يُسمع فيه إلا صوت المسبحة... تُعدّ خطوات نحو جحيمٍ لم يُفتح بعد.
---
في مكتبه المهيب، جلس رائد الذهبي، يُحدّق إلى الفراغ بعينين موصّدتين على توترٍ خفيّ. هاتفه بين يديه، يراقب بصمتٍ سجلّ المكالمات، حيث يتكرّر اسم واحد... أسر العزبي.
ضغط بأصابعه على الطاولة، كأنه يُفرغ فيها جحيمًا يعتمل داخله، ثم التقط الهاتف وأجرى اتصالًا سريعًا، جاءه صوت رجاله من الطرف الآخر.
رائد (بصوت منخفض، لكن حاد):
— "عايز أعرف أسر ده بيقابل مين... وبيعمل إيه. كل تحرّك ليه يبقى عندي فورًا... مفهوم؟"
رد الطرف الآخر بتأكيد سريع، ثم أُغلق الخط. رفع رائد عينيه إلى الصورة المعلّقة على الحائط، صورة قديمة تجمعه بأبيه وعمه صابر. نظر إليها طويلًا، تمتم كأنه يكلّم أشباح الماضي:
رائد (بصوت كظيم):
— "حاجة غلط... الراجل ده ما دخلش حياتي صدفة."
سكت لحظة، ثم شدد على كلماته، وكأنه يُقسم بها:
— "وإذا ليلي ليها علاقة بيه... يبقى لازم أعرف الحقيقة... كلّها."
ثم نهض عن كرسيه، عيناه تشتعلان بتصميمٍ لا يلين، بينما خلفه، كانت صورة صابر تُحدّق كأنها تُخفي سرًّا لم يُفصح عنه بعد...
---
في صمت الليل، تقابلت خطواتهما في بهو المنزل، حيث الأضواء الشاحبة تلقي بظلال متوترة على الحوائط. نظر شامل إلى رائد بنظرة مباشرة، قبل أن يسأله بصوت خافت يحمل قلقًا مكتومًا:
شامل (بجدية):
— "عملت إيه مع نيرفانا؟"
رائد (نظرة سريعة، ثم ببرود):
— "سايبها في أوضتها... مش هكلمها دلوقتي، عندي حاجة أهم... عايز أعرف مين ورا أوس."
تغيّرت ملامح شامل قليلًا، ثم اقترب خطوة وهمس:
— "أسر العزبي... وبيتواصل مع ليلي."
سكنت عينا رائد، ثم أومأ ببطء، قائلاً بنبرة غامضة:
— "فهمت... اللعب ابتدى يظهر وشه الحقيقي."
وانتهى الحوار عند هذا الحد، لكن ظلال الشك تمددت في الأفق، تنذر بأن القادم... ليس بسيطًا.
---
في عتمة غرفتها، رنّ هاتف ليلي فجأة، يحمل رقمًا تعرفه جيدًا... رائد الذهبي.
أجابت بصوت هادئ، لكنها شعرت أن خلف سكونه عاصفة.
رائد (بهدوء مصطنع):
— "لسّه صاحيــــة؟"
ليلي (بابتسامة مشوّشة، تخفي ارتباكًا عميقًا):
— "مقدرتش أنام... الجو خانق."
صمت طرفاه الخط، ثم جاء صوته واطيًا... يحمل من السخرية ما يكفي ليوقظ قلقها:
— "الجو... ولا الضمير؟"
تجمدت ملامح ليلي، لكن نبرتها لم تهتز:
— "تقصد إيه يا رائد؟"
رائد (نبرة جافة، لكنها جارحة):
— "اللي بينك وبين أسر العزبي... شغل؟ ولا فيه حاجات تاني؟"
صمت لحظة، لكنها كانت كفيلة بجعل أنفاسها تتسارع، ثم قالت ببرود حاسم:
— "إنت بترمي كلامك كده وخلاص؟ أنا مش مضطرة أشرحلك أي حاجة، وبالذات لما يكون السؤال بالطريقة دي."
رائد (نبرة حادة كالسيف):
— "شايفك بتقابليه... بتتكلمي معاه، في السر. وأهو، كلمتك... عشان أسمع منك بدل ما أصدق عيني."
ليلي (ترفع صوتها بحدة، تقطع عليه):
— "لو كنت فارق معاك، كنت سألتني من الأول، مش لما تشوف. وأنا؟ لا بعمل حاجة غلط، ولا بخاف أواجهك."
رائد (صوت متحشرج بالغضب):
— "أنا مستنيكي تحكيلي... مش أكتشف! أنا مش زيه يا ليلي، مش حد برّه حياتك."
ليلي (بثقة موجعة):
— "أنا بحمي نفسي... وده اللي عمرك ما فهمته. بحمي نفسي من وجع... أكبر من أي سؤال بتسأله دلوقتي."
صمت رائد لحظة، ثم ألقى كلمته الأخيرة كطلقة باردة:
— "أنا بطلت أصدق اللي بيخبّي عني... وطلعت إنتي أولهم."
ثم أغلق الخط، وتركها تحدّق في هاتفها، وقلبها يشتعل... ليس من الخوف، بل من الخذلان.
---
في عتمة غرفتها، وقفت ليلي أمام المرآة، تتأمل وجهها المنهك، كأن السنين انسكبت فوق ملامحها دفعة واحدة. بين يديها الهاتف، وأمامها قرار لا يحتمل التردد. ضغطت على اسم رائد، وانتظرت... قلبها ثابت، لكن بداخلها نار لا تهدأ.
جاء صوته جافًا، كأنما يحمل ألف عتاب:
— "نعم؟"
استجمعت ليلي كل ما في قلبها من صلابة، وردّت بنبرة حادة، ولكنها متماسكة:
— "إحنا محتاجين نتكلم... وأنا اللي هقول، مش إنت اللي هتسأل."
ضحكة قصيرة ساخرة صدرت منه، تبعها بقوله:
— "كلام متأخر أوي... بعد ما كل حاجة اتكشفت."
قاطعته، بقوة مفاجئة ونظرة لا تُقهَر، كأنها تقف أمامه لا خلف سماعة:
— "متكشفتش حاجة... إنت اللي اخترت تصدّق اللي شافه عقلك، وتكذّب إحساسي بيك. بس أنا مش هسمحلك تشك فيا تاني... وأنا ساكتة."
جاء صوته حادًا، مليئًا بالاحتقان:
— "والمقابلات مع أسر؟ والمكالمات؟ دا يبقى إيه؟ تفسير واهي ولا مبرر سخيف؟"
ردّت دون أن تتردد، وكأنها كانت تنتظر هذا الهجوم:
— "أسر بيساعدني! عندي مشكلة... مش هينفعك تعرفها دلوقتي، ومش هستنى إذنك عشان أحلها. لكن مفيش بيني وبينه حاجة... ولو شايف غير كده، يبقى إنت اللي لازم تراجع نفسك."
هدأ صوته قليلًا، لكنه خرج مشحونًا بالغضب:
— "بتخبي... وبتطلبي أثق؟"
صمتت للحظة... كأنها تمنح كلمتها الأخيرة ثِقلها.
وبهمس قاطع لا يحتمل نقاشًا، ختمت الحديث:
— "مش كل حاجة تمشي بأمرك، ومش كل خطوة باخدها تبقى خيانة."
ثم أنهت المكالمة... بلا وداع.
وتركت خلفها في الأثير، صمتًا أثقل من العتاب.
---
غرفة رائد – الليل
السكون يخيّم، إلا من صوت أنفاسه المتسارعة... الجو كأنما يختنق من توتر لا يُحتمل.
كان رائد واقفًا وسط الغرفة، عينيه معلّقتان في الفراغ، والهاتف في يده لا يزال يهتز، كأن صدمة المكالمة لم تنتهِ بعد...
رفع بصره نحو المرآة المقابلة، تطلع إلى انعكاس وجهه... وجهٌ بدا له غريبًا، كأنه لا يعرف صاحبه.
همس بكلمات خرجت من صدره كنصلٍ بارد:
— "بتحمي نفسها..."
رددها بخفوت، كأنها طعنة ما زالت تنزف داخله.
خطا خطوتين، ثم ألقى الهاتف بعنف على سطح المكتب، وعضّ على أسنانه، يهمس بحنق وارتباك:
— "بتحمي نفسها... من إيه؟! ومن مين؟! وليه أسر العزبي؟!"
شهق أنفاسه كأن صدره ضاق، ثم مرّر كفه على وجهه، محاولًا الإفاقة من كابوسٍ لا ينتهي.
دُقّ باب مكتبه، فدخل شامل بهدوء، لكن عينه لمحت الشرر في نظرات رائد، فتردد قليلًا
رواية قلب السلطة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مروة البطراوي
دُقّ الباب، فارتفع رأس رائد ببطء، كأن الصوت اخترق طبلة أذنه في غفلة، لكنه لم يلتفت. ظل جالسًا، عينيه معلقتان على الهاتف الملقى فوق المكتب، كأنه لا يزال يسمع صدى المكالمة... كأنه لا يزال يراها وهي تبتعد.
دخل شامل بحذر، نظر إلى رائد نظرة طويلة ثم همس، صوته متهدج:
— "باشا... كل حاجة تحت السيطرة. بس... إنت تمام؟"
تحرك رائد أخيرًا، قام كأن جسده يحمل أطنانًا من الغضب، استدار نحوه، صوته مبحوح يقطر قهرًا:
— "أنا...؟! أنا مش تمام، وعمري ما كنت. بس دلوقتي لازم أفهم... أسر ده عايز إيه من ليلي؟ وبأي حق بيتدخل في حياتها... وفي حياتي؟!"
شامل اقترب خطوة، يتردد كمن يسير على حافة لغم:
— "نفتح عليه خط؟ نرصد تحركاته ونعرف بيكلم مين؟"
رائد صمت لحظة، عيناه تغليان بصمتٍ قاتل، ثم قال بجمود:
— "مش عايز أعرف بيكلم مين... عايز أعرف هو مين! ومخبي عني إيه."
رمقه بنظرة قاطعة، كأنها حكم لا يُرد:
— "الملف الكامل لأسر العزبي... من أول نفس اتولد بيه لحد آخر خطوة خطاها النهارده. عايز أعرف قرب من ليلي ليه... وإزاي اللعب اتنقل من خصومي... ليّ أنا."
هز شامل رأسه بصمت، ثم غادر، بينما جلس رائد ببطء، أنفاسه متقطعة، دفن وجهه بين كفيه، تمتم كمن يعتصر روحه:
— "لو خانتني... هدمرها. ولو كانت بتحمي نفسها من خطر... هكره نفسي... أكتر من كده."
في غرفة ليلي بالليل
الظلام يلف الغرفة كستارٍ ثقيل... الضوء الشاحب يتسلل بالكاد من خلف الستارة المرتعشة بين أصابعها. وقفت ليلي أمام النافذة، صدرها يعلو ويهبط، ونظرتها شاردة كأنها ترى السقوط يقترب.
رفعت يدها المرتجفة، تناولت الهاتف، ضغطت الرقم المحفوظ، وضعته على السبيكر، وخطت ببطء نحو المكتب كأنها تمشي على زجاج.
رنّ مرتين... ثم جاء صوته، فيه قلق خافت:
— "ليلي؟ إنتِ كويسة؟"
صوتها خرج مكبوتًا، مضغوطًا بين الخوف والقرار:
— "رائد شاف. ما قالش، بس أنا عرفت... الشك دخل عينه، وابتدى يتحرك. أنا مش جاهزة أواجهه بحاجة... ومش هينفع نكمل بالطريقة دي."
أسر (بصوت حذر):
— "يعني إيه؟ قاليك حاجة؟ واجهك؟"
ليلي (بأنفاس متقطعة):
— "ما قالش، بس كفاية نظرته. رائد لما يشك... بيكسر الدنيا، وأي حد فيها. أنا عايزة أخلص... اسمعني، وقلّي دلوقتي. الحقيقة كلها."
صمت طويل، كأن أنفاسه تحولت لحجارة، ثم قالها كمن يخلع خنجرًا من قلبه:
— "الراجل اللي باعكم زمان... اللي كان شريك أبوك في كل حاجة، وسبب اللي حصل لكم... اسمه صابر عبد الجليل. المعروف بصابر الذهبي."
شهقت ليلي، كأن صدمة ضربت قلبها، سارت خطوة إلى الوراء، تتمسك بحافة المكتب:
— "عم رائد؟! صابر... عم رائد؟!"
أسر (بخوف خافت):
— "أيوه... وده اللي كنت خايف تعرفيه."
أغمضت عينيها، دموعها انسابت دون صوت، ثم مدت يدها، أغلقت الهاتف بهدوء، كأنها تُسدل ستارًا على كل ما كان.
نظرت إلى الفراغ، ثم همست لنفسها، والخذلان يملأ صوتها:
— "كنت فاكرة الخطر جاي من برّه... ما كنتش عارفة إنه مزروع جواه."
في غرفة رائد بالفجر
السماء تتلون بلون رمادٍ خافت... والمدينة خلف الزجاج ساكنة، كأنها تنتظر العاصفة.
جلس رائد أمام المكتب، جسده مائل للأمام، يداه مشدودتان فوق سطح المكتب، وعيناه لا تفارق ورقة بين يديه. خطوط حمراء تحت عبارات معينة، وصورة قديمة في طرف الملف... صورة تجمع صابر عبد الجليل برجل آخر. عينه تشتعل، وصدره يعلو ويهبط.
دُقّ الباب بخفوت، دخل شامل يحمل في يده ملفًا آخر، وضعه أمامه بتردد:
— "باشا... ده الجزء الأول، ولسه فيه حاجات بتتجمع. بس الصورة... بتأكد إنه كان شريك رسمي في شركة والدها، وخرج منها قبل إفلاسهم بسنة. وساب كل حاجة عليه."
رائد لم يرد... مدّ يده ببطء، قلب الصفحات، حتى توقف عند توقيع مألوف... توقيع عمّه.
تمتم وكأنه يحدّث نفسه:
— "باعه... وسابهم يغرقوا، عشان يطلع هو."
شدّ على أسنانه، ثم أغلق الملف فجأة، قام واقفًا، وأخذ يدور في الغرفة بعصبية:
— "يعني ليلي كانت عارفة... وكانت بتحاول تبعدني؟ بتحميني؟ ولا بتبعد نفسها؟"
شامل بصوت خافت:
— "ماعرفش يا باشا، بس شكلها حاولت تمنعك تعرف."
رائد توقف، التفت إليه، نظرته قاطعة:
— "هعرف منها... بطريقتي."
اقترب من المكتب، تناول هاتفه، تردد لحظة، ثم ضغط الرقم. انتظر... لكن لم يأتِ رد.
أغلق الهاتف، وضعه ببطء على سطح المكتب، ثم نظر من النافذة... كأن الفجر القادم يزعجه.
تمتم بصوت يقطر غضبًا مكبوتًا:
— "كنت فاكرها بتبعد عني... طلعت بتبعدني عن دمي."
نظر إلى صورته في المرآة، وانعكس في عينيه رجلٌ آخر... رجل لم يعد يعرف كيف يثق، ولا بمن.
في منزل رائد في الصباح الباكر
الشمس ما زالت في أول خيوطها، والضوء ينساب داخل المكان كأنه يفضح كل ما خفي.
الباب يُفتح بعنف، تدخل ليلي بخطى ثابتة، عيناها مشتعلة، وقلبها يسبقها، كأنها داخلة معركة لا تعرف كيف ستخرج منها.
رائد واقف في منتصف الصالة، عينيه ما بتتحركش من عليها... ملامحه حجر، وصدره يعلو ويهبط كأن الكلام حارق في جوفه.
رائد (بصوت مشحون):
— "عرفتي إنّي عرفت... وجيتي؟"
ليلي (بحدة):
— "أيوه، جيت، لأنك لازم تسمع مني، مش من ملفاتك ولا ظنونك!"
رائد يقترب خطوة، صوته منخفض بس قاتل:
— "كنتي بتكذبي؟ ولا بتمثلي؟ إيه كان دورك؟ تبعديني عن الحقيقة... ولا عن نفسي؟!"
ليلي (بانفعال):
— "أنا اتفاجئت زيك! عرفت الحقيقة من كام يوم بس، وسكت... سكت لأن رجلي ما كانتش شايلة جسمي، مش قادره أصدق. صابر عبد الجليل... عمك! كنت هقولك، والله العظيم، بس..."
رائد (يقطعها):
— "بس إيه؟ كنتِ بتستني إيه؟ كنتِ مستنية أنفجر؟ كنتِ بتختاري الوقت اللي يناسبك تكشفيني؟"
ليلي (بغضب وألم):
— "كفاية! أنا مش مجرمة ولا خائنة! أنا اللي كنت واقفة لوحدي قدام الحقيقة دي، مش عارفة أقولها إزاي، ولا أواجهك بيها إزاي! إنت فاكر إني كنت مرتاحة؟ دا قلبي وقع لما عرفت، والدم اتجمد في عروقي... زيّك بالضبط."
رائد (يحاول السيطرة على نفسه):
— "بس انتي سكتي... وحميتيهم!"
ليلي (بصوت قاطع):
— "أنا كنت فاكرة الخطر جاي من برّه... ما كنتش عارفة إنه مزروع جواك! اللي عرفته هدّني... وكنت بخاف عليك، أيوه بخاف عليك، ومش مستنية منك لا شكر ولا رضا. أنا اتحطيت بين نارين... وانت بتحاسبني كأني العدو."
رائد صامت، نظرته تخونه، الحدة تضعف لحظة، لكنه يشد نفسه:
— "كل يوم بصيتي في وشي... وانتي شايلة السر ده."
ليلي (بصوت ينكسر من شدّته):
— "وأنا بموت من جواه! بتفتكرها خيانة؟ لأ... كانت صدمة، وخوف، ووجع، وسكوت غصب عني. كنت عايزة أقول... بس لقيتني عاجزة، خايفة تدوس الحقيقة على كل حاجة بينّا."
رائد يسكت، يتنفس ببطء، كأن الكلام بيوجعه أكتر من السكوت.
ليلي تنظر له، تحاول تلاقي في عينيه نقطة فهم... لكنه يشيح بوجهه عنها.
تدير ظهرها، تمشي نحو الباب، لكن تتوقف لحظة، تقول بصوت هادي:
— "أنا وقفت في وش المصيبة دي لوحدي... وانت حكمت عليا قبل ما تسأل. لو شايف إني خنتك... يبقى عمرك ما عرفتني."
تخرج، الباب يُغلق بهدوء... لكنه كان أقسى من الضربة.
رائد يقف في مكانه، يحدق في الفراغ... وصوتها ما زال يتردد في أذنه كالحقيقة التي لم يعد يستطيع الهروب منها.
في غرفة رائد
في منتصف النهار
الضوء يملأ الغرفة، لكنه لا يبدد العتمة التي في قلب رائد.
يجلس خلف مكتبه، يحدّق في الفراغ، كأن الزمن توقف عند آخر كلمة قالتها ليلي، لكن عقله لم يتوقف... بل اشتعل.
ملف "صابر عبد الجليل" أمامه مفتوح، صفحاته مبعثرة، وصور قديمة مبقّعة، كلها لا تقول الحقيقة كاملة... لكنها تلمس جرحًا غائرًا.
نهض فجأة، دار في الغرفة كذئب حبيس، ثم أمسك الهاتف وضغط زرًا.
— "شامل... عايزك فورًا."
بعد دقائق، دخل شامل مترددًا، عينه تتفحّص وجه رائد الذي كان ساكنًا، لكن خلف السكون... طوفان.
رائد (بهدوء متوحش):
— "عرفت... هو اللي دمرهم. سابهم يغرقوا، وطلع فوق على حسابهم... وأبويا ساكت، واللي حواليّا ساكتين. كله كان متواطئ، وأنا... كنت غافل."
شامل (بقلق):
— "باشا، لو عايز نتحرك عليه، نقدر نفتح ملفاته القديمة، والناس اللي اشتغلوا معاه..."
رائد يقاطعه، يرفع عينيه فيهما نارٌ لا تُخفى:
— "أنا مش هفتح ملفاته القديمة... أنا هفتح له باب الجحيم. وكل اللي خدوا منّي سكوتي... هيدفعوا التمن، واحد واحد."
اقترب من النافذة، تطلع إلى المدينة كأنها ملكه، وكأنها مدينة بلا قانون إلا قانونه.
رائد (بصوت بارد):
— "جهز عربية، وبلغ الحرس... هروح أشوف عمّي، وشخصيًا."
شامل (متفاجئ):
— "دلوقتي؟!"
رائد (بثبات مميت):
— "الوقت اللي اتساب فيه للسكوت... خلص. واللي فاكرني هموت بالحقيقة... هيموت بيها."
مد يده، تناول سترته، وخطا نحو الباب بخطى ثابتة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لزلزال.
وفي قلبه، شيء تغيّر... ليس فقط في نظرته للناس، بل لنفسه.
في منزل صابر الذهبي في توقيت العصر
البيت العتيق يقف كحصنٍ مشيّد على رماد... أبواب من خشبٍ ثقيل، وجدران تحمل عبق الماضي، وكأنها شاهدة على صراعاتٍ قديمة لم تمت.
دخل رائد بخطى محسوبة، الحرس خلفه، لكنّه أشار إليهم بالتراجع.
في قلبه، سكون يشبه البركان قبل أن ينفجر... وعيناه تمشط المكان كأنها تقتنص كل تفصيلة.
في الصالة، جلس الحاج صابر على كرسيّه المعتاد، بوقارٍ مصطنع، يطالع الصحف، لكن لمّا لمح رائد، رفع عينه، ورسم على وجهه ابتسامة باهتة:
— "نورت يا ابن أخويا... تعالى، اقعد."
رائد لم يتحرّك، ظل واقفًا، ينظر إليه نظرة من يعرف كل شيء... وأكثر.
رائد (بصوت هادئ، قاتل):
— "أنا مش جاي أقعد... أنا جاي أسألك سؤال واحد، والإجابة عليه هتغير كل حاجة."
صابر (بغموض):
— "أسأل يا رائد... بس افهم، الدنيا فيها حاجات لو عرفتها... تندم."
رائد (يقترب خطوة، يضغط على الحروف):
— "أبويا كنت شريك في شركة أبوها...وخرج منها قبل ما تغرق بسنة...و ساعتها كنت إنت لسه شاب صغير... وكنت شايف."
صابر يبتسم، يضع الصحيفة جانبًا، ويتنهّد تنهيدة طويلة:
— "اللي مضى... مات. وأنا عملت اللي ينقذ اسمي واسم عيلتك. إنقذتك وانت صغير... ورفعتك فوق، تبقى كبير."
رائد (بحدة):
— "ورفعتني على جثث؟ على دمار ناس؟! ضيّعتهم... وساكت... وأنا كنت أعمى."
صابر (ببرود):
— "كنت بتحلم بالقوة، وأنا حميتك... وكنت بجهزك، عشان تشيل اللي أنا شلته. إنما لو ناوي تحاسبني، يبقى افتكر... إن اللي فوق، ما بيستناش حد ضعيف."
رائد يقترب حتى كاد وجهه يلاصق وجه عمّه، عينه تتوهّج:
— "أنا لا ضعيف... ولا سهل. ولو كنت فاكر إني همشي على خطاك... يبقى انت ما تعرفنيش. أنا هقلب التراب... وأطلع الحقيقة. واللي كان فوق زمان، هينزل تحت، وبإيدي."
صابر ينظر إليه طويلاً، ثم ينهض، يضع يده على كتف رائد بقوة:
— "متبقاش غبي يا رائد... اللي بيحفر في الماضي، يقع فيه. واحنا عيلة... ولازم نفضل عيلة."
رائد يزيح يده ببرود، ويهمس:
— "العيلة اللي تتبني على الخيانة... لازم تقع."
ثم يدير ظهره، يخرج دون كلمةٍ أخرى، تاركًا وراءه عمّه يتابع خطواته... وفي عينه، لأول مرة، نظرة قلق.
أمام بيت الحاج صابر – غروب
خرج رائد من بوابة البيت، خطاه بطيئة... لكن في عينه نار مشتعلة، كأن المواجهة ما طفّتش غضبه... بل زادت حريقه.
وقف لحظة عند عربته، تناول سيجارة، أشعلها... وسحب نفسًا عميقًا، كأنّه بيحاول يبتلع كل الهوا اللي حوالين قلبه الخانق.
اقترب شامل، عينه مترددة، لكنه نطق:
— "باشا... موضوع أوس. لحد دلوقتي، ما تصفاش. ما ينفعش يفضل واقف، خصوصًا بعد اللي عمله مع نيرفانا."
رائد ظلّ صامتًا لحظة، ثم قال بصوت هادي... بارد:
— "أوس... هيتحاسب. بس بطريقتي، وفي وقتي."
ثم التفت إليه، نظرة صارمة كأنها ختم:
— "أنا عمري ما بسيب حساب مفتوح... وأوس... هيعرف ده كويس."
فتح باب العربية، رمى السيجارة، وساق، وعقله كأنّه بيكتب أوامر تصفية... لأوس... وللي بعده.
مخزن تابع لمجموعة الذهبي – الليل
المكان مظلم، عدا مصباح يتدلّى من السقف، يرمى ضوء باهت على الأرض الترابية.
صوت صدى خطوات... ثم انفتح الباب بعنف، واقتيد أوس إلى الداخل بين اثنين من رجال رائد، عنيفين، لكن صامتين.
وقف أوس وسط الدائرة، جسده متوتر، عينه تتحرك في جنون.
رائد دخل بعدهم بخطى بطيئة، أنيقة، يرتدي معطفًا قاتمًا، ووجهه جامد لا ينطق بشيء... لكنه كان كافي يخنق.
وقف قبالة أوس، وسحب كرسيًّا خشبيًا، جلس... وأشعل سيجارته، لم ينطق، فقط حدّق فيه.
أوس (بتوتر):
— "باشا... مش فاهم إيه اللي بيحصل؟! أنا تحت أمرك، لو في حاجة..."
رائد (مقاطعًا، بنبرة هادئة قاتلة):
— "فاكر لما خدت نيرفانا من قدامي... يومها كنت شايف نفسك؟ كنت فاكرني مش شايفك؟"
أوس (يحاول التماسك):
— "والله ما كان قصدي حاجة... أنا كنت..."
رائد (يرفع يده يسكتّه، يتكلم ببُطء):
— "أنا سكت... وسبتك. فاكر ليه؟"
أوس صامت، يتلعثم.
رائد يقترب، عينه تغرس فيه:
— "عشان كنت مستني اللحظة اللي أنزّل فيها الحساب كله... بالمكسب والخسارة، بالغلطة والتمن."
ثم يلتفت لرجل من رجاله:
— "هاتوا الملف."
وُضع ملف على الطاولة، فتحه رائد، وبدأ يقرأ بصوت ثابت:
— "تهريب شحنة من ورايا... صفقة مع خصومي... واستخدام بنتي لعبة. كل واحدة منهم... تمنها دم."
أوس يتراجع خطوة، وجهه شاحب:
— "باشا... غلطة... غلطة، وحياتك ما تتكرر..."
رائد ينهض ببطء، ينفث دخان سيجارته في وجهه:
— "مفيش غلطة بتتكرر... فيه غلطة بتتدفع."
ثم أشار لحرسه:
— "خدوه... ووروني إزاي الرجالة بتتعلم الأدب لما تنسى مين الكبير."
أوس يصرخ، يحاول الاستعطاف، لكن رائد لا ينظر له... خرج من المخزن، وأغلق الباب خلفه، وترَك صوته في الداخل:
— "خلي وشه دايمًا فاكرني... لحد آخر نفس."
في غرفة ليلي والفجر يزحف على نافذة موصدة
كانت جالسة أمام المرآة، عيناها شاخصتان كأنهما تريان ما هو أبعد من انعكاس وجهها… ترقبت كثيرًا، صمتت كثيرًا، والآن جاء دور الفعل.
أمسكت هاتفها، ضغطت رقمًا محفوظًا في ذاكرتها أكثر من ذاكرة قلبها.
رنّ مرتين… ثم جاء الصوت الخشن، المألوف.
صابر (بهدوء متحفّظ):
— "ليلي؟ مش توقعت المكالمة دي."
ليلي (بنبرة ثابتة، لا تخلو من حدة):
— "أنا جاية لك… النهاردة."
صمت على الطرف الآخر… ثم جاء صوته كمن يبتسم:
— "عايزة تقفلي الدائرة؟ ولا تفتحيها على مصراعيها؟"
ليلي:
— "أنا عايزة أعرف… هو دمكم اللي خلق اللعنة دي… ولا أنتو اللي زرعتوها فينا بإيديكم؟"
ثم أنهت المكالمة دون انتظار رد.
وقفت، أغلقت حقيبتها الصغيرة، وضعت الهاتف فيها، نظرت لنفسها للمرة الأخيرة… ثم همست:
— "كفاية جري… أنا هقف… وهخليهم كلهم يواجهوا اللي خافوا منه."
خطت إلى الباب، وخرجت… وعيناها لا ترمش.
اليوم… لن تكون ليلي مجرد اسم في صراعهم.
اليوم… ستُكتب باسمها معركة، لا تشبه أحدًا.
في سراي صابر الذهبي – ضحى ثقيل بالضباب
البوابة الحديدية فُتحت ببطء، كأنها تتثاقل عن استقبال زائرة غير مرغوب فيها.
خطت ليلي بثبات إلى الداخل، عيناها تحدّقان في الساحة التي تشبه ذاكرة قديمة لا تندمل.
