تحميل رواية قلب السلطة بقلم مروة البطراوي pdf
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكرار لحظة مخيفة، كأنها لعنة أبدية تُعيد نفسها بلا رحمة. وتكرار لحظة مدمرة، أشبه ببئر مظلم مليء باللعنات، لا نهاية له ولا مهرب منه. كان رائد يقف أمام الباب، لا يدري إن كان يعود لمنزل عمه، أم ينبش قبرًا منسيًّا. الهواء يحمل رائحة العطن والذكريات المتحللة. مدّ يده إلى المفتاح، لكنه توقف للحظة، كأن شيئًا بداخله يصرخ ألّا يفعل. ثم، بحركة بطيئة، دار المفتاح في القفل، وأصدر الباب أنينًا متعبًا وهو يُفتح. من الداخل، كان المنزل غارقًا في ظلال رمادية، كما لو أن الزمن قد تجمد بداخله. لم يتغير شيء، إلا أن...
رواية قلب السلطة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مروة البطراوي
التفت شامل ببطء، كمن انتزعته تلك الهمسة من وهم الغياب... ليجدها.
نيرفانا كانت هناك، على أولى درجات السلم، لا تشبه نفسها كما كان يراها دومًا.
وجهٌ شاحبٌ يكسوه بياض الغياب، وعينان ذابلتان، لا لضعفٍ فيها، بل لفرط ما ابتلعت من دموع دون أن تنكسر.
نزلت بخطى وئيدة، كأنها تحادث الأرض تحتها وتُنذرها بكل خطوة أنها آتية لا محالة، حتى وقفت أمامه، فاصطدم به صمتها قبل كلماتها.
رفعت نظرها نحوه، لا رجاء في عينيها، فقط يقينٌ موجع... وقالت بنبرة باردة، حاسمة، كأنها تقطع بها خيطًا أخيرًا:
"جيت تسأل عن حال بنت صاحبك؟ بعد ما اتدمرت حياتي على إيدكم؟"
لم تكن الكلمات مجرد لوم، كانت كأنها تُطلق رصاصًا من خلف صدرها المكسور.
ارتجف شيءٌ ما داخله، لكنه تشبث بجدار صمته، قبل أن يتمتم:
"مكنتش متخيّل إن رائد... ممكن يعمل كده."
رفعت حاجبها بسخرية مُميتة، وقالت دون أن تخفض عينيها:
"أنتَ أكتر واحد كان شايف بعينيه وساكت... كل ما كنت بسأل، كنت تقول لي 'أنا فاهمه وعارف مصلحته'... بس ما كنتش شايف مصلحتي أنا."
نظرت إليه نظرة كأنها تطلّ من حافة عمرها القصير، ثم أكملت:
"كنت دايمًا تقول لي أوس مش ليّ... كنت شايف إنك بتحميني، بس الحقيقة إنك كنت بتهدّ اللي جوايا. كنتوا بتقصّوا من روحي حتة حتة، باسم الخوف عليّا."
حاول أن يقاطعها، لكنها سبقت كلماته بصوتٍ مهزوزٍ من شدّة التماسك:
"بعد موت ماما، كنت محتاجة ضهر... مش سور يسدّ النفس! كنت محتاجة حضن... مش قرار فوق دماغي. أوس ما كانش عدوي، كان الباقي منّي... وانتو اللي أخدتوه."
تمتم شامل بصوت مبحوح:
"أنا... كنت خايف عليكي... كنت فاكر إنه خطر، وإني كده بحميكِ..."
لكنها قطعت اعترافه بوجعٍ خالص:
"أنا اتأذيت... وبالطريقة اللي ما كنتش أتخيلها. اتخذت قرارات عنّي، وكل واحد فيكم ساهم في إني أوصل للحظة دي… لحظة أنا مش عارفة فيها أنا مين!"
سكتت لثوانٍ، ثم قالت بهدوء يشبه الرماد:
"الأسف مش دواء... واللي راح، ما بيرجعش."
ثم مرّت من جواره، كأنها لم تكن هناك... وصعدت الدرج بخطى واثقة، ليس فيها غضب، بل خيبة عميقة اختارت أخيرًا أن تُدير ظهرها.
حين يضحك الذئب قبل الانقضاض
ضحكته الأخيرة كانت أطول من اللازم...
تلك التي أطلقها بعدما هزّ كتفيه باستهانة، وهو يقول:
"أنا جاي أشرب معاكي فنجان قهوة."
لكن ليلى، ورغم استيائها، لم تكن تعلم أن الضحك في فم هذا الرجل... علامة نهاية.
فداخل بيت عائشة، كانت الأشياء تنكمش.
الحيطان تقترب، والزمن يتمطى على حافة خنقة خفيّة.
رائد ما زال جالسًا، لكن جسده يتحرك الآن بلا ضجيج، نظراته بدأت تسكنها قسوة لم تظهر في البداية، وصوته... بات أبطأ، أكثر نعومة، أكثر اختناقًا.
هو لم يأتِ ليشرب قهوته... هو أتى ليختبر حدودها.
ولأول مرة، شعرت ليلى أن المسافة بين الأريكة والباب... أبعد من أي وقتٍ مضى.
تنهّدت وهي تنهض بتوتر، ويدها تزيح خصلات شعرها عن وجهها كأنها تحاول أن تزيح الخوف أيضًا، ثم تمتمت بجفاف:
"القهوة خلصت... تحب أعمل لك فنجان تاني؟"
رفع عينيه نحوها ببطء، كأن السؤال مسّه بلطشة سخرية، ثم قال بابتسامة مائلة:
"لو على القهوة... ممكن أشرب عشرة. بس أنا مش هنا علشان القهوة، ليلى."
شدّت على قبضتيها دون أن تتكلم.
كان هناك شيء تغيّر في نبرة صوته... نفس الكلمات، لكن وراها حاجة أبرد، حاجة تقفل النفس وتخنق الهوا.
خطى نحوها خطوتين. ببطء.
"قوليلي... كنتي فاكرة إنك لما تسيبي البيت وتروحي عند عائشة، هتبقي بأمان؟"
ردّت بنبرة حادة:
"أنا مش هاربة منك، أنا بهرب من الجنون اللي بقيت فيه بسببك!"
ضحك، ضحكة صغيرة، خافتة، لكن عينيه ما ضحكوش خالص.
"وإنتي فاكرة إني هسيبك تهربي؟!"
اتّسعت عيناها، وتراجعت خطوة لا إرادية.
لكن قدميه تقدمتا دون استئذان. لم يكن يركض، لم يكن يهجم… فقط يتحرك كأن الغرفة ملكه، وكأنها من ممتلكاته.
قالت بصوت حاولت أن تجعله قويًا، لكنه ارتعش:
"رائد... بلاش تلعب اللعبة دي، مش هتنفعك."
"أنا ما بلعبش."
همسها، ثم تابع، كأن كل حرف في كلامه مرسوم بسكين:
"أنا جيت آخد اللي بتاعي... وهاخده، فاهمة؟"
تشنّجت ملامحها، ورفعت يدها فجأة في وجهه:
"إنت تتجننت؟! اطلع برا البيت فورًا!"
اقترب أكتر... المسافة ما بين صوته وهمس أنفاسه بقت تكاد تُسمع على الجلد.
ثم مال برأسه ناحيتها، وقال بنبرة لا تخطئها العين:
"بس إحنا خلاص هنبقي زوجين رسمي، البيت بيتنا... مش بيت حد تاني."
همسها كان شبيهًا بالبكاء، لكنه خرج غاضبًا:
"ده بيت عائشة يا مجنون، مش بتاعك!"
لكن إيده كانت أسرع من أعصابها المرتبكة.
مدّ يده بهدوء... وأغلق الباب خلفه.
ببطء.
بنقْرة واضحة.
بصوتٍ لا يعلو... لكنه دوّى في قلبها كأنها سُمعت في أعماقها.
نظرت إلى المقبض، وكأنها ترى مصيرها يُغلق أمامها.
ثم نظرت إليه.
كان واقفًا... لا يصرخ، لا يهاجم، لكنه يملأ المكان كله.
عينيه لم تعدا تعتذران عن شيء.
نطق بنبرة أشد خطرًا من السكون:
"إحنا هنتكلم... لحد ما تفهمي."
وبينما وقف وجهًا لوجه معها، داخل شقةٍ أغلقت أبوابها، بدأت ليلى تدرك:
الليلة دي مش عادية...
والخروج منها... مش مضمون.
والمفتاح... في يده.
تجمّدت ليلى في مكانها، تحدّق فيه كأنها ترى الغول الذي كانت تتظاهر بأنه رجل.
كأنها تدرك أخيرًا... أن رائد الذهبي لم يكن يومًا يطرق الأبواب ليُستقبل،بل ليُقفلها خلفه.
ظلّ واقفًا أمامها، يلوّح بالمفتاح بصمت، كأنه يقول لها:
"البداية... لسه جاية."
في منزل عائشة، بعد مغادرة رائد...
حيث ما زالت رائحة قهوته في الهواء، وصداه يهمس في الجدران.
كانت ليلى تجلس على الأريكة، مشدوهة كأنها خارجة من حلمٍ لم تفق منه بعد... أو كابوسٍ لم ينتهِ بعد.
كفّها الأيسر كان مضمومًا بشدة، ما زالت تشعر بحرارة أصابعه حين أمسكها، تلك اللمسة التي لم تكن حنونة بقدر ما كانت... حيازة.
حاولت أن تفك أصابعها ببطء، كما لو أنها تحرّر نفسها من قيدٍ غير مرئي.
في قلبها... كانت النار تشتعل.
غضبٌ مكبوت، وقلقٌ متضخم، وألمٌ لم تستطع تسميته بعد.
"إزاي حصل ده؟!"
"إزاي لقيت نفسي وسط كل ده؟!"
"فين كانت عقليتي لما وافقت؟!"
أسئلة تتلاحق كطلقات، لكنها لم تجد لها جدارًا تصطدم به سوى صدرها المرتجف.
زفرت، ثم قامت واقفة دفعةً واحدة، كما لو أن الحركة تُسكت التفكير.
لكن صوت رائد كان يسبقها، يزحف من ذاكرتها كدخانٍ ثقيل لا يُطرد بسهولة.
"بحبك يا ليلي... إنتِ الوحيدة اللي دخلتي قلبي يا حبيبتي."
تقلّبت الكلمات داخل رأسها، لم تكن ناعمة كما بدت لحظتها.
كانت رخوة… كذيل حية.
في صوته صدقٌ ما، لكنها لم تثق به.
كأن حقيقته كانت حقيقية جدًا… ومخيفة جدًا في الوقت نفسه.
ضمّت ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحتضن نفسها من عاصفة بدأت في الروح… ولن تنتهي بالهروب.
الغد قادم.
والبيت الجديد قادم.
ورائد… رائد لن يتوقف.
لم تكن تعرف كيف ستبدأ الغد... ولا كيف ستنتهي هذه اللعبة.
لكنها كانت متأكدة من شيءٍ واحد:
رائد الذهبي... مش راجل بيتنسي.
ولا بيتكسَر.
ولا بيتوقّف.
وهي... في طريقها إلى قَلب الإعصار.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى قبل صوت المنبّه.
النوم لم يزرها كما ينبغي، فقط غفوات مشوشة، ورؤى متقطعة… كلها تحمل وجه رائد الذهبي، يبتسم بثقة، أو يحدّق بصمتٍ بارد.
نهضت ببطء، اتجهت للمطبخ تصنع قهوتها بيدين مرتجفتين، تحاول أن تستعيد إيقاع يومٍ عادي… في عالمٍ لم يعد عاديًّا.
كانت عائشة قد عادت فجرًا، لكنها لم توقظها.
مجرد ضوءٍ خافت تسلل من تحت الباب كان كافيًا لتدرك أن البيت لم يعد خاليًا... لكن قلبها ما زال كذلك.
في تمام التاسعة، دخلت عائشة المطبخ، بشعرٍ منكوش ووجهٍ لم يُغسل بعد، وقالت بنبرة مشوشة:
"ليلى... هو في حاجة حصلت وأنا مش هنا؟"
تجمّدت ليلى لثانية، ثم رفعت عينيها وقالت ببرود مصطنع:
"رائد جه هنا."
كادت عائشة تُسقط الكوب من يدها.
"إييييه؟!! وإنتي سِبتيه يدخل؟!"
"ما دخلش... هو دخل لوحده."
"إنتي بتهزري؟!! ده البيت بتاعي يا بنتي!"
ابتسمت ليلى، ابتسامة صغيرة، يائسة، وقالت:
"عارفة. بس الظاهر إن فيه حاجات بقت بتتعدى المفاتيح."
جلست عائشة وهي تضع يدها على جبهتها، تحاول استيعاب المشهد.
"عملك حاجة؟ قالك حاجة؟"
"اداني مفتاح."
رفعت عائشة رأسها بدهشة:
"مفتاح إيه؟!"
سحبت ليلى نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوتٍ منخفض، وكأنها تخبر نفسها:
"مفتاح بيتي الجديد... اللي المفروض أعيش فيه معاه."
سقط الصمت كحجرٍ ثقيل في قلب الغرفة.
لم ترد عائشة، فقط ظلت تنظر إلى ليلى بعينين تتّقدان قلقًا.
همست أخيرًا:
"ليلى... هو بيلعب. رائد ده مش بني آدم سهل. مش كل الكلام اللي بيتقال بيتصدق."
رفعت ليلى عينيها وقالت:
"عارفة. بس أنا كمان مش بقيت سهلة. مش هسمح له يكتب نهايتي… على مزاجه."
ثم نهضت، أخذت رشفة أخيرة من قهوتها، وقالت وهي تتجه لغرفتها:
"لو ناوي يدخل الحرب دي، يبقى لازم يعرف إني هاعرف أقاتل... حتى لو باتكسَّر وأنا بضحك."
وتركت وراءها عائشة مدهوشة، لا تدري إن كانت ترى أمامها صديقتها القديمة، أم امرأة جديدة تولد في قلب العاصفة.
في الطابق الأخير من المبنى الإداري لمجموعة "الذهبي للاستثمار"،
كان كل شيء يلمع… الأرضيات، الزجاج، الأوامر.
لكن الأشد لمعانًا كان الجالس خلف المكتب الأسود الكبير،
رائد الذهبي.
كان يجلس بظهر مشدود، بذلة رمادية داكنة، ساعة سويسرية لامعة على معصمه، وصوت ناعم يخرج من سماعة الهاتف أمامه:
"تمت مراجعة العقود، وبُعتت النسخة الأخيرة على الإيميل، يا فندم."
أغلق الخط دون ردّ، ثم أدار الكرسي لينظر من خلف الزجاج المُطل على النيل،
لكنه لم يكن يراه.
كل ما يراه… كان وجهها.
ليلى.
وقفتها، وهياج صوتها، رعشة يدها حين صرخ فيها قلبها:
"اطلع برا!"
ابتسم.
ليست سخرية… ليست حنانًا.
بل شيء ما بين المتعة… والانتصار المؤجَّل.
مدّ يده وسحب درجًا صغيرًا في مكتبه، وأخرج المفتاح الآخر.
نسخة ثانية من مفتاح بيت الزوجية.
لم يُعطها الأصل... طبعًا.
"فيه حاجات مش بتتسلم كاملة، حتى في الجواز."
أعاد المفتاح إلى مكانه، وأغلق الدرج بهدوء.
ثم ضغط على زرٍ صغير في جانبه الأيسر، فدخل أحد رجاله.
قصير القامة، ملامحه بلا انفعال.
"أي جديد من ناحيتهم؟"
"الواد أوس اختفى تمامًا من المنطقة. بس أختُه شوهدت داخلة قسم أكتوبر يومين فاتوا. واضح إنها بتحاول تسأل عليه."
"خليها تدور… دي مشكلتها."
أومأ الرجل وخرج.
نهض رائد من خلف مكتبه، فتح زرًا في سترته، وسار نحو الخزانة الجانبية.
فتحها بهدوء… أخرج منها صورة قديمة، مطوية عند الحافة.
في الصورة:
نديم الغالي… والد ليلى.
ورجلٌ آخر، وطفلة صغيرة في الخلفية.
نظر إليها طويلًا، ثم همس:
"فاكر يا نديم؟
قلتلك هتدفع التمن، بس بطريقتي أنا..."
ثم أدار وجهه إلى الزجاج مرة أخرى.
ليلى… بنتك،
هتدخل الحكاية برجليها.
وأنا؟
أنا اللي هأقفل الباب... وراها.
صباح يوم العُرس – بصوتٍ مكتوم
كان صباحًا ساكنًا...
لكن الهدوء ما كان إلا سكون العاصفة قبل الهبّة الكبرى.
في جناحه الخاص، وقف رائد الذهبي أمام المرآة، يُعدّل رابطة عنقه بحركات محسوبة، كمن يستعد لخطبة سياسية لا لليلة زفاف.
وجهه خالٍ من أيّ لمحة عاطفية، عيناه ساكنتان... أشبه بمرآتين سوداوتين، لا ترى فيهما سوى نفسك خائفًا.
لم يكن وحده.
نيرفانا كانت واقفة خلفه، تراقبه في صمت، يدها الصغيرة مشبوكة عند خصرها، ثم قالت بصوتٍ خافت، فيه مزيج من براءةٍ ودهشة:
"بابا... شكلك مخيف النهاردة!"
لم يلتفت، اكتفى بنظرةٍ جانبية عبر المرآة، ثم سأل دون انفعال:
"ليه؟ لابس بدلة سودة يعني؟"
هزّت كتفيها، ثم تمتمت:
"مش عارفة... بس وشك مش مبسوط."
توقّف لحظة، كأن كلماتها اخترقت حائطًا داخله، ثم قال بنبرةٍ أخفض:
"مش لازم أكون مبسوط علشان أتجوز... في ناس بتتجوز علشان تكسب."
رفعت حاجبيها بدهشة، لكنها لم تسأل.
هو لم يكن في مزاج الشرح... ولا الشفقة.
دخل شامل بعد طرقٍ سريع، وهو يصفّق يديه بتحيةٍ خفيفة:
"صباح الفل، يا عريس!"
أدار رائد رأسه نحوه ببرود، ثم قال وهو يربت على صدر بدلته:
"اتأخرت."
"معلش، قابلت يقين تحت، كانت بتتخانق مع الميكب أرتيست... شكلها مش راضية عن المكياج."
قطب رائد جبينه، ثم قال:
"مش وقته خالص."
اقترب شامل، وابتسم وهو ينظر إلى نيرفانا:
"يلا يا أميرة، جاهزة تشوفي ماما ليلي لابسة فستان أبيض؟"
نظرت إليه نيرفانا، ثم إلى أبيها، ثم قالت بحذر:
"ماما ليلي ما كانتش عايزة تلبسه... كانت زعلانة لما شافته."
توتر الجو فجأة.
نظر شامل إلى رائد بنظرةٍ سريعة، كأنه يقرأ وجعًا لا يريد أن يظهر.
أما رائد، فاكتفى بأن أغلق زرّ سترته بقوة، ثم قال بنبرةٍ قاطعة:
"أنا هنزل بالعربية، نيرفانا معايا، وإنت خد يقين وتعالوا على القاعة."
"عايز نعدي عليها؟ ولا هي هتيجي من عند الكوافير؟"
رد رائد بحدة:
"هي في البيت... ولسه ما لبستش كمان. وصلها إنت."
أومأ شامل، ثم غمز لنيرفانا ممازحًا:
"حافظي على بابا... شكله هيكهرب اللي حواليه النهاردة!"
ضحكت نيرفانا بخفة، لكنها حين خرجت مع أبيها، شدّت على يده دون أن تدري، وكأن شيئًا فيها يشعر أن هذا اليوم ليس كما يُقال عنه دائمًا "أسعد يوم في العمر".
أما شامل، فقد وقف في الردهة لحظة، نظر نحو السلم، ثم تمتم لنفسه:
"مبروك يا ليلى... اتكتبلك تمشي في طريق، من أوله نار."
ثم هبط الدرج، وقلبه مائلٌ لامرأةٍ… لن تكون له أبدًا.
في غرفة النوم الواسعة داخل منزل عائشة،
كان كل شيء معدًّا وكأنه مشهد من فيلم رومانسي:
فستان أبيض مُفروش على السرير،
طاولة تفيض بأدوات التجميل،
ورائحة البارفان تنساب في الهواء بهدوء.
لكن داخل ليلى...
كان المشهد أبعد ما يكون عن أي فرحة.
جلست أمام المرآة، شعرها مرفوع، وجهها قد خضع لتلك اللمسات الاحترافية من خبيرة التجميل...
ولكن عينيها؟
لم يقدر أحد أن يخبّئ توترهما.
كانت تتأمل انعكاسها بصمت،
كأنها تحاول تقرأ وشها، تفهم إيه اللي حصل...
إزاي وصلت هنا؟
همست لنفسها، كأنها تحكي لظلها:
"هو ده؟ ده شكل البدايات الجديدة؟"
مرّت أصابعها فوق فتحة الصدر بفستانها، ببطء، وكأنها تتحسّس قرارًا لا يزال غريبًا عنها.
دخلت عائشة دون استئذان، وكانت تبتسم، لكن أول ما شافت ملامح ليلى، اتكسرت ابتسامتها على الفور.
