"فتاه أخرى !! قلب مُصاب بالحب تأفأف بملل من الانتظار بذلك المقهى المتفق عليه للمقابلة فيه. مر على ميعادهما نصف ساعة كاملة ولم تحضر بعد، وهو لم يعتاد الانتظار مطلقًا. فتح هاتفه وطلب رقمها بجبين مقطب وملامح منزعجة، حتى أتاه الرد فهتف فورًا باهتياج: "نص ساعة يا منى! أنتِ فين؟ ردت عليه بضيق: "أنا آسفة يا صالح، بس اتخانقت مع بابا ورفض نزولي." ارتفع جانب شفتيه باستنكار مطلق وهو يردد بسخرية: "أبوكِ!
هو ماله خد باله منك فجأة كده؟ ما أنتِ بقالك شهر ونص معايا عمرك ما اعتذرتِ عن مقابلة عشان أبوكِ." "ماهو كان مسافر يا صالح ورجع." غمغم بصوت لم يصل لها: "قال يعني رجع من العمرة! رفع صوته وهو يقول بجدية بعدما توصل لقراره الأخير والذي يفكر فيه منذ سفرها: "بقولك يا منى، أنا بقول يعني كفاية كده." أتاه سؤالها المستفسر وهي تقول: "كفاية إيه؟ "كفاية في علاقتنا، يعني كل واحد يشوف طريقه أحسن."
صيحة مستنكرة ومصدومة في آن واحد تبعها صوتها المرتفع وهي تقول: "أنت اتجننت يا صالح؟ أنت بتنهي علاقتنا بالسهولة دي! رد ساخرًا: "لا مليش حق. أنهي عشر سنين في لحظة كده! مالك يا منى متأفوريش، أنا لسه عارفك الشهر اللي فات." أتاه ردها بنبرة شجن وهي تقول: "أيوه بس كانوا كفاية أتعلق بيك." "بالظبط اتعلقتِ بيا يعني لا حب ولا نيلة، متقلقيش التعلق ده مش هياخد معاكِ أسبوع وهتكونِ نسيتِ أنك عرفتِ حد اسمه صالح أصلاً." هدأت نبرتها
فجأة وهي تسأله بحذر: "ده آخر كلام عندك؟ رد سريعًا دون تفكير: "أتمنى لكِ الأفضل." أنهت حديثها بهدوء مصطنع: "مش هقولك غير إنك **** و ***." أنهت كلمتها وأغلقت المكالمة ليستمع هو لصفير إنهائها، فأشتعلت عيناه غضبًا وهو يردد: "بقى بتشتمني بنت ال... أنا اللي غلطان أديتها وقت أكتر من غيرها."
ألقى هاتفه على الطاولة وهو يشعر بأن مزاجه قد عُكر. ألتفت حوله ليرى النادل كي يطلب فنجان قهوة آخر عله يغير مزاجه، ولكن بدلاً عن أن يجده وجد شيئًا آخر لفت انتباه. بالتحديد شخص آخر، وأكثر تحديدًا فتاة تجلس على طاولة بمفردها تتناول عصير البرتقال وهي تطلع للمياه التي يطل عليها المقهى. ابتسم بخبث كالصياد الذي وجد فريسته وقام متجهًا ناحيتها بعدما لملم أشياءه. سار بخطى واثقة حتى وصل أمام طاولتها بابتسامته الجذابة وقال:
"تسمحيلي أقطع خلوتك؟ رفعت أنظارها لتجد شابًا وسيمًا بشكل ملفت. شكل لا يمكن التغاضي عنه. ابتسمت له وهي تقول: "طبعًا، اتفضل." جلس محافظًا على نفس الابتسامة وهو يقول: "كنت قاعد لوحدي وعيني وقعت عليكِ، لاقيتك أنتِ كمان قاعدة لوحدك وحسيتك متضايقة، فمحسيتش نفسي غير وأنا جاي ناحيتك." ابتسمت بلطف وهي تقول: "كنت زهقانة وحتى كنت بفكر أقوم أمشي، أصل مش متعودة أقعد لوحدي." "وليه قاعدة لوحدك؟
"صحابي في الجونة بيحضروا weeding party هناك." تسائل بفضول: "وليه أنتِ مش معاهم؟ "عندي شغل مهم ومقدرش أسافر." "وياترى بتشتغلي إيه؟ ردت بابتسامة: "مصممة حفلات زفاف." رفع حاجبيه مندهشًا وهو يردد: "واضح أنك شاطرة." ضحكت بخفة وهي تسأله: "تحب تشوف شغلي؟ رد بترحاب: "طبعًا ياريت، بس قبلاً أعرف اسمك! ابتسمت بحرج وهي تمد يدها له: "آه، sorry نسيت أعرفك بنفسي، ديانا محفوظ." التقطت كفها بترحاب وهو يعرف عن نفسه: "صالح الزيني."