دلفت إلى الصالة، كل شيء يعبق برائحة السلطة القديمة… ثم ظهر صابر الذهبي، جالسًا فوق عرشٍ خشبي، كأنه لم يتحرك منذ عقود، عيناه تراقبانها كصقرٍ شاخ لكنه لم يفقد حدّته.
صابر (بنبرة ساخرة):
— "كبرتي… وبقيتي بتخدي خطوات رجالة. كنتي صغيرة لما شفتك آخر مرة… وكنتي وقتها ضحية ساكتة."
ليلي (بثبات جليدي):
— "والنهارده جاية أطالب بحق الضحية… بصوت عايش."
ابتسم صابر، ابتسامة تحمل عفن الزمن:
— "الحق؟ فين كان الحق لما أبوكِ دخل الشراكة بإيده… ووقع بإيده؟"
ليلي (بحدة):
— "هو دخل شراكة معاك… مش مع شيطان. أنت اللي نهبت، وأنت اللي ورّيته الضياع، ووقفت تتفرج عليه بيغرق… وانت رميت السفينة وطلعت تبني عرش."
صابر نهض، اقترب منها، نظرة جافة:
— "أبوك كان طمعان… وكنت أنا أذكى. المصلحة وقتها كانت ليّا… ووقت الحساب، كل واحد شال شيلته."
ليلي (عيناها تلتمع):
— "وأنا شيلتي… كانت فـ دموعي، وأمي اللي عاشت بالحسرة، وسنين الجوع. وأنت طلّعت ابن أخوك للعالم، ذهبي… وبعتوه دم، من دمنا."
صابر ظل صامتًا… لكنها أكملت، بصوت يقطّع الصمت:
— "رائد مكنش يعرف انا مين. إنت اللي بنيت على أنقاضنا، وربّيته فـ كذبة."
اقتربت منه أكثر، عيناها لا تفر، كأنها تسدّد لكمة:
— "بس عرف… وأنا اللي عرفته."
صابر ابتسم، لكنه ابتسامة مليئة بالشرر:
— "لو فتحتِ السيرة الحقيقية… هتفتحي جهنم."
أمام بوابة قصر رائد – المساء يموج بتوتر مكبوت
لمحت يقين سيارته تتوقف فجأة، ثم انفتح الباب بقوة وخرج منها دون أن ينتظر أحدًا.
ركضت نحوه، وقلبها يسبق خطواتها:
— "إيه اللي حصل يا رائد؟! مالها نيرفانا؟!"
لم يجب… بل مضى بخطوات واسعة، كأن الأرض تضيق تحته، وعيناه معلقتان في الفراغ، لا يرى شيئًا… ولا يسمع سوى صوته الداخلي.
نداؤها تردد خلفه، لكنه لم يلتفت، ولم يعبأ بارتجاف صوتها.
تسمرت يقين في مكانها، انتفضت من قلقها، وهتفت بصوت مشحون:
— "رائد… بقولك مالها البنت؟! إنت ما بتردش عليّا ليه؟!"
اقترب منها شامل سريعًا، كأنما يخشى اشتعال لحظة لا وقت لها، أمسك بذراعها بقوة محسوبة وقال بحزم:
— "يقين… إهدي. مش دلوقتي! سيبيه يدخل… وأنا هبقى أحكيلك، بس ما تفتحيش معاه كلمة!"
حدقت فيه بعينين ممتلئتين بالذعر، قلبها يعصف بأسئلة لا تجد لها سبيلًا، ثم تمتمت، والحيرة تخنقها:
— "أنا قلبي مش مرتاح… نيرفانا تعبانة، كانت مرعوبة! جبتوها منين؟! حصل إيه يا شامل؟!"
أغمض شامل عينيه، وزفر بقوة، ثم ضغط على أسنانه وهو يتمالك نفسه:
— "جبناها من عربية الواد صاحبها اللي اسمه اوس… وخلاص! كفاية كده، ما تزيديش النار."
شهقت يقين، واتسعت عيناها وكأن الأرض انشقت تحتها:
— "صاحبها …؟! يعني إيه؟! كانت فين؟! ومين اوس ده؟!"
ارتفع صوتها، وكأن الهلع فاق قدرتها على الاحتمال، لكن صوت رائد من أعلى السلم اخترق الأجواء:
— "يقين!"
كان صوته كالسيف، حاسمًا… لا يحتمل جدلًا.
تجمدت يقين، نظرت نحوه بخوف، ثم ابتلعت أسئلتها، وصمتت… بينما كان رائد يقف في الأعلى، عينيه تحترقان.
غرفة نيرفانا – الليل خانق، والسكون مريب كصمت الخطيئة
فتح الباب بعنف، ارتجفت الجدران كأنها تعرف أن العاصفة قادمة.
دخل رائد، عينيه تقدحان شررًا، ملامحه لا تعرف الرحمة… لم يكن أبًا في تلك اللحظة، بل عاصفة من غضبٍ لا يُحتمل.
كانت نيرفانا جالسة على حافة السرير، ترتعش، ودموعها على وجنتيها لم تجف بعد.
تقدم نحوها بخطوات ثابتة… لكنها تحمل كل الغضب الذي في الكون.
وقف أمامها، صوته خرج كالرصاص:
— "ليه؟! جاوبيني… ليه مشيتي معاه؟!"
شهقت نيرفانا، ورفعت عينيها إليه بخوف، ثم تمتمت:
— "أنا… كنت فاكرة… إنه بس هايوصلني…"
صرخ فجأة، يقطع كلامها كالسيف:
— "فاكرة؟! فاكرة إيه بالظبط؟! ده واحد أنا مهددك تبعدي عنه! أنا مش قلت؟! أنا مش حلفت؟!"
تراجعت بجسدها للخلف، تحتمي بحافة السرير، لكنها لم تجد ملاذًا… كل شيء في عينيه كان يحترق.
— "أنتي فاكرة نفسك كبيرة؟! تعملي اللي على مزاجك؟! ده أنا كنت هقتلك بإيدي وأنا بدوّر عليكي… فاهمة يعني إيه؟! كنت هتجنن!"
انفجرت بالبكاء، وضمت نفسها، وهي تهتف بانهيار:
— "أنا آسفة… والله آسفة… ما كنتش عارفة…"
اقترب أكثر، قبض على ذراعها، وصوته ينزف وجعًا:
— "أسفك مش هيرجع اللي راح! إنتي عارفة كنت هتروحي فين؟! عارفة هو عمل فيكي إيه؟!"
صرخت وهي تبكي، جسدها ينتفض:
— "محصلش حاجة! ما عملش حاجة… بس… أنا كنت خايفة…"
ترك ذراعها فجأة، كأن لمسة منها تحرقه، وأدار وجهه وهو يزفر بحرارة.
صمت… ثم قال بصوت أشد من الضرب:
— "من النهاردة… ما تخرجيش من الأوضة دي… إلا لما أقول… وتنسي إنك كنت بتختاري، وتسمعي بس…"
ثم غادر الغرفة، أغلق الباب خلفه بعنف، وكأنما يغلق على قلبه معها.
سقطت نيرفانا باكية، وحدها… كأنها لأول مرة تعرف معنى الغربة عن حضن أبوها.
في المنزل – بهو خافت الإضاءة، والسكون كأنما مقبرة تنتظر زائر
هبط رائد الدرج بخطوات بطيئة، كأنها تحمل أثقال الدنيا، لم يكن ينظر حوله، فقط يسير نحو اللاشيء…
لكنه توقف فجأة، حين اعترضته يقين، وجهها شاحب، وعيناها مشبعتان بالقلق والخوف.
هتفت بصوت مرتجف لكنه متماسك:
— "رائد… مش هسيبك تمشي قبل ما نفهم… البنت مالها؟! حصل لها إيه؟!"
نظر إليها لحظة، صامتًا، كأنما لا يرى سوى ضوضاء لا تعنيه، ثم همّ بالتحرك… لكنها أمسكت بذراعه، شدّته بقوة، هتفت بحرقة:
— "إنت شايف حالتها؟! البنت مبتتكلمش… مبتبصليش! إيه اللي عمل فيها كده؟!"
تملص منها بعنف، صوته خرج كزئير غاضب:
— "انتي آخر واحدة تتكلمي في الموضوع ده!"
تراجعت خطوة، لكن دموعها لم تتوقف، صرخت بحدة:
— "أنا اللي شايلة همها وانت بتتفرج! يا رائد… نيرفانا بتنهار قدامي… وانا مش فاهمة ليه؟! عملت إيه عشان تتعاقب كده؟!"
حدّق فيها بنظرات مليئة بالنار، ثم قال بنبرة تهزّ الجدران:
— "مشت مع أوس… بإرادتها. فاهمة يعني إيه؟! مش طفلة صغيرة، ومش ضحية… هي اخترت."
شهقت يقين وكأنما سُحب الهواء من حولها، ثم تمتمت بصوت مكسور:
— "بس ده ما يمنعش إنها بنتك… مش مستحملة نظرتك ليها… مش مستحملة نفسها!"
صمت رائد، يده ترتعش.
داخل الغرفة – الليل خافت، والهواء كأنه لا يتحرّك
وقفت يقين عند حافة الفراش، تتأمل وجه نيرفانا الشاحب، كأن الحياة قد تركت ملامحها معلّقة بين الوعي والغياب.
عيناها مغمضتان، أنفاسها خفيفة، منتظمة، لكنها ليست طبيعية… ليست تلك الفتاة التي اعتادت سماع ضحكتها في أرجاء البيت.
اقتربت منها، جلست بجوارها، مرّرت يدها على جبهتها بحنانٍ متوجّس، ثم همست كأنها تخشى أن تكسر صمتها:
— "مالك يا روحي؟! إيه اللي وجعك كده…؟"
لم تجد ردًا، لا حركة، لا كلمة… فقط السكون، وتلك البرودة التي تسلّلت إلى قلب يقين كسمٍّ بطيء.
صمتٌ… دموع نيرفانا بدأت تتساقط، ارتجف صوتها وهي تهمس:
— "أنا… مشيت معاه… بس ما كنتش عارفة… ما كنتش فاهمة…"
شهقت يقين، ضمّتها بقوة، ثم همست بإصرار:
— "هو خدعك؟! قالك إيه؟! إنتي لازم تقوليلي… لازم نعرف!"
نيرفانا دفنت وجهها في صدرها، تبكي، تنطق بالكلمات كأنها سكاكين:
— "قال إنه بيحبني… وإن بابا عمره ما هيوافق علينا… وإنه هيخدني بعيد… بس… بس الدنيا اتقلبت… والدنيا وجعتني."
جمدت يقين في مكانها، قلبها يتفطّر، ثم تمتمت:
— "ربنا ينتقم منه… والله ما هسيبه يا نيرفانا… ولا هسيبك."
في الخارج، وقف رائد يسمع همسات البكاء، يداه مشدودتان، وعيناه كأنها زجاج ينكسر بصمت، لا يجرؤ على الدخول… لا يجرؤ على النظر.
خارج غرفة نيرفانا – الليل ساكن، والظلام ثقيل كالغضب في صدره
وقف رائد خلف الباب، كأن قدميه جُذرتا في الأرض… يسمع، ولا يستطيع أن يمنع نفسه من الاستماع.
كل حرف خرج من فم نيرفانا كان كالسوط يُجلده… "قال إنه بيحبني… هيخدني بعيد… الدنيا وجعتني…"
ارتجف جفنه، تقوّست أصابعه كأنه يقبض على الهواء ليكتم انفجاره.
رفع يده، أسندها إلى الحائط، رأسه مطأطأ، أنفاسه تضيق، صدره يعصف، كأن قلبه يحترق ولا يجد مهربًا.
تمتم بكلمات خرجت من بين أسنانه، كأنها لعنات:
— "حبك؟! خدك بعيد؟!… ده خَد مني كل حاجة!"
ضرب الحائط بقبضته، فارتجّ السكون، ثم استدار، خطواته متثاقلة… مشى نحو نهاية الممر، لكن صوته انفلت كأنه يصرخ في داخله:
— "كان لازم أخلّي بالي… كان لازم أمنعها…"
ثم توقف، رأسه مرفوع، عينيه تقدحان شررًا… همس بصوت قاطع كالنصل:
— "أنا اللي هوجعك بقد إيدي… وهخليك تندم على اليوم اللي قرّبت فيه من بنتي."
فتح هاتفه، ضغط رقم شامل، انتظر لحظة، ثم قال بجفاف قاتل:
— "عايز أوس… دلوقتي… عايز أشوفه، وأكسر اللي اتبقى منه."
أنهى المكالمة، عينيه لا رمش فيهما… السكون من حوله كأنما يترقّب انفجار العاصفة، رائد الذهبي… لم يعد في قلبه موضع لرحمة.
رواية قلب السلطة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مروة البطراوي
مكان مهجور – الليل دامس، والهواء يئن من الصمت.
صوت باب حديدي يُفتح بعنف، يكسر السكون ارتطامه بالحائط، فتتردد أصداؤه كأنها قرع طبول حرب وشيكة.
رائد اقتحم المكان، خطواته ثقيلة كأنها تجرّ خلفها ظلاً من العتمة. عيناه… لا يرفّ فيهما طرف، لا شرارة فيهما سوى الجمر الذي تغذّى على اسم "أوس".
رآه… مُكبّلًا، متهالكًا، رأسه مُنكّس، أنفاسه متقطعة كأن الألم ينهشها. كان واضحًا أن استقباله كان "يليق به"، لكن لا شيء يليق بعذابه كما يليق يد رائد به الآن.
وقف أمامه، لم يتحدث فورًا… فقط تأمل هذا الذي سلبه روحه، ثم بصوت أهدأ مما يحتمل الغضب قال:
— أنا قولتلك قبل كده… إلعب مع الكبار، بس متقربش من ولادي.
حاول "أوس" أن يتكلم، أن يتوسل، لكن الرباط المحكم على فمه منعه، فاهتز جسده وهو يحاول الحركة عبثًا.
ابتسم "رائد" بسخرية باردة، ثم أشار للحارس بإيماءة صغيرة.
تحرك الحارس على الفور، فك الرباط عن فم "أوس"، ثم تراجع إلى الخلف، وكأن الأمر لا يعنيه.
التقط "أوس" أنفاسه المضطربة، ثم همس بصوت مرتجف:
— أنا... بحبها، والله العظيم بحبها، يا بيه!
ظل "رائد" صامتًا للحظات، يحدّق فيه كأنه يحاول رؤية روحه ذاتها، ثم قال بنبرة ساخرة، ثقيلة:
— بتحبها، فتخليها تروح معاك اي مكان،؟
اتسعت عينا "أوس"، ارتبك للحظة، لكنه سرعان ما قال بسرعة:
— كانت متضايقة منك! إنت السبب في اللي حصل، إنت اللي ضغطت عليها ترفضني، وإنت اللي مخليها خايفة! أنا عمري ما كنت أذيها، يا بيه، أقسم بالله!
قهقه "رائد" ضاحكًا، لكن ضحكته كانت بلا مرح، كانت كضربة سيف تُطلق في الظلام. ثم قال ببرود:
— خايفة؟! آه... أكيد خايفة، مش عشان أنا، لكن عشان شافت حقيقة اللي مفروض إنه 'بيحبها'. بس للأسف، لسه مش شايفة الحقيقة كلها.
ثم مال بجسده للأمام، حدّق في عينيه مباشرة وهو يردف بصوت بطيء، كأن كل حرف يسقط بثقل على صدر "أوس":
— بس أنا هخلّيها تشوفها.
ارتبك "أوس"، تجمدت ملامحه للحظة قبل أن يبتلع ريقه قائلاً:
— أنا ما عملتش حاجة غلط، والله، أنا كنت عايزها تبقى معايا بعيد عنك! إنت اللي مش عايز حد يقرب منها!
أغمض "رائد" عينيه للحظة، كأنه يحاول كبح الغليان داخله، ثم فتحهما وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالقوة:
— أنا مش عايز حد يقرب منها... ولا إنت بالذات. ودي حاجة المفروض تكون فهمتها من زمان، قبل ما تفكر إنك تاخدها مني!
ثم وقف ببطء، وأشار لأحد رجاله:
— فكّ السلاسل.
تردد الرجل، لكن نظرة واحدة من رائد جعلته يطيع بلا نقاش.
فُكّت القيود… حاول أوس النهوض، لكنه لم يستطع.
في لحظة، رائد باغته بركلة أطاحت به أرضًا، ثم اقترب، وانهال عليه بالضرب، بلكمة تلو الأخرى، كأن كل ضربة كانت استعادة لحظة خوف، كل صفعة كانت انتقامًا لبكاء نيرفانا، كل ركلة كانت طعنة في قلبه قبل أن تكون في جسد أوس.
صوته انفجر مع ضرباته:
— دي نيرفانا! بنتي!! اللي قربت منها… أنا مش هسيبك! مش هرحمك!
أوس يصرخ… يتوسل… لكن لا صوت يصل لرائد، لا شيء يُسمع إلا الغضب الذي أطبق على قلبه، إلا الدم الذي ينزّ من قبضتيه كأنه يطفئ النار فيه.
بعد دقائق… أو ربما ساعات… وقف يتنفس بصعوبة، نظر إلى جسد أوس المُهشَّم أمامه، تمتم بصوت كأنه نعيٌ:
— سيبوه هنا... بدون أكل... بدون مية... وبدون فرصة للهروب.
انتفض "أوس"، جسده يرتجف وهو يصرخ:
— لااا! رائد بيه! بلاش كده، أرجوك! أنا بحبها، أنا مستعد أعمل أي حاجة!
لكن "رائد" لم يلتفت، خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بصمت مطبق، تاركًا خلفه صرخات "أوس" تتلاشى في ظلام الغرفة، حيث لا أحد ليسمع، ولا رحمة لتُرجى.
***
عودة إلى ليلي الجميلة
كانت ليلي تجلس في غرفتها، يعتريها قلق عميق لم تستطع دفعه، إذ كانت تتلهف لمعرفة سبب غياب نيرفانا المتكرر. لم يهنأ لها بال حتى سردت الأمر على والدتها، علّها تجد تفسيرًا يشفي غليلها، إلا أن نيفين، وعلى غير عادتها، بدا على وجهها سرورٌ خفيّ، وكأنها تتلذذ بمشهد ما تختمر ملامحه أمامها.
لم يكن الأمر محض صدفة، بل كان كما توقعت تمامًا؛ خطة محكمة دبّرها رائد الذهبي ليضغط على ليلي حتى تقبل به زوجًا. الجميع يعلم مدى تعلّقها بنيرفانا، فهي بالنسبة لها ليست مجرد تلميذة، بل روحٌ امتزجت بروحها، وحرمانها منها لا يقلّ عن حرمانها من الهواء الذي تتنفسه.
أطلقت نيفين ضحكة خافتة، وهي تهمس لنفسها بسعادة:
— أيوه يا بقي يا رائد.. فهمتك أنا.. إنهاردة البنت غابت تاني.. إنت تيجي بقي تضغط على ليلي بيها.. إن شاء الله كله هيبقى تمام! صدقت لما قلت لي 'متقلقيش'.. أيوه، وبكرة أجازة، والسبت كمان، والحد برضه، البنت متجيش المدرسة.. كده الموضوع ماشي تمام!
لكن فجأة، قُطِعَ حديثها الداخلي بصوت ليلي، التي باغتتها من الخلف متسائلة بنبرة فضولية:
— بتكلمي نفسك وبتقولي إيه يا ماما؟
انتفضت نيفين في جلستها، واستدارت نحو ابنتها وقد بدا عليها الارتباك، قائلة باندهاش:
— بسم الله الرحمن الرحيم! مش تكحي يا بنتي ولا تقولي حاجة، فزعتيني!
رفعت ليلي حاجبًا وهي تكرر تساؤلها بإصرار:
— بتكلمي نفسك وبتقولي إيه يا ماما؟
زفرت نيفين ببطء، محاولة تهدئة نفسها، قبل أن تجيب بنبرة حملت شيئًا من اللامبالاة:
— كنت بفكر ليه رائد رجع يمنع نيرفانا من حضور المدرسة.
عقدت ليلي حاجبيها، وردّت بحدة:
— إيه يعني اللي يخليه يمنعها؟ ما يمكن غابت عادي؟
ابتسمت نيفين ابتسامة ذات مغزى، وقالت بثقة:
— رائد الذهبي بيضغط عليكي بنيرفانا يا ليلي، شفتي بيحبك إزاي؟
تنهدت ليلي بضيق، وزفرت بعمق قبل أن ترد بسخط:
— إنتي مصممة يعني؟
قالت نيفين بإصرار لا يقبل الجدال:
— أيــوه! ومش هلاقي لك جوازة أحسن من دي، الراجل زي الفل ومايترفضش!
قبل أن ترد ليلي، اقتحم مهاب الغرفة فجأة، وهو يمضغ قطعة خبز في فمه، ويمسك بيده كوب شاي. نظر إليهما باستغراب، وقال وهو يرفع حاجبيه:
— إيه؟ تاني بتتكلموا عن موضوع الجوازة دي؟
رمقته ليلي بنظرة جانبية، وقالت بسخرية:
— أيوه، أهو ناقصك إنت كمان تقول رأيك!
ابتسم مهاب بمكر، ورفع الكوب إلى شفتيه، قبل أن يتمتم:
— على فكرة... لو تجوزتيه، ممكن تعيشي في فيلا كبيرة، وعربية تودّيني الجامعة كل يوم، وأنا مش هقول لأ طبعًا.
حدجته ليلي بنظرة قاتلة، فأكمل بمكر:
— بس بجد... رائد الذهبي ده مش أي حد، ده راجل تقيل قوي، وأنا سمعت ماما بتقول إن أسر العزبي وصالح الذهبي نفسهم مش قادرين عليه.
تجمدت ليلي للحظة، ونظرت إلى والدتها، التي اكتفت بابتسامة غامضة. لم تكن تجهل من هما أسر وصالح الذهبي… صالح عم رائد، و أسر الذى عرفها علي خيوط الحقيقه والخصوم الأشرس له، اللذان لطالما سعيا لإسقاطه.
عادت بنظرها إلى مهاب، الذي أكمل بنبرة أكثر جدية:
— يعني يا ليلي... لو رائد حب واحدة، محدش يقدر يمنعها منه، حتى لو كانوا أسر وصالح نفسهم.
لم ترد ليلي، فقط ابتسمت ابتسامة ساخرة، قبل أن تقول بعزم لم يخلُ من التحدي:
— ماااشي.. خليه يجي.. وأنا هثبتلك إنه مش مدهش أوي كده...!!
***
طفولة نيرفانا وذكرى الفقدان
لم تفهم نيرفانا، حتى ذلك الوقت، لماذا كانت والدتها تهجرها دائمًا وترحل، مرة بعد أخرى، حتى جاء اليوم الذي قيل لها فيه إنها لن تعود أبدًا. كانت لا تزال طفلة حينذاك، وذاكرتها الصغيرة تنقش مآسي الطفولة البائسة على جدران روحها، فتلك الأيام حفرت في أعماقها يقينًا بأن الفقدان قدرٌ لا مفر منه، وأن الوداع حتمي كالغروب.
لكنها لم تصدق أن أمها رحلت وحدها. كانت طفلة لكنها لم تكن غبية. لقد اختفت أمها بعد شجار أخير مع والدها، ولم يكن الأمر غريبًا، فقد كانت تلك المشاجرات جزءًا من الحياة، كالأكل والنوم والذهاب إلى المدرسة. إلا أن هذه المرة، لم يكن هناك صوت صراخ في اليوم التالي، ولا خطوات غاضبة تهبط السلالم، ولا حتى بقايا عطرها في الممرات.
هذه المرة... لم تعد.
لم يقل لها أحد الحقيقة، لم يخبرها أحد بما حدث. حتى حين سألت، لم تجد إجابة، فقط نظرات تحمل شفقة تخنقها. أخبروها أن أمها رحلت، لكنها لم تكن غبية، كانت تعرف أن الرحيل الحقيقي لا يأتي وحده، بل يأخذ معه أشياء أخرى.
أخذت معها كل شيء.
ولم يكن والدها أفضل حالًا. اختفى هو الآخر لبعض الوقت، قيل لها إنه كان في رحلة طويلة، لكنها لم تستطع تصديق ذلك تمامًا. في نظرها، كان والدها رجلاً لا يُوثَق به، منذ طفولتها وهو يفرض عليها قوانينه الخاصة، قوانين لا تخضع لمنطق أو عدل، بل تنبع من رغباته المطلقة. لم تفهم معنى الهجران الذي اختارته والدتها، لكنها ربما فهمت الموت أكثر مما فهمت الحزن.
لقد كان فراق أمها المتكرر يشبه قِطَطها التي تموت واحدة تلو الأخرى دون أن تدري السبب، بل كان يشبه حتى النباتات والأشجار التي تحرص على زراعتها بيديها الصغيرتين، فتذوي أمام عينيها بلا تفسير. كل ما تحبه، كل ما تتعلق به، يختفي، يذوي، يموت. الشمس التي تتوق لرؤيتها سرعان ما تغرب، والقمر الذي ترى انعكاس وجهها عليه كل ليلة يختفي مع بزوغ الصباح. في عقلها الطفولي، لم يكن الموت بعيدًا عن هذه المسلمات، كان جزءًا من نظام الأشياء، حقيقة باردة تتكرر بلا رحمة.
وبينما كانت تجلس في إحدى زوايا غرفتها، تراقب شعاع الشمس المتسلل من النافذة، همست لنفسها بصوت خافت، كأنها تحاول استيعاب الحكاية بأكملها:
— ليه يا أمي؟ ليه سبتيني؟ كنتِ لازم تروحي كده؟
لكن في الحقيقة، لم يكن السؤال موجّهًا لأمها وحدها.
في داخلها، كانت تعرف أن هناك من دفعها للرحيل.
لم يكن هناك من يجيب، سوى صوت الريح التي تحرك ستائر الغرفة برفق، كأنها تربت على وحدتها.
لم تحتمل رؤية والدها لأسبوعٍ كامل، فتجنّبته قدر استطاعتها، لكنّه، كعادته، لم يكن ممّن يُتركون جانبًا دون أن يفرضوا حضورهم. ولأنّ صبره قد نفد، قرّر أن يُحاسبها كما يرى هو مناسبًا.
***
وقفت يقين عند باب الغرفة، تتأمل شقيقها الذي اقتحم المكان بملامح لا تُنبئ بالخير. كانت تعي شدّة غضبه، ولكن رغم ذلك، حاولت التدخل بحذر، قائلة بتوجس:
— رائد!..
رمقها بنظرةٍ واحدة، فازدردت ريقها قبل أن تتابع، مترددة:
— أنا كنت بأكل نيرفانا الغدا بتاعها.. بس هي مغلباني شوية..
لكنها توقفت في منتصف جملتها، حين لم تجد أي استجابة منه. وقبل أن تتجرأ على قول المزيد، أتاها صوته حاسمًا، قاطعًا تردّدها:
— اطلعي وسِبينا لوحدنا شوية، يا يقين.
— أسيبكوا لوحدكوا؟! رائد!
— يقين!
قالها بلهجةٍ تحمل من الإنذار ما يكفي لثنيها عن أي جدال، ثم أكمل ببرودٍ نافذ:
— من فضلك... اطلعي وسبيني مع بنتي شوية.
نظرت إليه بعدم ثقة، لكنها أدركت أن لا جدوى من المعارضة. تنهدت بيأسٍ وأطاعته، ولكن قبل أن تخرج، مرّت بجواره وهمست برجاءٍ مذعور:
— رائد، بليز بالراحة عليها.. عشان خاطري، البنت بجد مش حملك دلوقتي.. خليك لطيف، بلييييز.. وأه، أنا آسفة، حكتلها على حاجة كدة .. كنت مضطرة، والله..
لم يُظهر رائد أي رد فعل، ظل ثابتًا، كأنّه لم يسمعها، بينما انسحبت يقين على عجل، تخشى أن يغلبها قلبها فتعود مجددًا.
***
داخل الغرفة، لم تكن "نيرفانا" قد رفعت رأسها بعد. ظلّت تحتضن ساقيها، متكوّرة كأنّها تحاول الاختفاء عن العالم. لم تتحرّك حتى عندما تقدّم والدها خطوة، ثم أخرى، حتى صار أمامها تمامًا.
وقف "رائد" للحظات، ينظر إليها بصمت، أنفاسه بطيئة لكنها مضطربة، كأنّه يحاول تهدئة العاصفة التي تضرب صدره. ثم، دون أي مقدمات، جلس على الأرض أمامها، جعل المسافة بينهما معدومة، حتى لم تعد تستطيع التظاهر بعدم رؤيته.
مد يده، أزاح خصلات شعرها عن وجهها، صوته خرج خافتًا لكنه مشحون بكل ما يكبته داخله:
— بصّي لي يا نيرفانا...
ترددت، لكنها أطاعته، رفعت عينيها ببطء، لتجد عينيه جامدتين، لكن خلف الجمود... كان هناك شيء آخر، شيء لم تستطع قراءته.
قال بهدوءٍ مريب:
— أنا شُفتك، بعيني شُفتك... والوجع اللي حسّيته يومها، عمري ما حسّيته قبل كده.
تجمدت أنفاسها، حاولت أن تتكلم لكنه لم يترك لها فرصة، أكمل بصوتٍ منخفض لكنه قاتل:
— أنا ممكن أسامح أي حد، إلا اللي خدعني... إلا اللي سرق مني حاجة تخصّني...
شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها، كان يقصدها؟ أم يقصد غيرها؟ تلعثمت وهي تقول:
— بابا... أنا...