"ليلى... مالك؟"
رفعت ليلى عينيها، قالت بنبرة هادئة جدًا... مخيفة في هدوءها:
"عادي... العرايس بيبقوا كده قبل الفرح، صح؟"
اقتربت منها عائشة، وضعت يدها على كتفها، وقالت:
"ده مش توتر... دي حاجة أعمق. أنا شايفاكي، ومش هكدب عليكي... إنتِ مش مبسوطة."
ابتسمت ليلى بسخرية:
"أنا مش فاهمة نفسي أصلًا...مش عارفة أنا واقفة هنا ليه.كل اللي جوايا بيصرخ إني أهرب...بس مش قادرة. كأن في حاجة أكبر مني بتدفعني أكمل."
سكتت لحظة، ثم همست:
"إنتي مصدقة إن فيه حب ممكن يبتدي من بعد كره؟ من بعد وجع؟"
عائشة تنهدت، وقعدت جنبها، وقالت بهدوء:
"أنا مصدقة إن اللي بيبدأ من الرماد... بيكون إما نار تاني، أو نور.بس محدش يقدر يعرف غير لما يخوض."
سكتت ليلى، ثم همست:
"رائد مش بني آدم عادي يا عائشة...كل حاجة فيه بتشد وتخوف في نفس الوقت.أنا لما ببص في عينيه... بحس إني بتوه، وبنط في حفرة، بس قلبي مش بيوقف."
هزّت عائشة رأسها بتفهم، ثم قالت:
"يعني بتحبيه؟"
نظرت لها ليلى نظرة طويلة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
"مش عارفة...بس أكيد مش بكرهه.وأكتر حاجة بخاف منها...إني أحب حد قادر يأذيني بالشكل ده."
وقفت فجأة، كأنها تحاول تهرب من أفكارها، وأمسكت بالفستان الأبيض المعلّق، قربته منها، وضمته لصدرها...ثم قالت، وعيناها تلمعان بخوفٍ خافت:
"ساعديني ألبسه... قبل ما أغيّر رأيي."
وقفت عائشة خلفها، وبدأت ترفع سحاب الفستان بصمت، لكن نظرتها في المرآة لم تكن خافية.
كانت ترى ليلى تُساق نحو مصيرٍ تعلم أنه لن يكون سهلًا.
لكنها لم تمنعها.
لأن في حكاية زي دي...مفيش حد يقدر يمنع النهاية، لما تكون بدأت فعلًا.
عادت "ليلى" إلى منزلها بصحبة "عائشة"،
لكن خطواتها لم تكن خفيفة كما تتوقّع العرائس في مثل هذا اليوم...بل كانت ثقيلة، تجرّ معها بقايا شك، وذيلًا من توترٍ لم تفلح ابتسامات عائشة في تبديده.
فتحت "نيفين" الباب بنفسها، وعيناها تلمعان برطوبة الفرحة،ذلك النوع من الفرح المتوتر... الذي يخشى العين، ويخشى الفأل، ويخشى أن يكون مُعلّقًا على حبل نوايا غير مرئية.
ألقت "عائشة" حقيبتها بارتياح على أقرب مقعد، ونادت بمرحٍ مفتعل:
"ها يا طنط نيفين! إيه رأيك في اللي حصل امبارح؟"
لكن نيفين لم تجب مباشرة.كانت عيناها معلقتين على ابنتها، كأنها تراها لأول مرة، ترتدي هذه الملامح الجديدة... ملامح العروس، المختلطة بالحيرة.
اقتربت منها بخطواتٍ حذرة، يديها تمتدان تلقائيًا كأنها تلمس حلمًا قديمًا تحقق... أو كأنها تطمئن أن ابنتها ما زالت هنا، في البيت، قبل أن تُسلَّم لرجلٍ آخر.
لمست شعرها بحنان، وربتت على رأسها كمن يُهوّن عن نفسه قبل أن يُهوّن على غيره، ثم تمتمت بصوتٍ مبلل:
"ما شاء الله... قمر في تمامه، يا حبيبتي."
لكن ليلى لم تكن في مزاجٍ يسمح بعواطف كبيرة...
زفرت بقوة، وقالت بجفاءٍ خفيف:
"ماما، بليز... مش ناقصة دموع. أنا نفسيتي متلخبطة كفاية."
نيفين ابتسمت رغم كل شيء، كأنها تُصر على الفرحة حتى لو جاءت فوق الرماد:
"غصب عني يا بنتي... ده اليوم اللي بستناه من سنين."
وقبل أن يزداد الجو عاطفة، تسللت "شكران"، خالة ليلى، بتهنئة مقتضبة، باردة كأنها تُؤدّي فرضًا:
"مبروك يا ليلى."
ردّت ليلى بنفس البرود:
"الله يبارك فيكي يا خالتو."
كانت الكلمات تُلقى في الهواء، لا أحد يُمسك بها، ولا أحد يطلب لها دفئًا.
أعادت "عائشة" السؤال على "نيفين"، بإلحاح يشبه الأطفال:
"ما قولتيش، رأيك في اللي عملته امبارح؟"
هزت نيفين رأسها، وابتسمت بهدوء:
"جميل يا شوشو... طلعتي أختها فعلًا، حسيت إني شايفة بنتين من بطني، مش بنت وصاحبتها."
ضحكت عائشة بسعادة، وقالت بنبرة حماس:
"خلاص، نجهز بقى... يلا يا عروسة!يا طنط نيفين، ١٥ دقيقة بس، نلبّسها الفستان ونرجع."
أومأت نيفين، ثم التفتت نحو شكران:
"تعالي معايا نشوف الضيوف... البلد مليانة ناس النهارده."
وانسحبتا، بينما بقيت ليلى واقفة في منتصف الغرفة،تنظر إلى الفستان الأبيض المعلّق، كأنه حبلٌ مشدود بين مستقبلين...واحد تعرفه جيدًا وتخافه،وآخر... لا تعرف عنه شيئًا.
غادرت نيفين وشكران الغرفة، تاركتين عائشة وحدها مع ليلى...ذلك الهدوء المؤقت لم يكن سلامًا، بل هدنة مشحونة بالتوتر.
وقفت ليلى أمام مرآة الخزانة الطويلة،تنظر إلى انعكاسها، لا بعين فخرٍ، بل بعين غريبة لا تكاد تعرف نفسها.
كأنّ المرآة تُعيد إليها فتاة أخرى...أخرى أضعف، أقل صمودًا،فتاة وافقت على مصيرٍ لم تختَره بكامل إرادتها، لكنها لم تعرف كيف ترفضه!
اقتربت عائشة منها بهدوءٍ ناعم، كأنها تتحرك داخل حقل ألغام،ثم شرعت تخلع عنها المئزر الأبيض، وترفع الفستان الثاني – الفيروزي الهادئ – فوق رأسها برفق.
كان الفستان ضيقًا من الأعلى، ينسدل بانسيابية على جسدها،راقَ لعائشة... لكنه لم يرق لقلب ليلى.
نظرت ليلى إلى كميّ الفستان المزركشين، تتأمل البريق الصغير،لكنها تعمّدت ألا تنظر إلى وجهها...كأنّ انعكاس عينيها قد يفضحها، أو قد يواجهها بما تحاول دفنه.
لم يكن الفستان يُشعرها بأنها عروس...بل أسيرة بحُلةٍ جميلة، تتهيأ لمصيرٍ لا تستطيع تغييره.
"ليه قبلت؟فين قوتي اللي كنت بفتخر بيها؟فين كرامتي اللي كنت بحارب علشانها؟كل ده... راح؟"
كان صوتها الداخلي يُلحّ بأسئلة لا تريد لها إجابة،أسئلة تعلم جيدًا أن الرد عليها سيُوجع أكثر مما يُشفي.
لكن قبل أن تغرق أكثر،قطع صوت عائشة أفكارها المرتبكة:
"يالهوي على جمالك يا ليلى! مش ممكن…"
لم ترد، فقط التفتت إليها، تتساءل بعينين باهتتين:
"هو شكلي حلو فعلًا؟"
أومأت عائشة بحماسةٍ لا تكاد تُصدّق أن صديقتها أصبحت العروسة:
"حلو؟ إيه السؤال ده؟إنتي فتنة يا شيخة!الفستان لابقلك جدًا… عارفة؟ نيرفانا لما اختارته ليكي كانت شايفاكي بعنيين أبوها!"
لكن الجملة الأخيرة، سقطت ثقيلة على قلب ليلى.
كأن ذِكر نيرفانا، واختيارها للفستان، أعادها إلى حقيقةٍ كانت تحاول تناسيها…أن كل شيء – حتى ملابسها – تم اختياره بمعرفة "رائد"،كأنها ضيفة في حفلٍ أعدّه هو بكل تفاصيله.
هزّت رأسها ببطء، وقالت بجفاف:
"مش عارفة أحس بحاجة..."
لم تفهم عائشة ما تعنيه، فابتسمت لتخفف الأجواء، وقالت بمزاحٍ ناعم:
"إحساس إيه اللي مش جاي؟يمكن تحسي لما تشوفي العريس نفسه…ده حيلبس بدلة سودا يا بنتي... هيأكلك بعينيه!"
لكن ليلى قطّبت جبينها، وقالت بحدةٍ هادئة:
"عائشة، بلاش الكلام ده، بالله عليكي… مش طايقة الهزار ده دلوقتي."
سكتت عائشة لحظة، ثم أومأت بحرجٍ خفيف:
"حاضر... أنا بس كنت بحاول أفكّك شوية، سامحيني."
ساد الصمت بينهما قليلًا،قبل أن تعود ليلى إلى المرآة، تُصلح خصلات شعرها بصمت،بينما وجهها لا يزال متيبّسًا، كأن الفرحة أُغلقت عنه…ولا شيء فيه يعكس سعادة العرائس.
وفي تلك اللحظة، ارتفع ضجيج في الخارج، تلاه صمتٌ مشحون بالترقب، قبل أن تدوي ضحكاتٌ خفيفة وهمساتٌ متقطعة من بعض النسوة، كأن الهواء نفسه تهيّب القادمين.
نظرت "عائشة" إلى "ليلى"، التي كانت تقف شاحبة أمام المرآة، وقالت بصوتٍ خافت، أشبه بالهمس:
شكله وصل...
لم تنطق ليلى، فقط شهقت بصمت، كأن الهواء انقبض في صدرها.
في الخارج، وقف "رائد الذهبي" عند بوابة المنزل، كمن يدلف إلى مملكته الخاصة.
كانت خطواته واثقة، بطيئة، محسوبة، تشي برجلٍ يعرف قدر نفسه ويقصد كل حركة.
ارتدى بدلة سوداء فاخرة، دون ربطة عنق، كما يُحب، مما زاد من وقاره المتعجرف.
وفي ذراعه، كانت "نيرفانا" تتعلّق برشاقة، ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا بكمٍّ دانتيل، أشبه بإكسسوارٍ بشري يُكمّل المشهد.
حين رأته النسوة، خُطفت أنفاسهن، لكن الانبهار سرعان ما تحوّل إلى وشوشاتٍ لاذعة.
قالت إحدى القريبات، بصوتٍ لا يخلو من الطمع:
إيه ده ياختي؟ إيه العريس ده؟ عارف قيمته قوي!
لترد أخرى، وهي تزمّ شفتيها:
وداخل ماسك في بنته كأنها توب ماركة! هي الناس دي بتتجوز ليه أصلًا؟ ما شكلهم مش ناقص حاجة.
أما شكران، فابتلعت كلماتها، قبل أن تنطق بخبثٍ متعمد:
ما هو غني أوي... والبت "ليلى" شكلها دخلت اللعبة الكبيرة فجأة!
ضحكت الأخرى بتواطؤ:
بنت مدرسة؟ وجابت ده؟ طب واحنا بنتعب ليه بقى؟!
كانت نيفين واقفة تراقب المشهد من بعيد، تقاوم توترها بابتسامة مصطنعة، قبل أن تتقدّم نحوه بخطوات بطيئة.
وحين وقفت أمامه، هزّت رأسها وقالت بأدب محسوب:
أهلًا وسهلًا يا رائد بيه... البيت نوّر.
أومأ رائد لها بهدوء، وقال بصوته الذي لا يعلو، لكن لا يُعارَض:
الله يبارك فيكِ... وشكرًا على كرم الضيافة.
صافحها بأدب، دون مبالغة، ثم التفت دون أن يُطيل النظر، كأن الزيارة بالنسبة له واجب يُؤدى، لا لقاء عائلي دافئ.
فيما كانت أعين النسوة تُتابع المشهد بشهقة مكتومة،تقدّمت "نيرفانا" قليلًا للصف الأمامي، وهمّت أن تسأل عن "ليلى"،لكن رائد أمسك يدها بلطفٍ ضاغط، وقال بنبرة قاطعة:
خليكِ جنبي دلوقتي، يا نيرفانا.
أومأت برأسها مطيعة، وهي تدرك نبرة أبيها التي لا تحتمل الجدل.
في هذه الأثناء، كانت ليلى خلف الجدار، تسمع وقع الأقدام والهمسات، لكن لم تجرؤ على النظر من خلف الباب.
كان قلبها يدقّ كأنه يُحذّرها من شيء قادم... شيء أكبر من قدرتها على التحمل.
رواية قلب السلطة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مروة البطراوي
ظلّ الصمت يخيّم، حتى بعد أن دخل "رائد الذهبي" إلى قلب البيت، وكأن حضوره لم يترك مجالًا لأي صوت سوى وقع خطواته. في العيون سؤالٌ، وفي القلوب وجس، وفي الهواء شيء يشبه الاحترام المغلّف بالريبة.
وبينما كان "رائد" يجلس في ركنٍ جانب، يراقب الحاضرين ببرودٍ رصين، دلف "مهاب" من خلف الجموع بخطواتٍ متحمسة، وقد تأخّر عن لحظة الدخول الأولى. ارتسمت على وجهه ابتسامة فيها من التصنّع أكثر مما فيها من الترحاب، وصوته علا وهو يتقدّم كمن يحاول اللحاق باللقطة:
– يا أهلاً وسهلاً بسعادة الباشا! البيت نوّر والله.
رفع "رائد" رأسه، أومأ له بإيماءة مقتضبة، ثم صافحه برشاقة محسوبة:
– الله يبارك فيك... متشكر يا أستاذ مهاب.
قال "مهاب" وهو ينظر حوله، كأنما يبحث عن نقطة توازن:
– العيلة كانت مستنياك من بدري... كويس إن الجو هدّي.
لم يردّ "رائد"، بل اكتفى بابتسامة خفيفة سرعان ما اختفت، ثم نظر نحو "نيرفانا" التي ما تزال تمسك بذراعه بلطف.
هنا اقتربت "عائشة"، وفي عينيها لمعة خفية، وهمست له:
– القمر جوه... مستنياك، خلّصنا كل حاجة.
ابتسم "رائد" في هدوء:
– تمام... أول ما تجهز أنا جاهز.
تقدّمت "نيرفانا" نحو "عائشة"، وهمست لها:
– ممكن أشوفها؟
– طبعًا يا حبيبتي، تعالى ورايا.
لكن "رائد" استوقفها بهمسةٍ ثقيلة:
– خليكي لطيفة... إحنا مش ناقصين دموع.
ضحكت "نيرفانا" في هدوء، ومشت خلف "عائشة".
فيما استند "رائد" في مقعده، لا يقول شيئًا، لكنه يرى ويسمع كل شيء.
وفي زاوية بعيدة، كانت "نيفين" تقف، تُتابع المشهد بهدوء مريب، كأنها لا ترى الحاضر فقط، بل تستشرف ما بعده.
في الداخل، خلف بابٍ نصف مغلق، كانت "ليلى" ما تزال واقفة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي لا تعرفها.
هل هذه هي الفتاة ذاتها التي كانت تركض في ممرات المدرسة تلهث بالحلم؟
هل هذه هي التي كانت تضحك من أعماقها في شرفة بيت جدتها و هي صغيرة، وتدعو الله ألا تنتهي الإجازة؟
الآن، كانت واقفة كمن ينتظر حُكمًا.
يديها لا تعرفان أين تستقران، وعيناها معلقتان بمرآتها لا بعينيها.
همساتٌ من الخارج بدأت تقترب...
ثم صوتُ خطواتٍ ناعمة، تلتها نبرةٌ دافئة، طفولية، اخترقت الحاجز برفق:
– هو أنا ينفع أدخل؟
كان صوت "نيرفانا".
رقيقًا... كأنّه لا ينتمي لهذا العالم الصاخب المترقّب.
لكنّه حمل خلفه ثِقلًا لا يُستهان به، ثقل اللقب، والدم، والاسم.
شدّت "عائشة" الباب قليلًا، وأطلت برأسها:
– نيرفانا حابة تسلم عليكي.
لم تردّ "ليلى"، فقط نظرت نحو الباب، كأن عقلها يبحث عن ردٍّ مناسب، عن صيغة للترحيب، لكنها وجدت نفسها تقول بصوتٍ خفيض:
– تخشِّي.
دخلت "نيرفانا" بخطوة خفيفة، وعلى وجهها ابتسامةٌ بريئة، لا تخلو من فضولٍ دفين.
نظرت إلى "ليلى" بتمعّن، ثم قالت بحماسة طفلة:
– أنتي حلوة قوي.
ابتسمت "ليلى" ابتسامة باهتة، وقالت:
– وانتي كمان... قمر.
تقدّمت "نيرفانا" أكثر، ولمست طرف فستان "ليلى" بدهشةٍ مبهورة:
– ده اللي أنا اخترته! كنت حاسة إنه هيليق عليكي بالضبط كده!
نظرت "ليلى" إلى نفسها في المرآة للحظة، ثم تمتمت بخجلٍ دافئ:
– عجبك؟
– أوي! و... بابا هيعجبه كمان.
قالتها "نيرفانا" بثقة وابتسامة بريئة.
عند ذكر "بابا"، ارتعشت يد "ليلى" الخفية، ونظرت فورًا نحو الأرض.
لم تُعلّق. لم تسأل. لكنها شعرت أنّ جدران الغرفة ضاقت فجأة.
"نيرفانا"، من فرط عفويتها، لم تلاحظ ما تغيّر في ملامح "ليلى"، وأكملت بصدقٍ لا يحتمل:
– على فكرة، أنا قلتله من الأول إني موافقة...
قلتله: لو هي هتكون طيبة معايا، أنا هحبها.
رفعت "ليلى" عينيها، ونظرت إليها، بعينٍ غائمة، وقالت بصوت مبحوح:
– وأنا هكون طيبة جدًا... عشانك.
اقتربت منها "نيرفانا"، وفتحت ذراعيها فجأة، كأنها تعرف تمامًا ما تحتاجه "ليلى" في تلك اللحظة، وقالت:
– طب تعالي نتصوّر سوا... عايزة الصورة دي تبقى أول صورة لينا بره المدرسة.
تردّدت "ليلى" لوهلة، ثم انحنت قليلًا، واحتضنت الصغيرة، كأنها تختبئ فيها.
وفي الخارج، كان "رائد" يُدير وجهه جانبًا، كأنّه شعر بشيء.
أغمض عينيه للحظة... ثم فتحهما على قلقٍ دفين لا يعرف له اسمًا.
جلس "رائد الذهبي" في أحد أركان الردهة، حيث يمكنه أن يرى الجميع دون أن يُضطرّ للحديث مع أحد. كانت عيناه تتنقل بين تفاصيل المكان: الستائر، الأثاث، الوجوه، الهمسات، كأنّه يقرأ سطورًا غير مرئية تُكتب في الصمت.
"مهاب" كان يراقبه من بعيد، يُوازن خطواته، قبل أن يقترب أخيرًا ويجلس بجواره على طرف الكنبة، وقال بنبرة حاول أن يُجمّلها بالود:
– البنات جوه بيحضّروا، شكلهم لسه شوية... الجو النهاردة مش عادي.
لم يلتفت "رائد"، لكنه قال بهدوء ثابت:
– كل حاجة محسوبة عندي... والجو مش فارق.
ضحك "مهاب" بخفة، وقال:
– واضح... باين عليك دايمًا ماسك الأمور، حتى في عزّ الارتباك.
رد "رائد" بنظرة جانبية قصيرة، ثم قال:
– مافيش ارتباك... بس في ترقّب.
وأنا متعوّد أدخل أي مكان... والعيون تبصلي كده.
صمت "مهاب" للحظة، ثم مال بجذعه قليلًا وقال بصوتٍ أخفض:
– بصراحة يا رائد بيه، الناس كلها مستغربة.
يعني، حضرتك... مش بالضبط النموذج اللي بنت مدرسة بسيطة تتوقعه، ولا إحنا كنا متوقعين إنك تيجي بنفسك كده و تطلب تتجوزها.
رفع "رائد" حاجبه، ونظر له مباشرة:
– تقصد إيه؟
تراجع "مهاب" في جلسته، وابتسم توترًا:
– لا لا، أقصد يعني... الموضوع فجأة كده، بدون مقدمات.
معلش أنا بس كأخوها، طبيعي أسأل وأسأل كتير.
قال "رائد" بهدوءٍ لا يخلو من الحسم:
– طبيعي تسأل... وطبيعي كمان تلاقي إن الإجابات مش دايمًا كاملة.