"صالح الزيني" الذي ترك فتاة وبعد ثانيتين ارتبط بفتاة أخرى!! *** استمعت لصوت صرير عجلات سيارته بالخارج لتدرك أنه قد عاد. ركضت للمطبخ لتجلب الطبق الذي احتفظت به من أجله وعادت سريعًا تفتح باب شقتها لتستقبله وقد كان بالفعل قد صعد الدرجات القليلة التي تسبق باب شقتها. أنتبه لفتح الباب وأبصرها واقفة بابتسامتها التي تزيد من دقات قلبه دون مجهود، وتلقائي ابتسم لها وأسرع في صعود الدرجتين الفاصلتين بينهما حتى أصبح أمامها
فقال وهو ينظر لساعته: "الساعة تسعة، تسعة و3 دقائق كنتِ هتلاقي تليفونك بيرن برقمي." ضحكت بخفة وهي تقول: "بتلحق نفسك ها، عشان مكلمتنيش من الصبح." ابتلع ريقه بتوتر مصطنع وهو يقول: "هو يعني... العمر بعزقة! أشاحت بوجهها للجانب لتخبئ ضحكتها ثم عادت بنظرها له وتسائلت وهي تضيق عيناها: "قولي مش شامم ريحة حاجة حلوة؟ أرجع رأسه للخلف قليلاً يتصنع الإشتمام جيدًا ثم عاد بنظره لها وقال بابتسامة عابثة ونظرات أصابتها بالإرباك:
"شامم ريحة ياسمين تهبل." تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تخفض وجهها لأسفل: "صالح وبعدين بقى، أنا لسه متعودتش على طريقتك دي وبتكسفني." ابتسم بمشاعر صادقة تغزوه تجاهها وقال راحمًا خجلها: "هتتعودي متقلقيش، طب قوليلي ريحة إيه؟ رفعت نظرها له بملامح منزعجة وسألته: "أنت بجد مش شامم خالص؟ قطب حاجبيهِ وهو يشتم جيدًا حتى ابتسم باتساع وهو يقول: "طب طلعي طبق المكرونة بالبشاميل اللي ريحتها تجنن دي من ورا ضهرك."
ضحكت بسعادة وهي تُظهر له الطبق الذي نظر له وهو يقول: "يخرابي على الجمال، هو في كده! سألته بابتسامة عابثة: "عجبتك؟ نظر لها وهو يقول: "هي مين؟ نظرت له باستغراب وقالت: "المكرونة." "مكرونة إيه أنا بتكلم على الإيد الناعمة اللي بتلمع دي." شهقت بتفاجئ وخجل من حديثه لتصدم الطبق بصدره وهي تردد: "امسك يا صالح واطلع يلا، أنا اللي غلطانة أنا واقفة معاك."