لكنه لم يمهلها، فجأة، شدّ ذراعيه حولها بقوةٍ أربكتها، جعلت عينيها تتسعان في صدمةٍ كاملة، فبادرها بصوته الخشن:
— ما تتفاجئيش...
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ، بينما أكمل بنبرةٍ امتزج فيها الغضب بالعجز:
— إنتي نقطة ضعفي، وإيدي اللي بتوجعني ومقدّرش أقطعها.. أنا بحبك يا نيرفانا، بحبك أكتر من نفسي ومن روحي.. ليه تعملي فيا كده؟ ردي عليا..
رفعت "نيرفانا" وجهها نحوه بصعوبةٍ، محاربةً الغصّة التي تخنق حنجرتها، قبل أن تهمس بصوتٍ مرتعشٍ:
— أنا ما عملتش حاجة، ليه مش قادر تفهم إني بحبه؟.. إنت بعدته عني، هو الحب وحش يا بابي؟!.. كل ما أحب حد تبعده عني.. مش حابب تشوفني سعيدة؟
تنهد "رائد" بضيقٍ، ثم قال بنبرةٍ جادّة:
— لأ، الحب مش وحش، يا نيرفانا.. بس لما نتعامل معاه بالعقل قبل القلب.. وإنتي للأسف تبعتي قلبك بس، وكنتي هتروحي مني..
ضغطها في حضنه أكثر، كأنّه يحاول حمايتها من نفسها، لكنها انتفضت بين ذراعيه، تهتف ببكاءٍ مرير:
— بس "أوس" كان بيقول إنه بيحبني.. وأنا وثقت فيه!
— لدرجة إنك تهربي من أبوكي عشانه؟!
ابتعد قليلًا عنها، لينظر في عينيها مباشرةً، قبل أن يضيف بحدةٍ لا تخلو من الألم:
— أهو طلع عيل ابن كلب.. خدك وكان عايز يستغلك، ولولا وصلتلك في الوقت المناسب..
ارتجف صوتُه في آخر جملته، لكنه أكمل، وقد ارتسمت على ملامحه لمحةٌ من الرعب:
— مش متخيّل لو كان عمل فيكي حاجة كنت هعمل فيه إيه.. وإنتي؟ لو كنتي فوقتي ولقيتي نفسك خلاص، كنتِ هتواجهي الدنيا إزاي؟
تجمدت "نيرفانا"، وسالت دموعها على وجنتيها، ثم رفعت كم كنزتها لتمسحها سريعًا، قائلةً بصوتٍ مرتجف:
— يعني إيههو كان ممكن "يعتدي" عليا؟ وضّح كلامك..
صمت "رائد" للحظةٍ، ثم قال بصوتٍ أقرب للهمس:
— مش قادر أوصفلك الموقف اللي تخيلتك عليه..
مرّت لحظات ثقيلة قبل أن تهمهم "نيرفانا" بتفهمٍ، فتابع بصوته العميق، محاولًا تهدئتها:
— على أي حال، أديكي جربتي بنفسك، وأكيد عرفتي إن أبوكي مش بيحاول يقف في طريقك عشان يضايقك.. كنت بحاول أحميكي، وإنتي اللي كنتِ مصممة تأذي نفسك..
تشبثت بذراعه، ورفعت عينيها إليه برجاءٍ خافت:
— بابي.. بليز.. أنا حبيته بجد.. بلاش تأذيه.. ممكن تسامحه؟
رمقها "رائد" بضيقٍ شديدٍ، قبل أن يهتف باستنكار:
— تاني؟ هتقولي حبيته؟! يا بنتي، قلتلك ده ولد مش كويس، وعايز يستغلك، عايزة إثبات تاني؟
أطرقت برأسها خجلًا، فتنهد والدها، ثم رفع ذقنها بإبهامه، مجبرًا إياها على النظر إليه، قبل أن يقول بجديّةٍ مهيبة:
— طيب يا نيرفانا، أنا معاكي للآخر.. واللي إنتي عايزاه هيحصل.. وحياتك عندي، لأجبلهولِك راكع تحت رجليكي!
نظرت له في صدمةٍ مدهوشة، قبل أن تهتف بذهول:
— من غير أذية يا بابي؟ ليه مصر؟
قال بابتسامةٍ غامضة، ثم أكمل بثقةٍ مهيبة:
— إنتي بنت "رائد الذهبي".. يعني تقعدي مكانك، وكل اللي إنتي عايزاه يجي لحد عندك.. متروحيش لحد برجليكي تاني، وتكسري ظهري قدام اللي يسوى واللي ما يسواش.. مفهوم يا نيرفانا يا حبي؟ الواد ده أنا هجبُهولِك راكع.. أي أوامر تانية؟
ضحكت "نيرفانا"، فقفزت على والدها، محتضنةً إياه بقوةٍ وهي تهتف بفرحٍ غامر:
— بابي!.. إنت بتتكلم بجد؟! يعني هشوف "أوس" تاني؟! بحبك جدًا!
أحاطها "رائد" بذراعيه، ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل بين طياته نيةً مبيّتة:
— هوافق عشان خاطرك إنتي.. مش إنتي عايزاه؟ أنا هخليه تحت رجلك.. هجوزهولِك!
تراجعت "نيرفانا" خطوةً إلى الخلف، هاتفةً باندهاشٍ لا يخلو من رفض:
— عايزني أتجوزه؟! غريبة أوي ومش معقولة بالمرة!
لم يبدُ على ملامح "رائد" أي أثرٍ للمداعبة أو المزاح، بل نفث دخان سيجارته ببطء، قبل أن يقول بحزمٍ ثابت:
— أيوه، وإنتي اللي طلبتيه... صح؟
حدّقت فيه للحظات، ثم همست بصوتٍ مهتز:
— بابي.. بس أنا لِسّه 13 سنة!
ابتسم "رائد"، ابتسامةً باهتة... لكنها لم تصل لعينيه.
ثم فجأة، أطفأ سيجارته بعنف، ونهض واقفًا، قبل أن يردف بصوتٍ خافتٍ لكنه مشحون بمعانٍ مبطنة:
— بس قبل كل ده، لازم الأول أعرف حاجة..
استدارت "نيرفانا" إليه بدهشة، وقالت بقلقٍ متردد:
— حاجة إيه؟!
استدار نحوها ببطء، نظر في عينيها نظرةً جعلت الدماء تجمد في عروقها، ثم قال بنبرةٍ مشحونةٍ بالغموض:
— لازم أعرف الحقيقة كاملة... عن اللي حصل بينك وبين أوس!
***
اتسعت عينا "نيرفانا" في رعب، جفّ حلقها تمامًا، بينما تنقلت نظراتها على ملامح والدها، تحاول أن تجد أي أثرٍ للمزاح فيما قاله… لكنها لم تجد.
ارتعشت أنفاسها وهي تهمس، محاوِلةً التملّص:
— بس أنا قلتلك كل حاجة يا بابي…
رفع "رائد" حاجبًا ساخرًا، ثم اتكأ بظهره على أقرب كرسي، عقد ذراعيه على صدره، وقال بنبرةٍ رخيمة لكن قاتلة:
— نيرفانا، ما تحاوليش تلعبي معايا لعبة الغباء… أنا كبير كفاية، بس معرفش… معرفش الكلام اللي دار بينك وبين الواد ده قبل ما شامل يوصل، وده أهم حاجة عندي دلوقتي.
بدأت أنفاسها تتسارع، عقلها يعمل كالإعصار، تحاول تذكر كل كلمة تفوّهت بها أمام "أوس"، تحاول تقييم مدى خطورة ما قد يصل لوالدها إن عرف…
لكن قبل أن تفكر في أي رد، تقدم "رائد" خطوةً، مدّ يده وأمسك بذقنها برفق، جعلها تنظر إليه، قبل أن يقول بنبرةٍ أكثر هدوءًا، لكنها أشد قسوةً:
— هسألك آخر مرة… إنتي قولتِ له إيه يا نيرفانا؟ وكان بيقولك إيه قبل ما شامل يوصل؟
تعثرت الكلمات في حلقها، وبدأت الدماء تتراجع من وجهها، لم تستطع التفكير في أي شيء سوى…تلك اللحظة تحديدًا.
عندما وقفت أمام "أوس"، بعد أن أمرت "حور" بتركهما وحدهما…
عندما نظرت في عينيه وقالت له تلك الكلمة التي لم تقلها لغيره من قبل…
"أنا واثقة فيك!"
ارتجفت شفتاها، أغمضت عينيها بقوة كأنها تحاول طرد تلك الذكرى، لكنها عادت لتفتحها مجددًا عندما سمعت صوت والدها ينطق ببطء، نبرة صوته أصبحت أكثر خطورة، أكثر قتامة:
— ولا بلاش، ما ترديش دلوقتي…
أطلق زفرةً متعبة، ثم أكمل بصوتٍ كأنه يُلقي بعبء ثقيل من على كتفيه:
— أنا اللي هعرف كل حاجة بنفسي…
تجمدت، رفعت رأسها ببطء، حدقت فيه بارتباك، قبل أن تسأل بصوتٍ مهزوز:
— تعني إيه؟
ألقى عليها نظرةً طويلة، ثم ابتسم ابتسامةً باردة قبل أن يردف بهدوءٍ قاتل:
— أديت أوامري… "أوس" في طريقه لحد هنا دلوقتي، ولو حابب يقول حاجة، هيقولها قدّامي… وهيقولها كلها!
تصلّبت أطراف "نيرفانا"، بينما حلّ الرعب في عينيها محلّ كل المشاعر الأخرى…
"أوس" قادم إلى هنا… لمواجهة "رائد الذهبي"!
ارتجفت شفتيها، حاولت استجماع أي كلمة، لكن عقلها لم يكن يعمل، لم تستطع التفكير سوى في شيءٍ واحد:
"لو "أوس" قال أي حاجة غلط… بابا مش هيسامحه أبداً!"
حدقت في والدها في رعبٍ مكتوم، بينما كان هو يقف بثقةٍ تامة، وكأنه قد أتمّ خطته بنجاح…
والآن، لم يتبقَ سوى أن يلعب الجميع وفقًا لقواعده.
***
في تلك الأثناء، عند بوابة البناية …
توقفت السيارة أمام المدخل، نزل منها "أوس" ببطء، كانت ملامحه شاحبةً رغم محاولته الحفاظ على هدوئه، عيناه تضيقان بتوجّس وهو ينظر إلى السور العالي، ثم إلى الحراس المنتشرين عند المدخل، يراقبونه دون أن ينطقوا بكلمة.
بلع ريقه، تراجع خطوتين لا إراديًا، لكن الصوت البارد الذي جاءه من الخلف جعله يجمد في مكانه:
— إنت ماشي لفين؟
التفت ليجد رجلًا ضخم الجثة، يرتدي بدلةً سوداء، عينيه غامقتين كأعماق بئر، يتأمله بثباتٍ كأنّه يستطيع قراءة كل أفكاره.
أحسّ "أوس" أن قدميه التصقتا بالأرض، لكنه حاول التحلي بالشجاعة وهو يسأل بصوتٍ متردد:
— هو… هو الأستاذ "رائد" اللي طلبني؟
لم يرد الرجل، بل اكتفى بالإشارة برأسه نحو الداخل، بينما انفتح الباب الحديدي بتباطؤٍ كأنّه يعلن عن بدء محاكمةٍ لا عودة منها.
ابتلع "أوس" خوفه، ثم تقدم، حذِرًا في كل خطوة يخطوها، عيناه تراقبان القصر الفخم، والحديقة الواسعة التي لم تكن تبعث في قلبه أي راحة… بل مزيدًا من التوجّس.
وفي الداخل…
كانت "نيرفانا" تجلس على الأريكة، أصابعها تضغط على بعضها بعصبيةٍ، عينها لم تفارق والدها، الذي كان يقف عند النافذة، ظهره إليها، يدخّن سيجارته في صمتٍ ثقيل.
حاولت أن تتكلم، أن تقنعه بعدم التهور، لكن كل كلماتها اختنقت في حلقها عندما سمعت صوت فتح الباب…
التفتت بسرعة، ليتلاقى بصرها مع "أوس"، الذي وقف عند المدخل، أنفاسه مضطربة، عيناه تتنقلان في القاعة بحذرٍ واضح، حتى استقرتا أخيرًا على الشخص الذي ينتظره…
"رائد الذهبي".
التفت إليه "رائد" ببطء، ألقى عليه نظرةً باردة، طويلة، كأنه يزن وجوده نفسه، قبل أن يقول بصوتٍ هادئ لكنه كالسيف القاطع:
— ادخل واقفِل الباب وراك.
لم يتجرأ "أوس" على معارضته، فعل كما طُلب منه، ثم وقف في مكانه متصلبًا، محاولًا أن يخفي ارتجاف أصابعه.
تقدّم "رائد" نحوه خطوتين، لا أكثر، ثم سأله مباشرةً، بلا مقدمات:
— عارف أنا جايبك ليه؟
حاول "أوس" التحدث، لكنه شعر أن صوته قد خانه، فأجبر نفسه على الابتلاع قبل أن يهمس:
— أنا… يمكن عشان حضرتك عايز تفهم اللي حصل؟
ارتفع حاجب "رائد" ساخرًا، ثم قال بصوتٍ ساخرٍ بارد:
— آه… أنا عايز أفهم، وأنت اللي هتشرحلي، من غير ما أحتاج أضغط عليك… صح؟
تجمّد "أوس"، بينما رفعت "نيرفانا" يديها بتوتر، وكأنّها تحاول التدخل قبل أن ينفجر الوضع، لكنها لم تجرؤ.
اقترب "رائد" أكثر، نظر مباشرةً في عيني "أوس"، ثم نطق بالكلمات التي جعلت قلبه يسقط في قدميه:
— قُل لها… إنتَ كنت عايز إيه منها؟
تسارعت أنفاس "أوس"، توتره تضاعف، بينما أضاف "رائد" بصوتٍ أكثر حِدّة، وأكثر برودًا:
— أنا عارف الإجابة، بس عايزها تسمعها منك… دلوقتي، وأدامي أنا بس.
تبادل "أوس" النظرات مع "نيرفانا"، التي كانت تهز رأسها بلهفةٍ، ترجوه أن لا يقول شيئًا قد يزيد الطين بلّة… لكن الوقت قد نفد، والسؤال كان صريحًا.
إما أن يجيب… أو يترك "رائد الذهبي" يوضح لها بنفسه.
***
لم يكن "أوس" بحاجة إلى كثير من الذكاء ليدرك أنّ أي إجابة خاطئة ستكلفه أكثر مما يحتمل، ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من بلع ريقه في توتر، قبل أن يجيب بصوتٍ مرتعش:
— أنا… أنا كنت بحبها، والله العظيم بحبها، ومش عايز منها حاجة وحشة، بس…
رفع "رائد" يده فجأة، فأطبق الصمت على الجميع، قبل أن يميل نحوه قليلًا، قائلاً بنبرةٍ منخفضة لكنها زلزلت قلبه:
— بس إيه؟ كمل!
رمش "أوس" بعينيه سريعًا، قبل أن يهمس بارتباك:
— بس… كنت خايف من حضرتك، من رد فعلك… وخوفت لو جيت طلبتها رسمي ترفض.
ارتفع حاجب "رائد" قليلًا، بينما قطب جبينه وهو يحدق في الشاب الواقف أمامه كأنه ينظر إليه للمرة الأولى. صمت للحظات، ثم فجأةً، ضحك ضحكة قصيرة باردة، قبل أن يقول باستهزاء:
— يعني كنت عايز تاخدها من غير إذني؟ تهرب بيها عشان خايف أرفض؟
— هو ده كل السبب.
— لا… لا والله العظيم، أنا… ما كنتش بفكر أعمل كده!
لم يكن "أوس" قد أنهى جملته حين قذفه "رائد" بنظرةٍ واحدة فقط، جعلته يشعر بأن الهواء قد تجمد في رئتيه. تقدم نحوه أكثر، حتى باتت المسافة بينهما شبه معدومة، ثم قال بصوتٍ مخيفٍ:
— إنتَ كداب… وكذاب قليل الذكاء كمان! مش عايز تقولها حقيقتك يا واطي.
لمعت عينا "أوس" بقلقٍ حقيقي، بينما تنفست "نيرفانا" بحدةٍ، تحاول التدخل بأي طريقة قبل أن تتفاقم الأمور أكثر.
لكن قبل أن تتمكن من فتح فمها، سمع الجميع صوت طرقات خفيفة على الباب، تبعها دخول "يقين"، التي وقفت عند العتبة وعيناها تتنقلان بين الوجوه المتوترة.
رفعت حاجبها قليلًا وهي تقول بلهجةٍ جامدة:
— أنا أسفة للمقاطعة، بس "شامل" طلب مقابلتك فورًا؟
تصلّبت ملامح "رائد" للحظة، بينما ارتجف جسد "أوس" بالكامل، وأحسّ أن الهواء قد فُرِّغ من الغرفة تمامًا…
"شامل!"
نظر "رائد" نحو الباب، حيث ظهر "شامل"، الذي وقف هناك، عاقدًا ذراعيه فوق صدره، وعلى وجهه نصف ابتسامةٍ لم توحِ بأي خير.
رواية قلب السلطة الفصل السادس عشر 16 - بقلم مروة البطراوي
مرر "رائد" يده على ذقنه ببطء، ثم قال بصوتٍ مشبع بالتهديد:
- كويس... نيرفانا محتاجة تسمع الحقيقة.
ارتبك "أوس"، بينما همست "نيرفانا" بفزع:
- إنتِ جبتيه ليه؟!
قبل أن ترد "يقين"، فُتح الباب، وظهر "شامل"، ليقول بحدة:
- كان ماسك فيها بطريقة مش مريحة... ولو كنت اتأخرت، كان الوضع هيبقى أسوأ!
شهقت "نيرفانا"، بينما قال شامل بصوتٍ قاتل:
- وأوس شغال لحساب إسر العزبي!
ساد صمت قاتل، قبل أن يمسك "رائد" بياقة "أوس"، هامسًا ببرود:
- كان لازم تفكر قبل ما تحط إيدك في إيد عدوي!
ثم ضغط على هاتفه، قائلًا:
- ادخلي... دلوقتي!
وانفتح الباب... لتدخل امرأة!
والدة "أوس"، ووجهها مشتعل بالغضب!
تجمد "أوس" مكانه حين رأى والدته تدخل، نظراتها الغاضبة تمزقه، وكأنها لم تعد تعرفه.
- أمي؟! نطقها بصوتٍ مختنق.
لكنها لم ترد، فقط التفتت نحو "رائد":
- خير يا باشا؟ ليه جبتني هنا؟
أشار "رائد" إلى "أوس"، قائلاً ببرود:
- عشان ابنك يسمع الحقيقة... وإنتِ تعرفي إنتي ربيتي إيه!
قال "شامل" بحدة:
- ابنك كان بيلعب لصالح العزبي، وكان مستعد يعمل حاجة مش كويسة مع نيرفانا!
شهقت "نيرفانا"، بينما تراجعت والدته خطوة، هامسةً بصدمة:
- مش حقيقي... قول إنهم بيكدبوا، أوس!
لكن "رائد" قاطعه بحدة:
- الحب مش غدر وخيانة!
وقبل أن يرد، هوت صفعة والدته على وجهه، فارتج المكان مع صرختها:
- ده جزاتك، يا وش العار!
أما "رائد"، فاكتفى بابتسامةٍ باردة:
- دلوقتي... نبدأ الحساب الحقيقي!
عمّ الصمت، ولم يقطع التوتر سوى أنفاس "أوس" المرتجفة بعد الصفعة. لم يجرؤ على مواجهة نظرات والدته، بينما تقدّم "رائد" خطوة، قائلاً ببرود:
- أظن عندك كلام تاني، شامل.
رفع "شامل" حاجبه، قبل أن يقول:
- الحقيقة إن أوس ما كانش لوحده... حد قريب من نيرفانا كان بيساعده!
شهقت "نيرفانا"، هامسةً:
- مين؟!
انحنى "رائد" نحو "أوس"، مزمجرًا:
- قول الاسم... دلوقتي!
ارتجف "أوس"، قبل أن ينطق الاسم... الاسم الذي سيغيّر كل شيء!
تحركت عينا "أوس" بجنون، وكأنه يبحث عن مهرب، لكنه كان محاصرًا بين نظرات "رائد" التي تخترقه كخنجر، ونظرات والدته التي لم تعد تعرفه. لم يعد أمامه خيار، فبلع ريقه بصعوبة، قبل أن ينطق بالكلمة التي ستشعل المكان بأكمله:
- شجن...
ساد صمت قاتل، لم يجرؤ أحد على كسره، حتى الهواء في الغرفة بدا وكأنه توقف عن الحركة.
- إيه؟! جاءت شهقة "نيرفانا" هذه المرة كأنها صفعة للواقع، قبل أن تتراجع للخلف بخطوات مرتعشة، تنظر إلى "أوس" وكأنها لا تستوعب ما قاله.
أما "رائد"، فقد بقي صامتًا للحظات، يحدق في "أوس" كأنما يدرسه من جديد، قبل أن يضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت مشبعة بالسخرية والاحتقار، ثم قال ببطء، مشددًا على كل حرف:
- شجن... أم نيرفانا؟!
لم يكن السؤال بحاجة إلى إجابة، فالجميع كان يعلم أن "أوس" لم يكن يجرؤ على الكذب في هذه اللحظة المصيرية. أما "نيرفانا"، فقد بدأت تهز رأسها بإنكار، تهمس بصوت مرتجف:
- لأ... مستحيل... إنت بتكدب! ماما مستحيل تعمل كده!
لكن قبل أن يتمكن أحد من النطق بكلمة أخرى، انفتح الباب بقوة، ليُكشف عن "شجن" نفسها، واقفة عند العتبة، عيناها تشتعلان بمزيج غامض من الغضب والصمود... وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي!
تقدّمت "شجن"، عيناها تبحث في وجوههم قبل أن تستقرّ على "رائد"، قائلة بثبات:
- مش هتسألني مباشرة بدل ما تسمع كلام فاضي؟
أجابها ببرود:
- مش محتاج أسأل... شغلك مع العزبي مش جديد.
شهقت "نيرفانا"، هامسةً:
- ماما... قولي إن ده مش حقيقي!
لكن "شجن" لم تنكر، بل ابتسمت بسخرية:
- وأنتَ فاكر إنك الوحيد اللي بيلعب؟
أشار "رائد" إلى الباب:
- لعِبِك انتهى، اطلعي برا قبل ما تندمي!
استدارت "شجن" دون كلمة، بينما التفت "رائد" إلى "أوس"، قائلاً بحزم:
- أما أنت... فحسابك لسه ما خلصش!
تقدّم نحوه، أمسك بياقته، همس بصوت قاتل:
- عارف ممكن أعمل فيك إيه دلوقتي؟
انهار "أوس"، لكن "رائد" دفعه ليسقط على ركبتيه، ثم أمر رجاله:
- خدوه مطرح ما يستاهل!
صرخ "أوس"، متوسلًا، لكن "رائد" نظر إليه نظرة باردة، قبل أن يقول:
- هتضطر تدفع تمن اللي عملته!
ثم استدار ببطء، قائلاً بنبرة قاطعة:
- الموضوع انتهى... خلاص!
وقفت "سميحة" عند الباب، تراقب بصمتٍ رجال "شامل" وهم يقتادون "أوس" خارجًا. لم تتدخل، لكن شهقة مكتومة أفلتت منها حين تلاشت توسلاته في الممر.
التفتت نحو "رائد"، الذي ظل جامدًا كالصخر، وسألته بصوتٍ مهزوز:
- رائد... الولد هيروح فين؟
نظر إليها ببرود، ثم قال بحدة:
- مطرح ما يستحق.
تشبثت "سميحة" بصدرها، محاولة تهدئة نبضها، وهمست برجاء:
- بس ده كان بيحب نيرفانا... يمكن غلط، بس مش مصيره!
لم يُجبها "رائد"، فقط زفر ببطء، أشعل سيجارة، وحدق عبر النافذة.
أما "نيرفانا"، فابتعدت خطوتين حين حاولت "سميحة" الاقتراب منها، وهمست بصوت مرتجف:
- سيبيني يا طنط... لو سمحتي!
ساد الصمت، بينما ظلت "سميحة" تحدق في "رائد"، وداخلها سؤال مخيف... إلى أي مدى قد يذهب حين ينتقم؟
مرّ أسبوع على تلك الليلة، لكن آثارها لم تتلاشَ بعد. جلس "رائد" على الأريكة، يحدق في الفراغ، حينما طرق الباب. انتظر لحظة قبل أن ينهض ويفتح، ليجد "شامل" أمامه، يبتسم بمزيج من الألفة والمراقبة الحذرة.
- أهلًا شامل! قالها "رائد" وهو يشير له بالدخول.
جلس "شامل" قبالته وسأل مباشرة:
- إيه الأخبار مع نيرفانا؟
لم يُجب "رائد" فورًا، فقط زفر ببطء قبل أن يقول بجمود:
- ساكتة.
رفع "شامل" حاجبه، مستشعرًا ما خلف الكلمة، فسأله:
- يعني إيه؟
مرر "رائد" يده على ذقنه وقال:
- مش بتتكلم... مش بتواجهني حتى. عادي، بس بارد... وده اللي مقلقني.
مال "شامل" للأمام وقال بجدية:
- ممكن لسه مستوعبة اللي حصل.
نظر "رائد" إليه طويلًا قبل أن يرد، بصوت ثقيل بالمعاني:
- نيرفانا مش من النوع اللي يسكت... وده اللي مخوفني!
إلا قولي، صحيح إنت كنت قايل لي أبو أوس عمل إيه لما عرف إن ابنه عندنا؟
تجهم وجه "شامل"، وظهرت على ملامحه صرامة غير معتادة، قبل أن يزفر ببطء، كمن يستعد لإلقاء خبر ثقيل.
- أبو أوس... ما كانش سهل، رائد.
لم يبدُ على "رائد" أي تعبير مفاجئ، فقط شبك أصابعه أمامه، منتظرًا المزيد.
- أول ما وصله خبر اللي حصل، تحرك فورًا، وبدأ يسأل عنك في كل اتجاه... واضح إنه كان متوقع إن ابنه عامل مصيبة، بس ما كانش متخيل حجمها.
ضاقت عينا "رائد"، وسأل بنبرة باردة:
- وبعدين؟
تردد "شامل" للحظة، قبل أن يرد بحذر:
- بصراحة... كان ناوي يتحرك ضدك، لكن حد تدخّل ومنعه.
رفع "رائد" حاجبه، متسائلًا بنبرة خافتة، لكن خطورتها لم تكن خافية:
- مين اللي تدخل؟
- عز الدين العزبي!
ساد الصمت لوهلة، قبل أن ينفجر "رائد" ضاحكًا، ضحكة لم تحمل أي مرح، بل كانت أشبه بصوت شفرات تُشحذ في الظلام.
- العزبي نفسه... بقى كده؟
أومأ "شامل" ببطء، متابعًا بحذر:
- واضح إنه كان عايز يهدّي النار بدل ما يولّعها أكتر... بس السؤال اللي لازم تسأله لنفسك، يا رائد، هو: ليه؟ ليه العزبي ما استغلّهاش ضدك؟
ارتشف "رائد" قهوته بهدوء، عيناه تلمعان بأفكار لا تُقرأ، قبل أن يضع الكوب جانبًا، ويهمس بنبرة عميقة:
- لأنه عارف إن النار دي... لو ولّعت، مش هتسيب حد!
رائد، بغموض وهو يشيح بنظره بعيدًا:
- لما أرجع من مشواري نكمل كلامنا.
شامل، متشككًا:
- وإنت رايح فين كده؟
لم يمهله "رائد" الرد، إذ قاطعته "يقين"، وهي تسير بخطوات هادئة نحو منتصف الغرفة، عيناها تحملان نظرة تفحصٍ عميقة.
يقين، مستندة إلى إطار الباب، وابتسامة ماكرة تلوح على شفتيها:
- صحيح يا رائد، إنت متشيك على الآخر كده، ورايح على فين؟
التفت إليها "رائد"، ملامحه انفرجت عن بسمة واثقة، وعيناه تلألأتا بشرارة لا تخفى على من يعرفه.
رائد، وهو يرفع حاجبه قليلاً:
- رايح أخطب ليلى!
ساد الصمت لثوانٍ، ثم تبادل "شامل" و"يقين" النظرات، وكأنهما يتساءلان فيما بينهما، أهو يمزح؟ أم أن "رائد الذهبي" قرر أخيرًا أن يرمي حجرًا آخر في مياه راكدة؟
شامل، وهو يضع يديه في جيبيه، محاولًا كتم دهشته:
- إنتَ كويس؟
رائد، بابتسامة جانبية وهو يتوجه إلى الباب:
- كويس جدًا... ومش مستني موافقتكم، بس حبيت أخبركم!
ثم خرج دون أن يمنحهم فرصة للرد، تاركًا وراءه صمتًا محملًا بالتساؤلات والاحتمالات...
في منزل ليلي، كانت الأجواء تنبض بالحركة، التحضيرات جارية على قدم وساق استعدادًا لاستقبال "رائد الذهبي".
أضواء النيون تعكس ظلالًا ناعمة على الجدران، ورائحة العود تتسرب في الأجواء، تمتزج بعبق الزهور التي زينت الطاولة الرئيسة في الصالة. على الطرف الآخر، كانت "ليلي" تجلس أمام مرآتها، تتفحص انعكاسها بنظرة شاردة، بينما والدتها، "نيفين"، تقف خلفها، تمسح على كتفها بحنان، عيناها تلمعان بمزيج من الفخر والرهبة.