سكت، ثم أضاف وهو يلتفت ببطء نحو وجه "مهاب":
– لأن اللي بيدخل حياتي... بياخد وقته قبل ما يعرف كل حاجة.
هزّ "مهاب" رأسه كمن تلقّى تحذيرًا مغلّفًا بالمجاملة.
– مفهوم.
نظر "رائد" أمامه، ثم قال كمن يُلقي بجملة اعتيادية لكنها تحمل ما هو أعمق:
– أنا مش جيت أقدّم عرض... أنا جيت آخد قرار.
هنا، شعر "مهاب" كأن الغرفة ضاقت فجأة، وأن "رائد" لم يكن فقط ضيفًا... بل مالكًا جديدًا لطاولة الحوار.
وقبل أن ينبس بكلمة، خرج صوت "نيرفانا" من الغرفة الداخلية وهي تضحك، تبعها صوت "ليلى" هامسًا.
فابتسم "رائد" أخيرًا، تلك الابتسامة القصيرة التي لا تصعد لعينيه، وقال:
– والبداية دايمًا... بتتوزن بصوت الضحك.
في الزاوية المقابلة، وقفت "نيفين" ساكنة، تُمسك بكفّيها بعضهما البعض، كمن يُخمّد رجفة لا يودّ أن يراها أحد.
عينها لا تفارق الباب المغلق، حيث دخلت "نيرفانا" قبل دقائق، وخلفه تقف ابنتها... وحيدة، هادئة، متماسكة – أو هكذا تأمل.
كان صوت ضحكة "نيرفانا" قد اخترق الصالة، تبعه صوتٌ خافت لـ "ليلى"،ضحكةٌ لم تُطَمئن "نيفين"، بل زادتها وجعًا.
تنفّست بعمق، كأنّها تحاول أن تحشو صدرها بشجاعة مصطنعة.
حاولت أن تتذكّر آخر مرة رأت فيها ليلى تضحك بصدق.
كانت تضحك وهي بتحكي لها عن أول مرتب، وعن أول مرة قدرت تشتري هدية لصاحبتها من فلوسها.
أما اليوم... فابنتها تضحك وهي في فستان اختارته لها ابنة رجل لا تعرفه جيدًا، لكن عليه أن يصبح كل شيء في حياة ليلى.
رفعت يدها، وعدّلت طرحة بسيطة تغطي شعرها.
حدّثت نفسها:
"لازم أدخل... لازم أكون جنبها... حتى لو ماكنتش قادرة أمنع، أقدر أواسي."
نظرت حولها للحاضرين، بعض النسوة ما زلن يتهامسن، البعض يُراقب "رائد" عن بُعد، و"مهاب" جلس متجمّدًا بعد حديثه معه.
لم تنتظر أكثر.
خطت خطوة... ثم أخرى... حتى اقتربت من الباب.
تردّدت يدها وهي تهمّ بطرقه، كأن هذا الباب صار حاجزًا بين ماضٍ كانت هي فيه الآمرة، ومستقبل لم يُترك لها فيه قرار.
تمتمت لنفسها، كمن يحاول تثبيت صوته:
– يا رب... الطف بيها.
ثم طرقت الباب طرقًا خفيفًا، وفتحت ببطء، وأدخلت رأسها وهمست:
– ليلى... ممكن أدخل؟
من الداخل، جاءها صوت ابنتها، مبحوحًا، مرتبكًا:
– أيوه يا ماما... تعالي.
دخلت "نيفين"، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، كمن أغلق عليهما الدنيا، ووقف على الحافة الأخيرة بين الأمومة... والتسليم.
دخلت "نيفين" إلى الغرفة بخطواتٍ بطيئة، وعيناها تلتقطان التفاصيل الصغيرة:مشطٌ على طرف التسريحة، زجاجة عطر مفتوحة، منديل به أثر أحمر شفاه، وفستان أبيض... لا يشبه ليلى.
كانت "ليلى" واقفة عند حافة السرير، تنظر للأرض، كأنها تنتظر من أمها سؤالًا تعرفه مسبقًا.
اقتربت "نيفين"، ثم جلست على طرف الفراش، وأشارت بيدها:
– تعالى يا ليلى، اقعدي جنبي.
تقدّمت "ليلى" ببطء، وجلست، دون أن تنظر في عينيها.
ساد صمت ثقيل، فقط أنفاس متقطعة، ثم قالت نيفين بصوتها الذي حمل كل الحنان، وكل الخوف:
– إنتي متأكدة؟
سؤال بسيط، لكنه ارتطم في صدر "ليلى" كحجرٍ ضخم.
– متأكدة من إيه، يا ماما؟
جايه لسه تسالي دلوقتي؟
– من إنك... قادرة تكّملِي؟
معاه؟ في دنيته؟
شايفة نفسك في اللي جاي؟
بلعت "ليلى" ريقها، وقالت بصوتٍ متماسك ظاهريًا:
– مافيش حاجة اسمها متأكدة... بس أنا ماشية مع اللي قدامي.
هزّت "نيفين" رأسها، وقالت بهدوء:
– أيوه... بس اللي قدامك مش طريق مرصوف ورد، يا ليلى.
انتي ديما تقولي الراجل ده مش سهل...
ومش جاي علشان يحب ويُحبّ بس.
نظرت إليها ليلى للمرة الأولى، بعينين فيها صدق موجع:
– عارفة... بس يمكن ما بقاش ينفع أختار بحُريّة.
الاختيارات كانت زمان، لما كنت بحب من قلبي...
دلوقتي بقيت بختار بالعقل.
– والعقل مش دايمًا بيحمي... أوقات بيحبسك جوه قرار.
ردّت نيفين وهي تمسك بيدها، وتشدّ عليها.
– وأنا تعبت من كل حاجة بتحبّسني، يا ماما.
تعبت من الخوف، من الوحدة، من الأحكام، من الألسنة،
تعبت أكون لوحدي في وش الدنيا.
دلوقتي... حتى لو في شيء مكسور، فأنا داخلة أعيش فيه، مش أنزفه لوحدي.
أغمضت "نيفين" عينيها للحظة، ثم قالت بصوتٍ واهن:
– بس أوعي تعيشي مغلوبة جوا نفسك، وتقولي "ماشي الحال".
لو لقيتي نفسك بتنزلي درجة ورا التانية...ارجعي لي.
ارجعي لبنتك اللي جواكي، مش للناس.
لمعت عينا "ليلى"، وانسحب الكلام من شفتيها، وقالت:
– أول مرة أحس إنك خايفه عليا منه انا داخلة على مجهول... وأنا مش خايفة.
يمكن علشان... خلاص، ماعادش فاضل حاجة أخسرها.
رفعت "نيفين" يدها، ولمست وجهها بحنان، ثم همست:
– لا، يا بنتي...لسّه فاضل حاجة.
فاضل نفسك...ما تفرّطيش فيها أبداً.
سكتتا لحظة، ثم قالت "نيفين" بخفوت:
– يلا قومي...الناس مستنياكي.
وقفت "ليلى"، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأجابت:
– وأنا كمان... كنت مستنياهم.
"نيرفانا" كانت تقف إلى جوار "ليلى"، تراقب ملامحها بعينٍ ممتنة، ثم التفتت إلى "عائشة" التي بدت واجمة للحظة، تُحدّق فيهما دون أن تنتبه.
قالت "نيرفانا" بنعومة، وهي تبتسم دون افتعال:
– مس عائشة... كلّه تمام؟ شكلك سرحانة.
انتبهت "عائشة" لنظرات الطفلة الذكية، فهزّت رأسها سريعًا كمن أفاق من شرودٍ طويل، ثم ضحكت بخفة:
– لا لا... بس مش مصدقة إنك كبرتي كده يا نيرفانا! كنتي لسه تحت رجلي في المدرسة، وها انتي بقيتي ست البنات.
رفعت "نيرفانا" حاجبها بخفة وغيظٍ طفولي ظريف:
– يعني إيه يا مس؟! شكلي كان وحش زمان ولا إيه؟!
ضحكت "ليلى"، ومدّت يدها تمسك بكف الصغيرة:
– لا يا حبيبتي... انتي منورة من أول يوم.
وفي لحظة، قطع الصمت صوت خافت من الخارج، تبعه نحنحة خفيفة ثم صوت "مهاب" يعلو بنبرةٍ واضحة:
– ليلى!... المأذون وصل. إنتي جاهزة يا بنتي؟
ارتعش قلب "ليلى"، كأن طبولًا خفية قرعت داخله، ونظرت إلى الباب لحظةً ثم أغمضت عينيها، كأنها تُقنع نفسها بالثبات، وقالت بصوتٍ فيه بعض الجسارة المصطنعة:
– أيوه يا مهاب... جاهزة.
فتح "مهاب" الباب بهدوء، ووقف برهة يتأمّلها، ثم تقدّم بخطواتٍ مترددة.
نظر إلى "ليلى" نظرة طويلة، فيها حب أخوي نقي، ثم ابتسم وقال:
– ما شاء الله... القمر ده طالع منين؟ الله يرحمك يا بابا، كان هيفرح بيكي النهاردة.
اهتزّت "ليلى" من الداخل، كأنها انكسرت على طرف الاسم، واغرورقت عيناها بدموعٍ حارة:
– ليه كده يا مهاب... ليه تفتح وجعي دلوقتي؟
أنا كنت ماسكة نفسي بالعافية...
اقترب منها مهاب سريعًا، وربت على كتفها:
– معلش... سامحيني.
بس والله... هو معانا، والله.
ثم تدارك نفسه سريعًا، وأخرج من خلف ظهره باقة ورد بيضاء:
– بصي... دي من رائد بيه.
قال يتقدملك بيها بنفسه... بس هو حبّ يخليها توصلك قبله.
نظرت "ليلى" إلى الورد، كأنها تنظر إلى ما هو أبعد... إلى الطريق كله.
أخذتها منه بيدٍ مرتعشة، ثم رفعت رأسها، وقالت بنبرةٍ فيها كل ما تبقّى من إرادة:
– يلا، نخرج.
مدّ "مهاب" يده نحوها، فأمسكت به، ونهضت.
وراءها، لحقت بها "نيرفانا" و"عائشة"، تحملان ذيل الفستان بحذر، كأنهما تمسكان بخيوط قصة ما زالت تُكتب.
وفي الخارج...
كان القدر يطرق الباب الأخير.
انطلقت خطوات "ليلى" ببطء، كأنها تمشي فوق خيوط غير مرئية بين الماضي والحاضر.
كانت قد خرجت من الغرفة، من قلب الخوف والانتظار، تترك وراءها دقاتٍ مرتجفة، وعيونًا لا تكفّ عن الترقّب.
تخلّفت "نيرفانا" و"عائشة" لحظة، ليتركا لها المساحة لتتنفس،وتقدّم "مهاب" بجوارها، دون كلام، فقط نظراتٌ تنوب عن ألف سؤالٍ مؤجَّل.
في الطريق إلى الردهة، حيث ينتظر الجميع، تشابكت في عقل "ليلى" أصواتٌ وأصداء:
ضحكة أبيها القديمة، همسة أمها ليلة النتيجة، بكاءها المكتوم أول ما انكسر قلبها...
ثم صدى صوت "رائد" وهو يقول بهدوء: "اللي يدخل حياتي... بياخد وقته قبل ما يعرف كل حاجة."
ارتجف قلبها للحظة، لكنها واصلت السير.
وفي اللحظة التي استقرت فيها قدماها عند أول عتبة تؤدي إلى الصالة، تلاشت الأصوات، وبقي الصمت.
ذلك الصمت الذي لا يخلو من رهبة، ولا من انتظار.
هل هي تسير نحو بداية؟ أم تُعيد التقدّم في دوائر من النهاية المقنّعة؟
ربما... لا تكون الإجابة الآن.
لكن ما كانت تعرفه يقينًا، أنّها لم تَعُد كما كانت.
كانت خطواتها تقول:
"أنا لسه واقفة... ولسّه فيا حياة."
تقدّمت "ليلى" إلى الطاولة ببطء، تتبع خطواتها كأنها تجرّ ثقلًا لا يُرى.
كان المأذون يهيّئ أوراقه، يُسلّم القلم إلى من سبقتها، وينادي باسمها بنبرة رسمية.
وقفت أمام الورقة، عيناها تهربان من السطور المرتبة ببرود، كأنها ترى فيها مصيرًا لا تعرف ملامحه، لكنها مُلزمة بالتوقيع عليه.
ومن خلفها، جاء صوت "نيفين"، خافتًا لكنه حاسم، يحمل رجفة الأم التي لا تملك إلا أن تدفع بابنتها للأمام:
– يلا يا ليلى... خلّصي.
استدارت "ليلى" قليلًا، بعينين مغرورقتين، ثم أعادت نظرها إلى القلم،مدّت يدها المرتعشة نحوه، كأنها تمدها إلى مصيرٍ لا مفر منه،أمسكته بإحكام، ثم خطّت إمضاءها في سكون، لا تدري إن كان صوت القلم على الورقة هو صوتها الأخير، أم أول اختناقٍ في رحلتها الجديدة.
لحظة صمت.
ثم جاء صوت المأذون رخيمًا، يحمل نغمة معتادة، كأنها تُتلى منذ قرون:
– بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
تعالت الزغاريد فجأة، دوّت في الأرجاء كصدى بعيد من فرحٍ لا يشبه ما في صدر "ليلى".
كل صيحة كانت كصفعةٍ على قلبها، كل تهنئة كانت تثقُل كتفيها.
جاءت أمها أولاً، عانقتها، وضغطت على جسدها بقوة، لا تدري إن كانت احتضانًا أم شدًا إلى واقعٍ لا خلاص منه.
ثم مهاب، ثم النسوة... وجوه كثيرة، أيادٍ كثيرة، قُبل كثيرة، و"ليلى" تبتسم ابتسامات لا تصل إلى عينيها.
وحين انحسر الجمع من حولها، أحسّت بظلٍ ثقيلٍ يخيّم فوقها.
رفعت عينيها ببطء، فرأته.
"رائد"... يقف هناك، بهيبته المعتادة، بعينيه الثابتتين، يتأملها بنظرة طويلة، كأنّه يقرأ كل ما لم تقله.
اقترب منها بهدوء، لم يكن مستعجلًا، بل كمن يعرف أنه قد بلغ غايته.
وقف أمامها، ثم مدّ يده بثقة، ولمس خصرها بخفةٍ محسوبة، طوّقها كمن يُعلن امتلاكًا لا يقبل الجدل.
اقترب من وجهها، ثم طبع قبلة قصيرة على جبهتها، باردة رغم سخونة اللحظة.
لامس خده طرف خدها، ثم همس بصوتٍ خافت، لا يُسمع سواه:
– مبروك... دلوقتي رسميًا، انتي بقيتي ليّا.
لم تكن كلماته قاسية، لكنها كانت مشبعة بنبرة لا تخطئها حدسها...
نبرة الرجل الذي لا ينسى، ولا يترك شيئًا للصدف.
نظرت إليه "ليلى"، وكأنها تستجديه بإيماءة العين... أن يطمئنها.
فابتسم، تلك الابتسامة التي تُشبه الغطاء الناعم لسكين حاد.
ثم همس مرة أخرى، بصوته العميق:
– اتجهزي... الليلة دي مش عادية.
ولم تنتظر ردها، بل أمسك بيدها، وقادها وسط الجموع التي عادت تزغرد...
في حين بقي قلبها يُنذرها، أن هذه الليلة ليست كباقي الليالي.
كانت القاعة مضاءة بعناية، كل تفصيلة فيها تشي بثراءٍ لا يُستعرض، بل يُفترض كأمرٍ واقع.
ثريات كريستالية تتدلّى من السقف، أزهار بيضاء تتوزّع كأنها وُضعت بيد فنانٍ مهووس بالتناسق،
والموسيقى... هادئة، راقية، لكنها باردة كأنها لا تخص أحدًا.
دخلت "ليلى" إلى المكان تتقدّمها "نيرفانا"، تتدلّى من كتفها طرحة قصيرة، وفستانها الأبيض ينسدل برصانة لا تشبه خفة العرائس المعتادة.
خطواتها ثابتة، لكن عينيها تسبحان في فراغٍ مألوف.
كانت الكاميرات تدور حولها، تُسلّط عليها عدساتها كأنها نجمة في عرضٍ لم تطلبه،
والنساء يتهامسن، يبتسمن، يرفعن هواتفهنّ، بينما هي تمشي... فقط تمشي.
في مقدّمة القاعة، وقف "رائد" بهيبته الصامتة، يحيي بعض الضيوف بنظرات محسوبة وابتسامات مقتضبة.
كان مرتديًا بدلة سهرة كلاسيكية، سوداء تمامًا، يزينها منديل أبيض، دون دبوس ولا أزرار لامعة، كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى شيء يُلفت النظر... أنا بذاتي كافٍ.
وحين وقعت عيناه على "ليلى"، لم يتحرك.
بقي واقفًا مكانه، يراقبها تقترب، لا يصفّق، لا يندهش، لا يُبدي شيئًا… فقط عينه تشي بأنه يراقب كل التفاصيل، بما في ذلك طريقة مشيها، نظرة عينيها، وخيط التوتر في أطراف أصابعها.
اقتربت منه، فتقدّم خطوة، ومال برأسه قليلًا، وهمس:
– تأخرتي دقيقة ونص... مش شبهك.
لم ترد "ليلى"، فقط نظرت إليه بنظرة محايدة، لا خضوع فيها ولا اعتراض.
فابتسم رائد، ابتسامة ناعمة… لكنها لا تُشبه الترحاب.
ثم رفع يده بهدوء، فاقترب منهما المصوّر، وبدأت جلسة الصور.
قال "رائد" بصوت خفيض، وهو يضع ذراعه حول خصرها:
– خدي بالك من وشّك، دي الصور اللي هتفضّل في كل مكتب وفي كل بيت... ماينفعش تطلعي فيها خايفة.
فهمت "ليلى" الرسالة، فأمالت رأسها نحوه، وابتسمت للكاميرا، تلك الابتسامة التي تُجيدها النساء حين يخفين ما لا يُحتمل.
في الطرف البعيد من القاعة، كانت "نيفين" واقفة بجوار "مهاب"، لا تتحرّك.
تُراقب، فقط تُراقب.
قال "مهاب" دون أن ينظر إليها:
– بتحسي إن دي فرحة حقيقية؟
لم تجبه "نيفين"، فقط شبكت يديها بقوة، وقالت في داخلها:
"مش مهم الحقيقة دلوقتي... المهم ما تنهارش."
على طرف القاعة، بعيدًا عن دائرة الأضواء، وقفت "يقين" بجوار "شامل"، تميل برأسها قليلاً، تتابع المشهد بعينٍ قلقة، ونظرةٍ لا تخلو من التوجس:
– شايف ليلى؟
وشها مش طبيعي... باهتة، كأنها مش في فرحها. تحسها داخلة على حكم مش على حياة جديدة.
تنهد "شامل" بصوت خافت، ثم ردّ بهدوء متعمد:
– أول مرة تتجوز يا يقين... طبيعي تكون مرتبكة شوية.
لكن "يقين" لم تكتفِ، بل ظلت تحدّق في ليلى بثبات، ثم قالت:
– لا... دي مش توتّر بس.
أنا ماشفتهاش ابتسمت بصدق ولا حتى مرة من ساعة ما دخلت.
نقل "شامل" نظراته إلى ليلى للحظة، ثم قال وهو يحاول التهوين:
– يمكن متأثرة... اللي زي رائد يخوّف، حتى وهو بيضحك.
لم ترد "يقين"، بل أطلقت زفيرًا طويلاً، كأنها تطرد به شعورًا أثقل من الكلمات، ثم استدارت تبحث بعينيها في زوايا القاعة.
– نيرفانا راحت فين؟ ما شوفتهاش من بدري...
رفع "شامل" حاجبيه دون اكتراث:
– أكيد حوالين أبوها... متوصي بيها، مش هيسيبها تهيم لوحدها.
لكن "يقين" لم ترتح، بل زاد توترها، وهي تفتش بنظراتها في الأركان والطرقات الخلفية، ثم همست:
– لأ... في حاجة غلط.
أنا هقوم أدوّر عليها.
أمسك "شامل" بذراعها بلطف، وقال بنبرة فيها شيء من الضيق:
– إنتي دايمًا شايلة همّها أكتر من اللازم... سيبيه، عارف هو بيعمل إيه.
نظرت إليه "يقين" بعنادٍ صامت، ثم سحبت ذراعها من يده وقالت بوضوح:
– معرفش، قلبي مش مطمّن.ولو اختفت تاني... يبقى الحق مش عليا.
ثم خطت بعيدًا، تمشي كأنها تسبق قدرًا تعرف طريقه.
أما "شامل"، فاكتفى بالنظر خلفها، وهزّ رأسه قائلاً لنفسه:
– يقين... دايمًا بتحسّ بالحاجة قبل ما تحصل.
اندفعت "يقين" بخطى سريعة، تتجاوز التجمعات المتناثرة، لا ترى في عينيها إلا صورة "نيرفانا" الغائبة.
الزغاريد تواصلت، تتردد في أذنها كصدى بعيد، لكنها لم تعبأ بها.
قلبها ينبض بنداء لا يُسكت، نداء يشبه حدس الأمهات حين يشعرن أن الخطر أقرب مما يبدو.