التقطه منها وضحكاته تجلجل بشدة على مظهر وجهها وحديثها حتى أنه لم يستطع أن ينطق. جذبت الباب لتغلقه لكنها فتحته مرة أخرى وهي تنظر له مغمضة: "وقح." وأغلقت الباب في وجهه، لتزيد ضحكاته وهو يتجه للأعلى ليصطدم فجأة بجسد قصير لحد ما. توقف ينظر لمن اصطدم به ليجدها "رندا" تنظر لضحكاته والطبق الذي بين يده برفعة حاجب ونظرة ماكرة. "رندا بتعملي إيه هنا؟ " تساءل بها بعدما تحكم في ضحكاته، فردت "رندا" بهدوء:
"جيت أشوف طنط جيجي بقالي كتير مشوفتهاش." نظر لها بغموض وهو يقول: "كويس، هتروحي؟ "أيوه.." نظرت للطبق ثم سألته بخبث: "أنت جاي منين بالمكرونة دي؟ نظر للطبق بتوتر طفيف فهو يعلم جيدًا مغزى سؤالها، وقبل أن يجيب استمع لها تكمل: "وضحكتك كانت جايبة لفوق، خير إن شاء الله؟! رفع نظره لها وزفر بضيق وهو يرى نظراتها وقال: "روحي يا رندا، وأنا هطلع ألحق المكرونة لأحسن تبرد." ضحكت بشدة وهي تنظر لتزمره وكادت تجيب لكنها
استمعت لصوت آخر يقول: "السلام عليكم." ارتفع وجيب قلبها وتسارعت نبضاته وهي تستمع لصوته. لقد جاءت من الأساس وهي تتمنى رؤيته لكن أُحبطت حين وجدته بالخارج وها هي الآن تستمع لصوته الذي لا يفشل قلبها في التعرف عليه. ابتسم "صالح" بهدوء وهو ينظر لتصنمها ثم نقل بصره لأخيهِ وهو يقول: "وعليكم السلام، حمد الله على السلامة يا علي." رد "علي" بهدوء: "الله يسلمك، ازيك يا رندا؟
حسنًا عليها الالتفات والإجابة أيضًا. سحبت نفس عميق قبل أن تستدير له بهدوء وابتسمت ما إن وقعت عيناها عليهِ وقالت: "الحمد لله، ازيك أنت يا علي؟ رد بهدوء كعادته: "الحمد لله." تنحنحت بتوتر حاولت مداراته وهي تقول: "طيب عن إذنكم." وانسحبت بهدوء وهي تشعر بأن قلبها قد ارتاح واستكان أخيرًا بتلك اللحظات التي رأته فيها. نظر له "صالح" ليجده ينظر لمكان خروجها فأصدر صفيرًا من فمه ينبهه حتى التفت له فقال بعبث:
"ما يلا يا عيلوه ولا هنقضي الليلة على السلم! اقترب منه واضعًا يده على كتفه وهو يصعد معه: "يلا يا خويّا بالطبق اللي في إيدك ده، أنت بتشحت من ورايا ياض؟ نظر له بجانب عيناه وهو يقول بهيام: "أشحت! طب ياريت الشحته كلها كده وأنا أشحت كل يوم." "طب ماتجيب حتة." رد رافضًا: "لا يا حبيبي ده مخصوص ليا، متقلقش هتلاقيها طلعت لأمك طبق ما أنت عارفهم كل يوم طباق نازلة طالعة بينهم." ضحك "علي" وهو يفتح باب الشقة ويقول:
"يبقى ألحق أدخل اقتحم المطبخ." *** جلب طبق المعكرونة الآخر وجلس بجوار صالح في منتصف الصالة مستغلين غياب والدهم ودخول والدتهم للصلاة. "امممم، البت ياسمين بتعمل شوية مكرونة أجدع من بتاعت أمك." نظر له صالح بضيق ولم يعلق. فوجه "علي" بصره له وهو يقول: "مبتردش ليه؟ رد باقتضاب: "هرد أقول إيه؟! أومأ برأسه قبل أن يعاود الأكل، ومرت ثوانٍ قبل أن يقول "علي" متسائلاً: "طمني، بقيت عارف تتعامل مع ياسمين؟ اتقبلتها؟
نظر له بتفاجئ لسؤاله، ليبتسم "علي" بهدوء وهو يقول: "أنا فاهم كل حاجة من أولها، وعارف أنك مكنتش متقبل وجود ياسمين في حياتك، كمان مكنتش عارف تتجاوز حبك لـ رندا." "حبي لـ رندا!!! أومأ بتأكيد وهو يُكمل موضحًا: "أنا سمعت كلامك معاها بالصدفة قبل خطوبتك لياسمين." وضع "صالح" الطبق الخاص به على الطاولة والتف لـ "علي" باهتمام وهو يسأله: "كلام إيه يا علي؟ رجع علي بذاكرته للوراء وهو يتذكر تلك الليلة التي استمع لها لحديث "صالح"
مع رندا وهو يقول: "عارفه يارندا، أنا بتمنى بجد أن عيالنا يكونوا قريبين لبعض وميبقاش بينهم أي مشاعر سلبية، عارفه أنا مش مصدق أني في يوم هشوفك لابسة فستان أبيض ونقعد بقى في حوارات الفرح المزعجة دي، بس خدي بالك بدلتي أنتِ اللي هتختاريها أنا بقولك من دلوقتي أهو، واجي أنا بقى أخدك من الكوفيرا على القاعة و...
كان هذا آخر ما سمعه قبل أن يقرر الذهاب بعيدًا وقلبه ينزف ألمًا بعدم إدراكه أن علاقة أخيه بها ليست صداقة كما يدعون، وأنه قد خسر حبًا لم يقدر له الإعلان عن نفسه بالظهور حتى...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!