نيفين، بصوت مفعم بالمشاعر، وهي تهتف مبتسمة:
- بنتي الحلوة كبرت وبقت عروسة يا ناس! إيه يا حبيبة قلبي، جهزتي نفسك؟
رفعت "ليلي" عينيها إلى المرآة، تتأمل انعكاس والدتها، ثم زفرت بضيق، وأجابت ببرود:
- اتزفت... يا رب تكونوا مرتاحين بس!
قطبت "نيفين" حاجبيها، وضربت كتف ابنتها بخفة، وقد بدا في نبرتها بعض التأنيب.
نيفين، محذرة:
- وبعدين بقى يا ليلي؟ إحنا مش اتفقنا إنك هتكوني لطيفة مع الراجل؟
ليلي، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، قبل أن ترد بغيظ:
- حاضر، هبقى لطيفة! حآاااضر، هعملك كل اللي إنتي عايزاه! بس والله لأجيبه آخره النهارده، وأعرفكوا حقيقته كويس!
نظرت إليها "نيفين" نظرة جادة، تتفحص ملامحها التي تعكس عنادًا متأصلًا، ثم قالت بحسم:
نيفين، بإصرار:
- على فكرة، يا بنتي، الراجل ده لو ماكنش كويس، ماكنش دخل البيت من بابه! وأنا واثقة إنه هيحميكي من اللي بيتربصوا بيه وبينا، سواء كان أسر العزبي ولا صالح الذهبي!
اتسعت عينا "ليلي" قليلًا عند سماع الأسماء، لكن قبل أن ترد، دوّى صوت جرس الباب في أرجاء المنزل، ليقطع عليهما حديثهما.
اتسعت عينا "نيفين" بحماسة، وهتفت بفرحة ظاهرة:
نيفين، بلهفة:
- هه، أكيد هو! يا رب يكون جاب "شامل" معاه!
ثم استدارت نحو ابنتها، تشير إليها بحزم قبل أن تغادر الغرفة.
نيفين، محذرة برقة:
- خليكي إنتي هنا لحد ما أجي آخذك!
وما إن غادرت حتى زفرت "ليلي" بحدة، وألقت بنفسها على السرير، ودفنت وجهها في الوسائد، قبل أن ترفع رأسها فجأة، وتتمتم بضيق بالغ:
ليلي، مغمغمة بسخط:
- أستغفر الله العظيم... مصيبة إيه دي يا رب؟! راجل تنح وبآاااارد أووووي!!!!!!!
كانت "يقين" تجلس على سريرها، تحتضن وسادتها بين ذراعيها، بينما يعبث القلق بملامحها. حدّقت في الهاتف الموضوع أمامها، ترددت للحظات قبل أن تلتقطه، ثم أخذت نفسًا عميقًا وضغطت على زر الاتصال.
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى جاءها صوته عبر السماعة، هادئًا لكنه محمَّلٌ بشيءٍ خفي:
- يقين؟
أغمضت عينيها للحظة، كأنها تستمد القوة من مجرد سماع اسمه بصوته، ثم همست:
- كنت مستنية تكلمني.
جاءها صوته أعمق، وكأنه قرأ ما خلف كلماتها:
- حسيت إنك محتاجة تتكلمي.
ترددت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ خافت:
- حاسّة إن كل حاجة بقت غريبة، وكل ما أحاول أفهم، الدنيا بتتلخبط أكتر.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوته ثابتًا لكنه دافئ:
- أنا مش عايزك تفضلي قلقانة كده.
ابتسمت بسخريةٍ باهتة:
- طب فهمني، عشان أقدر أرتاح.
زفر ببطء، ثم قال بنبرةٍ جادة:
- الحاجة الوحيدة اللي لازم تفهميها دلوقتي.. إنك أهم عندي من أي حاجة تانية.
لم ترد، لكنها شعرت بقلبها ينبض أسرع، وكأن كلماته استطاعت أن تهدئ العاصفة بداخلها.
همست بعد لحظةٍ قصيرة:
- متأكد؟
جاء رده بلا تردد:
- أكتر من أي حاجة في الدنيا، يا يقين.
تنفست بعمق، ثم أغمضت عينيها مجددًا وهي تضغط الهاتف على أذنها، تستمع إلى صمته، وكأنه أكثر صدقًا من أي كلمات.
وفي الخارج، كان الليل يُسدل ستاره، محتفظًا بأسرار القلوب التي تنبض في صمت.
داخل الغرفة، كانت "ليلي" واقفة خلف الباب، تستمع لكل كلمةٍ تُقال، وقلبها ينبض بعنف، كأن صدرها صار قفصًا تضجُّ فيه أسراب الطيور المذعورة. لم تكن تعرف تحديدًا ما تشعر به، لكن توترها كان أكبر من أن تتجاهله.
منذ بدأت هذه القصة، وهي تشعر وكأنها تُدفع في تيارٍ لا تملك السيطرة عليه، كأن القرار لم يكن بيدها تمامًا، وكأنها مجرد ورقةٍ في مهب الريح، تُساق إلى حيث يشاء الآخرون.
- ليلي!
جاء صوت والدتها قاطعًا شرودها، فتصلّبت في مكانها للحظة، ثم زفرت ببطء، تدفع نفسها لمواجهة الأمر. فتحت الباب بخطواتٍ بطيئة، وخرجت إلى الصالة حيث كان الجميع ينتظر.
كانت الأنظار مُعلقة بها فور ظهورها. "نيفين" تبتسم بترحيبٍ مُصطنع، و"مهاب" يُراقبها بعين الفاحص، بينما "رائد" يجلس في هدوءٍ يُخفي خلفه ثقلًا لا يمكن تجاهله. عيناه الثابتتان لم ترمشا لحظةً منذ أن وقعتا عليها، وكأنهما تدرسانها، تُقيمان ارتباكها، ترصدان كل نبضةٍ تتسارع في صدرها.
- مساء الخير. قالتها بصوتٍ خرج أضعف مما أرادت.
- مساء النور يا ليلي. جاء صوته عميقًا، هادئًا، لكنه يحمل وقعًا خاصًا، وكأنه لا يقول مجرد تحية عابرة، بل يعلن بداية شيءٍ ما.
جلست في المقعد المقابل له، وأحسّت بقلبها يدقّ أسرع مما ينبغي، فحاولت أن تتظاهر بالتماسك. لا يمكن أن يرى ضعفها، لا يمكن أن يعرف كم تفكر فيه أكثر مما يجب.
صمتَ الجميع لوهلة، وكأنهم يمنحونها الفرصة لتتكلم أولًا، لكنها لم تفعل، فألقى "رائد" نظرةً خاطفة على "نيفين"، ثم عاد بعينيه إليها مباشرةً، قائلًا بنبرةٍ جمعت بين الجدية واللين:
- أنا هنا عشان أسمع منك إنتي، ليلي.
ارتبكت قليلًا، لكنها تماسكت سريعًا:
- إحنا لسه بنتكلم في الموضوع ده؟
- أكيد، وإلا مكنتش جيت.
تبادل "مهاب" ووالدته نظرةً خفية، بينما ظل "رائد" يثبت عينيه عليها، مُنتظرًا ردّها.
- بصراحة، أنا مش عارفة إيه المتوقع مني دلوقتي. قالتها بجديةٍ، محاولةً أن تبدو أكثر ثباتًا.
ابتسم ابتسامةً صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه:
- المتوقَّع إنك تقولي رأيك، من غير تأثير من حد.
ضغطت "ليلي" شفتيها معًا، ثم زفرت ببطء، محاولةً ترتيب أفكارها وسط هذه العاصفة. كانت تعلم أن هذه اللحظة حاسمة، وأن كل كلمةٍ ستقولها الآن ستحدد مسارًا لا رجعة فيه.
تدخلت "نيفين" سريعًا وهي تضحك، محاولةً كسر حدة الصمت:
- ما شاء الله، قاعدين رسمي أوي كأننا في اجتماع مجلس إدارة! ليلي، يا حبيبتي، ريّحي نفسك وتكلمي براحتك.
رفعت "ليلي" عينيها إلى "رائد"، مُستجمعةً شجاعتها قبل أن تقول مباشرةً، دون مقدمات:
- أنا عندي أسئلة، وعايزة إجابات صريحة.
لم يبدُ عليه الاندهاش، بل مال برأسه قليلًا وقال بثبات:
- اسألي، وإجاباتي هتكون واضحة وصريحة زي ما بتطلبي.
ترددت للحظة، ثم قالت بصوتٍ ثابت لكنه محملٌ بالقلق:
- اللي اكتشفناه إننا في دائرة واحدة، وإننا كنا دايمًا على طرفين متضادين. أبوي كان ضدّ أبوك.. ومحدش يقدر ينكر إن كان فيه عداوة قديمة بينهم. فأنا محتاجة أفهم، ليه دلوقتي؟ وليه أنا؟ مش ممكن تكون دي مجرد.. طريقة انتقام؟
ظل ينظر إليها بثباتٍ لم يتزعزع، لم تتغير ملامحه، ولم يبدُ عليه التأثر بالكلمات الثقيلة التي ألقتها أمامه. بل ردّ بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل ثقلًا خفيًّا:
- أنا عمري ما دخلت معركة بنص نوايا، وما عنديش وقت ألعب ألعاب انتقام مالهاش لازمة. لو كنت شايفك مجرد وسيلة لتصفية حساب، ما كنتش جيت بنفسي وقعدت قدامك دلوقتي.
تعمّقت نظراتها إليه، محاولةً سبر أغوار كلماته، لكنه لم يمنحها الفرصة، بل تابع بصوتٍ أكثر حدة، وأكثر تأثيرًا:
- أنا شخص باخد اللي أنا عايزه، بس باخده بطريقتي، مش بطرق حد غيري. ولو كنتي متخيلة إن سبب وجودي هنا هو أي حاجة غير اللي قولته، يبقى لازم تعيدي التفكير من جديد.
مرّت لحظات من الصمت، قبل أن يتدخل "مهاب" قائلاً بنبرةٍ متوجّسة وهو ينظر إلى "ليلي" مباشرةً:
- إنتي مش مضطرة تاخدي قرار دلوقتي، لو عايزة وقت، خديه براحتك.
لكنها لم تكن متأكدة مما تحتاجه أكثر في هذه اللحظة... وقت؟ أم يقينًا لا تشوبه شكوك؟
لكن "رائد" لم يُزح نظره عنها، بل قال بهدوءٍ خطير:
- أنا كمان مش مستعجل، لكن في الآخر، القرار هيكون واضح. يا أبيض يا أسود.. مفيش رمادي.
شعرت "ليلي" وكأنها أمام مفترق طرق لا رجعة فيه، وكأنها دخلت إلى عالمٍ جديد، حيث الاختيارات لا تحتمل التردد، وحيث الرجل الذي أمامها لا يقبل بأنصاف الحلول.
لكن ما لم تكن تعرفه بعد... أن هذا لم يكن سوى البداية.
ساد الصمت لثوانٍ، ثوانٍ ثقيلة كأنها تُحفر في الزمن، قبل أن تقطعها "نيفين" بابتسامةٍ مصطنعة، وهي تقول بحماسٍ زائف:
- أنا شايفة إن الأحسن نسيب ليلي ورائد بيه يتكلموا مع بعض براحتهم... يا مهاب، تعالَ معايا المطبخ نشوف حاجة حلوة نقدّمها لضيافتنا!
رمقها "مهاب" بنظرةٍ مترددة، لم يبدُ مقتنعًا تمامًا بترك أخته وحدها معه، لكنه لم يُرِد افتعال مشكلة أمام ضيفهم. زفر ببطء، ثم قال بلهجةٍ حذرة:
- ماشي، بس لو احتاجتِ حاجة، أنا برّه يا ليلي!
أومأت "ليلي" ببطء، بينما انسحبت "نيفين"، تدفع ابنها برفق خارج الغرفة، ثم أغلقت الباب من خلفها، تاركةً إياها وحدها مع "رائد"، وسط جوٍّ مشحونٍ بتوترٍ لم يُحسم بعد.
ظل "رائد" يراقبها بصمت، يتفحص ملامحها المتوترة، التي لم تفلح في إخفاء اضطرابها عنه. رفع كوب العصير الموضوع أمامه، ارتشف منه رشفةً صغيرة، ثم أعاده إلى الطاولة بإيقاعٍ رتيب، لكن ثقله كان كافيًا لإشعارها بأنه يسيطر على المشهد بالكامل.
تجمّدت اللحظات، لكنها لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة...
كانت عينا "ليلي" تحدقان في "رائد"، وكأنهما تفتشان عن كذبةٍ بين كلماته، عن زيفٍ يختبئ خلف ذلك الإصرار. لكن المشكلة أن نظراته كانت صادقة حدّ الإرباك... حدّ الزلزلة!
رفعت يدها لتدفع خصلة شعرٍ عن وجهها، محاولةً كسب لحظة تفكير، لحظة تتعلق فيها بأي منطقٍ يُخرجها من هذا الفخ العاطفي. لكنها لم تجد سوى قلبها، ذاك الخائن الذي لم ينسَ لحظةً واحدة، رغم كل ما مرت به.
قالت أخيرًا، بنبرةٍ منخفضة لكنها مليئة بالمرارة:
- احنا في دايرة واحدة، وعارف إن اللي بين أهلنا كان أكبر من خلاف بسيط... أبويا كان ضد أبوك، والمفروض إني أشوفك زي ما كان بيشوفك، عدو مش أكتر!
رفع حاجبه قليلًا، كأنه يزن كلماتها بتمعن، ثم قال بهدوءٍ مشوبٍ بالثقة:
- وأنا؟ شايفاني كده؟
لم تجب مباشرةً، فقط زفرت ببطء، وكأنها تحاول ترتيب أفكارها، ثم قالت بنبرةٍ أكثر حدة:
-محدش يقدر ينكر إنك رجل صعب، وقراراتك مش سهلة، ولو قلت إني مش خايفة، هبقى بضحك على نفسي.
رواية قلب السلطة الفصل السابع عشر 17 - بقلم مروة البطراوي
ابتسم ابتسامةً جانبية، لم تكن ساخرة بقدر ما كانت واثقة:
"والرعب ده، سببه إيه يا ترى؟ إنك شايفاني زي عمي؟ ولا لأنك شايفة حاجة تانية؟"
نظرت إليه نظرةً سريعة، قبل أن تشيح بوجهها بعيدًا، قائلةً بجمود:
"أنا بسأل نفسي... ليه أنا؟ ليه دلوقتي؟ ما يمكن كل ده مجرد..."
قاطعها بصوتٍ منخفض، لكنه حاد:
"انتقام؟"
اتسعت عيناها قليلًا، فكأنه قرأ ما في داخلها دون أن تنطق به، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها، قائلةً ببطء:
"الشك مش جريمة، خصوصًا لما تكون الظروف بتقول كده!"
أراح ظهره على المقعد، ثم مال برأسه قليلًا، وكأنه يمنحها مساحة لتكمل، قبل أن يقول بصوتٍ ثابت:
"ولو قلتِ لك إن مشكلتنا احنا الاتنين إننا مش قادرين نخلّي اللي فات يتحكم في اللي جاي؟"
ساد الصمت لوهلة... لكنها لم تكن لوهلةٍ عابرة، بل صمت ثقيل، متوتر، كأن الزمن توقف على حافة الجملة.
أجابت بعد تردد، ونبرتها تنطوي على ما يشبه الإقرار المر:
"يمكن... ويمكن كمان إننا بنخاف نعترف إن اللي بينّا مش حرب... وإنه ملوش علاقة بأهلنا، لا بعداهم ولا قربهم."
اقترب قليلًا، ملامحه لم تتغيّر، لكن صوته صار أكثر دفئًا:
"ولو كان حقيقي؟ اللي بينّا... لو كان حقيقي، هنعمل إيه؟ هنكمّله؟ ولا هنكمل نهرب منه؟"
كانت تلك اللحظة هي الامتحان... ليس لهما فقط، بل لذاك الجرح القديم الذي ورثاه دون اختيار، وتلك النار التي لا تزال مشتعلة في العيون رغم محاولات الإنكار.
كانت تلك اللحظة امتحانًا... ليس لهما فقط، بل لذاك الجرح القديم الذي ورثاه قسرًا، ولتلك النار التي لم تخمد قط بين عيونهما، رغم محاولات الإنكار اليائسة.
لم تُجبه، غير أن عينيها ارتجفتا للحظة، كأن صراعًا داخليًا عصف بها. حاولت أن تتمالك نفسها، أن تطفئ شيئًا من الاضطراب المشتعل في صدرها، غير أن الكلمة غلبت الصمت والجرح معًا.
قالت بصوت منخفض، أشبه بالهمس:
"مشكلتي إني مش عارفة أحدد... إنت بداية جديدة؟ ولا امتداد لنهاية قديمة؟"
تحرّك رائد نحوها ببطء، وكأنه ينتقي خطواته بعناية فوق حقل ألغام. اقترب حتى لم يبقَ بينهما إلا القليل، ثم ثبت نظره في عينيها وقال بصوت عميق:
"ولو قلتلك إني قررت أكون بداية؟ إني زهقت أعيش وسط دوّامة ما بتخلصش... دوّامة لا أنا فيها حر، ولا إنتِ."
ضحكت ضحكة قصيرة، لم تكن فرِحة، بل مثقلة بالمرارة والإرهاق:
"الحرية دي ترف يا رائد... وإنت أكتر واحد عارف إن اللي اتولد وسط نار، عمره ما هيعرف يعيش مرتاح، حتى لو النار دي بعدت شوية."
صمت قليلًا، كأنه يمنحها مساحة لاستيعاب كلماته، ثم قال بهدوء وحزم:
"لو فضّلنا نصدّق الجرح، عمرنا ما هنشوف غير الدم. أنا لا جاي أطلب غُفران، ولا جاي أبرّر... أنا جايلِك بالحقيقة: أنا تعبت، ومش قادر أكمّل لوحدي."
نظرت إليه، وفي عينيها للمرة الأولى، لمعة لم تكن للهجوم ولا للمقاومة... بل سؤال صامت: هل من الممكن أن نبدأ من جديد؟
همّت بالكلام، لكن طرقًا خفيفًا على الباب قطع اللحظة في منتصفها.
تجمّدت اللحظة، وكأن الزمن توقف عند ذلك الطرق، وانتقل الصراع من الأعماق إلى العالم الخارجي، بكل ما يحمله من ضجيج وأحكام.
نظر رائد نحو الباب، ثم قال بصوت منخفض:
"إنتِ مش لوحدك في الدايرة دي يا ليلى... في ناس برّه، لسه مش عايزين يصدقوا حتى إننا بنتكلم."
رفعت حاجبها، وقالت بنبرة يغلفها القلق:
"وإنت؟ ناوي تعمل إيه دلوقتي؟"
رمقه بنظرة طويلة، ثم أجاب وهو يتحرك بخطى ثابتة نحو الباب:
"دلوقتي؟ لازم أواجههم... وبعد كده، نكمل كلامنا."
ثم فتح الباب.
فتح رائد الباب ببطء، فظهرت خلفه أم ليلى تقف بثبات، وعلى وجهها ملامح امرأة أنهكها الزمن لكن لم يُسقط عنها كبرياءها، وإلى جانبها مهاب، وقد بدا التوتر واضحًا على ملامحه، كأن جسده واقف في المكان، بينما عقله عالق بين الماضي والخوف من القادم.
نظرت الأم إلى رائد، ثم قالت بصوت هادئ، أقرب إلى الحسم منه إلى اللين:
"أنا قولت نيجي... ولو عندك حاجة لسه مقولتهاش قولها دلوقتي."
لم يجب رائد، فقط أفسح لهما الطريق للدخول. ثم التفت إلى ليلى، كأنه يستمد منها دعمًا صامتًا، قبل أن يُغلق الباب خلفهم.
جلس الجميع، والصمت يسود الغرفة، حتى قطعه صوت مهاب، المتردد والقلق:
"أنا مش ضدك يا رائد... بس أنا مش قادر أفصل بين اللي حصل زمان، وبين اللي ممكن يحصل بعدين."
رمقته أمّه بنظرة صارمة، ثم قالت بحدة هادئة:
"اللي فات ما نقدرش نغيره يا مهاب... بس نقدر نمنع إن اللي جاي يتبني على كراهية."
ثم التفتت إلى رائد، وقالت بنبرة صريحة:
"أنا شايفة إنك راجل، ونيّتك واضحة، ودي كفاية عندي. بس البنت مش سهلة، ولو أذيتها يوم، أنا اللي هقفلك، مش هو."
أومأ رائد برأسه، ثم قال بصوت ثابت:
"أنا مش جاي أكمّل حرب، ولا جاي أخطفها من أهلها... أنا جاي أطلبها بالحلال، وبرضاكم."
نظرت ليلى إلى أخيها، كأنها تطلب إذنًا صامتًا بأن تبدأ، أو ربما تطلب منه أن يتخلّى عن ذاك الخوف الذي كبّلها لسنوات.
مهاب زفر ببطء، ثم قال وهو ينظر إلى الأرض:
"أنا... محتاج وقت. بس لو انتي شايفاه يستاهل يا ليلى، أنا مش هقف قدّامك."
ليلى نظرت إلى مهاب، ثم إلى رائد، وعينيها مليئة بالأسئلة، وكأنها تسأل نفسها: هل يمكنها بالفعل أن تختار هذا الطريق؟ لكن هناك شيء في قلبها يصرّ على المضي قدمًا.
تنهدت ببطء، ثم قالت بصوت منخفض لكنها حاسم:
"أنا مش هخدع نفسي... عارفين كويس إن اللي بيننا كان أكبر من مجرد خلافات عائلية، وده مش هيتغير بأي كلمة. لكن لو أنا في البداية مش حاسة إن ده الصح، ماكنتش هوافق أنه يجي هنا النهاردة."
أخذ مهاب نفسًا عميقًا، ثم رفع رأسه ليواجهها، عينيه مليئة بالقلق والشك، لكن أيضًا بالحاجة إلى أن يراها تتخذ القرار الذي يحميها.
"وأنتِ متأكدة إن ده هو الصح؟ ما تخافيش على نفسك؟ الناس مش هيسيبونا، وده هيأثر علينا كلنا."
أجابت ليلى بنبرةٍ أقوى:
"في يوم من الأيام، الناس دي كانت جزء من حياتنا... بس دلوقتي ده مش قرارهم، ده قراري. أنا مش هفضل عايشة تحت ظل خوف كل حياتي."
ثم التفتت إلى رائد، وقالت بنبرة حاسمة:
"أنتَ هتكون البداية ولا النهاية... أنا مش هخليك تجرني لورا تاني."
أم ليلى نظرت إليهم بتفهم، ثم قالت بصوت هادئ لكن مليء بالثقة:
"إنتي كبرتِ يا ليلى، وأنا واثقة فيك. لو ده الطريق اللي اخترتيه، أنا معاك."
ثم رمقها رائد بنظرة طويلة، مليئة بكل المشاعر التي حاول أن يخفيها طوال الوقت.
"لو اخترتي ده... هكون دايمًا جنبك. بس لو لحظة واحدة حسيتِ إن ده مش مكانك، هسيبك تمشي."
في تلك اللحظة، كانت كل كلمة منهم كأنها تعلن بداية جديدة في حياتهم. كل واحد منهم كان يحمل في قلبه سؤالًا واحدًا: هل يمكن أن تبدأ من جديد بعد كل هذا الصراع؟ لكن الأمل كان أكبر من الأسئلة، وكان هناك شيء في قلب ليلى يقول لها إنها تستطيع أن تفتح صفحة جديدة، رغم كل شيء.
وبينما كان الحديث يستمر، كان الصراع الداخلي قد بدأ في التلاشي، ولكن لم يُكتب بعد ما ستسفر عنه تلك اللحظة.
ساد السكون البيت بعد رحيل رائد، كأن الزمن قرر أن يتوقف برهة ليمنحها فرصة لتلتقط أنفاسها. جلست ليلى في مكانها، تقبض على حواف الفستان دون أن تنتبه، فيما الأم عادت بخطوات هادئة، تجرّ وراءها ظلًا من الحكمة والصبر.
جلست بجوارها، تنظر إلى ابنتها طويلًا، ثم قالت برقة:
"شكلك سرحانة بعيد يا ليلى..."
لم تجبها ليلى على الفور. كانت عيناها معلّقتين بشيءٍ ما لا يُرى، ثم قالت بعد لحظة:
"أنا مش عارفة يا ماما... دماغي مش مرتّبة، وكل حاجة جوّايا متلخبطة."
وضعت الأم يدها على يدها، تربّت عليها بحنانٍ عتيق:
"طب ده طبيعي يا بنتي... مش موقف سهل، لا عليكِ ولا علينا."
نظرت ليلى نحوها، كأنها تبحث في ملامح أمها عن إجابة لا تعرف كيف تنطق بها:
"بس هو... اتغير؟ فعلاً؟ إنتِ شايفة كده؟"
تنهدت الأم، ثم مالت قليلاً للأمام، وقالت بصوت مطمئن:
"شايفاه غير اللي كان. في حاجة في طريقته، في كلامه، حتى في سكوتُه... الراجل ده جايلك مش بس بإيده، ده جايلك بقلبه."
خفضت ليلى عينيها، وقالت بهمسٍ مرتبك:
"وأنا... أنا مش عارفة أصدق، مش عارفة أفرّق بين اللي اتقال واللي كان بيتخبّى."
ضحكت الأم ضحكة خفيفة، لكنها لم تكن خفيفة الأثر، ثم قالت:
"هو الحب كده يا ليلى... عمره ما كان واضح، دايمًا لابس وشّين. بس في الآخر، اللي في قلبك هو اللي هيدلّك."
صمتت لحظة، ثم أضافت:
"وبعدين، أنا ست شُفت كتير... واللي شُفته في عنيه النهاردة، ما شُفهوش إلا اللي بيحب بصدق."
هزّت ليلى رأسها ببطء، وقالت بنبرة مغلّفة بالقلق:
"بس مهاب... مش قابل، ولا مرتاح. وكأنه مستنّي رائد يغلط، عشان يقولّي: شوفي؟ كنت قايلك."
تنهدت الأم، ومسحت على كتفها بلطف:
"أخوك خايف عليكِ، بس مش كاره له. وإنتِ عارفة إن رأيه مهما كان، مش آخر الدنيا. في الآخر... دي حياتك انتي، مش بتاعته."
رفعت ليلى عينيها، ثم قالت بترددٍ خافت:
"أنا مش خايفة من الناس... أنا خايفة من نفسي، من اللي ممكن أضعفله، من إني أرجع للي كنت فيه، وأرجع أوجع نفسي بإيدي."
هنا، أمسكت الأم وجهها بين كفيها، وقالت بإصرار حنون:
"لا يا بنتي... إنتي اتعلمتي، كبرتي، ومش هتقعي في نفس الحفرة مرتين. وصدقيني، حتى لو رجعتي، مش هتبقي اللي كنتي. فيكي قوة جديدة، باينة في عينيكِ."
سقطت دمعة هادئة على خدّ ليلى، ثم تمتمت:
"أنا بس عايزة أرتاح... ولو حتى يوم واحد من غير صراع جوايا."
ضمّتها أمها إلى صدرها، وقالت وهي تربّت على شعرها:
"وهترتاحي يا ليلى، أول ما تسمعي قلبك بجد... مش خوفك، ولا حنينك، بس قلبك. هو اللي هيقولك تروحي فين."
وساد بينهما صمتٌ رقيق، كأن الدموع قالت ما لم يقله الكلام.
خرج رائد من بيت مهاب بخطوات ثابتة، لكن صدره يغلي. لم يكن اللقاء كما ظنّ، ولم تكن ليلى كما توقّع. ما بين الأسئلة القديمة والوجوه الجديدة، ثمة شيء كان يُعاد تشكيله في ذاكرته... شيء يرتبط بماضٍ ظنّ أنه اندثر.
وقبل أن يبتعد تمامًا، سمع صوت الباب يُفتح خلفه.
كان مهاب. يقف عند العتبة، كأن شيئًا داخله لم يحتمل أن يتركه يرحل دون كلمة.
استدار رائد، وعيناه تلمعان بحدة رجلٍ يعرف أكثر مما يقول. انتظر لحظة، حتى اقترب مهاب بخطوات سريعة، وقال بصوت خفيض لكنه مشحون:
"أنا مش فاهم حضرتك عايز إيه من أختي، بس خليني أقولّك من دلوقتي... لو بتفكر تنتفم ، يبقى لأ."
لم يردّ رائد على الفور. حدّق فيه طويلًا، كأنّه يقرأ وجهه كما يقرأ تقريرًا أمنيًا.
ثم قال ببرود متزن:
"أنا اللي مش فاهم... مين قالّك إني جايلها للانتقام أصلاً؟"
ارتبك مهاب، لكنه لم يُظهر ذلك. عقد حاجبيه وقال بشك:
"طب، إيه تفسيرك للّي حصل النهاردة؟ وجودك، طريقتك... كلامك اللي كله لف ودوران؟"
اقترب منه رائد خطوة، ووقف بثبات رجل يعرف جيدًا وزنه، ثم قال بصوت منخفض:
"أنا جيت أتكلم، مش أبرر. وبالمناسبة... ليلى بالنسبالي حاجه كبيرو . لكن واضح إنك لسه شايل كتير."
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق:
"وبصراحة؟ عندك حق تشيل."
رفع مهاب رأسه، نظر إليه بريبة، فسأله:
"إنت تقصد إيه؟"
ردّ رائد دون أن يرفّ له جفن:
"أقصد إنك يمكن ما تعرفش كل حاجة... خصوصًا عن اللي حصل لأبوك زمان."