في أحد أركان القاعة، حيث طاولة مرتفعة تزدان بالزهور البيضاء، وقف "رائد" محاطًا ببعض الرجال، يتبادلون التهاني بنبرة محسوبة، وعلى وجهه تلك الابتسامة الهادئة التي لا تكشف عن شيء، ولا تُخطئها عينٌ تعرفه.
اقتربت منه "يقين" دون أن تنتظر مناسبة، وقفت أمامه مباشرة، ثم مالت نحوه وهمست بنبرة فيها ارتباكٌ دفين:
– رائد... محتاجة أكلمك دقيقة لو سمحت.
رمقها بنظرة سريعة، ثم اقترب خطوة، وهمس ببروده المعتاد:
– قولي يا يقين.
ازدردت ريقها، ومالت أكثر، كأنها تخشى أن يسمعها غيره:
– نيرفانا... مش شايفاها من ساعة ما دخلنا. سألت عنها كتير، ومفيش حد شافها من وقت الفرح ما بدأ.
انعقد حاجباه للحظة، ثم نطق بنبرة ناعمة، لكنها مشدودة من الداخل:
– تقصدي إيه مش شايفاها؟ إنتي عارفة إننا وسط ضيوف، مش وقت الهلع ده.
– والله عارفة، بس البنت مش من نوع اللي يختفي كده من غير ما تقول لحد. وأنا مش مرتاحة... خالص.
نظر إليها لحظة، ثم أشاح بوجهه نصف خطوة، كأنما يتحكم في رد فعل كان على وشك أن ينفلت.
قال ببرودٍ حاسم:
– نيرفانا تبقى بنتي... وأنا اللي جبتها، وأنا اللي هخرج بيها. ما تقلقيش، وهتعرفي مكانها أول ما أحبّ تعرفي.
همّت أن تقول شيئًا، لكنها توقفت، نظرت في عينيه فرأت تلك النظرة التي لا تفتح بابًا للحوار.
أومأت بصمت، ثم انسحبت بخطوات مترددة.
وبعد لحظة، أدار "رائد" رأسه نحو أحد رجاله، يقف بعيدًا، بثياب سوداء، وعينين لا تفارقان الحضور.
أشار له إشارة خفيفة، ثم قال بصوت منخفض لا يحتمل تأخيرًا:
– دُور عليها فورًا. ما تخلّيش حد يلاحظ،ولو مرّت دقايق ولسه مش قدامي... اقفل القاعه.
كلها.
أومأ الرجل باحتراف، وانصرف بهدوء لا يليق بحجم المهمة.
أما "رائد"، فبقي في مكانه، لا يتكلّم، لا يتحرك،لكنه كان في داخله... يشتعل.
في زحمة الأصوات والتهاني والموسيقى المنخفضة،اقتربت "ليلى" من "رائد"، الذي كان واقفًا قرب طاولة الكوشة، يوزع ابتساماته الباردة على المهنئين،لكن عينيه لم تكونا مع أحد... بل كأنهما تبحثان عن شيء غائب.
وقفت بجواره بهدوء، وقد زحفت على وجهها تلك الابتسامة الواجبة،قبل أن تميل برأسها نحوه، وتهمس بنبرة خافتة لا تخلو من قلق:
– يقين كانت هنا من شوية... شكلها مش مطمنة خالص.
لم ينظر إليها فورًا، بل اكتفى بزفيرٍ خفيف خرج من صدره كأنما يحاول كتم انفعالٍ غائر.
قال دون أن يلتفت:
– يقين دماغها شغالة زيادة عن اللزوم... ودايمًا بتدخل في اللي مالهاش فيه.
نظرت "ليلى" إليه بتمعن، ثم قالت بنفس الهمس، لكن بصوتٍ أكثر ثباتًا:
– بس كانت فعلاً متوترة... سألتني عن نيرفانا، وقالت إنها مختفية من ساعة ما دخلنا.
عند تلك الجملة، استدار إليها "رائد" ببطء، نظر في عينيها نظرة قصيرة لكنها حادة، ثم قال بنبرة لا تخلو من الجفافة:
– نيرفانا تحت عنايتي... وأي حاجة تخصّها، أنا اللي أقرر إمتى تتقال.
تراجعت "ليلى" خطوة صغيرة إلى الوراء، لم يكن في ردّه شيء جارح، لكنه كان كافيًا ليصمِت.
سحب أنفاسه، ومرّر يده على طرف سترته، كأنما يرتب نفسه من الداخل،ثم خفّت نبرته قليلاً، وقال بنغمة فيها قدر من التطمين:
– كل حاجة تحت السيطرة، ما تشيليش هم.
أومأت "ليلى" برأسها، لكن بداخلها لم يكن هناك شيء مطمئن...
فالعين التي لمحتها في وجهه كانت تقول: "أنا كمان بدوّر... بس مش لازم حد يعرف".
رواية قلب السلطة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مروة البطراوي
في ركنٍ مُعتم من القاعة، حيث تنسحب الأضواء رويدًا وتتمدّد الظلال كستارٍ رحيم،
كانت "نيرفانا" متكوّمة خلف إحدى الستائر المخملية الثقيلة، تضمّ جسدها إلى صدرها كطفلةٍ خائفة.
عيناها الواسعتان تجولان في الفراغ، تحاولان الإمساك بخيطٍ من الأمان، لكن لا شيء هناك...
لا شيء إلا نبضٌ يتسارع، ودمعة تتردّد على حافة الجفن، تأبى أن تسقط.
همست لنفسها، كأنّها تستحضر شجاعةً لم تكتمل:
– أنا مش وعد بابا يلفّه زي ما يحب... أنا مش لعبته.
أخرجت من حقيبتها الصغيرة هاتفها، كأنّها تُخرج اعترافًا لم يعد يحتمل التأجيل،
راحت أناملها المرتعشة تتلمّس الشاشة، حتى استقرّت على اسمٍ بعينه،
ضغطت عليه، ثم أغمضت عينيها.
رنّ الهاتف مرة... مرتين... حتى جاءها صوته:
– أيوه يا نيرفانا؟! إنتي فين؟ صوتك غريب.
شهقت شهقة قصيرة، ثم همست بصوتٍ مشحون:
– تعالى... تعالى دلوقتي، لو بتحبّني.
– دلوقتي؟! ده فرح أبوكي...
قاطعته، ونبرتها هذه المرة لم تكن مستجدية، بل صادقة حدّ الوجع:
– أنا مش قادرة أكمّل الليلة لوحدي... أنا مخنوقة. مش عايزة أكون هنا.
ساد الصمت لحظة، ثم جاءها صوته حازمًا، وفيه رجفة دفء:
– تمام... هستنّاك برّه. مش هقرّب، مش هدخل، بس مش هسيبك تضيعي.
أغلقت الهاتف ببطء، كأنّها تغلق بابًا على خوفٍ قديم.
مسحت دمعتها، وعدّلت وقفتها، ثم أزاحت الستارة قليلًا،
وراحت تتسلل بخفة، كما تتسلل فكرة مجنونة في لحظة عاقلة.
لكنها لم تكن تدري...
أن أحدهم كان يراها،
وأن ظلًا ثقيل الخطى بدأ يقترب منها بثبات.
***
خرجت "نيرفانا" من خلف الستارة بخطى مرتعشة، كأنّها تتحسّس طريقها في نفقٍ ضيّق لا تعرف إن كان في آخره ضوء، أم هاوية.
كان الهواء أثقل مما ينبغي، والممر الذي تمرّ به خلف أعمدة الزينة والمرايا، لا يخلو من الصمت...
ذلك الصمت المخادع الذي يسبق العاصفة.
لم تكن تلتفت، لكن قلبها كان ينبض كما لو أنّ شيئًا ما يزحف خلفها.
وفي اللحظة التي كادت تقترب فيها من باب جانبي يؤدي إلى ساحة الانتظار الخلفي،
جاءها الصوت...
صوتٌ لم تخطئه يومًا.
– على فين يا نيرفانا؟
تجمّدت في مكانها.
لم تلتفت.
الهواء من حولها انقبض، وكأنّه يعاقبها على التفكير في الهرب.
أعادت ترتيب ملامحها، وبلعت ريقها، قبل أن تستدير ببطء، لتواجه صاحب الصوت.
كان "شامل".
يقف بثباتٍ كأنّه خرج من جدار القاعة، يديه في جيبيه، وابتسامة باهتة ترتسم على وجهه...
تلك الابتسامة التي تعرفها جيدًا، وتكرهها أكثر.
قالت، تحاول أن تبدو هادئة:
– مش شايفة إن في حاجة تخصّك تسألني فيها.
اقترب منها خطوة، لم تزل يده في جيبه، لكن صوته انخفض:
– طالما اللي بتعمليه ممكن يكسّر أبوكي... يبقى يخصّني.
ابتسمت نيرفانا بسخرية، وعيناها تلمعان بتحدٍّ حزين:
– أبويا؟! أبويا اللي مابقاش يعرف عني غير اسمي؟! اللي عاملني ورقة من أوراق شغله؟
– اللي أنتِ بتقولي عليه ده... هو الراجل اللي عملك نيرفانا اللي واقفة هنا.
هزّت رأسها، وقد انكسر الحزن في صوتها إلى دموع غير مرئية:
– أنا اللي عملت نفسي... لو كنت استنيته، كان زماني اتشطبت من الحكاية من أولها.
مدّ "شامل" يده فجأة، وأمسك بذراعها بخفة، لكن بصرامة:
– إنتي مش ماشية، فاهمة؟! إنتي هتروحي الكوشة دلوقتي، وهتضحكي، وهتخلي الكل يشوف إن نيرفانا بخير... مش محتاجة حد.
سحبَت ذراعها منه بعنف، ونفرت دمعة أخيرًا من عينها، رغم محاولتها للتماسك.
قالت وهي ترتجف:
– أنا مش هكمّل الليلة دي... ومش هسمح لحدّ يقرّر لي أنا هضحك إمتى.
ثم تراجعت خطوة، وعيناها تبحثان عن الخلاص.
صوت رسالة دخل هاتفها...
نظرت إلى الشاشة.
"وصلت. مستنيك، متخافيش."
رفعت عينيها مجددًا نحو "شامل"، ثم قالت بنبرة قاطعة:
– أنا مش بتاعت أوامر... وده آخر مرّة حد يحاول يوقفني.
ثم استدارت بسرعة، قبل أن يسمعها تتمتم، دون أن تنظر خلفها:
– حتى لو كان انت.
وظلّ "شامل" واقفًا في مكانه، لا يتحرّك،
لكن عينيه كانت تقولان:
"دي مش نهاية المشهد... ده بداية كل حاجة."
***
كان "رائد" ما يزال واقفًا في موضعه قرب طاولة الكوشة، يوزّع ابتساماتٍ معدنية على الوجوه العابرة،
لكن الداخل... كان يغلي.
كلمات "ليلى" عن "يقين" وقلقها لم تفارقه.
ذلك النوع من القلق الذي لا يجيء من فراغ.
ثم جاءت اللحظة التي سقط فيها القناع.
اقترب منه أحد الحراس الشخصيين، همس في أذنه بكلمة واحدة:
– "البنت مش ف القاعة."
توقّف الزمن لثانية.
رمش "رائد" بعينيه مرتين، كأنّه يحاول التأكد من أنه فهم الكلمة صح.
ثم قال بهدوء مُزيّف:
– مش موجودة... يعني إيه؟
أجابه الرجل بنبرة منخفضة:
– دُورنا في كل الزوايا، الستائر، الحمّام، الكوريدور اللي ورا، حتى باب القاعة الخلفي مفتوح... والتسجيلات بتتراجع. بس الظاهر إنها خرجت.
صمت "رائد" للحظة.
صمتٌ عميق، مرعب،
ثم مرّر يده على وجهه ببطء، كأنّه يكتم نيرانًا تتفجّر تحت جلده.
قال بصوتٍ خافت لكنه حادّ:
– من إمتى؟
– من حوالي خمس دقايق...
تلفّت "رائد" حوله، بعينٍ حادّة تمشط الحضور.
ثم قال بصوتٍ مشبّع بالحنق:
– فين شامل؟
– كان موجود قريب الباب... وبعدين اختفى هو كمان.
ضحك "رائد"... ضحكة قصيرة، لكنها أقرب للطعن.
– تمام... كده الصورة بتكمل.
أشار بإصبعه نحو الحارس:
– هات ليا تلاتة من الشباب اللي برا، وراجعولي الكاميرات فورًا... مش عايز أستنى تقرير، أنا عايز أشوف بنفسي.
ثم انصرف بخطوات سريعة نحو غرفة المراقبة.
لكنه قبل أن يبتعد، لمح "يقين" واقفة على بُعد خطوات، تنظر نحوه نظرة لم تفهمها الناس، لكنّه قرأها جيدًا...
كانت تقول:
"كنت عارفة... بس انت صمّمت تصدق اللي ريّحك."
التفت عنها، وواصل السير.
كل شيء كان يبدو مرتبًا.
إلى أن تجرأت ابنته... وهربت.
***
كانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف مساءً، والقاعة بدأت تفقد ضجيجها المعتاد،
لكن داخل غرفة المراقبة...كان الصمت من نوعٍ آخر.
جلس "رائد" أمام الشاشات، يتابع تسجيلات الكاميرات بنفسه،
عيناه لا ترمش، وأنفاسه متقطعة كأنّ صدره يزن كلّ دقيقة ضاعت منه.
إلى جواره، وقفت "يقين" بصمت، نظراتها تنتقل بين الشاشة وبين وجهه،
ترصد ردود فعله، وتحاول أن تُبقيه على خيط التماسك الأخير.
فجأة، أوقف التسجيل عند لقطة معيّنة.
"نيرفانا" تظهر وهي تنسحب من القاعة عبر باب جانبي،
تمشي وحدها، رأسها منخفض، لا تتحدث مع أحد...
ثم تُغلق الباب خلفها وتختفي عن الكاميرا.
قال رائد، ونبرته كأنها خرجت من فم مغلق:
– فيه حد كان بيستناها.
قالت "يقين" دون تردّد:
– هو شامل.
التفت إليها، وسأل بعينين ضاقتا كأنّهما تتلمسان الحقيقة:
– عارفة؟
– لا. بس حاسة. نظراته طول اليوم كانت مركزة عليها أكتر من اللازم...
ولما سألتها عنّه مرة، سكتت. السكوت اللي بيخبّي حاجة.
ضغط "رائد" على زر الاتصال، وأعطى أوامر سريعة:
– أقرب كاميرا في الجراج، عايز شريط العشر دقايق اللي بعد خروجها...
وخلّوا عربية الأمن تتحرك من بوابة 3 فورًا، حدّ يراقب الطريق اللي بيطلع على المخرج الخلفي.
نظر إلى "يقين"، ثم قال بنبرة أقل حدّة:
– هتيجي معايا.
رفعت حاجبيها بدهشة:
– أنا؟!
– آه... إنتي الوحيدة اللي بتفهم هي بتفكر إزاي. ولو فعلاً اختارت تهرب... يبقى هي سايبة وراها خيط.
وإنتي أكتر واحدة ممكن تلقطه.
لم تردّ، لكنها لحقت بخطاه، وقلبها ينبض بإيقاع لم تعهده من قبل...
فـ"رائد"، رغم جبروته،يعترف الآن – لأول مرة –أن قلب بنته مش في جيبه.
في السيارة، كان "رائد" يتحدث في اللاسلكي، يُصدر أوامر مركّزة،
في حين جلست "يقين" تُقلّب أفكارها بسرعة.
قالت فجأة:
– لو كانت بتخطّط لهروب، أكيد أخدت معاها حاجة مهمة...
يعني مثلًا موبايلها؟ شنطتها؟ ولا خرجت بإيديها فاضية؟
قال السائق من المقعد الأمامي:
– الكاميرا بيّنت إنها شايلة شنطة صغيرة.
تنفست "يقين" بعمق:
– يبقى كانت مقرّرة.
يبقى الخوف مش اللي دفعها...ده القرار.
غمغم "رائد"، وكأنه يُحدّث نفسه:
– وأنا سايب كل ده يحصل تحت عيني.
أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما بقوة:
– مش هسمح تنتهي زي أمّها.
نظرت إليه "يقين" بسرعة، وأرادت أن تسأله... لكنها تراجعت.
فاللحظة... ليست للحكايات القديمة،بل للإنقاذ.
رنّ الهاتف في يد "رائد".
جاءه صوت من الحراسة:
– لقينا أثر للعربية... خرجت من البوابة الخلفية، واتجهت للطريق الزراعي. رقم العربية واضح.
لكن اللي سايقها... مش شامل.
شهق "رائد"، ثم قال:
– مين؟
– شاب صغير... اسمه "آدم حمدي".
نظر إلى "يقين"، التي تجمّدت في مكانها.
قالت ببطء:
– آدم...؟!
ده اللي كانت بتكلمه كتير الأيام اللي فاتت.بس كانت بتقول إنه زميل، وإنه مجرد صديق.
صمتت.
ثم نظرت لرائد، وقالت بنبرة مختلفة:
– رائد... لو نيرفانا بتحب آدم...انت مستعد تسمع ده؟
لم يجب.
كل ما فعله أنه زاد سرعة السيارة.
***
انطلقت السيارة تُعانق طريقًا يلفّه السكون، كأنّ الكون قد حبس أنفاسه أمام ما جرى.
كان رائد جالسًا في المقعد الأمامي، يطالع الطريق بعينين جامدتين، بينما استقرّ الفراغ على قسمات وجهه، كأن عقله قد ابتُلع في دوامة الأسوأ.
أما يقين، فجلست إلى جواره وقد أكل القلق أطرافها.
كانت يدها تعبث لا إراديًا بطرف الحقيبة الصغيرة التي في حجرها، بينما تومض في رأسها مشاهد متناثرة، أصوات متشابكة، ووجه نيرفانا يطفو فوق كل ذلك كصرخة خرساء.
قطعت الصمت أخيرًا بصوت خفيض متهدج:
– "أنا مش قادرة أستوعب اللي حصل... نيرفانا كانت بتضحك من شوية، كانت واقفة جنب الكوشة... لحظة واحدة بس، وبعدين اختفت؟! يعني إزاي؟!"
لم يجبها رائد، وإنما امتدت يده فجأة ليزيد من سرعة السيارة، كأن في داخله شيئًا يركض.
– "رائد، ردّ عليّ! مين آخر حد شافها؟! ماينفعش نسكت، ماينفعش نسوق كأننا بنهرب..."
قالها وهو يلتفت نحوها أخيرًا، بعينين تائهتين ومشاعر تكاد تتقافز من بين كلماته:
– "أنا مش سايق عشان أهرب، يقين... أنا سايق عشان ألحق... لو في حد ورا اللي حصل، يبقى لسه قريب، ولسه ممكن نوصله."
أطرقت يقين برأسها لحظة، ثم رفعت عينيها نحوه ببطء:
– "و... ليلى؟"
صمتٌ قصير خيّم عليهما، تبعه صوت رائد، هادئًا بقدر ما يُخفي من اضطراب:
– "ليلى؟"
قالها كمن يسمع الاسم لأول مرة. ثم تابع، بصوت منكسر:
– "يمكن تفتكر إننا مشينا وسابناها... بس أنا... مش قادر أفكر في حاجة دلوقتي غير بنتي. لو جرالها حاجة، يقين، أنا..."
قاطعته، وقد ارتعش صوتها:
– "رائد، أنا معاك... هنلاقيها... بس لازم نكون عقلانيين. لازم نرجع نسأل، نراجع الكاميرات، نشوف مين كان حواليها..."
أومأ برأسه ببطء، كأن صوتها أعاده إلى أرض الواقع.
– "عندك حق... مش وقت الذُعر، ده وقت الحساب."
ثم مدّ يده فجأة إلى هاتفه، وبدأ يُجري اتصالات متلاحقة، يبحث، يطلب الكاميرات، يضغط الأرقام بلا هوادة.
أما يقين، فظلّت تحدّق في النافذة، ووجهها مشدود، يعلوه مزيجٌ من الندم والخوف والحدس المرير، تُتمتم في سرها:
"ياربّ، ماتكونش دي بداية النهاية..."
***
السيارة تمضي تحت ظلال المساء المتأخرة، يقودها رائد، وبجانبه يقين.
بالاضافه الي الثقل الذي أحدثه اتصال الخادمة معلّقًا بينهما كضباب خانق، فيما يسابق كلٌّ منهما قلبه المتسارع.
لم يكن رائد معتادًا على الارتباك. تعلّم مبكرًا كيف يُخفي ارتعاشة اليد، وضيق النفس، وسعار الذهن.
لكنه الآن... الآن فقط، تهاوى اتزانه، كأنما طُعِن في خاصرته بكلمة واحدة: "نيرفانا مش موجودة."
لم يكن صوت الخادمة، ولا بكاؤها، ما أثار فيه هذا الاضطراب، بل الصمت الذي تلا عبارتها…
الصمت الذي رآه ممتدًا، بلا نهاية، كهاوية مفتوحة تحت قدميه.
شدّ على المقود حتى ابيضّت مفاصله.
رمق يقين من طرف عينه، ولم يقل شيئًا.
لكن يقين كانت تنظر إلى الأمام، لم تحرك رأسها نحوه، بل راحت تهمس كمن تكلم نفسها:
– «أنا قلتلها تخرج قبل الفرح بساعة... قالتلي هتكون جاهزة. سبتها في الأوضة بتضحك... كانت بتضحك، يا رائد...»
لم يُجب.
فقط عضّ شفته السفلى، وشعر أن الهواء صار كثيفًا، عسير المرور في صدره.
– «أنا غلطانة... غلطانة إني ما خدتش بالي من تفاصيل صغيرة... لبسها، سكوتها طول اليوم، إلحاحها تشوف قبر مامتها...»
هنا، انفرج صوته أخيرًا، حادًا، ساخطًا:
– «كان فيه حد في الفرح مراقبها؟ حد غريب؟»
هزّت رأسها نفيًا وهي تعض على أطراف أناملها:
– «معرفش، أنا كنت بين الحريم، والمكان زحمة... بس نيرفانا مبتروحش بعيد لوحدها، ودي أول مرة تختفي كده...»
سادت لحظة ثقيلة أخرى.
ثم قال، بصوت متهدّج:
– «لو جرالها حاجة...»
شهقت يقين دون قصد، كأنها استشعرت ظله ينهار فوق المقود:
– «ما تقولش كده، نيرفانا هترجع، هتظهر. دي طفلة مش ممكن تتوه كده فجأة... مش ممكن، صح؟»
لكن السؤال الأخير لم يكن لها. كان له... يحاول أن يصدق.
مدّ يده إلى هاتفه وضغط زر الاتصال، صوته مسموع، متوتر:
– «زياد، جهّز كل الكاميرات في المنطقة حوالين الفرح. عايز تسجيلات من أول اليوم. ابعت حد للفيلا كمان، يشوف آخر مرّة ظهرت فيها نيرفانا. وسيبلي عليّ الحرس عند باب القاعة... والبوابين... كلهم. عايز أسمع منهم، كلمة بكلمة. فاهم؟»
أنهى المكالمة، ووضع الهاتف على ساقه، ثم أغلق عينيه لحظة، يحاول كبح العاصفة التي تعربد داخله.
همست يقين، بصوت خافت، كأنها تفتح له نافذة ضوء:
– «أنا مش هسيبك تدور لوحدك. إحنا هنلاقيها، سوا.»
رمقها بنظرة طويلة، امتزج فيها الامتنان بالحزن، ثم أدار رأسه إلى الطريق مجددًا.
– «مافيش وقت للكلام يا يقين. لو حد أذاها... هخليه يدفع التمن.»
***
"قرار بين اتنين"
في لحظةٍ باغت فيها السكونَ قلقٌ مكتوم، ترجل رائد من السيارة، وقد توقفت العجلات عند أطراف ذلك الحي العتيق، بعد أن تلقّى اتصالًا قصيرًا من رقم مجهول، لم يسمع فيه إلا أنينًا خافتًا وصوتًا متهدجًا يهمس باسمه:
«بابا... أنا تعبانة...»
جمد الدم في عروقه، وتسارعت ضربات قلبه حتى خُيّل له أن السيارة بأكملها تهتز تحت وطأتها.
التفت إلى يقين الجالسة بجواره، عيناه تومضان بخليط من الخوف والرجاء.
– "يقين، ادعي بس إنها تكون هي... ادعي تكون نيرفانا."
أومأت يقين بصمت، عيناها تغصّان بدموع لم تُذرف بعد.
ترجّل رائد واتّجه صوب المبنى الذي أُرسل له موقعه عبر رسالة، وقلبه يقرع صدره كطبل حرب.
وما إن صعد السلالم القديمة حتى التقط أنفاسًا مرتعشة عند الباب المهترئ في الطابق الثالث، طرقه بيده مرتين، ثم دفعه دون أن ينتظر.
وهناك... وجدها.
نيرفانا، تجلس على الأرض، جسدها النحيل ملتصق بالحائط، عيناها ذابلتان، شفتاها متشققتان من الجفاف، وثوبها الأبيض ملطخ ببقع الغبار والقلق كل هذا بعد ما تركها ادم خشية من أن يحدث فيه مثل ما حل باوس .
رفعت رأسها ببطء، ولما رأته... شهقت شهقة قصيرة وابتسمت بدمعةٍ واحدة:
– "بابا؟..."
أسرع نحوها، احتواها بين ذراعيه كما لو كان يحاول أن يخفيها داخل قلبه، لا صدره.
– "أنا جيت... خلاص يا نيرفانا، خلاص يا قلب أبوكي... مافيش حاجة هتوجعك تاني، أنا هنا."
خرجت يقين من السيارة على عجل عندما لمحتهما من بعيد، وجثت إلى جوار نيرفانا، تمسح على شعرها برفق:
– "الحمد لله، كنتِ فين يا روحي؟ إحنا هنروح سوا، خلاص، كل حاجة هتتصلّح."
بعد دقائق، وبينما كانت نيرفانا تلتقط أنفاسها في المقعد الخلفي، التفت رائد إلى يقين بنبرة حاسمة:
– "محتاج ليلى... لازم تيجي تشوف ده بعينها."
– "ليلى؟ ده فرحها النهارده يا رائد..."
– "وإحنا بندفن بنتنا بالحياة. مش هينفع أكمل من غيرها."
مدّ يده إلى الهاتف، واتصل بشامل.
المشهد التالي: في قلب الفرحبين أضواءٍ راقصة وضحكاتٍ خاوية، كانت ليلى تقف كتمثال مشدود الأعصاب، تنظر إلى الحضور بعينين جافتين.
شعرت بأن شيئًا ما لا يسير كما يجب، أن قلبها لا يرقص كما يُفترض أن يحدث في ليلة كهذه.
ثم شقّت الصالةَ خطواتٌ حازمة، وظهرت ملامح شامل على الباب، مشوشةً تحت ضوء الثريات.
اقترب منها، وهمس بصوت لا يسمعه سواها:
– "نيرفانا اتلقَت... رائد لقاها، وهي محتاجة ليكي دلوقتي."
شهقت ليلى، وارتجف جسدها كأن التيار صعقها.
– "فين؟"
– "في العربية، مستنياكي. تعالي."
رمقت عريسها بنظرةٍ أخيرة، لا تحمل وداعًا بقدر ما تحمل اعتذارًا.
ثم نزعت الحُليّ من يديها كأنها تتخفف من كل شيء، وركضت.
عودة السيارة
فتحت ليلى الباب الخلفي، ورأت نيرفانا تحتضن نفسها كطائر مكسور.
جلست إلى جوارها، احتضنتها، وهمست:
– "أنا هنا... مش هسيبك تاني."
همست نيرفانا وهي ترتجف:
– "كنت عارفة إنك هتيجي..."
في المرآة الأمامية، التقت عينا رائد بعيني ليلى.
لم يتبادلا كلمة، لكن شيئًا أكبر من كل الكلمات مرّ بينهما.
***
"يقين وسؤالٌ لا يحتمل التأجيل"
في صبيحة اليوم الخامس، بعد أن عادت نيرفانا إلى بيتها، كانت الشقة لا تزال مغمورة بسكون ثقيل، أشبه بما يخلفه العاصف بعد انحساره.
الضوء المتسلل من خلف الستائر لم يُبدد ذلك الحزن الهادئ المتربص على الوجوه، لكنه كشف عن التعب المترسّب في أعين الجميع.
خرجت يقين من غرفتها، وقد بدا عليها أنها لم تنم جيدًا، ربما ليلتها الخامسة دون راحةٍ تُذكر، وكأن سؤالًا واحدًا يتناسل في صدرها، لا يمنحها لحظة هدوء.
وقفت على عتبة غرفة نيرفانا، وطرقت الباب برقة.
خرج صوت نيرفانا من الداخل، واهنًا:
ـ "ادخلي يا يقين..."
فتحت يقين الباب، وتقدّمت في خطواتٍ متوجسة.
كانت نيرفانا جالسة على طرف السرير، ترتدي منامتها الزرقاء، وشعرها منسدل على كتفيها كأنفاسها المثقلة بالوجع.
جلست يقين قبالتها، وأطرقت لحظة قبل أن تهمس:
ـ "ينفع أسألك سؤال؟"
رفعت نيرفانا عينيها إليها، دون غضبٍ ولا تجهّم، فقط نظرة فارغة من أي ضوء.
ـ "اسألي..."
همست يقين، وصوتها ينطوي على شيء من الرجاء:
ـ "هو إنتي... من إمتى تعرفي آدم؟"
توتر وجه نيرفانا قليلًا، ثم أدارت وجهها للنافذة كأنها تهرب من الجواب، لكنها نطقت بعد لحظة صمت:
– "من يوم ما بعدني بابا عن أوس، ومن يوم ما أمي ماتت..."
قالت يقين ببطء:
– "يعني مش من زمان؟"
– "لأ... مش من سنين زي ما انتي فاكرة. هو كان أول حد خد باله مني وأنا مش شايفة في الدنيا حد... بابا سابني، وعمري ما حسّيت إني لوحدي زي ما حسّيت ساعتها. آدم جه فجأة... وساب فيا علامة."
قالت يقين بلهجة حائرة، فيها شيء من الغيرة، وشيء من الخوف:
– "يعني كان بيحبك؟"
ضحكت نيرفانا ضحكة باهتة، لا حياة فيها، وقالت:
– "كنت حاسة و قلتي لبابا .. صح؟"
أومأت يقين برأسها، وقالت بخفوت:
– "كنت... وأنا اللي بلغته لما حسيت إن في حاجة مش تمام..."
التفتت نيرفانا نحوها، ونظرتها تحمل شيئًا من الامتنان الذي لم يُنطق به:
– "مكنتش لوحدي وقتها... وده كفاية. بس يا يقين، آدم... كان كل حاجة، وبقى لا حاجة."
صمتت يقين، لكن قلبها ظل يصرخ بأسئلة لم تجد لها مخرجًا.
ثم سألت فجأة:
– "ونفسك ترجعي له؟"
ردّت نيرفانا، وهي تعض على شفتها السفلى، تحبس شيئًا من الألم:
– "نفسي أرجع لنفسي الأول... وبعد كده كل حاجة تتحل."
ثم أمالت رأسها على الوسادة، وقالت بصوت خافت:
– "سيبيني شوية... عايزة أرتاح."
وقفت يقين، وهمّت بالخروج، لكنها قبل أن تفتح الباب، التفتت ونظرت إلى نيرفانا نظرة طويلة، نظرة تحمل في طياتها خوف الصديقة، وغيرة الأنثى، ودهشة الطفلة التي وجدت قلبًا آخر ينبض قرب ما ظنت أنه لها.
ثم خرجت... وظل السكون مخيّمًا، لكن داخله كان يمور بعواصف مؤجلة.
***
"بين جدران جديدة، وقلوب لم تُرمم بعد"
لم يكن الليل هادئًا، بل كان مترعًا بتلك الرجفة الخفية التي تسكن القلوب في لحظات الولادة الجديدة.
خمس ليالٍ مرّت، منذ عادت نيرفانا إلى حضنها، لم تتفوّه بكثير، ولم تشِ عيناها بكل ما اختزنته من وجع، لكن عودتها وحدها كانت كافية لتُربك الذاكرة، وتعيد ترتيب الحكاية من جديد.
ليلى كانت تقف أمام المرآة، تخلع قرطها ببطء، كأنها تنزع عنها بقايا امرأةٍ لا تعرفها.
ارتدت منامةً بسيطة، من الساتان الأزرق الناعم، وشعرها مربوط ربطة غير محكمة، كأنها لا تزال غير مستعدة... أو ربما خائفة من أن تستعد.
أما رائد، فكان يجلس على طرف السرير الجديد، يداه متشابكتان، ونظراته تائهة في السقف الأبيض.
بدا وكأن بينه وبين نفسه جدالٌ لم يُحسم بعد.
سمع وقع خطواتها، فالتفت ببطء، ونظر إليها مطولًا.
قال بنبرة منخفضة:
ــ "أول ليلة في أوضتنا... بس قلبي مش مطمن، مش علشانك... علشان اللي بينا ولسه متقالش."
نظرت إليه، ثم تقدّمت ببطء وجلست على الكرسي المقابل له، عينيها لا تفارقان عينيه.
قالت بصوت خافت:
ــ "أنا كمان حاسة بغُربة... مش من المكان... من الوجع اللي ساكن بينا ومابيروحش."
تنهد رائد، ثم رفع عينيه إليها وقال:
ــ "كنتي بتقوليلي إنك عايزة بيت أمان... وأنا وعدتك بيه. بس أمانك مش في الحيطان، أمانك في اللي بينا... وفي اللي في حضننا دلوقتي. نيرفانا رجعت، بس ما رجعتش زي ما كانت."
سقطت دمعة من عين ليلى، مسحتها بسرعة، وقالت:
– "من يوم ما بعتها عن أوس، وهي ساكتة... بس عينها بتحكي. أنا عارفة إنك عملت كده علشانها، بس قلبها مش قادر يصدق."
رائد نهض واقترب منها، جلس على ركبتيه أمامها، وضع كفه على يدها وقال:
– "أنا بعدت أوس عن نيرفانا علشان مصلحتها، مش علشان أخبي حاجة. الراجل ده كان هيضيعها، وهي لسه ما صدقت تخرج من الحفرة اللي وقعت فيها. أنا عايز أرجع لها عقلها، قبل ما ترجع لقلبها."
هزّت ليلى رأسها ببطء، وقالت:
– "وأنا... أنا عايزة أصدق إنك لسه زي ما عرفتك... قبل ما كل ده يحصل."
نظر في عينيها طويلًا، ثم قال بهدوء:
– "أنا اتغيرت، آه... بس لو كان التغيير ده عشان أحميكم، يبقى يسوى."
ثم نهض، مدّ يده إليها وقال:
– "تعالي... نبتدي من جديد. الليلة دي مش لازم تكون عادية. دي أول خطوة لينا بعد حرب طويلة."
أمسكت يده، وتبعت خطواته إلى السرير.
جلست بجواره، ومال هو ليطفئ الأباجورة، فعمّت العتمة الخفيفة، ثم تمتم:
– "ليلى... مهما ضاع مننا، أنا ونيرفانا، عمري ما هسمح لك تضيعى مني."
همست وهي تضع رأسها على صدره:
– "ولا أنا هسمح ليك تنام وانت شايل كل دا لوحدك... إحنا بقينا إحنا."
وبين جدران تلك الغرفة الجديدة، تشارك الاثنان صمتًا دافئًا، لا يُشبه ما مرّ، بل كان ولادة ثانية، لا تخلو من الوجع... لكن فيها وعدٌ بأن القادم سيكون مختلفًا.
***
في صباح اليوم التالي...
كان ضوء النهار يتسلّل بهدوء إلى الصالة الواسعة، حيث جلست "نيرفانا" على الأريكة، تحتضن كوبًا من الشاي لم تبرد حرارته بقدر ما تجمّدت أفكارها.
على الجانب الآخر، كانت "يقين" تتحرك في المكان بنفاد صبر، تنقل نظراتها بين "نيرفانا" و"شامل" وكأنها تبحث عن مخرج من التوتر الذي بدأ يتسلل إلى أوردتها كسمٍ بطيء.
قطع "شامل" الصمت بصوته الرصين، لكن نبرته حملت تلك الحِدّة التي لا تقبل مزاحًا:
– لازم نخلص الموضوع ده النهاردة.
توقفت "يقين" فجأة، التفتت إليه وقد ارتسم القلق على وجهها:
– تقصد إيه يا شامل؟
نظر إليها نظرة ثابتة جعلت الكلمات تنحبس في حلقها، ثم قال بهدوء لكنه مشحون بالجدية:
– لازم نواجه الحقيقة... إحنا وإنتم.
رفعت "نيرفانا" رأسها أخيرًا، عيناها متسعتان بانتباه، وقالت بنبرة حذرة:
– أنطي؟ إيه اللي بتقولوه ده؟
تبادل "شامل" و"يقين" نظرة سريعة، تلك النظرة التي تحمل قرارًا صعبًا تم اتخاذه أخيرًا.
ثم تقدّمت "يقين" بخطوة، وجلست قبالة "نيرفانا"، تنفست بعمق، وقالت:
– في حاجات كتير يا نيرفانا كنتِ لازم تعرفيها من بدري، بس ماكانش وقتها. دلوقتي... بقى لازم.
نظرت إليها "نيرفانا" بحدة متصاعدة، وقالت بجفاف:
– لو في حاجة تخصني، قوليها دلوقتي... قبل ما أكتشفها بنفسي، وأنا بعرف أكتشف كويس.
أسرع "شامل" بالتدخل، قائلاً:
– الموضوع أكبر من مجرد ماضي... دي حقيقة بتغيّر كل حاجة، حتى نظرتك لأقرب الناس ليكي.
ابتلعت "نيرفانا" ريقها، وقلبها يقرع صدرها بعنف، ثم قالت بهدوء مشوب بالترقّب:
– طيب... سمعوني.
أخذت "يقين" نفسًا عميقًا، وصوتها خرج واهنًا في البداية، لكنها ما لبثت أن استجمعت قوتها:
– في يوم من الأيام، بابا كان متجوز واحدة اسمها... فاطمة.
رواية قلب السلطة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مروة البطراوي
كانت "نيرفانا" لا تزال في مكانها، لكن شيئًا ما بداخلها تغيّر. تغيّر بعنفٍ لا يُرى بالعين، بل يُحسّ في اضطراب أنفاسها، في ارتجاف يدها فوق حافة الكوب الذي برد تمامًا، دون أن تتنبه لذلك.
لم تكن تجلس على أريكة، بل على شفير هاوية، تنظر إلى قاعٍ من الخداع لم تكن تدري بوجوده. كل شيء تهدّم، أو هكذا خُيّل لها.
رفعت رأسها ببطء نحو "شامل"، ثم إلى "يقين"، وكأنها تبحث بين ملامحهما عن كذبة تُعيدها إلى وهمها القديم.
لكن لا كذبة هنا، بل صدقٌ موجع، نُزع عنه الغلاف، وأُجبرَت على ابتلاعه دفعةً واحدة.
قالت أخيرًا، بصوت لا يشبه صوتها:
ــ أنــا مش فاهمة... ليه دلوقتي؟ ليه سكتّوا طول المدة دي؟
نظرت إليها "يقين" بعينين تمتلئان بالشفقة والندم، ثم قالت:
ــ لأننا خفنا... خفنا من رائد، ومن ردّ فعلك، ومن كل حاجة. بس دلوقتي... خلاص، مابقاش في مفر.
قاطعها "شامل"، وقد نهض واقفًا، يتقدم ببطء نحو "نيرفانا":
ــ اللي جاي أصعب، بس لازم تعرفي.
الموضوع ما انتهيش عند "أوس"، ولا حتى عند أمك.
رائد مخبّي حاجات كتير... أكتر من اللي تتخيّليه.
رمشت "نيرفانا" بعينين مثقلتين، وسؤال مرعب خرج منها كأنفاسٍ مجروحة:
ــ لسه في إيه تاني؟!
اقتربت "يقين"، وضعت يدها فوق يد "نيرفانا" المرتجفة، وقالت بنبرة خافتة:
ــ في شخص... كان طول الوقت في الصورة، بس إنتِ مش شايفة.
حدّ... لو عرفتي هو مين، مش هتقدري تسامحي، لا رائد، ولا نفسك.
تجمّد الزمن في تلك اللحظة، وانكمش الضوء، وصار الهواء ثقيلًا لا يُستنشَق.
"نيرفانا" لم تجب، فقط ظلّت تنظر، بعينين منطفئتين، كأنها تنتظر ما هو أسوأ... وما هو آتٍ بالفعل.
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الجدران نفسها تشهق من وقع ما قيل، وما لم يُقال بعد.
كانت "نيرفانا" تفتح فمها لتسأل، لكن "يقين" سبقتها، همست بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
ــ الشخص ده... هو اللي سلّم "أوس".
ارتجفت الجملة في الهواء كضربة سيف.
ضاقت عينا "نيرفانا" بذهول، ثم نطقت بالكلمة المرتجفة:
ــ سلّمه؟!
أومأت "يقين" برأسها، وتابعت:
ــ بلغ عنه... بمعلومة خلتهم يقبضوا عليه، ووقتها اختفى فجأة من حياتك، ومن كل حاجة.
وإحنا ساعتها افتكرناها غلطة، أو قرار من رائد، لكن الحقيقة... الحقيقة كانت أبشع.
قال "شامل" بنبرة قاتمة:
ــ اللي سلّمه، مش رائد.
التفتت "نيرفانا" نحوه ببطء، عيناها تلمعان بوميض غامض بين الدموع والغضب:
ــ مش بابا؟!
أكملت "يقين"، وقد لمعت عيناها بالدموع:
ــ لأ... كان عمّي صابر.
اتسعت عينا "نيرفانا" كأنّ أحدهم صفعها بقوة. لم تتحرك، لم تتنفس، فقط ظلت تحدّق فيهما كأنها تسمع أسماءً غريبة، لا أسماء لحمها ودمها.
ــ عمّك صابر؟! إزاي؟ ليه؟!
قال "شامل" بوضوحٍ قاتم:
ــ لأنه كان عايز ياخد مكان رائد، وكان شايف إن أوس خطر عليه.
فاكر لما رائد اتخانق معاه من سنتين؟ وقتها سحب منه كل صلاحياته، بعد ما اكتشف اللي حصل.