هنا، تسارعت أنفاس مهاب، وظهر التوتر في عينيه:
"يعني إيه؟ أبويا اتحبس ظلم، واتدمّر، وأنتوا كنتوا السبب... مش كده؟"
أطرق رائد للحظة، ثم قال بهدوء قاتل:
"مش إحنا... عمي. عمّي اللي كان شريك أبوك، وخانّه. واللي حصل بعدها كان لعبة كبيرة، أكبر مننا كلنا."
تجمّد مهاب في مكانه، كأنّه تلقّى صفعة.
"عمك... صابر الذهبي؟"
هزّ رائد رأسه بالإيجاب:
"أيوه."
أخذ مهاب خطوة للوراء، كأن الأرض تهتز تحته. ظلّ صامتًا، يحاول هضم ما سمعه، لكن رائد لم يمنحه وقتًا كافيًا.
"بس ده كله مالوش علاقة بليلى. ولا ليك. أنا ما جيتش أطلب رضا حد. جيت أحط نقطة على سطر قديم، وابتدي من أول السطر مع نفسي."
ثم نظر إليه نظرة أخيرة، قبل أن يدير ظهره ويقول:
"بس لو عايز تعرف الحقيقة كاملة... اسأل عن الصفقات القديمة، وعن الدفتر اللي اختفى قبل التحقيق...وغادر.
ترك مهاب واقفًا أمام البيت، يحمل في صدره بركانًا جديدًا... لا يعرف هل ينفجر في وجه الماضي، أم يبدأ هو الآخر في البحث عن صفحة جديدة.
بقيت ليلى واقفة لبعض الوقت، ساكنة كأن الزمن توقف داخلها، قبل أن تتجه إلى النافذة. رفعت الستار ببطء، ونظرت إلى الشارع الخالي إلا من أنوار السيارات المتناثرة في البعيد. لفح وجهها هواء الليل البارد، تسلّل إلى قلبها المرتجف، لكنه لم يكن كافيًا لإخماد حرارة الصراع الذي يتأجج داخلها.
رائد الذهبي... الاسم الذي كان يومًا مرادفًا للخوف، للسيطرة، وللماضي الغامض... هل يمكن أن يتحوّل يومًا إلى مرادف للأمان؟ هل يمكن لظل ثقيل أن يتحوّل إلى ظلٍّ وارف تستكين إليه؟
لم تكن تملك الإجابة، لا الآن، وربما لا قريبًا. لكنها تعلم يقينًا أن شيئًا ما تغيّر... فيها، وفيه.
ثم سمعت صوتًا خلفها، فاستدارت لتجد والدتها واقفة عند باب الغرفة، تراقبها بصمت أمٍّ تعرف جيدًا متى تقتحم الصمت ومتى تتركه يتكلم.
قالت الأم بنبرة دافئة:
"كنتي واقفة كده ليه، يا ليلى؟ الواد مشي خلاص، ولا لسه؟"
أجابت ليلى دون أن تلتفت:
"مشي، وسب وراه حاجات كتير مش مفهومة..."
اقتربت الأم منها، وضعت يدها برفق على كتفها، وقالت:
"رائد راجل مش سهل، بس مش كل صعب يبقى شر. وأنا شايفاه راجل محترم."
هزّت ليلى رأسها، وتمتمت:
"محترم، بس مخيف... في حاجات جوايا مش عارفة أوصفها، كأنّي مش فاهمة أنا خايفة منه ولا عليه."
ضحكت الأم بخفّة، وقالت:
"يا بنتي... الخوف ساعات بيبقى له طعم تاني، طعم الحب اللي لسه مش راسي على بر."
نظرت ليلى إلى أمها، وعيناها تبحثان عن طمأنينة، عن تفسير:
"بس هو مش جاي عشاني... هو قالها، هو بس كان بيحاول يفهم حاجات ليه علاقة ببوه، وبيِّن كده عمه هو اللي ظلم أبونا..."
تنهدت الأم، وقالت بحكمة امرأة جرّبت الحياة:
"ما هو محدش بييجي كده وبس... كل واحد بيلاقي نفسه رايح لحاجة مش كان مخطط لها. ويمكن ربنا بيكتبلكوا حكاية، مش شرط تبقى حب، بس تبقى صدق."
سكتت ليلى، نظرت من النافذة مرة أخرى، ثم همست:
"أنا مش عايزة أعيش في ظلّه، يا ماما... ولا عايزة أهرب منه."
ربّتت الأم على ظهرها، وهمست:
"اعملي اللي يريح قلبك يا ليلى، بس خدي بالك... فيه ناس وجودهم في حياتنا ما بيتكررش."
وساد الصمت من جديد، لكن هذه المرة، لم يكن صمت حيرة... بل صمت تفكير عميق، ينبئ بأن القرار لم يُتخذ بعد، لكنه قريب.
والصباح، على الأبواب... يحمل نسماته الدافئة، لكنه لا يخلو من المفاجآت.
الصباح بزغ على المدينة بخجل، كأن الشمس نفسها كانت تخشى أن توقظ القلوب المثقلة بالتساؤلات. في مدرسة البنات، تسللت أولى خيوط النور عبر النوافذ الطويلة، وغمرت الممرات برائحة الطباشير والورق الجديد.
ليلى دخلت الصف كعادتها، تمسك بكوب قهوتها، ووجهها هادئ على السطح، وإن كانت عاصفة الأفكار لم تهدأ بعد. كانت الفصول ما تزال هادئة، الطالبات لم يصلن بعد، وهذا ما أحبّته دومًا... لحظات الهدوء الأولى، حيث تستطيع أن تتنفس بعيدًا عن العيون.
لكن لم يطل ذلك الهدوء.
رنّ هاتف الإدارة، وخرجت السكرتيرة تبحث عنها بسرعة، حتى وصلت إلى باب الفصل.
"ميس ليلى! المدير عايزك في مكتبه حالًا، في ضيف مهم جاي يسأل عليكي."
تجمدت ليلى في مكانها للحظة، ثم قالت بتوجس:
"مين؟"
هزّت السكرتيرة كتفها:
"معرفش، بس واضح إنه مش غريب عنك."
شعرت ببرودة تسري في أطرافها، لكنها تماسكت. وضعت الكوب جانبًا، وسارت بخطى ثابتة، وإن كانت دقات قلبها تسبق خطواتها بعشرات الأمتار.
وصلت إلى مكتب المدير، طرقت الباب بخفة، ثم دلفت.
وهناك، كان واقفًا، ظهره نحوها، يتأمل لوحة معلقة على الحائط كأنه يهرب بها من الحديث.
التفت ما إن سمع خطواتها...
رائد.
ببدلته الداكنة، ونظرته الصامتة التي تعرفها جيدًا.
رفع حاجبه قليلًا وقال:
"مافيش داعي للدهشة... بنتي هنا، وده يخليني أعدّي، صح؟"
وقفت في منتصف الغرفة، ونظرت له ببرود متكلّف:
"لو جاي تطمّن على نيرفانا، يبقى الموضوع يخلص في دقايق... مش أكتر."
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال وهو يسحب كرسياً ليجلس:
"مش دايمًا اللي بيجي يطمن بيكون جاي علشان اللي فـ بال الناس."
نظرت له صامتة، لكنها أدركت حينها أن صباحها لن يكون عاديًا... وأن رائد، كعادته، لا يظهر عبثًا.
جلست ليلى على الطرف المقابل، لكن عيناها لم تهربا منه، بل واجهتاه بثبات... ظاهرُه حذر، لكن باطنُه نار تبحث عن مخرج.
قالت بهدوءٍ مريب:
"أنا مابحبّش الألغاز، رائد... قول اللي في بالك وخلاص."
انحنى للأمام قليلًا، صوته انخفض، لكن حروفه كانت مشتعلة:
"أبوكِ اشتغل مع عمي... سنين."
رفّت عينها كأنها تلقت لأول مرة للطمة غير متوقعة، لكنها تمالكت نفسها:
"أبويا كان موظف بسيط... مالوش في الشبهات ولا المصالح."
و عمك هو اللي ورطه.
هزّ رائد رأسه ببطء، كأنما يقدّم عزاءً:
"كان... بس في ورق بيقول غير كده."
ثم أخرج من جيبه ملفًا صغيرًا، وضعه على الطاولة بهدوء تام.
"الورق ده مش للتهديد... بس للحق. عمي ضيّع عمره يلم مصالحه، وأنا ورثته بكل ما فيه... حتى أخطاؤه."
سحبت الملف بتردد، فتحت صفحاته الأولى، وجدت أوراقًا قديمة... توقيعات، أختام، صور لأسماء معتادة... من بينها اسم والدها.
شهقت بهمس، لم تصدق عينيها.
قال بصوت ثابت:
"أنا جيت النهارده عشان أوضحلك إن اللي فات ماكنش صدفة... وأنا ماكنتش بس بجرّب أقرّب منك، كنت بحاول أفهم... هل انتي جزء من الماضي ده، ولا ضحيّة منه؟"
نظرت له بعينين مليئتين بلهيب الأسئلة:
"يعني كنت بتلعب بيا؟ من الأول؟"
نهض رائد ببطء، نظر نحوها نظرة طويلة كأنها تختصر عمرًا:
"أنا ما بلعبش... بس أنا مش هسامح نفسي لو عرفت الحقيقة متأخر."
ثم استدار، ووقف عند الباب، قال دون أن ينظر خلفه:
"في ملف تاني... فيه اسم تاني، لو فتّحتيه، كل حاجة هتبان. بس القرار ليكي، يا ليلى."
وخرج.
تركت وحدها... والملف ما زال مفتوحًا أمامها.
لكن قلبها، هو اللي كان انفتح فعلًا.
كانت الأوراق مرتبة بعناية، وكأن من جمعها كان يحرص على أن تصل الرسالة واضحة، بلا التباس... قلبت الصفحات ببطء، وفي كل ورقة كانت نبضة جديدة ترتجّ في صدرها.
صفحة أولى... عقد شراكة قديم بين "نديم الغالي " — والدها — و"صالح الذهبي" — عم رائد. العقد موقع بتاريخ يعود لما قبل ميلادها.
صفحة ثانية... صورة ضوئية من شيك بمبلغ كبير، ممهور بختم الشركة القديمة، لكن الغريب فيه أنه كان موجّهًا باسم طرف ثالث: "مهاب نديم الغالي".
تجمدت يدها، وكأن الدم تجمّد في عروقها.
همست لنفسها:
"مهاب؟!"
قلبت الصفحة التالية، فوجدت مرفقًا داخليًا، تقرير بنكي يوضح أن مهاب يملك حسابًا مصرفيًا سريًا مفتوحًا من ١٨ سنة، وكان يتم تغذيته بتحويلات منتظمة من جهة واحدة... الذهبي القابضة.
ارتعدت أنفاسها، وشهقت بصدمة مكتومة:
"مهاب اخويا ورطوه و هو كان لسه طفل ...؟!"
ثم وجدت ورقة مطوية في مؤخرة الملف، بدت مختلفة في لونها وخامتها، كأنها أُضيفت مؤخرًا... فتحتها، فكانت بخط يد صالح الذهبي نفسه:
"> "لما تقرا الورق ده يا رائد، هتكون قد فهمت إن اللي بينا وبين الغالي مش بس مصالح... دي دم وماضي مش سهل. نديم كان أكتر من شريك، وكان عارف أسرارنا... بس لما قرر ينسحب، ما خرجش لوحده، خرج ومعاه حاجات تخصّنا... وكاتب كله باسم ابنه — مهاب — اللي هيخليه يشيل على كاهله اللي ما يتشالش."
سقطت الورقة من يدها، وجلست ببطء على الكرسي كأنما كل قوتها خارت في لحظة.
كانت تظن أن الحرب التي تخوضها مع قلبها... لكن الحقيقة أن المعركة أكبر، وأعمق.
هي الآن أمام سؤال أكبر من الحب... سؤال الثقة.
هل كانت كل حياتها تُبنى على وهم؟ وهل مهاب، شقيقها الحنون، كان يخفي عليه ما يعصف بحقيقته؟
كان المنزل يغطّ في صمت ثقيل، كأن الجدران نفسها تشعر بما يدور في صدرها. مشت ليلى بخطوات سريعة، عيناها تلمعان ببريقٍ لا يمتّ للدموع بصلة، بل هو بريق الغضب الموجوع. فتحت باب غرفة مهاب دون استئذان.
كان جالسًا على الأريكة، يتصفّح هاتفه، وحين رأى وجهها، استقام في جلسته فورًا.
قال، محاولًا التماسك:
"ليلى؟ مالك؟ وشّك متغير كده ليه؟"
لم تُجبه، بل ألقت الملف أمامه على الطاولة، فتناثر بعض محتواه.
تقدّم ببطء، فتح إحدى الصفحات، وعيناه تتسعان تدريجيًا مع كل سطر يقرؤه.
رفعت صوتها، لأول مرة منذ سنين، لا تناشد، بل تُدين:
"إنت كنت عارف؟!"
أغلق الملف بعنف، وقال بلهجة مرتبكة:
"ليلى، اسمعيني، الموضوع مش زي ما انتي فاكرة..."
قاطعتْه، والدمعة تحترق في زاوية عينها، تأبى أن تسقط:
"مش زي ما أنا فاكرة؟ ده حساب بنكي باسمك بيوصله فلوس من الذهبي بقاله سنين! وعقد شراكة قديم بين بابا... وبين عمّه! وانت ساكت؟"
تنفّس بعمق، ثم قال وهو يمرر يده في شعره بتوتر:
"أنا كنت صغير... وأنا اللي دفعت تمن اللي حصل! رائد كان فاكر إني خدت حاجة ما تخصّنيش، بس الحقيقة إن بابا هو اللي ورّطني لما خبّى أوراق الشراكة عن رائد... وأنا فضلت أتحمّل النتيجة."
قالت بصوت أكثر هدوءًا، لكنه يحمل سُمًّا دفينًا:
"وما قلتليش ليه؟ ليه كنت سايبني أعيش في دور البريئة اللي بتخاف من رائد، وهو في الآخر طالع مظلوم؟"
أخفض عينيه، ثم قال:
"كنت خايف عليكي... وخايف أقول وتكرهيّني."
اقتربت منه، وقالت بحدة:
"أنا دلوقتي مش بكرهك يا مهاب... أنا مش عارفة أنا مين! مش عارفة الحقيقة فين، ولا إزاي أصدّق أي حاجة."
قال بتوسّل خافت:
"ليلى، اللي بيني وبينك مفيهوش كدب... أنا أخوكي، ومش هسمح لأي حد يأذيكي، حتى لو كنت أنا السبب."
نظرت إليه مطولًا... ثم التفتت وغادرت الغرفة دون كلمة.
كانت خطواتها لا تحمل وجهة، لكن قلبها كان قد خطّ أول طريق نحو الحقيقة... الحقيقة التي لا تحتمل النسيان.
داخل المنزل الفخم، كانت نيرفانا تذرع الأرض بخطوات سريعة، وكأن قلبها يقفز من صدرها لهفةً. عيناها تتلألآن بفضول لم يُخمده حديث يقين الصباحي، الذي ألمح بوضوح إلى زيارة والدها لمعلمة الأدب، مس ليلى.
لكن نيرفانا لم تكتفِ بالإشارات... كانت تنتظر كلمة واحدة، تأكيدًا صريحًا من شفتيه هو.
وقفت أمام جناحه للحظات، ثم دفعت الباب بخفة ودخلت.
كان رائد يجلس في مقعده الوثير، منشغلاً بأوراقٍ مبعثرة أمامه، لكن عينيه سرعان ما ارتفعتا إليها. ابتسم حين رآها، لكنها لم تمنحه فرصة ليسأل، بل قفزت إلى حضنه، تعانقه بشوق:
"وحشتني أوي يا دادي!"
ضحك بخفوت، وهو يضمها إليه بحنان صادق:
"وإنتي كمان، يا نور عيني."
جلست بجواره، تتأمله بعينين تلمعان بترقّب:
"رحت لمدرستي النهاردة؟!"
أغلق الأوراق ببطء، وقال متسائلًا وهو يراقب ملامحها:
"ليه السؤال ده دلوقتي؟"
قالت بلهجة خفيفة، كأنها تحاول إخفاء فضولها تحت عباءة المزاح:
"بسأل يعني... يقين قالتلي إنك كنت هناك."
أومأ برأسه، نبرته صارت أكثر جدية:
"أيوه، رحت. كان لازم أتكلم معاها."
تقدّمت نحوه، تنظر في عينيه، ثم قالت:
"يعني ناوي تتجوزها؟"
ابتسم رائد، لكنه لم يكن ابتسامة خفيفة، بل أقرب إلى تنفّس ثقيل حمله قلبه:
"ليلى مدرسة ممتازة، وأنا بحترمها... بس اللي بينا أعمق من مجرد إحساس بسيط أو قرار متسرع."
"بس إنت رحتلها... مش ده معناه إنك لسه...؟"
قاطَعها بنبرة حانية، وهو يضع يده على كتفها:
"في حاجات يا نيرفانا، مش بتتحل في يوم وليلة. وليلى، ليها مكان جوّه قلبي، حتى لو الطريق بينّا معقد."
تأملته بصمت، ثم قالت هامسة:
"أنا نفسي أشوفك سعيد يا دادي... حتى لو مع مس ليلى."
ربّت على يدها بلطف:
"وأنا كمان، بس السعادة مش دايمًا بتيجي بالشكل اللي بنتخيله، صح؟"
أومأت برأسها ببطء، ثم طبعت قبلة على خده قبل أن تنهض:
"بس أنا بحبها على فكرة... وبحبك أكتر."
رواية قلب السلطة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مروة البطراوي
ظل رائد جالسًا مكانه، بعد أن غادرت نيرفانا، وقد غمر الغرفة صمت كثيف، كأن الهواء نفسه توقّف عن الدوران.
نظر إلى انعكاس وجهه على الزجاج، ولم يرَ إلا ظلالًا متعبة... رجلًا أنهكته الحيرة، ومزّقته طرقٌ متفرعة لا يعرف أين تنتهي.
رنّ الهاتف فجأة، فهزّه الصوت من شروده.
نظر إلى الشاشة، فانعقد حاجباه فورًا: الحاج صابر.
تردد لثوانٍ، ثم ضغط زر الإجابة، وجاءه الصوت من الجهة الأخرى جافًا كعادته، مشبعًا ببرود يعرفه جيدًا:
"عرفت إنك رُحت لمدرسة البت."
لم يردّ رائد، فقط أغمض عينيه، وكأنه يشحذ صبرًا.
تابع الحاج صابر بصوت يحمل نبرة تهديد لا تُخطئها الأذن:
"فاكر إنك طلعت منها سليم المرّة اللي فاتت؟! لو ناوي تفتح باب اتقفل، تبقى بتحفر لنفسك يا رائد... وبتقرب من نار مش هتعرف تطفيها."
قال رائد بهدوء محسوب، لكن داخله كان يغلي:
"اللي بيني وبينها مش من حقك تدخّل فيه. خلّي حدودك زي ما اتفقنا."
ضحك صابر ضحكة قصيرة لا روح فيها، ثم قال:
"أنا ما بدخلش، أنا بنبّه... عشان لما توقع، ما تقولش ما حدش قاللي."
ثم أنهى المكالمة دون انتظار رد، تاركًا رائد يتنفّس ببطء، يحاول أن يطفئ نيرانًا اشتعلت في صدره من جديد.
أعاد رائد الهاتف إلى سطح المكتب ببطء، وكأن أصابعه تتردد في تركه...
الصمت عاد، لكن هذه المرة كان أثقل.
أنفاسه المتقطعة فضحت اضطرابه، وعيناه ظلّتا معلّقتين في اللاشيء.
سُمع طرق خفيف على الباب، ثم فُتح بلطف، وظهرت يقين واقفة، بوشاحها الحريري وقلق واضح في ملامحها.
"كنت فاكراك نزلت تنام، رائد."
رفع عينيه إليها، لم يردّ.
دخلت بخطوات هادئة، وجلست على طرف الأريكة، ثم نظرت إليه طويلًا وقالت:
"هو كل مرة يكلمك فيها، بيهدّك كده؟"
تنهد ببطء، ونظر إلى الفراغ كأنما يحاول انتزاع كلماته من دخان أفكاره:
"الحاج صابر ما بيكلمش... هو بيرمي قنابل، ويمشي."
أطرقت يقين برأسها قليلًا، ثم رفعت نظرها إليه:
"عن ليلى؟"
هزّ رأسه، وقال بنبرة مُحملة بثقل القلب:
"عارفة؟"
ابتسمت يقين ابتسامة حزينة:
"من قبل ما يقول. أنا بحسّ بيك، يا رائد."
سكت لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر دفئًا:
"بس خلّي بالك... الحاج صابر مش خطر في كلمته، هو خطر لما يلاقيك ضعيف. قوم، وافق، أو انسحب... بس ما تسيبش نفسك معلّق، عشان هو ما يعرفش يرحم المعلّقين."
نظر إليها مطوّلًا، ثم قال بصوت خافت:
"أنا ما كنتش ضعيف... أنا كنت تايه."
مدّت يدها تمسك بكفه، وقالت برقة:
"بس دلوقتي، الطريق باين. وإنت لو مشيت فيه، أنا وراك... حتى لو وقف صابر نفسه."
في السيارة، جلس رائد خلف المقود، لا يُدير المحرك، ولا يلتفت للساعة التي تومض أمامه.
كانت يداه على عجلة القيادة، لكن روحه مشدودة للوراء... إلى تلك الغرفة، إلى عينيها.
أخرج سيجارة، أشعلها دون شغف، ثم أطفأها قبل أن يأخذ منها نفسًا.
فتح درج التابلوه، أخرج ظرفًا صغيرًا، آخر ورقة لم يسلمها لليلى... تلك التي تحمل الاسم الآخر، الاسم الذي أراد أن يتركه لقرارها وحدها.
حدّق فيه طويلًا، ثم همس وكأنه يعترف لمرآته:
"لو كانت ضحية... يبقى أنا الجاني مرتين."
رنّ هاتفه. اسم "يقين" ظهر على الشاشة.
تردد، ثم أجاب:
"رائد... فين؟ ليلى اتكسرت النهاردة، وأنا مش قادرة أوصلها."
"أنا السبب يا يقين... بس كان لازم تعرف."
"وهتسيبها بالوجع ده؟"
أغلق الهاتف دون رد، ووضع رأسه على المقود، بينما تنفّس المدينة في الخارج يمضي... وهو، في داخله، لم يغادر بعد.
في شقتها المطلة على النيل و التي لا يعرفها أحد سوى شامل ، كانت يقين تجلس على الأرض، وقد فرشت أمامها أوراقًا قديمة وصورًا باهتة.
الشمس بدأت تميل، ودفء الضوء ينسكب على وجنتيها كأنّه يواسيها.
لكنها لم تكن بحاجة لمواساة... كانت بحاجة لفهم.
مرّت أناملها على صورة تجمعها بوالدها، راسم الذهبي، ذلك الرجل الذي رحل وترك خلفه كثيرًا من الأسئلة، وأقلّ القليل من الأجوبة.
همست وهي تحدّق في صورته:
"أبوك كان إيه فعلًا؟ عمود في العيلة؟ ولا ظلّ طويل لحد تاني؟"
رنّ هاتفها فجأة. اسم المتصل: "يحيى الدالي" — محامي العائلة.
أجابت، وصوتها محايد:
"اتفضّل، يا أستاذ يحيى."
"مساء الخير، مدام يقين... آسف على الإزعاج بس فيه حاجة مستعجلة ظهرت النهارده."
"خير؟"
"ملف قديم طلع من أرشيف الشركة، بتاريخ ٢٠٠٣... توقيع والدك فيه واضح، لكن في طرف تاني توقيعه غريب."
"غريب إزاي؟"
"الطرف التاني هو نديم الغالي."
تجمّدت يقين في مكانها. اسم... لم يُذكر منذ سنين في بيتهم.
"نديم؟ والد ليلى؟"
"أيوه. بس الأغرب، إن الملف مافيش له نسخة في سجلّات الشركة، كأنه اختفى عمداً... ولولا إنه كان ضمن مستندات تانية مرميّة في أرشيف الأدوار العليا، ماكنّاش لقيناه."
قالت يقين بعد لحظة صمت:
"ابعتلي نسخة فورًا... ما تتكلمش مع حد تاني في الموضوع. مفهوم؟"
"تمام يا فندم."
أغلقت الهاتف، وظلّت ممسكة به بيد مرتجفة.
نهضت، سارت نحو النافذة، وحدّقت في النهر.
نفس الاسم... يعود ليطفو من جديد.
نفس الوجع الذي لم يفهمه أحد غيرها... ذاك اليوم، الذي سمعت فيه والدها يصرخ في وجه عمّها، ثم يختفي صوت نديم من بيتهم إلى الأبد.
همست كأنها تحاور الظلّ:
"لو اللي في الورق ده حقيقي... يبقى إحنا كلنا كنا بنعيش في كذبة كبيرة."
وفي قلبها، بدأت تقرأ المشهد من زاوية أخرى، بعين لم تكن أبدًا بريئة، لكنها هذه المرة... كانت حادّة كالسيف.
دخل رائد إلى الصالة بخطوات هادئة، لكنه ما إن لمح يقين جالسة بشيء من الحماسة، حتى ارتسمت على وجهه علامات الريبة.
قال بنبرة متوجسة:
"فيه إيه؟"
رفعت عينيها إليه، وابتسامة خفيفة تلوح على شفتيها وهي تحتسي الشاي:
"ليلى جاية تتغدى معانا النهاردة."
توقف مكانه، حدّق بها كأنّه لم يسمع جيدًا:
"عزمتيها؟!"
أومأت برأسها ببساطة، وكأن الأمر لا يستحق الدهشة:
"حد كان لازم يحرك المياه الراكدة."
لم يرد على الفور، فقط ظل ينظر إليها، ثم تمتم بنبرة خافتة:
"انتي بتلعبي بالنار، يقين."
ردّت بنظرة واثقة وصوت هادئ:
"ما هو أنت اللي ولّعت أول شعلة."
دوّى جرس الباب بصوتٍ خافت لكنه ثقيل، كما لو أنّ الطرق نفسه متردّد.
اتجهت يقين بخطًى رشيقة نحو الباب، وفتحته على مهل.
كانت ليلى تقف هناك، بملامح محايدة أكثر من اللازم، وابتسامة بالكاد تُرى.
قالت يقين بنبرة مرحة خفيفة، تحاول بها إذابة الجليد:
"نورتِ، يا ليلى."
هزّت ليلى رأسها بأدب:
"البيت منوّر بأهله."
تبادلت الفتاتان نظرة قصيرة، تحمل الكثير مما لا يُقال.
ثم تراجعت يقين قليلًا لتفسح لها المجال، وأشارت بيدها:
"ادخلي."
خطت ليلى إلى الداخل، كأنها تخطو فوق أرض لم تطأها من قبل... المنزل نظيف، مرتب، دافئ... لا يشبه شيئًا مما يدور في رأسها.
وما إن دخلت حتى رفعت عينيها لتجده هناك. رائد.
واقف في الصالة، بجانب الكنبة الجلدية، بذات الهيئة الهادئة التي تسبق العاصفة... عيناه لا تفضحان شيئًا، لكن سكونه يشي بكل شيء.
تبادل النظرات بينهما لم يدم سوى لحظات، لكنه حوى تاريخًا كاملاً.
قالت يقين، وهي تلتقط إشارات التوتر وتُعيد توزيعها بلطف:
"الغدا قرب يخلص، تعالوا اقعدوا شوية لحد ما أجهز السفرة."
أومأت ليلى، وتقدّمت ببطء نحو الأريكة المقابلة لرائد.
جلس هو أولًا، دون أن ينبس بكلمة.
ثم جلست هي، محافظة على استقامة ظهرها، ووضعت حقيبتها بجانبها كأنها درع.
قال أخيرًا، بصوتٍ هادئٍ لا يخلو من الحذر:
"أهلاً بيكِ، يا أستاذة ليلى."
قالت، دون أن تنظر نحوه:
"أهلاً، يا أستاذ رائد."
استقرت الكلمات بينهما كأنها تُختبَر… لا فيها دفء، ولا عداء... مجرد نبرة مُحايدة تُخفي خلفها جبهات متعددة.
وفي المطبخ، كانت يقين تُراقب الموقف من بعيد، بينما تغلي في داخلها فكرة واحدة: هل تكفي مائدة واحدة لجمع قلوب تمزّقت على نفس الطاولة؟
جلس الثلاثة حول السفرة المستطيلة… يقين تتصدر المشهد بنشاطها المعتاد، تملأ الصحون، وتوزّع الابتسامات.
رائد على يمينها، وليلى على يسارها… بينهما أطباق كثيرة، وكلمات قليلة.
قالت يقين وهي تضع قطع الدجاج في طبق ليلى:
"دي وصفة جديدة جرّبتها امبارح… قولوا رأيكم بصراحة."
ردّت ليلى بابتسامة خافتة:
"ريحة الأكل تشهي، أكيد هيعجبنا."
أما رائد، فاكتفى بهز رأسه وهو يمد يده نحو صحن السلطة، وقال:
"مفيش أكلة بتفلت من تحت إيدك يا يقين."
ضحكت يقين، لكنها لم تفوّت نظرة رائد السريعة لوجه ليلى… نظرة قصيرة، لكنها تشبه الغصة.
بدأت المعالق تصطكّ بالأطباق في صمت… كلٌّ يأكل دون نهم، وكأنّ الطعم ليس هو الهدف.