هز عارف انك الوريثة لكل ده و هدفه انك تنتهي و متبقيش موجودة
ــ بس... بس بابا عمره ما قال...!
قاطعتها "يقين" بحزن:
ــ لأنه خاف عليكِ.
كان بيحاول يحميكي بطريقته، بس سكوته سمح للحقيقة إنها تبقى سلاح ضدك، بدل ما تبقى درع ليكي.
سحبت "نيرفانا" يدها من تحت يد "يقين"، ووقفت ببطء، وكأن الأرض صارت تهتز تحت قدميها.
تقدّمت نحو النافذة، نظرت إلى الخارج، لكن عينيها كانتا معلّقتين بداخلها، لا ترى شيئًا إلا الحطام.
ثم تمتمت بصوتٍ مكسور:
ــ يبقى أنا عشت جوّه متاهة... وكل الناس اللي حواليّ كانوا بيقطعوا السكة واحدة واحدة.
أمي ماتت، أوس اختفى، وأنا اللي فضلت... لوحدي.
اقترب "شامل" منها، صوته عاد رقيقًا هذه المرّة:
ــ إنتي مش لوحدِك، يا نيرفانا...
بس لازم تقرّري هتعملي إيه... لأن من اللحظة دي، ماعادش في رجعة.
استدارت إليه، نظرتها اختلفت... لم تعد نظرة فتاة مكسورة، بل امرأة على شفا قرار.
قالت بصوتٍ خافت لكن حاد:
ــ هاعرف كل حاجة... وهحاسب الكل.
ثم نظرت إلى "يقين" وسألتها بصوت كالرعد تحت الرماد:
ــ وعمّك فين دلوقتي؟
تبادلت "يقين" و"شامل" نظرة خاطفة، ثم قال "شامل":
ــ في بيته... من غير ما يعرف هو إننا قلنا لك.
ابتسمت "نيرفانا" ابتسامة صغيرة، مشوهة بالحزن، مشتعلة بالغضب، وقالت:
ــ كويس... يبقى ده أنسب وقت أواجهه.
ثم مشت بخطى بطيئة نحو الباب، وكأنها تمشي نحو قَدَرِها.
في ذلك المساء الرمادي، كانت السماء ملبّدة بالغيوم، وكأنها تعضُّ على أسرارٍ قديمة على وشك أن تنكشف.
توقّفت سيارة "نيرفانا" أمام بيت "صابر الذهبي"، ذلك البيت العتيق الذي طالما بدا لها كقلعة من صخر، يلوذ إليها الجميع طلبًا للحماية... لكنها الآن تقف أمامه لا كحَفيدةٍ، بل كقاضٍ ينزع الأقنعة.
نزلت من السيارة بخطًى ثابتة، وإن كان قلبها يشتعل كمرجل لا يهدأ.
طرقت الباب، لم تنتظر ردًا، بل دفعته ببطء، كان مواربًا كأن القدر نفسه كان ينتظرها.
دلفت إلى الداخل، فانبسط أمامها الصالون الواسع، حيث جلس "الحاج صابر" على كرسيه الخشبي المعتاد، يراقب شاشة التلفاز دون أن يراها.
وحين لمح ظلها، رفع رأسه، عبس في وجهها، وقال بجفاف:
ــ إنتي؟! جاية من غير تليفون؟ ولا حتى سلام؟
وقفت أمامه، نظرتها مستقيمة كسيف، وقالت ببرود يشبه الجليد:
ــ مش جايه أسلّم... جايه أواجه.
رفع حاجبه بسخرية:
ــ تواجهيني؟ طب اقعدي الأول، وشربي مية، وبعدين نسمع المواجهة دي.
ــ لا، هاتسمعها وإنت واقف... زي ما وقفت تتفرّج على الدنيا وهي بتتسرق منّي.
نهض "صابر" ببطء، نظر إليها بنظرة ثقيلة، وقال:
ــ على مهلك يا بنت رائد... لسانك بقى طويل، ولا إيه؟
اقتربت منه خطوة، لم ترفّ لها عين وهي تقول:
ــ لسان طويل؟ ولا قلب مجروح؟ اللي سلّم "أوس"... اللي بلّغ عنه... كان إنت.
ارتبك الحاج صابر للحظة، لكنه أخفاها خلف ضحكة جوفاء:
ــ وده كلام مين؟ يقين؟ شامل؟
العيال اللي فاكرين نفسهم بيفهموا في كل حاجة؟
صرخت فجأة، بصوتٍ خرج من أعماقها:
ــ ده كلام الدم اللي بينزف من كل ركن في قلبي!
أمي ماتت بسببكم، أوس اختفى من حياتي بسبب وشايتك، وأنا اللي كنت فاكرة إنك الكبير اللي بيحمي!
قال بحدة:
ــ إنتي ما تعرفيش حاجة، وكل حاجة أنا عملتها كانت عشان مصلحة العيلة... عشان رائد ما يغرقش أكتر!
ــ لأ... إنت عملت كده عشان نفسك! عشان الغِل اللي في قلبك من يوم ما أبوي سحب منك كل حاجة!
كنت عايز تنتقم، حتى لو ده هيكسرني أنا!
اقترب منها، وجهه صار مُحمّرًا، وصوته خشنًا:
ــ خُدِك غرورك زي أبوك! نسيتي إنك لولا اسمي، ما حد كان شافك!
نظرت إليه، عينها تدمع لكن ملامحها لم تضعف، وقالت:
ــ أنا نسيت كل حاجة... إلا اللي إنت عملته. اللي يبيع، ما يتنساش.
ولو أبويا غلط، فغلطه إنه سايبك عايش وسطنا لحد النهاردة.
ثم استدارت، وقبل أن تغادر، ألقت كلماتها الأخيرة:
ــ من اللحظة دي... إنت مايلزمكش اسمي، ولا يلزمني وجودك.
وربنا كبير... هيجيب لي حقي.
أغلقت الباب خلفها، وهي لا تسمع إلا صوت أنفاسها المتلاحقة، وارتجاف الأرض تحت قدميها.
لكنها كانت قد اتخذت القرار... لن تعود كما كانت، ولن تسكت كما كانت. هذه المرة... ستكشف كل ما خفي.
في بيت "سميحة" - عند الفجر
جلست "سميحة" على الكنبة بجوار نافذة تطل على الساحة، تمسك بصورة "أوس" حين كان طفلًا في حضنها.
دموعها لا تنهمر، لكن عيناها مشقّقتان بحزن ناضج، فيه من الصبر ما يكفي لعقود، ومن الندم ما لا تقدر عليه الجبال.
قالت تخاطب الصورة:
- كنت فاكرة إنك هتبقى سندي.. كنت شايلة في قلبي ليك دعوات.. كنت متأكدة إنك هتفتخر بيا في يوم من الأيام... بس انت اخترت غير كده.
دخلت جارتها "أم حسان"، بلهفة خافتة:
- طمنيني يا سميحة، في جديد؟
أجابت دون أن ترفع عينها عن الصورة:
- لا... بس قلبي واجعني. أول مرة أحس إن البيت فاضي فعلاً. مش من صوته.. من ريحته.
قالت "أم حسان" وهي تجلس قربها:
- مش يمكن ربنا بيطهّره؟ مش يمكن دي كانت غلطة وهتصحّيه؟
ابتسمت "سميحة" بمرارة:
- كنت دايمًا بدافع عنه.. وكنت بحس إني بعاقب نفسي علشانه. بس النهاردة... النهاردة حسّيت بالخوف منه.
(تتنهّد)
- بس برضه قلبي وجعني عليه... هو ابني يا أم حسان.
هزّت "أم حسان" رأسها بتفهّم، وساد بينهما صمت يشبه صلاة طويلة، لا تُقال بصوت، لكن تُسمعها الملائكة.
كانت "نيرفانا" قد عادت إلى منزلها، لا تزال ترتجف من أثر المواجهة، ورغم أنها أغلقت باب الغرفه خلفها، إلا أن ما دار لم يُغلَق في داخلها... كان يُدوّي في صدرها كما لو أن جدران البيت نفسها تُعيد ترديده.
لم تمضِ دقائق، حتى دوّى طرق الباب.
فتحت، فوجدته... رائد.
فتحت ببطء.
وقف هناك، في ثيابه الداكنة، بوجهٍ متجمّد، لكن عيناه... لم تكذّبا القلق.
قال مباشرة، دون مقدّمات:
ــ زُرتي صابر؟!
رفعت حاجبيها، وقالت بنبرة متحدّية:
ــ آه... زرته.
وزي ما توقّعت... ما كذّبش، ولا حتى حاول يبرّر.
تقدم خطوة، لكنها وضعت يدها على الباب لتمنعه:
ــ متقربش، خلّيك واقف هنا.
زفر بقوة، أزاح كفّه في الهواء، وقال بصوتٍ حاد:
ــ ليه عملتي كده؟! عارفة إنك كنتِ ممكن تتأذي؟ الراجل ده مش سهل يا نيرفانا!
ضحكت بسخرية، وعيونها تلمع بالغضب:
ــ بس يبان إن سهل أوي إنه يخلّص على الناس اللي بتحبني! خلص على أوس، وراضيته بإسكاته. خلص على أمي، وسكتّ أنت.
قال بصوت منخفض، كأن الكلمة تؤلمه:
ــ سكوتي كان حماية.
صرخت فجأة:
ــ لأ... سكوتك كان خيانة!
أنا طول عمري واقفة جنبك، حتى وإنت بتوجّعني.
وإنت... كنت شايفني نقطة ضعف، مش بنتك.
تغيّرت ملامحه، تقطّب جبينه، واقترب ببطء، ونبرته هدأت لكنها ازدادت ثِقلاً:
ــ أنا مش شايفك نقطة ضعف... أنا خايف عليكِ أكتر ما تتخيّلي.
الناس دي بتاكل اللي بيخرج من دوايرهم.
أنا... أنا كنت بدافع بطريقتي.
نظرت إليه، صوتها ارتجف:
ــ بس طريقتك حرقتني... خليتني أعيش في كذبة.
كنت بتسيبهم يتحكّموا فيا، وأنا فاكرة نفسي حرة.
ثم تمتمت وهي تنظر إليه بعينين غارقتين في الحزن:
ــ كنت أحتاجك تبقى سند... مش حاكم.
ساد الصمت لحظة، قبل أن يمدّ رائد يده، يضعها على حافة الباب، وقال بصوتٍ مكسور:
ــ نيرفانا...
أنا مستعد أصلّح اللي باقي.
أجابت وهي تغلق الباب برفق، لكن بثبات:
ــ اللي باقي... لازم يتصلّح من برّه الباب، مش جواه.
ثم أغلقت الباب في وجهه، لكنها ظلت خلفه... تضع ظهرها على الخشب، تهمس دون صوت:
ليه لما بتحاول تحميني... بتكسرني أكتر؟
بين جدران جديدة، وقلوب لم تُرمم بعد...
خرجت "ليلى" من غرفة الملابس بخطوات هادئة، وكأنها تسير وسط حقل من الألغام... كلّ حركة محسوبة، كل نفسٍ مخنوق. كان الساتان الأزرق يحتضن جسدها كما لم يفعل حضن من قبل، ناعمٌ وخفيف، لكنه أثقل من الرصاص على قلبها.
رفع "رائد" عينيه، فشاهدها... ولم يتكلّم.
وقف، اقترب خطوة، ثم توقف... نظر إليها كما لو أنه يراها للمرة الأولى، ليس بجسدها، بل بترددها، بصمتها، بذلك الخوف الذي يتخفى تحت ملامح امرأة تحاول أن تكون قوية.
قال بهدوء يشبه الرجاء:
ــ مش لازم يحصل حاجة الليلة دي... أنا بس كنت محتاج نحس إننا بدأنا، حتى لو البداية صامتة.
لم تجبه، لكنها لم تبتعد.
أكمل بصوتٍ منخفض، دون أن يلمسها:
ــ كل ليلة كنت بنام بعيد عنك، كنت بحس إن في حرب بينا، ومحدش فينا ناوي يسلّم.
بس النهارده... أنا جاى أرفع الراية، مش عشان انهزمت، عشان تعبت.
رفّت جفنها، وكأن قلبها تعثّر بكلماته.
ــ وإنتي؟ جاهزة تقفلي الحرب؟ ولا لسه شايلة السلاح تحت الوسادة؟
أجابت همسًا، بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
ــ أنا مش حابة الحرب... بس خايفة من السلام.
اقترب خطوة أخرى، رفع يده نحو خدها، لكنه لم يلمسه... اكتفى بالإيماءة:
ــ طب نعمل هدنة. ننام جنب بعض... مش كزوج وزوجة، كناس بتحاول تكون طبيعية... بعد كتير مش طبيعي.
أومأت برأسها، دون أن ترفع عينيها.
مشيا معًا نحو السرير، هو على يمينه، وهي على يساره.
الوسادة بينهما بدت وكأنها حدّ فاصل بين عالمين... لكنه لم يكن حاجزًا، بل وعدًا بأن الغد... قد يحمل بداية مختلفة.
أطفأ المصباح.
غمر الظلام الغرفة، لكن صدريهما ظل ينبض بذلك الضوء الخفي... ضوء الأمل في هدنة لا تمزقها الكبرياء.
تجمّدت "ليلى" في مكانها، تتلفت حولها بخوفٍ بدائي، ثم شهقت شهقة مختنقة، كادت تسقط أرضًا لولا يد "رائد" التي امتدت تلقائيًّا وأمسكت بها من مرفقها.
كان الباب الخشبي مواربًا، ومن خلفه طلع وجه "عم صابر" بملامح أكثر قسوة من المعتاد، كأن الظل نفسه ينفر منه. اقترب بخطواتٍ بطيئة، ملامحه مشوّهة بحدة الغضب وشيء من السخرية.
- "واضح إن الزمن اتشقلب..." قالها بصوتٍ أجوف، كأن صدى بعيد، "وبقينا بندخل بيوت ما تخصناش، ونرفع صوتنا على أصحابها كمان!"
رائد لم يتحرك. نظرته كانت جامدة، صوته خرج من فمه وكأنه لا ينتمي إليه:
- "البيت ده مش بتاعك... البيت ده أنا اشتريته... وإنت عارف كويس..."
ضحك صابر، ضحكة بلا روح، كأنها تنفجر داخل جمجمة ليلى لا في الواقع، ثم قال:
- "بس البنت... البنت اللي معاك... بنت مين يا رائد؟!"
تحاول ليلى أن تتكلم، لكنها تجد صوتها محبوسًا، لا يخرج. شفتيها تتحرك، لكن لا صوت، لا كلمات... ثم فجأة، تسمع نفسها تصرخ:
- "أنا جاية بمزاجي... محدش غصبني!"
لكن صوتها خرج وكأنه ليس منها. كأنه صدى من مكان بعيد جدًا... صوتها مخنوق... مُشوَّه.
- "ده الجيل الجديد؟!" يقول صابر، ثم يتحول وجهه ببطء إلى وجه آخر... وجه "أمها"، ثم إلى وجه "مهاب"، ثم إلى وجه "ليلى" نفسها... نفس ملامحها، نفس العيون، لكنها مشوّهة، خالية من الحياة.
ثم يهمس الجميع في نفس واحد:
- "انتي اللي هتجيبي نهايتنا..."
البيت من حولها بدأ ينهار... الجدران تتشقّق، الأرض تتهاوى... و"رائد" يختفي فجأة، لا يبقى سوى صابر - الذي اقترب منها، وضع يده على كتفها، وهمس:
- "نهايتك... قربِت."
استيقظت ليلى بفزع، شهقت وهي ترفع رأسها فجأة من الوسادة. قطرات من العرق كانت تبلّل جبهتها، وقلبها يدق بعنف كأن أحدًا كان يركض داخله.
نظرت حولها... غرفة الضيافة... هدوء غريب... لا صابر، لا رائد، لا صراخ... فقط الشمس تتسلل بخجل من بين الستائر.
وضعت يدها على صدرها، ثم همست:
- "كان... حلم؟!"
نهضت ببطء، سارت نحو المرآة، رأت وجهها الشاحب، عيناها منتفختان من البكاء، فتمتمت:
- "بس... ليه حاساه حقيقي كده؟! كل حاجة كانت واضحة... كل كلمة كنت سامعاها..."
صرخةٌ مفزعة شقّت سكون الليل، صوت أنثوي مذعور، مبحوح من شدة الفزع، ارتد صداه بين جدران البيت كأنه ضربة رعد فوق أرض مشبعة بالخوف.
اندفعت "يقين" و"نيرفانا" بسرعة من ممر الطابق العلوي، ووجوههما مرعوبة، حتى توقفتا عند باب غرفة الضيافة حيث كانت "ليلى" قد جلست على السرير، تتنفس بصعوبة، شعرها مبلل بالعرق، وعيناها جاحظتان كأنها خرجت للتو من قاع جحيم.
- نيرفانا (بفزع):"يا نهار أبيض! مس ليلى؟! إنتي كويسة؟!"
تراجعت "ليلى" للخلف، وضغطت بيديها على وجهها المرتجف، وهمست:
- "كان... كان واقف هنا... في نص الأوضة... بيزعقلي... قالّي إني هجيب نهايتك!"
تبادلت "نيرفانا" و"يقين" نظرة قلقة، ثم تحركت "يقين" فورًا ودخلت الغرفة، جلست بجانب "ليلى" واحتضنت كتفيها برفق.
- يقين (بهدوء حذر):"هشش، هدي يا حبيبتي... ده كان كابوس... مجرد كابوس يا ليلى."
- ليلى (برعب):"كان حقيقي... كنت حاسة بإيده على كتفي... وصوته... نفس صوته!"
- نيرفانا (وهي تجلس على طرف السرير):"إنتي حلمتي بعم صابر، مش كده؟"
أومأت ليلى بصمت، ثم قالت بصوت يكاد يُسمع:
- "بس كل حاجة كانت زي الحقيقة... كأني رجعت هناك... في اليوم ده... وهو بيقوللي إن نهايتي قربت."
ظلت "يقين" صامتة لوهلة، ثم قالت بصوتٍ ثابت لكن مموّه:
- "أحيانًا دماغنا بتلعب بين الحقيقة والوجع... بس ده مكان آمن، وإنتي وسط ناس بتحبك."
نهضت نيرفانا، وأحضرت كوب ماء، ثم ناولت ليلى إياه.
- نيرفانا:"اشربي، وحاولي ترجعي تنامي شوية... بابا هيرجع الصبح بدري، وهيبقى هنا معاكي."
لكن "نيرفانا" لم تستطع إخفاء القلق اللي اتسرب لعينيها، وهي تراقب عمتها "يقين" التي بدت شاردة، كأن عقلها في مكانٍ آخر.
حين خرجت نيرفانا من الغرفة بعد قليل، اقتربت منها "يقين" وهمست لها بنبرةٍ توحي بالكتمان:
- "ما تقوليش لليلى على حاجة دلوقتي... الكابوس ده ممكن يكون مجرد خوف من اللي فات... أو نذير بحاجات جاية."
- نيرفانا (بقلق متزايد):"عمتو ... إنتي بتخوفيني."
- يقين:"أنا خايفة فعلًا... بس لسه في وقت نلحق نفسنا."
ثم استدارت بخطواتٍ حذرة نحو غرفتها، تُغلق الباب خلفها بصمت، تاركة نيرفانا تقف وحدها في الرواق، تحدّق في العتمة، بينما لا تزال صدى الصرخة يتردد في أذنيها.
ما تزال الأسرار تتمدد على الأرائك، تندسّ خلف الستائر، وتتنفس معهم الهواء نفسه، لكن لا أحد يجرؤ أن يشير إليها.
لم تكن ليلةً عادية... كانت كابوسًا له ملمس الحقيقة.
ظلالٌ سوداء تشقّقت منها أعين متربصة، وأصواتٌ هاربة من أعماق الماضي، كلها انصهرت في رأس "ليلى"، وذابت على وسادتها.
استيقظ "رائد" باكرًا.
كأن النوم كان طيفًا عابرًا، نَفَسًا قصيرًا قطعه صوت صرخةٍ منتصف الليل، ثم لم يعد بعدها أمان.
نهض من سريره بهدوء، ألقى نظرة على "ليلى" التي كانت ممددة تحت الغطاء، ظهرها نحوه، أنفاسها متقطعة، وإن حاولت أن تبدو غافية.
لم يُقاطع صمتها.
لم يُنادِها.
تراجع خطوة، كأنه خاف أن يوقظ وجعًا لم يهدأ بعد.
غادر الغرفة ببطء، ووقف في الصالة، حيث تتسلل خيوط الشمس من النافذة كأنها تُفتش المكان بحثًا عن الحقيقة.
جلس على الأريكة، وكفّاه تطوق فنجان القهوة الذي برد قبل أن يبدأ، تمامًا كالعلاقة التي لم تُمنَح فرصة التوهج.
رنّ الهاتف.
"مهاب".
زفر ببطء... ثم أجاب بصوتٍ خافت:
- "أيوه، يا مهاب."
جاءه الصوت على الطرف الآخر، مترددًا ومحسوب النبرة:
- "صباح الخير يا رائد... أنا آسف على الإزعاج، بس... كنت عايز أطمن على ليلى."
صمت رائد لحظة. جفّت في فمه الكلمات، ثم قال باقتضاب:
- "هي بخير... مرت بكابوس امبارح، بس نامت بعد ما هديت شوية."
- "كابوس؟!"
ارتبك مهاب، فابتلع توتره وسأل:
- "يعني... هي مش حكتلي أي حاجة قبل الجواز، وكنت حاسس إن في حاجة مضايقاها... بس قلت أسيب لها مساحتها."
- "وهتفضل محتاجة المساحة، يا مهاب."
قالها "رائد" دون هجوم، ودون نبرة دفاع... مجرد حقيقة نُطقت بصوت خافت.
- "تمام... بلغها بس إن أنا تحت أمرها في أي وقت."
- "هقولها."
أنهى المكالمة، دون مجاملة، دون شعارات.
عاد إلى فنجانه البارد، وارتشف منه بصمت.
ثم مال برأسه إلى الخلف، وحدّق في السقف.
لم يُرد أن يوقظ "ليلى"، ولم يدرِ إن كانت بحاجة لمن يوقظها، أو تبقى وحدها تتصالح مع ما رآه قلبها أكثر مما رآته عيناها.
سمع صوت حركة خفيفة من الغرفة.
لم يلتفت.
ترك لها المساحة، كما ترك لنفسه سؤالًا لم يفارقه منذ الليلة الماضية:
"هو أنا كنت جنبها فعلًا... ولا كنت واحد من أشباح الحلم؟"
"مبروك يا عروسة!"
كان صوته كإبرة ملوثة تنغرس في أذنها، مملوءًا بامتلاك لا رحمة فيه.
اقترب منها، طبع قبلة قسرية على خدها المرتجف، فانتفضت كأنها استيقظت من كابوس... داخل كابوس.
ضحك ضحكة فارغة، ثم تمتم بتهكم:
- راجعلك تاني... خمس دقايق بس.
أصابعه حفرت في فكها، كأنها لا شيء.
مضى إلى الحمام.
"ليلى" جلست، تلتقط أنفاسها. يداها ترتجفان.
هل ما حدث حقيقي؟ أم امتداد لهذيان البارحة؟
نظرت إلى ذراعيها، كأنها تبحث عن أثر قيد لم تَرَه... لكنه يُوجِعها.
همست:
- ده مش بجد... أنا كنت نايمة...
لكن الصوت... اللمسة... نظرة التهكم لا تزال حيّة.
دفعت باب الغرفة، مرّت بجانب الحمام.
صوت الماء يملأ الأرجاء.
تشهق.
"هو هنا؟!"
تندفع نحو باب الشقة، تشد المقبض... لكنه لا ينفتح.
ثم... خطوات تقترب.
صوت خلفها:
- كنت فاكرك أذكى من كده يا ليلى...
تستدير ببطء.
هو يقف أمامها، ليس لحمًا ودمًا... بل صورة صنعتها مخاوفها.
همست:
- لو لمستني... هصرّخ.
ابتسم:
- الناس مش هتصدقك... الناس بتحب حكاية الراجل، مش صرخة الست.
أغمضت عينيها. تنكر الواقع.
- نايمة... أنا نايمة...
لكنه يقترب.
تنهار أرضًا.
ثم...
تفتح عينيها.
ضوء الصباح يتسلّل.
الستائر تتحرّك.
ورائد... ليس هنا.
تضع يدها على صدرها. تتنفس ببطء.
كابوس جديد.
لكنها تعرف:
هذا الحلم قال الحقيقة... بطريقته.
- لازم أخرج... قبل ما الكابوس يبقى واقع.
مع انبلاج الفجر، كانت "نيرفانا" جالسة في حديقة المنزل، تلفّ كتفيها بوشاح خفيف، وعيناها تحدّقان في الأفق الملبّد بغيوم خفيفة، كأنها تبحث عن يقين ضائع بين سكون الطبيعة وضجيج قلبها. لم تكن تنام، بل كانت تراقب الضوء يتسلل إلى عتمة روحها، حاملةً بين أنفاسها آثار ما حدث.
قطع الصمت وقع خطوات مترددة... التفتت فإذا بـ"رائد" يقف خلفها، يحمل كوباً من الشاي، وملامحه غارقة في قلق دفين.
قال بهدوء:
- بردانة؟
أومأت دون كلام، فتقدّم وجلس بجوارها، يمدّ الكوب إليها... ولمّا لم تأخذه، قال:
- أنا جنبك، مهما حصل.
أعدّت "ليلى" فنجان القهوة ببطء، كما لو أنها تصنع طقوسًا لتحمي نفسها من التصدّع.
خطواتها على البلاط كانت خفيفة، لكنها ثابتة، كأنها تختبر من جديد وجودها في هذا البيت، في هذا الزواج، في هذه الحياة.
كانت قد غيّرت ملابسها، جمعت شعرها في عقدة مرتخية، لكنها لم تغير في ملامحها شيئًا؛ التعبُ لا يُخفيه المكياج، ولا يجمّله الهدوء الزائف.
جلست إلى الطاولة الصغيرة. دقائق، ودخل رائد، بشعرٍ منكوش وملامح لم تغادرها الصمت.
نظر نحوها، ثم إلى الكرسي المقابل. جلس.
قالت بهدوء دون أن ترفَع رأسها:
- عملت قهوة زيادة... لو عايز.
ردّ بعد لحظة:
- شكرًا.
تناول الفنجان، ارتشف منه، وابتلع الصمت معه.
مرت لحظة طويلة... أطول مما تسمح به الأعصاب.
نظرت إليه أخيرًا، نظرة قصيرة، مترددة، لكنها مباشرة.
قالت بنبرة حاولت أن تجعلها طبيعية:
- نمت كويس؟
لم يجب فورًا. ثم قال:
- مش قوي.
وانتي؟
هزّت كتفيها.
- مش فاكرة.
ثم صمتت، وهي تشعر بالمرارة تلسع حلقها، ليست من القهوة... بل من ذكرى الحلم.
هو ينظر إليها، كأن في عينيه سؤالًا لا يُقال.
كأنّه يشعر أنها ليست بخير، لكن شيئًا بداخله يُقيده عن السؤال.
قال أخيرًا:
- لو محتاجة تخرجي شوية... ممكن تخرج مع يقين.
رفعت حاجبيها قليلاً، بتفاجؤ غير معلن.
- يقين؟ هوّ إحنا لسه بنعمل زيارات اجتماعية وإحنا مش عارفين إحنا مين أصلاً؟
تنفّس ببطء، وضع الفنجان، وقال:
- يمكن لو خرجتي، الكتمة اللي بيننا تقلّ. مش لازم تقوليلي حاجة، أنا بس... حاسس إنك مش مرتاحة.
قالتها دون أن تنظر إليه:
- حاسس؟ ولا شُفت ده في حلم؟
لم يجب. لكن عينيه ضاقتا للحظة، كأنه فهم.
نهضت، تناولت مفاتيحها من على الرف.
- أنا هخرج فعلاً... بس مش علشان الكتمة، ولا علشان يقين.
أنا محتاجة أفتكر نفسي... قبل ما تضيع مني خالص.
ثم مضت نحو الباب.
توقّف هو لحظة، قبل أن يقول:
- ليلى...
توقفت، دون أن تلتفت.
قال:
- لو في حاجة... قوليلي.
أجابت بصوتٍ خافت، لكنه حاد:
- لو في حاجة، مش لازم أقولها... المفروض تحسّها.
وخرجت.
وترَكته مع القهوة التي فقدت حرارتها، ومع أسئلة لا يعرف إن كانت لها إجابات... أو إن كانت تستحقها.
في الصباح التالي، تسلّل خيط الضوء من بين فتحات الشباك، ليعلن عن قدوم يومٍ جديد، لكنه لم يحمل معه الطمأنينة هذه المرة، بل ثقلاً في الأرواح، وهمّاً لا يُحدّ.
كانت سميحة قد قضت ليلتها ساهرةً، جالسة عند طرف فراشها، كأن النوم نفاها من مملكته. لم تذق طعماً للراحة، فقد ظلت تفكر في أوس... في ضياعه... وفي المجهول الذي بات يتربص به.
نزلت الدرج بصمت، كأن كل خطوة منها تجرّ خلفها ذيول الخيبة، وفي عينيها بريقٌ خافت، ليس بريق أمل، بل بقايا دموع لم تجد متنفساً بعد.
جلست إلى جوار الطاولة الخشبية الصغيرة في المطبخ، تضع رأسها بين يديها، وكأنها تحاول أن تُسكت الضجيج داخلاً.
دخل والد أوس، يسحب كرسياً ويجلس، دون أن يتبادل معها النظرات.
قالت بصوتٍ مخنوق:
رواية قلب السلطة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مروة البطراوي
عندما انفرج الباب، اندفعت نسمة باردة إلى الداخل، تحمل معها شيئًا من رهبة المجهول. حدّقت سميحة في وجه الطارق، تتأمل ملامحه التي لم تكن غريبة تمامًا، لكنها اليوم بدت مثقلة بظلّ ما جاء يحمله.
لم ينبس بكلمة أول الأمر، وكأن الكلمات علقت في حلقه، لكن عينيه كانتا كفيلتين بإشعال ألف سؤال في قلبها.
"خير يا بني؟" سألت بصوت مرتجف، وهي تمسك حافة الباب بقبضة توشك أن تخونها.
تحرّك الرجل خطوة للأمام، رمق الأب الجالس في الداخل، ثم عاد ببصره إليها، وقال بنبرة حاسمة:
"أنا... جاي من عند أوس."
شهقت سميحة، وانقبض قلبها:
"أوس؟ مالُه؟!"
لم يتركها تنتظر، وكأنه يخشى أن يخذله لسانه إن تأخر:
"أوس اتقبض عليه... من ساعة."
كأن الكلمات سقطت في المطبخ كحجر ضخم في بركة راكدة، فاهتز كل شيء. سميحة تجمدت في مكانها، يديها ترتعشان وهي تردّد:
"اتقبض... عليه؟!"
الأب نهض ببطء، وصوته يخرج خشنًا:
"اتقبض عليه ليه؟!"
أجاب الرجل وهو يشيح بوجهه عن عينيهما:
"بيقولوا لاقوه في مكان... حصلت فيه جريمة. والشرطة شاكة فيه."
ارتطم ظهر سميحة بحافة الباب، وكأن قوتها انسحبت دفعة واحدة، فيما الأب تقدّم خطوة، يضغط بأسنانه:
"والجريمة دي... إيه؟"
تردّد الرجل لحظة، ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه اخترق الهواء كالسيف:
"قتل."
ساد الصمت، حتى أن أنفاسهم بدت ثقيلة، وكل ما في المكان بدا وكأنه توقف عن الحركة... سوى قلب أمّ انكسر، وأبٍ شعر أن الأرض انزلقت من تحته.
***
كانت سميحة تجلس على الكرسي الخشبي قرب الحائط، عيناها معلقتان في الفراغ، كأنها فقدت القدرة على الرؤية أو السمع. أصابعها تعبث بطرف مئزرها دون وعي، بينما الأب يذرع الغرفة جيئة وذهابًا، خطواته ثقيلة كأنها تطرق على قلبها مع كل حركة.
قال بصوت مبحوح من الغضب المكبوت:
"مش هقعد هنا... أنا رايح القسم دلوقتي."
رفعت سميحة عينيها إليه، دموعها لم تسقط بعد لكنها تحاصر جفنيها:
"وتفتكر هيقولولك إيه؟! هيقولوا متورط وخلاص... ده إحنا غلابة يا حاج."
توقف عن الحركة، التفت إليها بعينين يشتعل فيهما الغضب والخذلان معًا:
"أوس ابني، وأنا عارفه... عمري ما شفت منه حاجة وحشة."
من خلف الباب، جاء صوت الجار الذي أحضر الخبر، وكأنه لم يكتفِ بما قاله:
"يا حاج... خلي بالك، أنا سمعت إن الموضوع كبير... وناس تقيلة داخلة فيه."
اقتربت سميحة من زوجها، تمسكت بذراعه برجاء:
"بلاش تتهور... إحنا مش ناقصين مصيبة تانية."
لكن الأب انتزع ذراعه منها، صوته أصبح أكثر حدة:
"لو سكتنا... هنسيبهم يدفنوا ابني حي."
لم تحتمل سميحة، فجلست على الأرض، ووجهها بين يديها، بينما الرجل يفتح الباب بعنف ويخرج، تاركًا خلفه صمتًا يختلط بارتعاش أنفاسها... وصدى كلمة واحدة تدوي في رأسها:
"قتل".
***
في المساء، كان البيت غارقًا في هدوء ثقيل، لكن عقل "ليلى" كان كخلية نحل مجنونة. جلست في غرفة المكتب الصغيرة، وأمامها درج مفتوح، تفحص أوراقًا قديمة ودفاتر صفراء الأطراف.
لم تكن تبحث عن شيء محدد، لكن ورقة مطوية بعناية في ملفٍ يحمل اسم "شجن" شدت انتباهها. فتحتها ببطء، لتجد إيصالًا مختومًا بتاريخ ليلة مقتل "شجن"... وموقّعًا باسم "صابر الذهبي".
ارتجفت أصابعها، وهي تتذكر بوضوح أن عم صابر كان في تلك الليلة "بحسب كلامه" في الفيوم.
لكن الإيصال يقول غير ذلك... كان في القاهرة، وفي نفس توقيت الحادث.
وضعت الورقة على الطاولة، وعيناها تتسعان كلما جمعت قطع الصورة:
"أوس، في السجن، فجأة و رائد ساعد في التخلص منه.
عم صابر، الرجل الصامت، الذي يعرف عن رائد أكثر مما يقول، ودايمًا "بيظهر في الوقت الصح" ليداري على مصايب البيت.
ورائد... الذي كان في تلك الليلة غامضًا، بحجة الاتفاق علي زواجهم."
همست لنفسها، وهي تحدق في الورقة كأنها تحمل دمًا لا حبرًا:
"معقول... هو اللي قتلها؟ وأوس بس كبش الفدا؟ وعم صابر هو اللي رتب كل حاجة علشان القصة تبان مقنعة؟"
شهقت فجأة، عندما سمعت خطوات تقترب في الممر. بسرعة أغلقت الدرج، وأطفأت النور، وجلست في الظلام تتظاهر بأنها على الهاتف.
لكن قلبها كان يدق بعنف، ليس خوفًا من أن يراها أحد... بل من أنها بدأت ترى "رائد" بعيون جديدة.
***
كانت الصالة مضاءة بنور أصفر خافت، والهواء يعبق برائحة القهوة التي لم تمسها "ليلى". جلست على طرف الأريكة، ظهرها مستقيم، ويديها متشابكتين كأنها تمسك أعصابها بين قبضتيها.
دخل "رائد" بخطوات واثقة، يخلع ساعته ويرميها على الطاولة بلا اكتراث.
"إيه يا عروسة، مستنّياني كده؟ شكلك ناوية تعملّي محكمة!"
رفعت "ليلى" عينيها نحوه، نظرة حادة جعلته يتوقف قبل أن يجلس.
"محكمة؟... يمكن."
ابتسم بسخرية:
"خير يا ليلى، إيه الدراما دي؟"
تنفست بعمق، ثم ألقت الكلمات كحجارة في وجهه:
"كنت فين ليلة ما "شجن" اتقتلت؟"
تجمدت ملامحه لحظة، قبل أن يعود إلى ابتسامته الهادئة:
"مش فاهمة السؤال. إنتي عارفة كويس إني كنت في اجتماع معاكم هنا في البيت علشان نرتب لجوازنا."
"اجتماع علشان ميبقاش عليك اي دليل."
اقترب منها ببطء، صوته منخفض لكن فيه حدة:
"إنتي بتلمّحي لإيه بالظبط؟"
رفعت الورقة التي وجدتها في يدها، الإيصال بتوقيع "عم صابر" وتاريخ ليلة الحادث.
"ده... بيقول إن عم صابر كان في القاهرة في نفس الليلة. وإنت دايمًا بتخليه يلمّ وراك، مش كده؟"
انحنى نحوها، وجهه على بُعد أنفاس منها، ونبرته تحولت لتهديد مكتوم:
"إوعي يا ليلى... إوعي تلعبي بالنار."
تراجعت خطوة، لكنها لم تُنزل عينيها عن عينيه:
"النار؟... يمكن أنا كنت عايشة فيها من أول يوم دخلت بيتك. بس دلوقتي... على الأقل بقيت شايفة اللهب."
ظل يحدق فيها، فابتسمت بمرارة وهي تضيف:
"أوس كبش فدا... وأنت المجرم اللي واقف بيتفرج."
صوت صمته كان أثقل من أي اعتراف. هو لم يقل كلمة... لكنها شعرت وكأنها سمعت الحقيقة كلها.
***
كانت الغرفه ثقيلة الصمت، إلا من صوت عقارب الساعة.
"ليلى" وقفت قرب الحائط، وورقة الإيصال في يدها كأنها سلاح.
دخل "رائد" وهو يفك أزرار قميصه، نظرة لامبالية في عينيه.
"خير؟ إيه الجو ده؟"
قالت بصوت ثابت رغم الارتعاش الخفي:
"كنت فين ليلة ما شجن اتقتلت؟"
توقف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة بلا روح:
"سؤال غريب... ليه؟"
"- لأن كل الطرق بتوصللك. وأوس... مش هو القاتل. عم صابر اشتغل عشانك."
اقترب منها ببطء، كل خطوة منه تلتهم المسافة:
"إنتي بتتهميني بالقتل يا ليلى؟"
"- أنا بقول اللي شايفاه... واللي حساه."
فجأة، أمسكها من ذراعها بقوة، الورقة سقطت من يدها على الأرض.
"شوفي... أنا ممكن أضحك معاكي، أطنش كلامك... بس أول ما توصّلي للخط الأحمر، هتدفعي التمن."
"التمن؟ أنت فاكرني هسكت؟"
صفعها بقسوة جعلت رأسها يرتد للحائط، ثم أمسك بوجهها بقوة حتى شعرت أن أصابعه تخترق جلدها.
"هتسكتِ... غصب عنك. وهتعرفي مكانك في البيت ده إزاي."
حاولت أن تتفلت، لكنه شدها نحوه بعنف، صوته منخفض لكنه حاد كالسكين:
"اللي بيشوف النار... بيتحرق."
انقطع صوتهما، وبقيت الغرفة تمتلئ بصوت أنفاسها المضطربة، بينما هو يفرض سطوته بلا كلمة أخرى.
***
لم تكن آلام الجسد هي ما يعصف بروحها، بل ذاك الانتهاك السافر لحدودها، ذلك الجرح الخفي الذي ينهشها من الداخل، كوحشٍ يتغذّى على الخوف والمهانة. حاولت أن تتفلّت كما الماء من بين الأصابع، لكن قبضته كانت أثقل من جدران السجن.
قالها "رائد" وهو يلهث، يلتقط أنفاسه المشتعلة:
"لأ... مش معقول!"
ابتسم ابتسامة معوجّة، عيناها لم تريا فيها إلا الازدراء، وقال بلهجةٍ ملوثة بالسخرية:
"بتهربي؟ ليه بس؟! طب ده ينفع بذمتك؟! أهل البيت يقولوا علينا إيه؟"
ارتجف صوت "ليلى"، وقد تكسّر تحت ثقل القهر:
"أنا... أنا عايزة ماما!"
قهقه، وانحنى عليها كمن يطعن الكرامة قبل الجسد:
"إيه! عايزة ماما دلوقتي؟! فين وقتك ده؟"
وحين حاولت إبعاده، ثبّت كتفيها بعنف، وقال بصوتٍ يخالطه الضحك:
"هدي أعصابك... هاجبلك ماما، حاضر... بس الأول، بطّلي عصبيتك."
زمجرت، وهمهمت كأنها تكتم عواء روحها الجريحة، فازداد استفزازه، وألقى كلمات تقطر تهديدًا:
"كده تبدأيها معايا بالغدر يا ليلى؟"
رفعت رأسها، رمقته بنظرة مقت دامية:
"إنت لسه شوفت غدر؟! أنا هفضحك في كل حتة... ورحِمة أبويا، ما هارتاح غير لما أشوفك معدوم... يا قاتل! أنت اللي قتلت شحن ظليقتك و لفقت التهمة لأوس."
ضحك ببرود، ثم انحنى يهمس:
"لو معاكِ دليل... أنا بنفسي هاروح معاكي وأعترف. لكن لو الكلام خرج من غير دليل... حسابي مش هيبقى معاكي، هيبقى مع أهلك... كلكم."
تجمّدت أطرافها، وشعرت ببرودة تتسلّل إلى عظامها، كأنها ترى حبلًا يلتف حول عنقها وعنق من تحب.
اقترب أكثر، همس بصوت منخفض لكن نبرته كانت كالصفعة:
"إنتي لو روّحتي آخر الدنيا... برده هاجيبك."
لم تجد ما تقول، أطبقت شفتيها، وحاولت إخفاء ارتجاف يديها، وهو يتراجع ببطء، يتركها وسط فراغ أثقل من قبضته، ويغادر الغرفة دون أن يلتفت.
وبقيت هي، وحدها، تتنفس بصعوبة، تحدّق في الجدار، كأن لون الطلاء تغيّر، وكأن هذا المكان لم يعد بيتًا... بل قفصًا لا ترى له بابًا.