قالت ليلى فجأة، وصوتها كان مزيجًا من مجاملة واختبار:
"البيت شكله متغيّر عن اخر مرة كنت هنا … شكلك اشتغلت عليه كتير، يقين."
ردّت يقين بخفة، وهي ترشف من كوب الماء:
"كل حاجة اتغيّرت، مش بس الديكور."
تبادل رائد وليلى نظرة قصيرة، ثم أسرعت ليلى بتقطيع قطعة لحم في طبقها.
قال رائد بصوتٍ هادئ، وهو يضع شوكته:
"أحيانًا التغيير بيبقى هو الحل… لما المكان يختزن وجع، بنغيّر وشه… يمكن نعرف نعيش."
نظرت إليه ليلى، وبدا لوهلة أنها ستردّ، لكنها ابتسمت بسخرية خفيفة:
"بس مش دايمًا الوجع في المكان."
سقط الصمت للحظة، حتى قاطعته يقين بمرح مفتعل:
"اللي مزعلك يا ليلى، قوليلي… أنا هغيّره فورًا."
أجابت ليلى بنظرة دافئة يقين:
"أنا مش زعلانة، يا يقين… أنا بس لسه بتأقلم."
ثم أضافت، وهي تنقل نظرها لرائد:
"لما الواحد يكتشف إنه مايعرفش الناس اللي حوالينه بجد… بيحتاج وقت عشان يثق في أي حاجة."
قال رائد ببطء، وصوته كمن يمشي على الجمر:
"الثقة ما بتيجيش بالساهل… بس لو جت، لازم تكون كاملة."
رمقته ليلى بنظرة طويلة… كأنها تحاول أن ترى فيه ذلك الشخص الذي اختبأ عنها طويلًا.
ثم وضعت شوكتها، وقالت برقة مغلفة بحدّة:
"أنا ما بطلبش حد يثق فيّ… أنا بس عايزة أعرف أنا وِقفتي فين."
همّت يقين بالكلام، لكن رائد أشار لها بنظرة أن تترك الأمر.
ثم قال بوضوح:
"وقفِتك في وش الحقيقة، يا ليلى… والباقي قرارك."
ساد صمت ثقيل… حتى الملاعق بدت كأنها تتردد قبل الحركة.
وفي قلب تلك السفرة الأنيقة، كانت أرواح ثلاثة تتذوّق شيئًا مريرًا لا يُطهى على نار، بل على صدق لا مفر منه.
كانت الأجواء بعد الغداء مشوبة بصمت ثقيل، تتنقّل فيه النظرات أكثر مما تتحرّك الكلمات.
رائد جلس في طرف الصالة يتظاهر بالانشغال بتقليب صفحات كتاب مهترئ، بينما يقين توضّب الصحون في المطبخ، وليلى تقف خلفها تهمّ بمساعدتها، وإنْ بدا عقلها بعيدًا تمامًا عن الأطباق.
رنّ جرس الباب.
رفعت يقين رأسها، نظرت بسرعة إلى الساعة، ثم إلى ليلى، ثم ابتسمت كأنّ شيئًا سرّيًا على وشك أن يُكشف.
قالت وهي تمسح يديها في المريلة:
"أنا هافتح."
فتحت الباب، لتقف امرأة خمسينية، ملامحها مرهقة لكن نظراتها حادة، تحمل في يدها حقيبة أنيقة، وتخفي في قلبها ما لا يُقال.
كانت السيدة عفاف، والدة ليلى نديم الغالي.
نظرت يقين إليها بحنان:
"أهلاً وسهلاً، كنت مستنياكي."
دخلت الأم بخطى واثقة، لكن قلبها كان مترددًا في كل خطوة.
لمحها رائد من مكانه، فاعتدل في جلسته، ثم نهض واقفًا، ولم يتكلم.
أما ليلى، فما إن سمعت صوت السلام، حتى توقّف كل شيء في يدها، التفتت ببطء... وعيناها اتسعتا بدهشة أقرب للذنب منها للفرح.
قالت الأم بصوت ناعم، لكنه يحمل شيئًا من اللوم:
"ما تسأليش فيا يا ليلى بقالك اكتر من اسبوع بره البيت ؟"
تقدّمت ليلى نحوها بخطوات مترددة:
"ماما...؟ انتي إزاي...؟"
نظرت يقين إلى المشهد، ثم انسحبت بهدوء إلى عمق المطبخ، تاركة الماضي يتكلّم.
قالت الأم وهي تمسك بيد ابنتها:
"أنا جيت أسمع الباقي... لأن اللي حصل ما ينفعش يتسكت عليه، لا زمان ولا دلوقتي."
الصالة كانت مشبعة برائحة الطعام الباقية، لكن الهواء مشحون بشيءٍ آخر...
جلست نيفين على الأريكة، تحتضن حقيبة يدها وكأنها تتشبّث بيقين داخلي، بينما تقف ليلى على بُعد خطوة من رائد ويقين، نظرتها ثابتة، وكتفيها مشدودان.
قالت يقين، بنبرة حاولت أن تكون دافئة لكنها ارتطمت بالجمود:
"ماما نيفين، ليلى جت النهارده عشان نقعد مع بعض بهدوء... يمكن نوضح حاجات."
ردّت نيفين بنبرة حاسمة، وهي تنظر إلى رائد:
"أنا ماجيتش عشان أسمع توضيحات... أنا جاية مع بنتي."
نظر إليها رائد بصمت، لم يرد، فقط رمق ليلى بنظرة قصيرة قبل أن يحوّل عينيه إلى الأرض.
ليلى استجمعت شجاعتها، ثم قالت بصوت أقرب للهدوء الحازم:
"أنا مش طالبة تبريرات، ولا جاية أسمع خطب... بس فيه ورق، طلعلي، بيقول إن بابا ماكانش بريء زي ما كنت فاكرة... وإن اللي بيننا، يا رائد، ماكنش صدفة."
رفعت نيفين رأسها بسرعة، وقالت بحدة:
"مين سمحلك تفتحي الدفاتر القديمة؟! أبوك مات من سنين، وسايبنا على قد حالنا."
أجاب رائد، للمرة الأولى، بهدوء ثقيل:
"اللي سمح... هو الورق اللي اتسرب من خزنة جدي. ماكانش قصدي أوجّع، بس كان لازم تعرف الحقيقة."
قاطعتهم يقين، وعيناها تلمعان بخوف:
"بس الحقيقة مش دايمًا بتصلح... أوقات بتكسر أكتر."
تقدّمت ليلى بخطوة، نظرت نحو أمها، ثم رائد، وقالت:
"أنا مش هنا عشان أنتقم... أنا عايزة أعرف أنا واقفة فين. لأن طول عمري شايلة ذنب ماعرفوش... وخوف من شخص، طلع مظلوم زيه زيّا."
سكت الجميع للحظة، سكون مربك... فقط عقارب الساعة تملأ الفراغ.
قالت نيفين، وصوتها يرتجف رغم صلابتها الظاهرة:
"وإنت يا يقين؟ ليه ماقولتليش من الأول؟"
قالت يقين وهي تقترب من والدتها، تمسك بيدها:
"كنت مستنياهم يواجهوا بعض، من غير وساطة... ومن غير ما نحكم مسبقًا. بس كنت لازم تكوني معانا في اللحظة دي."
اقترب رائد ببطء، وعيناه على ليلى:
"أنا مش طالب منك تصدقي كل حاجة... بس على الأقل شوفيها، بعينك، مش بعين اللي ربّانا على رواية واحدة."
سكتت ليلى، ثم قالت بصوت منخفض:
"أنا شوفت... وباقي أصدّق. ودي أصعب خطوة."
تنهدت نيفين، ثم نظرت إلى ابنتها بحنان ممزوج بالخوف:
"لو حسّيتي إن قلبك مش مطمن، نمشي حالًا يا ليلى."
لكن ليلى لم تتحرك.
المشهد لم ينتهِ بالحسم... لكنه كان أول خيطٍ في نسيج جديد، قد يُخاط من الألم صدقًا، أو يُمزّق إن عاد الجميع للتكذيب.
قبل أن تهبط نيرفانا وتكسر بصخبها البريء جوّ الاحتقان المتجمّد، كانت الأبواب ما تزال تستقبل القادمين... ومع كل طرقة، كان التوتر يتزايد كأنّه يجرّ وراءه ماضٍ بأكمله.
رنّ جرس الباب للمرة الثانية، فتقدّمت يقين بخفة لفتحه، كأنها تنتظر أحدًا... وحين انفتح الباب، انكشف وجه مهاب، مترددًا، حذرًا، لكنه لم يكن غريبًا عن هذا البيت.
رفعت يقين حاجبيها بتودد:
"كنت قلتلك تيجي... يمكن وجودك يفتح باب ماكانش حد قادر يقربه."
لم يُجِب، فقط أومأ برأسه، ودخل بخطوات مترددة، كأن الأرض لا ترحب به بعد، وكأن صمت الجدران يراقبه.
دخلت ليلى الصالة بعد دقائق، ثم توقفت فجأة... عيناها استقرتا على مهاب، لكنها لم تنطق بشيء. فقط نظرة سريعة، صامتة، امتزج فيها العتاب بالغربة.
رائد لاحظ كل شيء. التفت نحو يقين بنظرة جانبية، لكنها لم تُبدِ ندمًا، فقط جلست بهدوء ورفعت كوب الماء إلى شفتيها.
قال مهاب أخيرًا، بصوت خفيض:
"أنا جيت لأني ماقدرتش أرفض لما يقين كلّمتني... ولو ده مش مناسب، ممكن أمشي فورًا."
ردّت ليلى دون أن تنظر إليه:
"مش مهم الوقت... المهم الكلام."
وبهذه الجملة، جلس مهاب، وانضمّ إلى الطاولة، وفي قلبه أكثر مما قال، وفي قلبها أكثر مما سُمع.
ثم نزلت نيرفانا، وانقلب الجو كأن الحياة قرّرت أن تُذكّرهم بأن الأطفال لا يعترفون بالضغائن، ولا يقرؤون التوتر في الوجوه.
ابتسامتها، وقهقهتها الصغيرة، كسرت الحاجز، ودفعتهم واحدًا تلو الآخر للجلوس حول الطاولة، وكأنّهم أُجبروا على الهدنة.
نيرفانا تجلس بجانب ليلى، وعيونها تلمع بفرح الطفولة وهي تتحدث بلا توقف:
"هنتعيش مع بعض، يا مامي ليلى... وهروح أوضتي وأختار فساتين جديدة، ونخرج سوا نشتري حاجات كتير، وأنتي بس تبقي 'مامي ليلى' بس!"
ليلى تبتسم بابتسامة هادئة، لكن عينيها تبحثان عن رائد، الذي كان يجلس مقابلها، صامتًا لكنه يراقبها بتركيز.
نيفين، أم ليلى، تنظر إلى رائد، وتقول بجدية:
"رائد، أنت عارف إن الموضوع مش سهل، خصوصًا مع نيرفانا، ولازم تكون مسؤول عن بنتي برضه."
رائد يرد بهدوء وثقة:
"أنا مش بلعب لعبة، ولا هأقدم نفسي كبطل في قصة. أنا هأبدأ صفحة جديدة بصدق، وبكل المسؤولية."
نظر إلى ليلى مباشرة وقال:
"أنا عارف إن بينا مش سهل، يا ليلى... بس ماقدرش أعديه من غير ما ندي نفسنا فرصة. لو في فرصة... لازم تبدأ منك."
نيفين تمسك يد ليلى بحنان، وتقول:
"أنا عارفة إنك قوية، يا بنتي. بس خايفة عليكِ. وأنا هبقى جنبك، مهما حصل."
نيرفانا تهمس ببراءة:
"أنا نفسي تبقي عيلتي سعيدة."
ليلى تبقى صامتة، لكن في عينيها صراع كبير بين الأمل والخوف.
داخل العاصفة.
رغم ما بدا من الهدوء الظاهري، خيّم على أرجاء المنزل شعورٌ خفيّ، كثيفٌ كالسحاب الداكن قبيل المطر.
لم تكن الكلمات المتبادلة تكفي لحجب التوتر الكامن في نظرات العيون، ولا لستر ذلك الشعور المُعلّق في الهواء، وكأنّ الجميع يتحسّسون شيئًا ما دون أن يصرّحوا به.
كانت نيرفانا قد أنهت حديثها المبهج، وجلست قرب ليلى تلتصق بها بحنوٍّ طفولي، تهمس لها بحماس لا ينضب:
"أنا ونِتِي بقى نروح نشتري الفستان سوا، ماشي؟ هو أنا هسيبك تعملي حاجة من غيري؟ ده أنا هابقى مع مامي ليلي طول الوقت!"
ابتسمت ليلى، ابتسامة باهتة، متكلّفة. لم يكن ذهنها في ما تقوله الصغيرة، ولا حتى في تفاصيل الجلسة حولها.
كانت تائهة بين تلك الكلمات القليلة التي قالها رائد منذ قليل، والتي بقيت ترنّ في رأسها بصوتٍ خافت لا ينطفئ: "أقرب مما تتخيلوا".
لم تكن تفكر في الفرح، بقدر ما كانت تغوص في أعماق قرارها، ذلك القرار الذي بدا لها، الآن، أثقل من احتماله.
كيف تتخذ موقفًا وهي بعد لم تتيقن من مشاعرها؟ وكيف تردّ وهي محاطة بعينَي والدتها، وصمت مهاب، وتلك الابتسامة الثابتة على وجه رائد؟
نظرت ليلى نحو أمّها التي كانت تتبادل الحديث مع رائد حول ترتيبات أوليّة.
بدا صوت نيفين خافتًا، محسوبًا، كما لو كانت تمشي على خيطٍ دقيق.
أما مهاب، فظلّ صامتًا، يراقب المشهد بنظرة لا تُقرأ، ولا تُفصح عن انطباع صريح.
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أنها تقف، بالفعل، على حافة العاصفة.
لكن الغريب أنها لم تكن تخشى العاصفة ذاتها، بل ما يليها... الهدوء الذي يأتي بعدها، وقد يحمل معه ما لا يمكن التراجع عنه.
ساد صمتٌ قصير، قطعه صوت خطوات رائد وهو يقترب أكثر.
لم يجلس، بل ظل واقفًا، مستندًا بكفه إلى ظهر الكرسي الخشبي، ناظرًا إلى نيفين ثم إلى ليلى بنظرة حاسمة، وكأن لحظة الإعلان قد حانت.
"أنا شايف إننا نخلّص كل حاجة قريب."
رفعت نيفين حاجبيها، بينما ليلى عقدت حاجبيها في توتر، تظاهرت بعدم الفهم.
"قريب يعني إمتى بالظبط؟" سألت نيفين، نبرة صوتها خليط من الحذر والاستفهام.
أجاب رائد بنبرة ثابتة، لا تحتمل الكثير من التأويل:
"الجمعة الجاية."
شهقت نيفين خافتًا:
"الجمعة؟ دا بعد أسبوع يا رائد بيه! ده مش وقت كفاية خالص!"
ابتسم بخفة، وعيناه تتنقلان بين الأم وابنتها:
"أنا مش بحب أطوّل في الحاجات اللي اتحسمت. والليلة دي... بالنسبالي، كل حاجة بقت محسومة."
ليلى ظلت صامتة، لكن وجهها بدا كمن تلقى صدمة خفيفة.
أرادت أن تعترض، أن تطلب وقتًا أطول، أن تقول شيئًا يوقف هذا الاندفاع، لكنها وجدت نفسها تهمس فقط:
"بس... إحنا لسه ما اتفقناش على التفاصيل..."
اقترب منها أكثر، وخفَّ صوته وهو يوجه حديثه إليها فقط:
"التفاصيل؟ التفاصيل دايمًا بتيجي بعد القرار... مش قبله. وأنا قررت يا ليلى."
كلماته لم تكن قاسية، لكنها لم تكن قابلة للنقاش.
ثم التفت نحو نيفين مجددًا، يحاول أن يمنحها بعض الطمأنينة:
"هنعمل حاجة بسيطة، أهلية. لا فرح كبير ولا صخب. وهنرتبها سوا لو حبيتي تساعدي في التفاصيل."
أومأت نيفين ببطء، وكأنها لا تزال تحاول اللحاق بما يُقال، ثم قالت في صوت أقرب إلى الهمس:
"طيب... لو ده قراركوا... إحنا ما نملكش غير الدعاء بالتوفيق."
ثم نظرت إلى ليلى، بعين أمٍّ لا تعرف إن كانت تسلّم ابنتها لقدر جيد، أم ترسلها إلى قلب العاصفة.
تبدّلت أجواء المنزل تدريجيًا، وإن ظلّ الغموض والقلق يتغلغل في تفاصيله، محيطًا بالحاضرين كسحابة قاتمة لا تبرح السماء.
جلست نيرفانا بين ليلي ونيفين، تنثر حكاياتها الطفولية بحماس عن تحضيرات الفرح، الفستان، والأحلام التي تلوّنت في خيالها البريء، بينما كانت ليلي، بعينيها التي تحملان ألف سؤال، بالكاد تستمع، كأنها تائهة في عالمٍ آخر.
أما رائد، فكان مستندًا إلى مسند الأريكة، يراقب الجميع بعينين لا تفوتهما أي حركة، لكن اهتمامه الأكبر كان منصبًا على ليلي، يترقب كل انفعال منها، كل همسة تحاول إخفاءها.
وقفت نيفين فجأة، ابتسامتها تحمل شيئًا من الذكاء وربما السخرية اللطيفة، لتقطع حديث نيرفانا:
"بس يا نيرفانا، خلي العروسة تاخد نفسها شوية."
التفتت نيرفانا إلى ليلي بحيوية، وضعت يدها الصغيرة على يدها وقالت:
"إنتي مش فرحانة، مس ليلي؟!"
رفعت ليلى رأسها ببطء، ونظرت إلى عيني ابنتها نيرفانا بحيرةٍ واضحة، لم تجد ما ترد به على ذلك السؤال المباشر.
أفاقت من شرودها فجأة، وكأن كلمات الطفلة جذبتها من دوامة أفكارها المتشابكة، فارتبكت للحظة قبل أن تنطق بصوت هادئ، مُحاولًة أن تبدو متماسكة:
"أنا... أكيد فرحانة، بس لسه مش مستوعبة. كل حاجة حصلت بسرعة، وكل حاجة حواليّا بتتغير."
حينها، جاء صوت رائد العميق، هادئًا لكنه مشحون بمعانٍ خفية، يقطع الصمت وكأنه يرسم حدودًا جديدة:
"أحيانًا، أحسن الحاجات في الدنيا بتجي فجأة، من غير ما تكون متوقّعها."
التفتت إليه ليلى بنظرة طويلة، متفحصة، كأنها تحاول أن تخترق ذلك السكون الذي يلفه بهدوءه المعتاد، لكنها لم تجد سوى صلابة رجل لا يُكشف بسهولة.
نيفين، التي لم تغب عنها حالة التوتر المكبوتة بين ليلى ورائد، قررت أن تضيف بصمتها على المشهد، قالت بنبرة ساخرة تمزج بين المتعة والحذر:
"وأحيانًا برضه، الحاجات اللي بتيجي فجأة بتكون زي الصاعقة، ما بتديش فرصة لحد يستوعبها."
ابتسم رائد بابتسامة خفيفة، لم يكن قد وقع في الفخ، بل بدا وكأنه يرحّب بهذا التحدي اللفظي:
"الصاعقة مشكلتها الوحيدة إنها بتكشف الحقيقة، مش بتخلقها."
ضحكت نيفين بمرح، ثم رفعت حاجبها بدهاء، وكأنها تزن كلماته بدقة قبل أن تردّ:
"كلامك مظبوط، بس برضه الصاعقة بتمحي أي حاجة في طريقها."
ظلّت الكلمات تحوم في الجو، تضع خطوطًا رفيعة بين التوتر والهدوء، بين ما يُقال وما يُخفى، ولم يكن أحد منهم على يقين تمامًا بما يخبئه القادم.
تدخلت نيرفانا بسرعة، بنبرة طفولية ملؤها الإلحاح، محاولة أن تكسر التوتر:
"يا جماعة، إحنا بنغوص في كلام كبير وحاجات غريبة، بس محدش قالنا إمتى الفرح؟"
لمحت ليلي نظرات رائد مع نيفين، ثم وجدت نفسها تواجه عينيه مرة أخرى، كأنهما يختبران مدى استعدادها للدخول في هذا المشوار.
ابتسم رائد بخفة، وأجاب بثقة:
"الفرح يوم الجمعة الجاي، إن شاء الله."
وقعت الكلمة في أجواء الغرفة كقطعة ثلج باردة، جعلت ليلي تغمض عينيها للحظة تستوعبها، ثم همست بصوت خافت:
"فعلاً... الجمعة؟"
أجاب رائد بصوت خافت لكنه حازم:
"عمري ما بهزر في القرارات الكبيرة، ليلي."
رواية قلب السلطة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مروة البطراوي
ظلّت كلمات رائد تتردد في أذن ليلى كهمسٍ ثقيلاً لا ينفكّ يطاردها، يثقل صدرها بنبضات متسارعة، كأن قلبها يرفض هذا القدر المحتوم. شعرت فجأة بأن الأرض قد انزوت من تحت قدميها، وأن الهواء يضيق حولها، وكأنها محاصرة في زجاجة صغيرة لا تقدر على التنفس فيها.
الغرفة التي كانوا فيها بدت ضيقة أكثر من ذي قبل، جدرانها البيضاء التي لطالما كانت مصدر أمان، بدت الآن كأنها تقترب منها، تضغط عليها بكل برودة ملمسها، تخنقها بصمتها الثقيل. النوافذ المغلقة كانت تسمح فقط برقائق خفيفة من ضوء النهار الباهت، كأن الشمس ترفض الدخول إلى هذا المكان، تاركة الظلال تتراءى كأشباح تحوم بين الأركان.
رائحة القهوة التي كانت تتصاعد من الكوب على الطاولة لم تكن تملك قوة تخفف من ثقل اللحظة، بل بدت كعبء إضافي يختلط مع رائحة الورق والأثاث القديم، وكأن كل شيء هنا محاصر بين الماضي والحاضر، ينتظر أن ينفجر.
في هذه اللحظات المشحونة، كانت أصوات الغرفة تبرز بشكل مزعج، كل صوت أصبح مكثفًا: خرير الساعة القديمة على الحائط، ينبض بصوت متقطع يشبه دقات قلب متوتر؛ طرقات خفيفة من الشارع تتسلل عبر النافذة المغلقة، تعزف إيقاعًا غريبًا من القلق؛ حتى همسات نيرفانا الطفولية كانت تتردد كصدى بعيد، يحاول اختراق سحابة الصمت الثقيلة.
وفجأة، عبر الشارع، تسللت نسمات رياح باردة تحمل معها همسًا غامضًا، تلاها اهتزاز خفيف للأرض، كأن العالم من حولهم يلتقط أنفاسه مترقبًا. كان هذا الاهتزاز الرقيق كأنه نبض خفي للطبيعة، يختلط مع همس الرياح ليشكلان معًا لحنًا من الغموض والانتظار، يزرع قلقًا عميقًا في صدور الجميع.
على الطاولة، كانت شمعة واحدة تشتعل بلهيب هادئ، لكن مع كل نفَس من الرياح التي تسللّت من النافذة، بدأت تتراقص ألسنة اللهب بخفة، ترقص في اهتزازات متقطعة، كأنها تحاول المقاومة بين النور والظلام. تلك الحركة الصغيرة، رغم ضعفها، كانت كرسالة خفية بأن هذا المكان، وكل من فيه، على حافة تغييرٍ عميق.
أما النوافذ، فكانت تغلق بإحكام، لكن الرياح التي تعانق الزجاج بين الحين والآخر كانت تسبب اهتزازات خفيفة في الإطارات، تسمع معها صوت خافت يشبه التنهدات المكتومة، وكأن النوافذ نفسها تئن تحت وطأة الأسرار التي تكتمها، تحاول أن تهمس بما لا يُقال.
وسط هذه الأصوات، بدأ قلب ليلى ينبض بعنف داخل صدرها، دقاته المتسارعة تتداخل مع صمت الغرفة، كأنه يعلن تمرده على هذا الهدوء الثقيل. كان صوت دقات قلبها وكأنه طبول حرب، تملأ أذنيها بصدى متزايد، يرفع من حرارة جسدها ويثقل أنفاسها، فتشعر بأن كل نبضة تقربها أكثر من المجهول الذي يخيفها.
نيفين جلست بهدوء، لكن وقع قدمها على الأرض الخشبية القديمة كان واضحًا، كخطوة تتحدى الزمن، تحاول أن تقرر بين الماضي والمستقبل. وصوت أنفاس ليلى كان يعلو أحيانًا، يتقطع بين التوتر والخوف، كأنه همس داخلي يُكافح لفهم ما ينتظرها.
كل لحظة تمرّ كانت تزرع في قلب ليلى بذور القلق، تخاف من اليوم الذي سيأتي فيه الفرح، ذلك اليوم الذي سيكون له ثمن، ثمن غالي لن تدركه إلا حين تعبر بوابة ذلك الحدث.
وفي تلك الغرفة الصغيرة، حيث اختلطت أنفاس الحاضرين، بدا الصمت أثقل من الكلمات، كأنه إعلان صامت بأن شيئًا ما على وشك الانفجار، وأن رحلة ليلى لن تكون سهلة، وأنه في خلف كل ابتسامة مرتقبة، يكمن صراع داخلي يصرخ بلا صوت.
وسط ذلك الصمت المطبق، شعرت ليلى بأن يديها ترتعشان بشكل لا إرادي، كأن جسدها يحاول أن يهرب من ذلك العبء الثقيل الذي يثقل صدرها. نظرت إلى أصابعها المتشابكة بإحكام فوق ركبتيها، تشعر بحرقة دفء الدم تتسرب من أعماقها إلى أطراف أصابعها.
تنهدت ببطء، لكن التنفس بدا لها متقطعًا وثقيلًا، كأن الهواء صار أثقل مما ينبغي. حاولت أن ترفع يدها لتُسرّح خصلات شعرها عن جبينها، لكن حركاتها كانت مترددة، مرتجفة، كما لو أن كل عضلة في جسدها تشهد تمردًا داخليًا.
عيناها التقت بنظرات رائد للحظة قصيرة، ثم أغمضت عينيها بإحكام، محاولة أن تستجمع قواها، لكن قلقة القلب لم تفارقها، فكان دقاته تتسارع مع كل ثانية تمرّ.
وفي هدوء، جلست ليلى تحرك قدميها في حركات صغيرة غير منتظمة، تكاد تكشف عن التوتر المكبوت، وكأنها تبحث عن توازنها وسط عاصفة المشاعر التي تجتاحها.
نيفين، من جانبها، نظرت إلى ليلى بعينين مليئتين بالتفاهم والحنان، ثم أضافت بابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من التحدي:
"مفيش حاجة تستاهل الخوف لو إحنا متجمعين، حتى لو الدنيا هتزعل علينا. الفرح مش بس فرحة... ده بداية لفصل جديد. ومهما كان، إحنا مع بعض."
تنهدت ليلى ببطء، وأخذت تلك الكلمات تحفر في قلبها، محاولة أن تستمد منها بعض القوة لتواجه ما ينتظرها.
بعد لحظات من الصمت الذي ملأ الغرفة، انسحبت ليلى بهدوء إلى ركن بعيد، بعيدًا عن نظرات الجميع. وقفت هناك، تنظر إلى الأرض، وكأنها ترى في تلك البقعة الصغيرة كل ما يحاصرها من مخاوف وأحزان.
داخلها كان عاصفة لا تهدأ، كأنها تتصارع مع نفسها في معركة صامتة. صوت رائد ونيفين لا يزال يتردد في ذهنها، لكنه لم يطفئ نار القلق التي تأججت من أعماقها.
همست لنفسها بصوت يكاد يكون شبحًا:
"إزاي أكون قوية... وإزاي أضحك لما قلبي بيئنّ من الهم؟"
حاولت أن ترفع رأسها، لكن الدمعة الأولى لم تستطع مقاومتها، انزلقت ببطء على وجنتها، تلتقط معها كل ثقل الأيام والقرارات التي باتت معلقة على كاهلها.
رفعت يدها لتمسح الدموع، لكن في حركة لا إرادية، قبضت على طرف ثوبها بقوة، كأنها تحاول تثبيت نفسها وسط الفوضى التي تعيشها.
كل فكرة كانت تدخل إلى ذهنها تزرع فيها المزيد من الحيرة: هل ستنجح في مواجهة ما هو قادم؟ هل الفرح المنتظر سيحمل لها السلام أم المزيد من الألم؟
توقف الزمن حولها للحظة، وكأنها عالقة بين عالمين — عالم الطفولة البريء الذي ترغب في التمسك به، وعالم البلوغ المليء بالتحديات التي لا تعرف كيف ترد عليها.
ثم نظرت إلى النافذة، حيث الرياح تهمس من جديد، وألسنة اللهب في الشمعة ترفرف، وكأنهما يعكسان صراعها الداخلي — بين الضوء والظلام، الأمل والخوف، الحلم والواقع.
سكنت الغرفة إلا من رفيف الشمعة التي تقاوم خفة الهواء العابر من النافذة، وحفيف ستارة تهمس في الفراغ كأنها تنذر بشيء قادم لا يُرى.
ليلى لا تزال في ركنها، تتنفس بصعوبة، وكل نبضة في قلبها كأنها طبول تُنذر بمعركة لا تعرف متى تبدأ. ورائد كان يراقب بصمت، كأن بينه وبينها حديثًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.
وفجأة، قطع رائد الصمت، ورفع رأسه ببطء، ونظراته جمعت كل ما فيها من حزم وثبات:
"مفيش مجال للتراجع، ليلي. القرار اتاخد، واللي جاي مش بس مفاجآت... ده تغيير كامل في قواعد اللعبة."
سكت للحظة، كأنه بيهزّ الأرض تحت رجليهم بصمته، ثم أضاف بصوت أعمق وأهدأ:
"اللي فاكر إن الدنيا هتفضل زي ما هي، ده غلطان. كل واحد فينا هيدفع تمن القرارات دي... وأنتِ أول واحدة."
نظرات الحضور اتبدلت بين صدمة وخوف، ونيفين حاولت تكسر الجمود بابتسامة نصفها حقيقية ونصفها قلق:
"يا رب نكون قدّها..."
تنهدت ليلي ببطء، والرهبة متغلغلة في كل كلمة خرجت من بين شفتيها:
"دي بداية مش بس لفصل جديد... دي بداية لعاصفة ممكن تبلعنا كلنا."
وصمت الجميع، وصوت خافت لصدى المستقبل يُسمع في المكان، كأنه بيهمس لهم: استعدوا، لأن اللعبة ما بقتش لعب.
بعدما انتهى رائد من كلمته، وعمّ الغرفة صمت ثقيل، تحركت ليلى من مكانها ببطء، خطواتها كأنها تجرّ أثقالًا غير مرئية، حتى وقفت أمامه مباشرة.
عينيها كانت مليانة نظرات متأرجحة بين الدهشة، والغضب، والخوف. وقلبها كان بيخبط في صدرها كأنه بيطالبها تخرج اللي جوّاها من سنين.
قالت بصوت مكتوم، لكن نبرته كانت مشتعلة:
"وإمتى خدت القرار؟ لوحدك؟ من غير حتى ما تبصّ وراك وتشوف أنا واقفة فين من اللي بيحصل؟"
رمش رائد ببطء، وكأن السؤال لسّعه، لكنه ما اتكلمش.
تابعت، وصوتها بدأ يرتفع، بس مش بالصراخ، بالمرارة:
"أنا مش ورقة في إيدك، ولا تفصيلة صغيرة في خطتك الكبيرة! أنا بني آدم يا رائد! بتهزّني كلمة، وبتكسرني نظرة، وبتخوفني ليلة ساكت فيها! إزاي قررت إننا هنعدي للمرحلة اللي بعد كده... من غير ما تفهم أنا مستعدة ولا لأ؟!"
ابتلع رائد ريقه، وقال بهدوء ظاهر يخفي ما لا يقال:
"كنت فاكر إنك أقوى من كده... وإني لما أسبق بخطوة، إنتي هتجري ورايا مش تتراجعي."
قهقهت ضحكة صغيرة مليانة وجع:
"لا... إنت مش فاكر إني قوية، إنت بتراهن إني هفضل أسكت... وأستحمل! بس أنا تعبت... ومش عايزة أدفع تمن قراراتك لوحدي."
سكتت، ووقفت لحظة كأنها بتحاول تستعيد نفسها... عينيها كانت مليانة دموع بتتشبث بالتماسك.
همست بعدها:
"الجمعة...؟!
لو فعلاً ناوي تكمّل، يبقى تبصلي وأنا ماشية جنبك مش وراك...وتسمعني مش تحسبني...لأني مش هكمل في طريق أنا مش شايفاه غير من ضهرك."
وقف رائد في مكانه، ملامحه اتبدلت، كأنه لأول مرة يسمع صوت خوفها على حقيقته، مش مجرد رد فعل.
نيفين كانت واقفة على الجانب، ملامحها مشوشة، لكن نظرتها لليلى كانت كلها تقدير... كأنها أخيرًا سمعت اللي هي نفسها كانت بتكتمه زمان.
جلست يقين في مقعدها بهدوءٍ تام، ثم فتحت حقيبتها الجلدية بعناية، وأخرجت منها مجلدًا أنيقًا وضعتْه أمامهم، وقد بدا الحماس يرقص في نبرتها وهي تقول:
"جمعت أفكار بسيطة... حاجة كده هادية على قدّنا، زي ما بتحبي، لا صخب ولا بهرج. هنعمّله هنا، في بيت العيلة، في الجنينة، شوية ورد وشمع وفوانيس، والجو هيكون كله دفء وحب."
ثم التفتت إلى ليلى، وكأنها تنتظر منها ابتسامة رضا، أو على الأقل موافقة صامتة تزيح عن صدرها عبءَ القلق.
لكن ليلى لم تُجِبْ فورًا. ظلّت تحدّق في المجلد المفتوح بعينين خاليتين من الانفعال، ثم سألت بصوتٍ خفيض ينطوي على ما يشبه العتاب:
"يعني... قررتوا كل ده؟ من غيري؟"
تدخّلت نيفين بسرعة، محاولة امتصاص التوتر الذي بدأ يلوح في الأفق:
"مش قررنا، يا بنتي... بس حاولنا نسهلها عليكي. قلنا نخفف الحمل ونخلّي الجو بسيط. دي لحظة ليكي، مش علينا."
رفعت ليلى عينيها نحو رائد، نظراتها كانت تختبر صدقه لا كلامه، وكأنها تسأله عن النوايا لا التفاصيل.
"وإنت؟... موافق؟"
أومأ رائد برأسه، ثم مال بجذعه إلى الأمام، وقال بصوتٍ هادئ ينطوي على ثقة ثابتة:
"أنا وافقت نعمل حاجة بسيطة علشانك... بس الأهم عندي إننا نكمّل. بالشكل اللي يريحك، بس ما نرجعش تاني للخلف."
طال الصمت بينهما، فبدت ليلى وكأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها بين ركامٍ من التردد والخوف. ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
"أنا مش خايفة من الفرح... أنا خايفة من المعنى اللي بعده."
همّت يقين بالكلام، ولكن رنين هاتفها قطع عليها الطريق.
أخرجت الهاتف، وما إن وقعت عيناها على اسم المتصل حتى تبدّل لون وجهها، وقالت بتوترٍ واضح:
"شامل..."
تحوّل انتباه الجميع إلى يقين، كأن الزمن توقف ينتظر الكلمة القادمة.
ضغطت زر الإجابة، وقالت بصوتٍ سريعٍ يحمل القلق:
"أيوه، شامل؟"
ثم خيّم الصمت الثقيل. لم يُسمع في الأرجاء سوى همس الرياح التي تسللت من النافذة المفتوحة، تراقص معها ستار رقيق، وارتجف لهب شمعة موضوعة على الطاولة، كأنها تهمس بشيء لا يُقال.
فجأة تغيرت ملامح يقين، جمدت في مكانها، وانعكس في عينيها ذهول لا يمكن وصفه. همست كأنها لا تصدق ما تسمعه:
"إنت بتقول إيه؟!"
اعتدل رائد في جلسته بسرعة، ومال بجسده نحوها، قال بنبرةٍ حادة:
"في إيه يا يقين؟!"
رفعت يقين رأسها ببطء، نظرت إليه، ثم إلى ليلى، ثم إلى نيرفانا... وكأنها تخشى أن تنطق بما تعلم، ولكنها لم تجد مفرًا.
فقالت بصوت متهدّج، كأن كل حرف يسحب من روحها جزءًا:
"شجن... أم نيرفانا... اتقتلت!"
وقعت الكلمات في المكان كقنبلةٍ صامتة.
تاهت نظرات نيرفانا في الفراغ، ثم همست:
"ماما...؟"
وانهارت على المقعد، بينما وضعت ليلى يديها على بطنها كمن يحتمي بشيء هشّ لا يكفيه، ورائد وقف فجأة كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه، وصوته خرج مشروخًا:
"إزاي؟... فين؟ إمتى؟"
لكن أحدًا لم يجب...
فالحقيقة حين تُقال، لا تحتاج إلى شرحٍ إضافي.
كانت النهاية قد كُتبت، والمشهد الأول من العاصفة قد بدأ.
❈صرخاتٌ في الظلام ❈
كان الليل قد أرخى سدوله الثقيلة، يمدّ ستائره السوداء فوق كل شيء، كأنما يحاول إخفاء الحقيقة أو تهدئة صخبها الجارح. لكن بعض الحقائق لا تختبئ، لا تذوب في العتمة، بل تنفجر في وجهك كرصاصةٍ طائشة، تدوي في الأرجاء ولا تترك لك مهربًا.
في ذلك البيت، الذي طالما ظنوه حصنًا، خيّم الصمت فجأة، لا كراحة، بل كفزعٍ مؤجل.
الأضواء الخافتة عجزت عن تبديد البرودة المخيفة، والأرائك الوثيرة غدت بلا معنى، كأنها حجارة صماء... حتى الهواء نفسه صار أثقل من أن يُتنفّس، مثقلاً برائحة الغياب الأبدي.
وقف الجميع وكأنّ الزمن قد توقّف. أحدهم خفّض رأسه، كأنه يهرب من العيون المتسائلة، وآخرون تظاهروا بعدم الفهم، لكن الحقيقة كانت أفصح من أن تُنكر... وأقسى من أن تُحتمل.
لكن نيرفانا... لم تكن مثلهم.
لم تبكِ. لم تنهَر. لم تصرخ كما توقّع الجميع.
بل وقفت في قلب العاصفة، كأن الحياة قد انسلّت من عروقها، كأنها جدارٌ بلا صوت...
غير أن عينيها...كانتا تهيمان في الفراغ، تبحثان عن منفذ، عن صدعٍ صغير تتسلل عبره، عن يدٍ تمتدّ فتوقِف الزمن، لكنها لم تجد.
في طرف الغرفة، جلس رائد الذهبي على المقعد الجلدي، جسده مائلٌ للأمام، أصابعه متشابكة، ظهره مقوس، ووجهه منحوتٌ كصخرٍ بارد. لكن ذلك الجمود لم يكن إلا قشرة.
في داخله، كانت العاصفة تعربد.
غضب، فوضى، سؤالٌ يتكرر دون إجابة: "لماذا الآن؟ لماذا هكذا؟"
لكن عينيه لم تفشِ شيئًا... إلا بريقًا قاتمًا وامضًا، كاشفًا عن هاويةٍ تتسع داخله.
أما يقين، فقد ظلت تمسك بالهاتف، وجهها شاحب، أنفاسها متقطعة، وكأنها تسمع النبأ من جديد كل دقيقة. كانت عاجزة عن النطق، تبحث عن الكلمات ولا تجدها.
وليلى...كانت تراقب كل شيء.
تعرف أن هذه الصدمة لن تمر كأي عاصفة.
تعرف أن الشرخ الذي انفتح الليلة... سيظل مفتوحًا إلى الأبد.
ثم...
"إنتو بتقولوا إيه؟!"
خرج صوت نيرفانا أخيرًا.
مرتعشًا، لكنه محمَّلٌ بالغضب، بالرفض، بالذعر.
كان صوتها كصفحةٍ مبللة تقاوم الريح، تتمايل، لكن لا تنكسر.
وقفت بثباتٍ هشّ، واجهت الجميع، تحدّتهم بصمت عينيها، والدموع تحترق خلف الأجفان، لا تسقط... بل تشتعل.
لم يجبها أحد.
لا أحد استطاع أن ينظر إليها في عينيها.
"ماما... ماتت؟"
نطقتها وكأنها تختبر وقع الكلمة على لسانها.
كأنها تنتظر أن ينكرها أحد.
لكن يقين لم تنطق، فقط انخفض رأسها...
وذلك كان كافيًا.
نيرفانا فهمت.
ثم...
جاءت الصرخة.
صرخة شقّت الهواء، مزّقت السكون، دكّت جدران الغرفة، وأصابت قلب كل من سمعها.
لم تكن مجرد ألم، كانت انفجارًا داخليًا... موتًا صامتًا بصوتٍ عالٍ.
انهارت على الأرض، قبضت على السجادة بأصابعها، كأنها تحاول الإمساك بالحياة، بمن تبقّى، بما يمكن إنقاذه... لكنها كانت تسقط في هاويةٍ لا قرار لها.
ورائد؟
رفع رأسه أخيرًا، نظر إليها، طويلاً...
لكن عيناه كانتا خاويتين.
لقد بدأ كل شيءٍ ينهار داخله بالفعل.
و نظراته الي ليلي كلها اتهامات انها نذير شؤم لذلك انسحبت علي الفور و هو لم يحاول اللحاق بها.
❈ قرارٌ بلا يقين ❈
كان الليل قد أوشك أن يسدل ستاره الثقيل على نوافذ المكتب، ورائحة تبغٍ محترق تتسلل إلى الستائر في صمتٍ قاتم. جلس "رائد" خلف مكتبه، عيناه غائرتان في صفحة بيضاء، لا يدري كم من الوقت مضى وهو يحدق في الفراغ كمن ينتظر صفعة توقظه من غيبوبةٍ طويلة. أصابعه تعانق الولاعة الفضية بإصرار، يفتحها ويغلقها، كأنها حبل نجاته الأخير من دوّامة أفكاره.
الباب انفتح فجأة دون طرق، ودخل "شامل"، لكن دون ضجيج هذه المرة، وكأن بينه وبين رائد ما صار لا يحتاج استئذانًا.
قال بنبرة باردة كالسُخام:
"بعتّه."
رفع رائد رأسه إليه، دون دهشة، دون رد.
"بعت الولد... أوس، مش كده؟"
بلغت عنه.
لم يُجب. بل أغلق الولاعة مرة أخرى، ببطء، ووضعها على سطح المكتب بينهما كأنها فجوة زمنية فصلت بين رجلَين لم يعودا يعرفان بعضهما.
اقترب شامل، جلس دون استئذان، مائلًا بجذعه للأمام، وقال بصوتٍ منخفض:
"ليه يا رائد؟ عشان يهدى ضميرك؟ عشان تبين لبنتك إنك بتحميها؟ ولا عشان تنتقم لمشاعرك اللي مش عارف تعترف بيها؟"
كل ده علشان شجن استخدمته ضدك؟
أخذ رائد نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم قال دون أن يلتفت نحوه:
"أوس غلط. وغلطه ما ينفعش يعدي. نيرفانا تستاهل اللي أحسن من كده."
و يستاهل اللي يتخالف مع الشيطان ضدها.
قهقه شامل ضاحكًا، لكن بمرارة:
"نيرفانا؟ ولا إنت اللي شايف نفسك فيها؟ إنت مش بتعاقب الولد، إنت بتعاقب نفسك، بس على طريقة واحد مايعرفش يغفر."
عمرك ما هتنسي أن كنت لعبة في ايد شجن.
صمت رائد للحظة، ثم حدق في شامل بعينين متصلبتين:
"أنا مش بدوّر على غفران. أنا بدوّر على نجاة."
ليا و لبنتي و بعدين اكيد له ايد في قتل شجن.
هز شامل رأسه بيأس:
"نجاة لمين؟ ليها؟ ولا ليك؟"
ما انت كنت من المتهمين.
ابتسم رائد بسخرية، ثم وقف، دار حول مكتبه، واقترب من النافذة، وهو يقول بصوت خافت:
"فيه ناس لازم تتقصقص ضوافرهم بدري... قبل ما ينهشوا اللي بتحبهم."
الواد ده انا اتغديت بيه قبل ما يتعشي بيا.
نهض شامل بدوره، اقترب منه، وقال بنبرة فيها رجاء أخير:
"مش كل حاجة حلّها الحزم... ولا كل غلط نكسره بالنفي. أوس كان بيحبها بصدق، حتى لو كان مش قدها."
و لا فدك يا رائد.
استدار رائد ناحيته ببطء، وقال بهدوء مخيف:
"وأنا كمان... بحبها. بس لما الحب يهددها، يبقى لازم أموت الحب."
معنديش اغلي منها.
ارتجف جفن شامل للحظة، كأنه أدرك أخيرًا عُمق الحفرة التي غاص فيها رائد. ثم قال بصوت خفيض:
"وإنت متخيل إنها هتشوفك بطل؟"
لم يجب رائد. فقط زفر بقوة، كأن كل الحوارات باتت عبئًا لا يريده.
تحرك شامل نحو الباب، لكنه قبل أن يفتحه، استدار وقال:
"نيرفانا مش هتنسالك ... و يمكن ما تسامحكش."
و ليلي لما تعرف هتخاف منك اكتر.
فتح الباب وخرج، يترك خلفه رائحة تبغ ثقيلة وصمتًا مشبعًا بالندم المؤجل.
رائد لم يتحرك. فقط مد يده وأطفأ سيجارته بقسوة في الطفاية، ثم أغلق الولاعة، أخيرًا... وكأنّه أغلق بابًا لن يُفتح أبدًا.
❈ المواجهة: ما بعد الفقد ❈
كان السكون قد استقر في أرجاء البيت كأنما الحزن نفسه أغلق الأبواب والنوافذ بيديه. لا صوت سوى أنفاس متقطعة، متخبطة، تُسمع من خلف بابٍ نصف مفتوح لغرفة نيرفانا.
دفع رائد الباب ببطء، لم يكن يعرف ماذا سيقول... أو إن كانت هناك كلمات كافية.
كانت نيرفانا تجلس على طرف السرير، عيناها جافتان من فرط البكاء، لا دموع الآن، فقط ارتجاف صامت في الأصابع وصوت خافت ينبض في صدرها.
لم تلتفت له حين دخل، فقط قالت بنبرة متيبسة:
"عرفت."
تجمد في مكانه، ثم قال بصوت خفيض:
"كنت عارف إنك هتعرفي."
استدارت نيرفانا نحوه فجأة، كأن الصوت أيقظ ما حاولت دفنه، وصرخت:
"عرفت إنك بعت الشخص الوحيد اللي كان بيفهمني! بعت أوس يا بابا... بعد ما أمي ماتت! بعد ما اتقطعت نصين!"
استحاله يكون قتلها.
اقترب منها خطوة، مد يده كأنما يريد أن يطبطب، لكنها انكمشت بعيدًا، فظل واقفًا مكانه، يهمس:
"أوس مش آمن عليكِ... وأنا... أنا ماقدرتش أغامر بيكِ."
هو غامر بيكي و كان ممكن يغامر بيا.
ضحكت بمرارة، ثم نهضت واقفة أمامه، وقالت بقهر:
"ما قدرتش تغامر بيا؟! طب وأنا؟! أنا كنت أمان لنفسي؟! ولا حتى كنت عارفه أعيّط على أمي من كتر اللي حصل حواليّا؟! كل حاجة اتسحبت من تحت رجلي فجأة، وأنت الوحيد اللي كنت فاضل... وطلعت أنت كمان مش سند!"
و بتاخد كل حلو.
تنفّس ببطء، عيناه بدأت تترنّح فيهما نظرة ألم قديم:
"أنا سند... بس مش بالشكل اللي تتوقعيه. أنا لو سِبتِ نفسك تنهاري، مين هيشيلك؟ أنا يا نيرفانا لازم أكون الأرض اللي تقفي عليها، حتى لو كانت خشنة."
اقتربت منه وهي تقول بنبرة مجروحة:
"ماكنتش عايزاك تكون أرض... كنت عايزاك تكون حضن."
ارتعشت الكلمات في حلقه، لكن الكبرياء الذي يسكن قلبه كبل لسانه، فما قال شيئًا.
سألته وهي تحاول كبت شهقتها:
"كنت شايفه خاين؟ ولا ضعيف؟ ولا مش قدّي؟"
ردّ بعد تردد طويل:
"كنت شايفه خطر... ومكنتش قادر أستحمل أخسرك انتي كمان، لو فضلتوا مع بعض."
شهقت، وقالت بصوتٍ أقرب للانكسار:
"بس أنا اللي خسرته... بإيدك."
صمته هذه المرة كان إقرارًا، لا إنكارًا.
نظرت إليه طويلًا، ثم همست:
"أمي ماتت، وأنا كأني متّ معاها... بس الفرق إن هي ارتاحت، وأنا لسه هنا... في بيت كله ألم، وحب ناقص، وأسئلة مالهاش رد."
تحركت ناحيته، وقفت مقابله تمامًا، ثم قالت وهي تبكي بصمت:
"كنت بحبك، وكنت شايفاك أقوى راجل في الدنيا... بس دلوقتي؟ أنا مش شايف غير حد بيخاف من مشاعره... وبيهرب من كل حاجة مش بيفهمها."
مدّ رائد يده إليها للمرة الأخيرة، لكن يدها لم ترتفع.
استدارت، وفتحت الباب، وقبل أن تغادر، قالت:
"أنا هقفل علي نفسي شوية... بس لو جيت يوم ولقيتني مت، ماتزعلش. لأن الحزن عمره ما قتل حد... بس كتمانه بيعمل أكتر من كده."
غابت نيرفانا خلف الباب، ورائد ظل واقفًا، كأن صدى الخطوات وهي تبتعد، كان بيهدم جواه حاجة مش هتتبني تاني.
أشعل سيجارة، لكن الدخان هذه المرة لم يكن هروبًا... بل عقابًا.
❈ العروس الغاضبة ❈ (بعد ثلاثة أسابيع من مقتل أشجان)
مرّت ثلاثة أسابيع، كانت كافية ليصير الصمت سيّد البيت. منذ رحيل أشجان، توارت الضحكات خلف الأبواب المغلقة، وغرقت الشرفات في كآبةٍ رمادية لا تطفئها شمس.
في صالة بيت ليلي، جلست نيفين بصمت ثقيل، تتفقد مسبحتها كمن يبحث في الخرز عن مخرجٍ من كابوسٍ لم يُفِق منه أحد. مهاب كان يمشي جيئة وذهابًا كقنبلة موقوتة، يلعب بأصابعه، ينظر إلى باب غرفة ليلى، ثم يزفر في ضيق.
— يا ماما… هو إحنا هنفضل كده لحد إمتى؟ دي تالت مرة يوصّل لينا طرد، وكل مرة ترفض تفتحه!
رفعت نيفين نظرها إليه ببطء، ثم قالت بصوت خافت ممتزج بغضب مكتوم:
— الظرف ده مش زي اللي قبله.
— أيوه ما هو ولا واحد كان زيه. أول مرة بوكيه ورد اختفى، وتاني مرة خاتم رجّعته، ودلوقتي...؟
لم ترد، بل نهضت دفعة واحدة، كأنها سئمت دور المتفرّج، واتجهت نحو غرفة ليلى بخطى صارمة.
طرقت الباب مرة، مرتين، ثم صرخت:
— ليلي! افتحي، لازم تتكلمي، الوضع ماينفعش يفضل كده!
لم يأتِ أي رد.
فتحت الباب، كان مواربًا كعادته مؤخرًا، ودخلت، يتبعها مهاب وهو يحمل الطرد الذي وصلهما صباحًا.
كانت ليلى جالسة على طرف السرير، وجهها هزيل، وشعرها مربوط في كعكة فوضوية، والهالات السوداء تحت عينيها تنطق بما لا يُقال.
رفعت عينيها ببطء نحو أمهما، ثم إلى الطرد، وقالت بجفاف:
— مش هيبطل يبعت حاجات؟ مش كفاية اللي حصل؟
ردّت نيفين وهي تقترب:
— اللي حصل مش هيتصلّح بالهروب يا ليلي… ولا بالصمت. افتحي وشوفي بعينك.
ضحك مهاب بسخرية، وهو يضع الطرد أمامها:
— أنا شايف إنه هيبعتلك عمارة في التجمع المرادي… إنتِ بس افتحي وهتعرفي.
لكن ليلى لم تتحرك. مدت يدها ببطء إلى الطرد، ثم توقفت، وكأنها تراجعت عن قرارها. قالت بصوت مخنوق:
— مفيش حاجة هتصلّح اللي اتكسر… لا بوكيه ورد، ولا فستان، ولا حتى كلمة.
صرخت نيفين فجأة، وقد نفد صبرها:
— بس كفاية! إحنا بقالنا تلات أسابيع ما نعرفش نتصرف! لا رائد عارف يتكلم معاكي، ولا إحنا فاهمين إنتِ عايزة إيه! وإنتِ ما بقتيش تعرفي نفسك!
هنا، انفجرت ليلى، نهضت واقفة، وقد تحوّل وجهها إلى كتلة من الانفعال:
— أنا؟ أنا اللي ما بقيتش أعرفني؟! طيب اسألوا نفسكوا، هو أنا كنت فين يوم اللي حصل لطليقته؟ كنت بتعاقب على إيه لما الدنيا وقعت فوق دماغي؟!
كأني انا اللي قتلته.
رد مهاب بحذر:
— محدّش بيعاقبك، يا ليلي… بس كلنا بنتعامل مع اللي حصل بطريقتنا، وهو…
قاطعته بحدة:
— بطريقتكم! وأنا؟ أنا ماليش طريقة؟ أنا لازم أبلع كل حاجة وأسكت؟!
ثم نظرت إلى الطرد، كأنه عدوّ، ومدّت يدها، شقّته دون حماس، حتى خرج منه فستان زفاف ناصع البياض، مرصّع بكريستالات رفيعة، بطرحة تشعّ كأنها نور نازل من السّماء.
سادت لحظة صمت. عيناها اتسعتا في دهشة مشوبة بالخوف. لم تلمسه، لم تقرّب وجهها منه، فقط همست:
— ده بيعبّر عنّي؟ عن كل اللي حصلي؟ عن الوجع اللي في قلبي؟
ثم رفعت الفستان، ببطء، تملكه للحظة، ثم سقط من بين يديها كأنه شيء لا يُطاق.
قالت نيفين وهي تكاد تبكي:
— رائد عايز يفتح صفحة جديدة… عايز يصلّح اللي كُسر.
هزّت ليلى رأسها ببطء، ثم قالت بهدوء غريب:
— اللي اتكسر… أنا. ومحدش بيصلّح البني آدمين بالفُستَان.
ثم فجأة، دون مقدمات، أمسكت المقص الموجود على مكتبها، وغرسته في قلب الفستان، وبدأت تقطعه كما لو كانت تمزّق شيئًا من أعماقها… شيئًا لا تريد أن يبقى.
رواية قلب السلطة الفصل العشرون 20 - بقلم مروة البطراوي
كان الممر هادئًا، لكن خطوات ليلى فوق السيراميك المثلج كانت تصرخ. كل خطوة تحمل وجعًا، وإصرارًا.
دخلت غرفتها الأخرى، الغرفة اللي ما كانتش بتدخلها غير نادرًا، وفتحت الدولاب اللي في آخره شنطة كبيرة لونها نبيتي، مرسوم عليها حروف اسمها بالذهبي.
سحبتها من تحت الملابس، فتحتها، وبدأت ترمي فيها قطع القماش اللي كانت قبل دقيقة "فستان زفاف".
في الخارج، كانت نيفين قد جلست على طرف الكنبة، وأسدلت يديها في استسلام، بينما مهاب ظل واقفًا في المنتصف، ينظر إلى الباب الذي أغلقته ليلى وراءها، قبل أن يقول:
- هي مش بترفض رائد... هي بترفض كل حاجة حصلت من ساعة الليلة دي.
ردت نيفين، بصوت فيه بحة دموع:
- عارفة... وعارفة إننا كلنا اتغيرنا، بس أنا خايفة... خايفة تبعد لدرجة ما تعرفش ترجع.
في تلك اللحظة، انفتح باب غرفة ليلى من جديد. خرجت ليلى، بعد أن بدّلت ملابسها، ترتدي بنطالاً داكنًا وبلوزة واسعة، وشعرها مربوط بإحكام. وجهها خالٍ من أي زينة، كأنها خلعت معها كل الأدوار اللي فرضوها عليها.
قالت بهدوء:
- أنا نازلة.
نهض مهاب فورًا:
- نازلة فين؟! إنتِ أصلاً مش بتنزلي من بعد اللي حصل!
- عشان كده نازلة.
اقتربت نيفين، تمسك بذراعها برفق:
- طيب استني... على الأقل قوليلنا هتروحي فين؟
نظرت ليلى في عيني أمها، وقالت بصوت ناضج، لا يقبل نقاشًا:
- هروح أدوّر على نفسي... يمكن ألاقيها ف مكان محدش اختاره لي.
ثم خرجت.
في السيارة، جلست خلف عجلة القيادة، لأول مرة منذ أسابيع. أدارت المحرّك، ولم تحدد وجهة. كانت تسوق وشوارع القاهرة تفرد أمامها دروبًا لا تنتهي، لكنها لم تكن تبحث عن مكان... كانت تبحث عن إحساس.
استقرت عيناها على اللافتة التي تشير إلى "الزمالك"، فانحرفت نحوها، بلا خطة.
وصلت إلى النيل، أوقفت السيارة، وترجلت. كان المساء قد بدأ يزحف ببطء، والهواء محمّل برائحة الماء والخذلان.
جلست على أحد المقاعد، تنظر إلى صفحة الماء، تراه يلمع ويجري، كأنه يهرب مثلها، ثم أخرجت هاتفها، تردّدت... ثم كتبت رسالة:
"أنا محتاجة أقابلك. بس مش علشان نرجع. محتاجة أفهم."
وأرسلتها.
في تلك اللحظة، كان رائد يقف أمام مكتب زجاجي مرتفع، يطل على المدينة من علٍ، حين تلقّى الرسالة. قرأها مرتين، ثم جلس، كأن الأرض اهتزّت تحته.
"محتاجة أفهم..."
تمتمها في سره، ثم نهض فجأة، تناول مفاتيحه، واتصل بسكرتيره:
- ألغِ كل حاجة عندي النهارده.
ثم خرج مسرعًا.
على ضفة النيل، ما زالت ليلى جالسة. في عينيها خليط من الندم، والمرارة، والتعب. لكنها هذه المرة، لم تكن تبكي. كانت تتنفس... فقط تتنفس.