***
كانت الكلمات الأخيرة منه مثل رصاصات فارغة، تصدر ضجيجًا ولا تخترق شيئًا.
خرجت من الغرفة بخطوات متسارعة، وارتجاف لم يعد يخفيه أي كبرياء.
وفي الممر، وقفت للحظة، تسند ظهرها إلى الحائط، تتنفس بعنف، وعيناها تشتعلان بدموع الغضب.
همست لنفسها، وكأنها توقّع على عهد داخلي:
"مش هسامحه... أبدًا."
ثم مضت، تاركة وراءها بابًا نصف مفتوح، وصوت ضحكته يتردد في الفراغ كجرس جنازة.
***
مرّت ساعات ثقيلة، لم تتغير فيها الشمس ولا تغير الهواء، لكن شيئًا في ليلى انطفأ.
لم تعد تلك التي خرجت منذ قليل تتوعد وتقاوم، بل عادت وكأنها شخص آخر؛ ملامحها صارت أهدأ... لكن الهدوء كان مثل سطح ماء يخفي تحته قاعًا عميقًا من العتمة.
انكمشت تحت ذراعيه كما تنكمش زهرة وُئدت قبل أن تتفتح.
***
في الممر الضيق، خرجت "ليلى" بخطوات متثاقلة، كأن كل خطوة تجر خلفها ظلًّا أثقل من جسدها.
كانت عيناها نصف مغمضتين، لا تفرّقان بين الجدار والباب، ولا بين الضوء والظل. الأصوات حولها امتزجت في ضوضاء باهتة؛ خشخشة الستائر، صرير الأرضية، وكأن البيت نفسه يتنفس ببطء ثقيل.
حين بلغت منتصف الممر، توقفت. لم تعرف إن كانت تبحث عن غرفتها، أو مخرج، أو مجرد مكان تختبئ فيه من عينيه.
استندت إلى الحائط، وانزلقت حتى جلست على الأرض، وضمّت ركبتيها إلى صدرها.
انفجرت دموعها في صمت، دموع ثقيلة، بلا شهقة ولا صراخ، لكنها تحمل في كل قطرة منها اعترافًا بالفقد.
بقيت هكذا حتى بردت أصابعها، ثم مسحت وجهها بكفيها المرتجفتين.
رفعت رأسها ببطء، وفي عينيها بريق خافت، كجمر تحت الرماد.
همست، بصوتٍ متكسّر لكنه يقطع السكون كخيط من نار:
"أنا لسه هنا... ولسه عايشة. مش عشان أسامحك... عشان أدفنك بإيدي."
ثم نهضت، بخطوات بطيئة، لكن كل خطوة كانت تُعيد لها جزءًا من ثقلها الذي سُلب.
***
بعد أن أغلقت "ليلى" الباب خلفها، ظل "رائد" جالسًا على حافة السرير، يحدق في الفراغ.
لم يكن الصوت الذي يملأ أذنيه هو وقع خطواتها وهي تبتعد، بل الصدى الثقيل لصمتها الأخير، صمتٌ كان أشد إيلامًا من أي كلمة.
مرت لحظات لم يعرف إن كانت دقائق أو ساعات، ثم وجد نفسه واقفًا، يسير في أروقة البيت بلا وعي.
الأبواب متشابهة، الجدران جامدة، وكل خطوة كأنها تُعيده إلى النقطة نفسها.
حتى توقف عند باب قديم في آخر الممر، لم يذكر أنه رآه من قبل.
فتحه، فإذا به أمام فسحة واسعة من العتمة... لم تكن غرفة، بل فراغٌ غامض، كأن الأرض ابتلعت ما كان هنا، تاركةً هواءً ساكنًا ورائحة تراب قديم.
خطا داخله، وكلما تقدم شعر أن الصمت يلتهم أنفاسه.
وقف أخيرًا، وكأنما وصل إلى قلب الفراغ، حيث لا جدار ولا سقف، فقط إحساس بالوقوف على حافة هاوية لا تُرى.
همس لنفسه، صوته بالكاد يخرج:
"هو دا؟ دا اللي كنت بدوّر عليه؟ سكون؟ فراغ؟ ولا حتى ريحة بشر؟"
ارتد صدى كلماته، باهتًا، ليعيد عليه خيبته:
"ولا حتى ريحة بشر..."
أغلق عينيه، فأحس بجسده ينتفض، وكأن شيئًا يتسرّب منه... لا دم، ولا عرق، بل جزء من روحه.
كان الفراغ هذا بئرًا لا يروي، بل يمتص ما تبقى من إرادة.
لكن وسط الصمت، سمع همسًا خافتًا، لا يدري أهو من داخله أم من بعيد:
"ارجع... ما تسيبش نفسك للمكان دا. دا مش خلاصك."
فتح عينيه، التفت، لا أحد.
شعر أن الصوت كان صدى لجزء منه لم يمت بعد.
ابتعد خطوة، فارتجّت الأرض تحت قدميه، وكأن العتمة ترفض أن تطلق سراحه.
فصاح متحديًا:
"أنا مش هقع! حتى لو الطريق قدامي ظلمة، أنا هكمّل!"
وعندها، تسرّب خيط ضوء ضعيف من شق في الجدار البعيد... لا يكاد يُرى، لكنه كان كافيًا ليذكّره أن الخروج ممكن.
اقترب منه، وفي عينيه بريق عناد جديد، وهو يتمتم:
"يمكن النور مش جاي من برّه... يمكن طالع من جوّه."
وخطا، لا بضعف المنهزم، بل بقوة من قرر أن يصنع طريقه وسط العتمة.
***
كان الجو ثقيلًا، والهواء متيبسًا، كأن الجدران تحبس أنفاسه. الضوء المتسلل من النوافذ المغلقة لم يكن سوى شرائط باهتة تتكسّر على الأرض، وتختلط بالظلال التي بدت وكأنها تتمدد ببطء نحو كل زاوية.
كانت "ليلى" تحاول أن تنسل من بين ذراعيه، حركتها حذرة، كمن يهرب من فخ. لكن يقظة "رائد" جاءت فجأة، كوثبة حيوان يفترس في الحلم قبل أن يفيق.
"إيه ده؟ إنتي صحيتي يا حبيبتي؟" صوته كان غائمًا، نصفه من النوم ونصفه الآخر من شيء أعمق... شيء بارد.
حاول أن يفتح عينيه المتورمتين، بينما جسده يثقل عليها كظل لا يريد أن ينزاح.
تنفست "ليلى" بعمق، لكن صوتها كان جافًا:
"إوعي إيديك... عايزة أقوم."
شيء في نبرتها أيقظه تمامًا، فجلس، ينظر إليها وكأنه يقيس المسافة بينهما:
"هتروحي فين بس؟ الساعة كام؟"
تمطى، وكاد يعود لغفوته، لكن عينيه ظلّتا تراقبانها.
استدارت نحوه بحدة:
"بقولك إوعي بقى... إيه القرف ده؟"
ارتسمت على وجهه ابتسامة مائلة، خالية من الدفء:
"قرف؟ هو ده حضن جوزك بقى قرف؟ مش حتى صباح الخير؟"
ثم جذبها، وقبّل خدها قبلة كأنها وسم.
لمعت عيناها بحدّة، وهي ترد:
"إنت مش إنسان. ولا راجل. مافيش راجل يقبل واحدة تكون مغصوبة عليه."
ضحك "رائد" ضحكة قصيرة، لكنها كانت كافية لكسر ما تبقى من المسافة بين الإهانة والاستخفاف.
"بعد اللي حصل إمبارح، ولسه بتشكي؟ تحبي نصطبح عشان تتأكدي؟"
انفجرت "ليلى" بغضب مكتوم تحول إلى جملة كالسكين:
"إنت حيوان. واغتصبتني. واللي عملته ده جريمة تستحق الإعدام. أول ما أخرج من هنا هبلّغ عنك."
ضحك مرة أخرى، لكن ضحكته هذه المرة كانت كصدى أجوف، ينعكس من جدران الغرفة المغلقة:
"هتروحي تقوليلهم جوزي اغتصبني؟"
ضحك حتى دمعت عيناه، لكن الدموع لم تكن دفئًا، بل شيئًا أشبه بالملح على جرح.
صرخت "ليلى":
"إنت مش جوزي!"
اقترب منه ظل ابتسامة باردة، وهو يتمتم:
"خلاص، كفاية كده. يلا قومي خدي شاور، وأنا هاطلب الفطار."
قبّلها قبلة سريعة، ثم قام بخفة، كأن الأمر لم يكن أكثر من بداية نهار جديد.
تحركت هي مبتعدة بسرعة، تشد ردائها حولها كدرع، قبل أن تختفي في الحمام ويغلق الباب خلفها بإحكام.
وقف "رائد" للحظة، ينظر للنافذة المغلقة، قبل أن يرفع سماعة الهاتف، صوته هادئ لكنه حاد:
"صباح النور يا دادة. طلعي الفطار ليّ أنا ومدام ليلى... وقهوتي دلوقتي. وبعتوا حد يوضب الأوضة."
حين أنهى المكالمة، كان الصمت قد عاد يملأ الغرفة، ومعه ظل شعاع باهت يتسرب من تحت باب الحمام، كما لو أن النور نفسه يحاول الهروب.
***
كان الجو ثقيلًا في الغرفة، حتى الهواء بدا وكأنه يتحرك ببطء، مثقلاً بما لا يُقال. لم يكن هناك سوى الضوء الباهت المتسلل من فتحة صغيرة في الستارة، يرسم خطًا شاحبًا على أرضية باردة.
كانت "ليلى" تجلس على طرف الفراش، عباءتها مرمية بجانبها، رأسها منحني، تحاول أن تستجمع بقايا نفسها. لكن وقع خطوات "رائد" عند الباب جعل قلبها يقفز في صدرها، قبل أن يطل برأسه، ساكن الملامح، بارد العينين.
"إيه؟ هو أنا لسه بدق؟ الباب كان مفتوح."
دخل دون استئذان، يغلق الباب خلفه ببطء وكأنه يضع حاجزًا جديدًا بينها وبين العالم.
"أمك تحت... والدادة بتقول لو تحبي أطلّعها."
رفعت رأسها ببطء، عينيها ضيقتين كمن يحاول أن يفهم فخًا جديدًا، وصوتها خرج حادًا رغم ارتعاشة شفتيها:
"مش هتطلع... أنا هنزللها."
ابتسم ابتسامة جانبية، لكنها لم تصل إلى عينيه:
"براحتك... بس ياريت تفطري الأول. الفطار جوا... كنت جعان، فبدأت من غيرك."
اقترب منها خطوة، كأن المسافة لا تعني شيئًا، ثم أضاف بصوت منخفض:
"خدي شاور وانزلي... وأنا هسلّم على حماتي العزيزة."
استدار، وفتح الباب ليخرج، لكن قبل أن يخطو، ألقت عليه كلماتها كطعنة:
"إنت فاكر إنك كده بتكسرني؟"
لم يلتفت، واكتفى بضحكة قصيرة، ثم خرج وأغلق الباب وراءه.
ظلت واقفة للحظة، تلتقط أنفاسها، قبل أن تنهار جالسة على الفراش، تشد الرداء حولها وكأنه خط الدفاع الأخير. شعرت أن الجدران تضيق، وأن الضوء الباهت عند حافة الستارة هو الشيء الوحيد الذي يذكرها بأن هناك عالمًا خارج هذه الغرفة.
***
كان الصباح دافئًا، والنور يتسلل من بين الستائر في خطوط هادئة تلامس الأرض. جلست "نيرفانا" على طرف السرير، شعرها ينسدل على كتفيها كستارٍ يحجب نصف ملامحها، وفي يدها الهاتف تداعب شاشته بأصابعها، كأنها تحاول استدعاء اسم واحد فقط ليضيء أمامها.
وأخيرًا... اهتز الهاتف.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ورفعت الجهاز إلى أذنها:
"أوسو... حبيبي."
لكن صوته جاء هذه المرة مختلفًا... خافتًا، مترددًا، كأنه يمشي على حافة جملة لا يريد أن يسقط منها:
"صباح الخير يا نيرفانا."
ضحكت بخفة، تحاول أن تذيب هذا الثقل بينهما:
"وحشتني أوي... إنت فين؟"
صمت لثوانٍ، حتى كادت تسمع أنفاسه تتكسر، ثم قال:
"كنت... كنت هاجي أشوفك."
ارتفعت نبرتها بحماس طفولي:
"طب يلا! أنا مستنياك."
ترددت تنهيدته في أذنها، فانعقد حاجباها:
"مالك؟"
رد بصوت منخفض:
"ولا حاجة... هقولك لما أشوفك."
وقبل أن تستوعب، انقطع الاتصال. نظرت إلى الهاتف، وكأنها تنتظر أن يضيء مجددًا... لكن لا شيء. حاولت الاتصال، فوجدته مغلقًا.
انكمش قلبها، إحساس غامض زحف في صدرها، كأن دفء الصباح بدأ يتراجع خطوة خطوة، تاركًا خلفه ظلًا باردًا.
وقبل أن تفكر أكثر، دوّى طرق على الباب... طرق ثقيل، يضرب أعصابها كما يضرب الريح نافذة مغلقة.
***
تجمدت "نيرفانا" في مكانها، عيناها معلقتان بالباب، وأنفاسها تتسارع على نحو لم تفهم له سببًا.
ارتفع الطرق مرة أخرى، أبطأ هذه المرة، لكنه أعمق... كأنه يأتي من قلب البيت نفسه.
نهضت مترددة، قدماها تلامسان الأرض بخفة، كأنها تخشى أن تسمع الأرض وقع خطواتها. مدت يدها نحو المقبض، ثم توقفت لحظة، تنصت... لا أصوات أخرى.
فتحت الباب قليلًا، فوجدت "الدادة" واقفة، ملامحها تحمل ذلك المزيج المربك بين الحذر والحرص.
قالت بصوت منخفض:
"في حد تحت... بيقول إنه مستنيك."
ارتبك قلب "نيرفانا":
"مين؟"
ترددت "الدادة" لحظة قبل أن تجيب:
"أوس بيه."
اتسعت عيناها، لكن فرحتها لم تكتمل، فقد رأت في عيني "الدادة" ظلًا من قلقٍ لم تفهمه.
قالت بسرعة:
"طب دخليه الصالون... أنا جاية حالًا."
أغلقت الباب خلفها، وألقت نظرة سريعة إلى المرآة. كان قلبها يخفق بإيقاع أسرع من أن تحتمله، وفي عقلها تتزاحم الأسئلة: لماذا صوته كان مترددًا؟ ولماذا جاء فجأة؟
وبينما ترتب شعرها وتعدل من ملابسها، لمحت من الشباك لمحة من الحديقة الخلفية... حيث كان "أوس" جالسًا على المقعد الخشبي، ينظر في الأرض، كتفيه منحنين، وكأنه يحمل فوقهما وزنًا لا تراه.
ابتلعت ريقها، وشعرت أن هذا اللقاء لن يكون مثل كل المرات.
***
بعد أن أغلق "رائد" الباب خلفه، ظل الصمت يثقل الغرفة للحظات. جلست "ليلى" بلا حراك، أناملها تشد الرداء حول جسدها، كأنها تحاول حجب رعشةٍ لا تعرف مصدرها.
نهضت ببطء، كمن ينجذب إلى شيءٍ لا يريده، وتوجهت نحو النافذة النصف مغلقة. أزاحت الستارة قليلًا، فاندفع إليها الضوء الباهت كجرحٍ جديد يلسع العين قبل القلب.
ومن هناك... رأت الحديقة الخلفية.
كان "أوس" جالسًا على المقعد الخشبي، مائلًا بجسده نحو "نيرفانا" التي اقتربت منه بخطواتٍ هادئة، كأنها تمشي فوق سرٍ لا يجب أن يُكتشف.
انعقد حاجبا "ليلى"، وارتجف جفنها، ثم قبضت على طرف الستارة بقوة حتى توردت مفاصل أصابعها.
همست، بصوتٍ بالكاد يسمع، لكنه مشحون بالدهشة والمرارة معًا:
"إزاي ده حصل؟... أوس كان محبوس... يا إمّا رائد خرّجه... يا إمّا هو هرب وعنده الجرأة إنه يجي هنا!"
أعادت الستارة إلى مكانها بعنفٍ خافت، وأدارت ظهرها للنافذة، لكن عينيها ظلتا تتوهجان بمزيج ثقيل من الغضب والخوف... وربما الغيرة التي حاولت دفنها، وهي تتساءل في أعماقها:
"ولو رائد هو اللي ساعده... ليه؟"
***
أعادت "ليلى" الستارة إلى مكانها بعنفٍ خافت، ثم جلست على حافة السرير، كأنها تحاول لملمة أنفاسها التي تناثرت مع ما رأت.
كانت دقات قلبها تتسارع، حتى خُيّل إليها أنها تسمعها تتردد في جدران الغرفة.
وفي الخارج، كان كل شيء يبدو هادئًا... هدوء ما قبل العاصفة.
لم تكن تدري أن على بُعد أمتار قليلة، كانت سيارة "شامل" تشق طريقها نحو نفس البيت، حاملةً غضبًا من نوعٍ آخر.
***
كانت شمس الظهيرة تتسلل بخجل من نوافذ الطابق الأرضي، تلقي بخيوطها الدافئة على الصالة الفسيحة. خطوات "ليلى" وهي تنزل السلم كانت مترددة، كأن كل درجة تحمل ثقل أفكارها. ما زالت حرارة اللحظة التي رأت فيها "أوس" في الحديقة تشتعل في رأسها، لكن قلبها كان يسرع حين لمح وجه أمها في الأسفل.
"ماما!"
انطلقت نحو "نيفين" وارتمت في حضنها بقوة، تحتضنها وكأنها تخشى أن يختفي هذا الأمان في أي لحظة.
"روحي... قلبي يا أحلى عروسة، عاملة إيه يا حبيبتي؟"
مسحت "نيفين" على شعرها بحنان، بينما "ليلى" تحاول أن تبتلع الغصة.
"كويسة يا ماما... إنتي وحشتيني."
ابتسمت "نيفين" نصف ابتسامة، لكن عينيها كانت تمسح ملامح ابنتها بحثًا عن شيء لم تُصرح به. قبل أن تكمل، ظهرت "يقين" تبتسم وتلقي مزحة، لكن "ليلى" بالكاد التفتت، كأن حضورها أربكها للحظة.
"ليلى، مالك؟" صوت "نيفين" خفيض لكن حاد.
"مفيش يا ماما... أنا بس تعبانة شوية."
كانت تحاول أن تحجب عن أمها أي ارتجاف في صوتها، لكن "نيفين" شعرت أن وراء التعب كلامًا أكبر. لم تجد وقتًا للسؤال أكثر، لأن صوت "رائد" ارتفع من مدخل الصالة:
"أهلاً أهلاً... البيت منوّر يا نيفين هانم!"
دخل بخطوات واثقة، ابتسامة واسعة تخفي شيئًا في عينيه. صافح "نيفين" بحرارة، يبالغ في الترحيب وكأنه يضع إطارًا لصورة عائلية مثالية أمام الجميع.
"ما شاء الله عليكم... ربنا يسعدكم."
"ده من ذوقك،" ردّت "نيفين"، بينما نظرة "ليلى" تحاول أن تفكك ما وراء هذا الترحيب.
جلسوا معًا، لكن الجو كان مشوبًا بتوتر خفي. دعاهم "رائد" للغداء بإلحاح، وكأن الأمر قرار لا يقبل الرفض، فيما "ليلى" تبتسم وتطلب من أمها أن تبقى، لكن ابتسامتها كانت أشبه بقناع.
في داخلها، لم تكن تفكر في الطعام، بل في الحديقة بالخارج... وفي أوس.
***
في الداخل، كانت "ليلى" ما تزال تحاول أن تتجاهل صورة "أوس" و"نيرفانا" وهي محفورة في رأسها، بينما "رائد" يتظاهر بالمرح وهو يلح على "نيفين" لتبقى للغداء. الهواء كان أثقل مما تحتمله، والابتسامات تتقشر من على الوجوه كطلاء قديم.
وفي نفس الوقت، على بُعد أمتار، في ركنٍ هادئ من الطريق المؤدي إلى حيّ "القطامية هايتس"، كانت أنفاس "شامل" تتقطع على إيقاع صوت المحرك. يده تقبض على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، والهاتف ملتصق بأذنه.
"خلاص يا يقين، أنا وصلت... دقيقة واحدة."
صمت لحظة، وكأن الكلمات التالية كانت عالقة في حلقه.
"هو رائد عندك؟... طيب. أنا رايحله دلوقتي."
أغلق المكالمة قبل أن ترد، وألقى الهاتف على المقعد المجاور وكأنه يتخلص من حمل ثقيل.
رواية قلب السلطة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مروة البطراوي
- خلاص يا يقين، أنا وصلت... دقيقة واحدة.صمت لحظة، وكأن الكلمات التالية كانت عالقة في حلقه.- هو رائد عندك؟... طيب. أنا رايحله دلوقتي.أغلق المكالمة قبل أن ترد، وألقى الهاتف على المقعد المجاور وكأنه يتخلص من حمل ثقيل.
******"
يتبع روايات جديده و حصريه