اقتربت منها خطوات، وقفت عند حافّة الرؤية، ثم جلس بجوارها.
قال دون أن ينظر لها:
- أول مرة بعرف إني ممكن أفرح برسالة، حتى لو كانت مش دعوة للرجوع.
ردّت، وهي ما زالت تحدق في الماء:
- أول مرة أكتب رسالة مش علشان أشتكي... بس علشان أتكلم.
مرّت لحظة صمت. ثم استدار نحوها، وقال:
- قوليلي يا ليلى... أنا كنت سبب في كسرِك؟
هزّت رأسها ببطء:
- الكسر جه من حاجات كتير... منك، ومنّي، ومن كل الناس اللي وقفوا يتفرجوا وأنا بطيح. بس أنا قررت أجمّع نفسي... بطريقتي.
قال:
- وإنتِ متأكدة إنك محتاجة تعملي ده لوحدك؟
نظرت إليه، للمرة الأولى، نظرة طويلة وصادقة، ثم قالت:
- لو مافيش حاجة اسمها "لوحدي"، يبقى ماكنّاش هننكسر من الأول.
ثم نهضت، نظرت للنيل مرة أخيرة، وقالت:
- أنا مش جايه ألومك... أنا جاية آخد نفسي، وأمشي بيها خطوة خطوة، من غير مساندة، ومن غير ملامة.
قال بهدوء:
- بس تفتكري... ممكن يوم نرجع نضحك زي زمان؟
ابتسمت، ابتسامة باهتة، ثم قالت:
- لما أرجع أضحك لنفسي الأول... يمكن ساعتها أبقى أضحكلك.
ثم رحلت، وتركت خلفها رجلًا لا يعرف إن كان قد بدأ يُشفى... أم أنه لتوّه، بدأ ينكسر.
عاد إلى شقته متأخرًا. المصعد صعد به ببطء، كأنه يعكس ما بداخله... التردد، الحيرة، الانسحاب.
فتح الباب، دخل، ألقى المفاتيح على الطاولة، وأغلق الباب خلفه بقوة لم يقصدها، لكنها خرجت منه رغمًا عنه... كأنّها جزء من الانفجار الذي كان يكبته منذ شهور.
خلع سترته، ألقى بها على الكنبة، ثم وقف في منتصف الصالة، نظر حوله... الشقة صامتة، مرتبة، أنيقة كعادتها، لكنّها باردة.
مشى حتى المطبخ، فتح الثلاجة، أغلقها دون أن يأخذ شيئًا، ثم عاد وجلس على طرف الكنبة.
أمسك بهاتفه، فتحه، وأعاد قراءة رسالة ليلى:
"أنا محتاجة أقابلك. بس مش علشان نرجع. محتاجة أفهم."
تمتم لنفسه:
- حتى وهي بتقولي مش هرجع... بحس إنها راجعة.
ثم نهض. اتجه ناحية المكتب. فتح الدرج، وأخرج منه مظروفًا صغيرًا، مغلقًا. قلّبه في يده، تمعّن فيه، ثم قال:
- كنت ناوي أبعت ده بدل الفستان... بس خفت.
فتح المظروف ببطء. كان يحتوي على ورقة مطويّة، وتذكرة سفر. الورقة كُتب عليها بخطّه:
"لو قرّرتي تبدأي من جديد... أنا مستنيك هناك. مش علشان نرجع، علشان نعرف إحنا ليه بعدنا."
جلس، وأغمض عينيه. يتأرجح داخله صوت ليلى، حين قالت: "أنا بني آدمة... والبني آدم ما بيتلزقش زي الكريستال."
همس:
- وأنا... أنا اتكسرت قبلك. بس كنت بشوف الكسر فيك أوضح، لأنك كنتي صريحة فيه.
ثم نهض فجأة. ذهب إلى غرفة نيرفانا.
فتح الباب بحذر.
كانت نائمة، محتضنة دبدوبًا صغيرًا، شعرها منكوش، ووجهها هادئ.
اقترب، جلس بجانبها، مرر يده على شعرها، وهمس:
- أنا حاولت أحافظ عليكِ، بس معرفتش أحافظ على ماما... ولا على ليلى.
همست الصغيرة وهي بين النوم واليقظة:
- بابا... ليلى زعلانة؟
ارتبك. صمت للحظة، ثم قال:
- أيوه... بس مش منك، ولا مني. زعلانة من الدنيا كلها.
- طب لما تروق... نوديها البحر؟
ابتسم، رغماً عنه. ضحكته كانت مكسورة، لكن صادقة:
- لما تروق... نوديها البحر.
ثم قبل جبينها، وهمس:
- يمكن البحر يعرف يلمّ الحتت اللي وقعِت مننا.
عاد إلى غرفته. وقف أمام المرآة، تأمل وجهه الذي أرهقه الزمن، والحيرة، والندم. ثم أخرج هاتفه من جيبه، وكتب رسالة:
"لما تلاقي نفسك، سيبيه يعرفني. لأن نفسي متعلقة بيها من زمان."
ثم تراجع، لم يُرسلها. أغلق الهاتف، ووضعه بعيدًا، وكأنه يقول لنفسه:
"خلاص... بقت ليها حريتها، وأصبحت لي وحدتي."
وطفأ النور.
استيقظت ليلى مبكرًا، على غير عادتها في الأسابيع الأخيرة.
الستائر كانت مسدلة، لكن شعاع شمسٍ خافتٍ تسلل من بينها، لامس وجهها كأنّه يناديها برفق: انهضي... الحياة لم تنتهِ بعد.
جلست على السرير، لحظة صمت، تنظر إلى كفّيها، ثم إلى الأرض، كأنها تحاول أن تتذكّر من أين تبدأ.
غسلت وجهها، بدّلت ملابسها، ووضعت لمسة خفيفة من أحمر الشفاه... لا لتبدو جميلة، بل لتبدو حيّة.
نزلت من البيت دون أن تخبر أحدًا.
كانت شوارع القاهرة تبدأ يومها، والضجيج يتصاعد ببطء. خطت خطواتها بثبات، كأنها تعرف إلى أين تذهب، رغم أنها لم تحدد مكانًا بالضبط.
استقلّت مترو الأنفاق، جلست في زاوية، تُراقب وجوه الناس... وجوهًا غريبة، مليئة بتعبها الخاص، بأسئلتها الخاصة، لكنها كانت تشعر بانتماء غريب إليهم... الكل مكسور بطريقة ما.
ثم نزلت في محطة "التحرير"، مشت قليلاً، توقفت عند مبنى قديم كانت تعرفه جيدًا... معرض الكتاب المستعمل.
دخلته.
كان المكان يعجّ برائحة الورق، بالغبار، وبأصوات الصفحات التي تُقلب بفضول.
بدأت تمشي بين الأرفف، تلمس العناوين كما لو أنها تصافح أرواحًا قديمة.
مدّت يدها نحو كتاب صغير، فتحته، وجدت سطرًا بخط يدوي:
"كأنّي حين قرأتك، وجدتُ نفسي."
رفعت عينيها فجأة... لتجد أمامها رجلًا، شابًا في منتصف الثلاثينات، يحمل كومة كتب، ينظر إليها باستغراب خفيف.
ابتسم، وقال:
- واضح إننا لقينا نفس الكتاب.
ردّت بابتسامة مرتبكة:
- باين إنّه الكتاب اللي بيدوّر علينا إحنا الاتنين.
ضحك بخفة، ثم قال:
- أول مرة أشوف حد يقرأ الصفحة دي أول ما يفتح الكتاب... كنت فاكرني الوَحيد اللي بيعمل كده.
سألته، بعفوية ناعمة:
- بتدور على إيه؟
تردد، ثم قال:
- على حاجة تقولّي إني لسه ما تهتش.
نظرت إليه برهة، ثم قالت:
- وأنا بدوّر على اللي تهت عنه.
صمتا للحظة. ثم قال وهو يمدّ يده مصافحًا:
- أنا "عُديّ".
ترددت، ثم صافحته وهي تقول:
- ليلى.
في الخارج، كانت السماء قد بدأت تغيم، والنسيم باردًا بعض الشيء.
سارت ليلى في الشارع بجواره دون ترتيب، وبين يديها كتابٌ، وبين عينيها ضوءٌ خافت من الأمل... كأن لقاءً عابرًا قد يفتح بابًا لم تكن تدري بوجوده.
همس في سرّها صوتٌ قديم:
"ما حدش بيلاقِي نفسه فجأة... بس كل خطوة ليها صوت."
والخطوة دي... كان ليها صوت مختلف.
في تلك اللحظة، كان رائد الذهبي يجلس في مكتبه الفخم، يستمع إلى أحد التقارير بنصف تركيز، بينما أصابعه تنقر سطح المكتب ببطء، وعيناه معلقتان بشاشة هاتفه.
كان يشعر بشيء غريب في الأجواء... شيء غير مريح.
كأن هناك عاصفة تلوح في الأفق.
وفجأة، اهتز هاتفه في يده، نظر إلى الشاشة، فوجد اسمًا محفوظًا دون لقب... فقط: "الظل".
ضغط على زر الرد بسرعة، وانخفض صوته تلقائيًا:
- اتكلم.
جاءه الصوت من الطرف الآخر، هادئًا، واثقًا، كما اعتاد أن يسمعه:
- خرجت من بيتهم من نص ساعة... لوحدها.
- راحت فين؟
- لفت شوية، وركبت المترو... ونزلت محطة التحرير.
رائد نهض من مقعده، مشى ببطء نحو الزجاج المطلّ على القاهرة، عينه مازالت على الهاتف:
- بتعمل إيه هناك؟
- دخلت معرض كتب... قعدت تقلب شوية، وبعدها ظهر شاب، واضح إنه يعرفها... أو بيحاول.
رائد شد أنفاسه بحدة، لم يقل شيئًا.
أكمل الصوت:
- مشيت معاه، مش متشابكين ولا حاجة... بس في مسافة قريبة، وفي كلام، وفي ضحك خفيف.
صمت رائد للحظة، ثم قال بنبرة مشوبة بجمرة مكبوتة:
- صوّرلي.
- حصل.
ثم وصلته صورة... ليلى تمشي بجانب الشاب، عديّ، وكتاب بيدها. ملامحها غير حزينة... ليست سعيدة أيضًا، لكنها "حية".
كأن الحياة بدأت ترجع تتنفس من خلالها.
أغلق رائد المكالمة دون أن يرد.
عاد إلى مكتبه، جلس، حمل الصورة من على الهاتف، كبرها، ودقق في نظرتها... في حركة يدها، في طريقة وقفتها.
ثم تمتم لنفسه:
- حلو... انتي بتتحركي لوحدك خلاص؟ طيب يا ليلى... شوفي هتوصلي لفين من غيري.
ثم أمسك الهاتف مرة أخرى، فتح دردشة غير مسماة، وأرسل رسالة واحدة إلى "الظل":
"كمّل تتبّع... بس من بعيد. ما تخلّيش حد يشوفك. ولو قرب منها تاني... بلغني فورًا."
ثم قفل المحادثة، وفتح درج مكتبه... أخرج المظروف اللي كان هيديه ليها بدل الفستان... نظر إليه، ثم مزّقه نصفين.
وقال بصوت منخفض، كأنه يكلّم نفسه:
- اللي عايز يختار طريقه... لازم يتحمّل سكته، ويمشيها للآخر.
كانا يسيران على كورنيش النيل، بخطى هادئة لا توحي بقصدٍ مُحدد، فقط كأنّهما سمحا للطريق أن يقودهما.
في يد ليلى، الكتاب الصغير، وفي يد عديّ، قهوة ورقية، ينفخ فيها من حين لآخر دون أن يشرب.
قال مبتسمًا وهو ينظر إلى الغلاف:
- على فكرة، دي تاني مرة في حياتي ألاقي حد يخطف كتاب من تحت إيدي، وتكون بنت.
ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة، أقرب لظل ابتسامة:
- ويمكن دي أول مرة أخطف حاجة... من غير ما أهرب بيها.
نظر إليها طويلًا، ثم سأل بنبرة صادقة، بلا تكلّف:
- إنتِ متضايقة من الدنيا... ولا من نفسك؟
ردّت وهي تنظر إلى الماء:
- لما الدنيا تكسر فيك كتير... بتبدأ تشك في نفسك. بس أنا حاليًا... بحاول أفصل بين الاتنين.
مرّت لحظة صمت، ثم سألها:
- بتحبي تقري ليه؟
قالت، وكأنها تحفظ الجواب عن ظهر قلب:
- عشان الكتب الوحيدة اللي بتسيبلك مساحة تكون زي ما إنت... من غير ما تحاكمك.
قال، متأملًا كلامها:
- وده معناه إنك قضيتِ وقت كتير وسط ناس بتحاكمك.
ضحكت، ضحكة قصيرة، مرّة:
- كتير أوي... وكنت أنا أولهم.
سكت، ثم سأل، بنبرة أكثر جدية:
- إنتِ خارجة من علاقة؟
توقفت عن السير فجأة. نظرت إليه، ثم قالت بهدوء:
- أنا خارجة من معركة.
ثم أكملت سيرها، ببطء.
تأملها "عديّ"، كان يدرك أنه اقترب من جرح... ولم يلمسه بعد.
قال محاولًا أن يغيّر المسار:
- تحبي تاكلي حاجة؟ فيه مكان قريب بيعمل كيكة شوكولاتة مجنونة.
ردّت دون تردد، لأول مرة يظهر فيها صوتها أخفّ:
- لو معاها قهوة... يبقى موافقة.
ضحك وهو يشير بيده للأمام:
- يبقى تعالى... بس تحذير، النُدل هناك بيحبوا يحكوا قصصهم، فخلي بالك، ممكن تطلّعي من عندهم بشخصيتين لروايتك الجاية.
سألته وهي تمشي بجانبه:
- مين قال إني بكتب؟
ردّ وهو يغمز بخفة:
- مفيش حد بيحب الكتب، ويخطف كتاب من معرض مستعمل، ويتكلم زيك... إلا وبيخبّي جملة ما بين سطرين.
وصلا إلى المكان. جلسا على طاولة خارجية تطلّ على النيل. الهواء صار ألطف، والضوء المسائي انعكس على صفحة الماء كأنّه يصالحه.
بدأ الحديث بينهما ينساب، خفيفًا، فيه ضحكات خجولة، واعترافات صغيرة.
لكن في الطرف الآخر من الشارع... رجل يجلس في سيارة داكنة، لا يُظهر وجهه، يحمل هاتفًا، يلتقط صورًا، ثم يرسلها.
وفي هاتف رائد... بدأت الصور تنهال.
ليلى... تبتسم.
ليلى... تضحك.
ليلى... ترفع كوب القهوة وتغمض عينيها.
وفي قلب المكتب الزجاجي، كانت أصابع رائد تضغط على الشاشة، حتى ابيضّت مفاصله.
لكن لم يُرسل شيئًا.
فقط أطفأ الشاشة، ووضع الهاتف وجهه لأسفل... وحده يعلم أن النار بدأت تشتعل... من جديد.
(رائد × عديّ)
المكان: نفس الكافيه الصغير على النيل، ليلى وعديّ بيضحكوا في هدوء، والمشهد شبه شاعري... لولا الظل اللي بيتمدد واقفًا قدامهم فجأة.
رفعت ليلى عينيها بحركة تلقائية... وتجمّدت.
وقف رائد أمام الطاولة، يلبس قميصًا رماديًا داكنًا، ونظرة عينيه كأنها سكين حاد وبارد في نفس الوقت.
نظرت إليه، ثم إلى عديّ... ثم قالت بهدوء مشوب بالتوتر:
- رائد...
لم يرد. نظر إلى عديّ نظرة طويلة، قبل أن يقول:
- ممكن دقيقة؟... مع الأستاذ؟
عديّ ابتسم، بهدوء يُخفي يقظته:
- طبعًا.
ونهض.
سار الاثنان نحو طرف الكافيه، بجانب الحاجز الزجاجي، حيث ضجيج الشارع أخف، لكن لا أحد يسمع.
نظر رائد في عينيه مباشرة، وقال:
- تعرف مين ليلى؟
رد عديّ بثقة ساكنة:
- أعرف اللي هي اختارت تورهولي.
- يعني ما تعرفش غير اللي عايزة تقوله.
- وده الطبيعي، مش كده؟ ولا إنت متعود تعرف كل حاجة غصب؟
تصلّبت ملامح رائد للحظة، ثم قال:
- ليلى مش أي حد.
- وأنا كمان.
صمت رائد، ثم قال:
- إنت مين؟ شغلك إيه؟ بتقابلها ليه؟
ضحك عديّ ضحكة قصيرة فيها دهشة:
- هو أنا في تحقيق؟ ولا دي طريقة تعارف خاصة برجال الأعمال؟
اقترب رائد، نبرة صوته خفضت، لكنها بقت أخطر:
- لو إنت فاكر إنك داخل حياة ليلى من غير ما تتشال على الميّزان، تبقى غلطان.
رد عديّ، بنفس الثبات:
- وأنا ما دخلتش حياتها... إحنا مشينا جنب بعض ساعة، مش عقدنا قران.
رفع رائد حاجبه، وقال بجفاف:
- بس واضح إنك ناوي تطوّل.
عديّ مالت نبرته لنوع من التحدي الهادئ:
- مش أنا اللي ناوي... هي اللي تقرر.
سكت رائد لحظة، ثم قال:
- بص، إنت ممكن تكون شخص محترم... بس في حاجات أنت متعرفهاش.
ليلى مش عادية... واللي حواليها مش عاديين.
رد عديّ، وهو يميل بجسده شوية لقدام:
- وأنا مش جاي أحارب... أنا جاي أسمع.
رائد قرب أكتر، وقال بصوت بالكاد يُسمع:
- لو جرحتها، حتى بالغلط... أنا هعرف قبلها. وفاكر كلامي ده كويس.
عديّ ابتسم، وقال:
- لو جرحتها... هي مش هتستنى حد ياخد لها حقها، سيبك من الصورة اللي في خيالك.
ثم التفت، ومشى باتجاه الطاولة.
لكن قبل ما يوصل، سمع صوت رائد وراه:
- خليك فاكر... في ناس بتظهر في حياة اللي بنحبهم بس علشان يعلمونا الفرق بين الظل... والنور.
رد عديّ وهو لسه ماشي:
- وفي ناس بتختفي علشان نفس السبب.
جلس عديّ أمام ليلى من جديد.
قالت ليلى، بصوت مهزوز:
- حصل إيه؟
ردّ وهو ينظر في عينيها:
- ولا حاجة... بس واضح إنك محاطة بجدران أكتر من الكتب اللي في المعرض.
قالت بهدوء:
- وأنا لسه بحاول أخرج منهم.
في نفس اللحظة، كان رائد قد ركب سيارته، أمسك هاتفه، فتح رسالة ليلى القديمة، نظر لها طويلًا...
ثم أغلق الهاتف، وقال لنفسه:
- ما كنتش ناوي أرجع اللعبة... بس شكلك محتاجة تفتكري أنا كنت مين في حياتك.
وحرّك سيارته.
❖ مرّت خمسة أيام... ❖
خمسةُ أيامٍ ثقيلة، مرّت كأنّها دهور.
توقّف رائد خلالها عن إرسال رجاله خلف ليلى، أغلق الكاميرات، أوقف التقارير، وأمر الجميع بالابتعاد.
قال لنفسه: "هسيبها تاخد مساحتها... تشوف هتروح لحد فين".
لكنّ القرار لم يهدئه، بل زاد من ارتباكه الداخلي.
لم يكن غريبًا على الغياب، لكن غيابها لم يكن عابرًا.
كانت تتحرّك بعيدًا عنه، خطوة بخطوة، وكل يوم يمضي كان يشعر أن الخيط المشدود بينهما... يهتزّ، يضعف، يوشك أن ينقطع.
في الليل، كان يُحدّق في شاشة هاتفه، ينتظر ومضة، إشعارًا، رسالة... أي شيء يدل على وجودها.
لكنها لم ترسل.
ولا اتصلت.
ولا رجعت.
والصمت، حين يجيء منها، يكون أبلغ من ألف مواجهة.
وفي اليوم الخامس...
رنّ الهاتف.
❖ اسم "يقين" أضاء الشاشة. ❖
رفع رائد حاجبه، ثم أجاب بنبرة هادئة، تحمل في طياتها توترًا مموّهًا:
- أيوه، يقين؟
جاءه صوتها مترددًا، مشحونًا بقلق واضح:
- رائد... أنا رايحة أطّمن على ليلى. ماما نيفين كلمتني وقالتلي إنها راحت لعائشة.
ضاقَت عيناه ببطء، وكأنّه يحاول أن يفهم ما بين السطور.
ثم أسند ظهره إلى الكرسي، وسأل بنبرة جامدة لا تخلو من الغضب المضبوط:
- راحت لعائشة؟ ليه؟
ردّت يقين بسرعة، كأنها تخشى ردّة فعله:
- والله ماعرفش، بس شكلها كانت متوترة جدًا. مهاب قالّي إنها خرجت فجأة من غير ما تقول رايحة فين، ومامتها كانت على وش انهيار... أنا قلت أطمن عليها قبل ما تتصرف تصرف مش محسوب.
سكت رائد.
وساد صمتٌ كثيف، لم يُسمع فيه سوى أنفاسه العميقة، وكأنّه يُخفي وراءها عاصفة.
ثم جاء صوته أخيرًا... هادئًا على نحوٍ مُخيف:
- تمام.
وأنهى المكالمة.
ظلّ الهاتف بين أصابعه، ينظر إليه دون تركيز، وملامحه تتقلّص شيئًا فشيئًا في تعبيرٍ حادّ.
كانت عينا رائد الذهبي جامدتين... لكن عقله في سباق.
ليلى عند عائشة؟ لماذا هناك؟ لماذا الآن؟
وأيّ حديث قد يُقال في غيابه؟
إذا كانت تظن أنّها تستطيع التمرد والخروج من دائرته بهذه السهولة... فهي واهمة.
بدأت المدينة تغرق في عتمة المساء، والشارع يهدأ، لكن روحه كانت تغلي.
لم يكن يقبل أن تُروى القصة من دونه.
ولم يكن ليرضى أن تُعيد ليلى تشكيل نفسها خارج قبضته.
قبض على الهاتف بين يديه بقوة، ثم زفر ببطء، ورفع عينيه إلى الأمام، وقال بنبرة نافذة لا تقبل التأجيل:
- أسرع.
وامتثلت السيارة للأمر، كوحشٍ حديدي يشقّ العتمة بثبات.
كان متجّهًا نحو عائشة،لكن في قلبه... لم يكن يقصدها.
كان ذاهبًا إلى "ليلى".
إلى الجرح الذي تحوّل إلى كيانٍ يمشي.
❖ الليل يزحف... والخطوة التالية محسوبة ❖
كان الليل قد بسط ستاره الثقيل فوق المدينة، يغلفها بسكونٍ غامض، لا يخلو من توتّرٍ كامن يزحف بين الجدران.
الطرقات خلت إلا من أضواء السيارات المتناثرة، تُومض كعيونٍ ساهرة، تشهد بصمتٍ ما يدور خلف الأبواب المغلقة.
وسط هذا الصمت المترقّب، شقّت سيارة رائد الذهبي طريقها بثبات، تتوغّل في الأزقة الضيقة المؤدية إلى وجهتها المنشودة.
في المقعد الخلفي، جلس رائد وقد عقد ساقًا فوق الأخرى، أنامله تنقر برفق فوق ركبته، بإيقاعٍ لا يسمعه أحد سواه... إيقاع رجلٍ يُراجع خطته الأخيرة قبل التنفيذ.
وجهه جامد كالحجر، لكن خلف جمود ملامحه... كانت العاصفة تشتعل.
وحين بدأت ملامح المبنى تلوح في الأفق، أخرج هاتفه، واتصل.
جاءه صوتها سريعًا، لكنه لم يمنحها سوى أمرٍ واضح:
- سيبيها لوحدها... اتحججي بأي حاجة. أنا عايز أدخل ألاقيها لوحدها.
ثم أغلق المكالمة قبل أن يسمع الرد، وكأنّ الكلمة الأخيرة لا تليق بغيره.
أشار للسائق أن يتوقف، وترجّل من السيارة بخطى رزينة، خالية من العجلة... لكنها مشبعة بثقة رجلٍ يعلم أن الأبواب، مهما أُغلقت، ستُفتح له...
طوعًا أو كرهًا.
❖ داخل الشقة... حين لا يوجد مكانٌ للفرار ❖
داخل الشقة، كانت العتمة تنسج خيوطها الخافتة على الأثاث، تغلّفه بصمتٍ متواطئ مع الترقب.
جلست ليلى على الأريكة، ساقاها مطويتان أسفلها، وعيناها شاردة تحدّقان في اللاشيء.
كان صدرها يعلو ويهبط ببطء، كأنّها تحاول أن تطرد من قلبها بقايا خوفٍ لا اسم له.
لم تصدق حتى الآن أنها فعلتها. أنها غادرت منزلها... دون وداع، دون شرح، دون أن تلتفت لما قد ينجم عن ذلك من عواقب.
لكن، رغم كل ما توقّعَته، لم تكن تظن أنه سيلحق بها... إلى هنا.
دوّى صوت الجرس، متتابعًا، نافذًا، كأنّه طَرقٌ من قَدَرٍ لا يُمهل.
زفرت بضيق، قامت من مكانها تتمتم بامتعاض:
- أيوووه... جاية أهو، في إيه يعني!
لكنها ما إن فتحت الباب، حتى تجمّدت.
عيناها اتسعتا بذهول، وصوتها خرج مبحوحًا من أعماق الذهول:
- إنت؟!!!
كان يقف أمامها... رائد الذهبي.
بهيبته المعتادة، وملابسه السوداء التي زادت من قتامته الساحرة، وبعينين خاليتين من دفء العسل الذي كان يسكنهما ذات يوم.
في مكانه وقف، مغمورًا بهالة من السيطرة الباردة، وابتسامة ماكرة تحتل زاوية فمه، وكأنها توقيعٌ على حدث لا مفر منه.
لو لم يكن قلبها يدق كطبول حرب، وحرارة خديها تلسعها كصفعة... لظنت أنها تهذي.
أما هو، فكان يتأملها بصمت، يمرّ بعينيه على ملامحها المشدوهة، ثم إلى بيجامتها الفضفاضة، التي بدت وكأنها ارتدتها على عجل.
ورغم عشوائية مظهرها، إلا أنها كانت... فاتنة.
قال بصوت ناعم مخادع، وابتسامة تتسع ببطء:
- مساء الخير يا عروسة.
ثم أكمل، وهو يخطو خطوة واحدة فقط للأمام:
- شكلك لسه هتنامي... أنا كنت خايف ألاقيكي نايمة، بس الظاهر إن الحظ معايا.
ظلت تحدّق فيه، كأن عقلها عاجز عن تصديق ما تراه، لم تنبس بكلمة، ولا تحرّكت خطوة.
لكن رائد لم يكن من هواة الصمت... خصوصًا لو جاية منها.
- مالِك؟ بتبصيلي كده ليه؟ شكلك مش مبسوطة إنك شفتيني!
استجمعت صوتها أخيرًا، فخرج متقطعًا لكن ثابتًا:
- إنت... إيه اللي جابك هنا؟!
ابتسم، وكأن سؤاله كان متوقعًا، ورد بنبرة وادعة:
- جيت أشوفك. جيت أشوف عروستي... فيها حاجة؟
نظرت إليه بذهول، لم تصدق أنه يقف بهذا الهدوء أمامها، بعد كل ما حدث.
- إنت مش طبيعي! حد يعمل اللي إنت عملته؟ جايلي بيت مش بيتك؟!
رفع حاجبه، وزفر بهدوء مدروس:
- وأنا عملت إيه يعني؟ ده أنا بحبك، ومش مصدق إنك خلاص هتبقي مراتي !
ثم اقترب منها قليلًا، وخفَض صوته:
- وبعدين... إنتِ في بيت مش بيتك ليه؟
تشنّجت ملامحها، وضعت يديها على خصرها، محاولةً الصمود، لكنه تابع، بصوت هادئ، ونبرة ساخرة:
- هتسبيني واقف على الباب كده؟ أنا جاي أشرب معاكي فنجان قهوة.
قالت بسخرية:
- قهوة إيه حضرتك؟ إنت فاكر نفسك فين؟ وبعدين صاحبة البيت، مس عائشة... مش هنا.
أمال رأسه بخفة، وابتسم ابتسامة جانبية مفعمة بالثقة:
- عارف... وأومال أنا جاي ليه؟!
تسارعت أنفاسها، وتراجعت خطوة لا إراديًا.
فاستغل هو ذلك، وتقدّم ببطء، يهمس:
- ادخلي، ادخلي يا حبيبتي... ما تخافيش.
ثم أغلق الباب خلفه، بهدوءٍ مثير للقلق.
لكنها صاحت بعصبية، ترفع يدها في وجهه:
- إنت بتعمل إيــه؟ اطلع برا! لو سمحت!
ضحك في هدوء، يقلّد نبرتها:
- "اطلع برا... ولو سمحت"... مش راكبة على بعض خالص، ليلى!
ثم اقترب أكثر، وانخفض صوته حتى صار أقرب للهمس:
- بطلّي تهربي مني. فاكرة إنك لما تروحي بعيد... هتبقي بأمان؟
نبض قلبها ارتفع في صدرها بعنف، لكن عينيها ظلتّا مرفوعتين، تتحدّيان بآخر ما تبقّى من عزيمة.
كانت تعرف جيدًا...هذه الليلة لن تمرّ بسلام.