دلف داغر إلى القصر بوجه مكفهر مقتضب. فقد عاد مرة أخرى بطائرته الخاصة بعد أن تذكر بمنتصف الرحلة أنه لم يأتِ بالعقود الخاصة بالصفقة التي سيتم عقدها. فقد كان يحتفظ بأوراقها بخزانة مكتبه السرية، والتي لن يستطيع أحد الوصول إليها سواه، مما جعله يضطر للعودة ليأتي بها بنفسه.
فقد جعله ما حدث مع داليدا قبل ذهابه يفقد عقله وتركيزه. فقد فر من الغرفة وقتها حتى لا يتهور ويفقد سيطرته على نفسه ويتملكها كما يشتهي، فقد أصبحت رغبته بها تؤلمه وتعذبه بقسوة. لكنه تجمد بمكانه ما أن فتح باب القصر ورأى الجميع يقفون ببهو المنزل. صدم من الأمر، فالوقت قد تجاوز منتصف الليل، مما جعله يشعر بأن هناك شيء خاطئ يحدث. وتأكدت شكوكه تلك عندما رأى صافية الخادمة تهرع نحوه سريعًا. ما أن رأته هاتفت بتعثر
والخوف يرتسم على وجهها: = داغر بيه، داغر بيه الحق داليدا هانم... شعر بانفاسه تنسحب من داخل صدره كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حوله فور سماعه كلماتها تلك. = مالها داليدا؟ أجابته بتلعثم والذعر بادٍ على وجهها، بينما تشير إلى آخر الرواق: = أوضة المكتبة النار ولعت فيها، وداليدا هانم فيها، والحريق جامد، محدش قادر يدخل...
لم ينتظر داغر أن يستمع إلى باقي كلامها وركض نحو المكتبة وقلبه يقفز بعنف داخل صدره من شدة الذعر. لكنه وقف متجمدًا بمكانه عندما رأى النيران التي تنبثق من أسفل باب الغرفة، بينما وقف كل من طاهر وشهيرة، التي كانت تحتضن نورا بحماية، يقفون بهدوء بعيدًا يتابعان ما يحدث. صاح بهم بشراسة بينما يندفع نحو باب الغرفة يحاول فتحه، بينما الخوف يسيطر عليه فور تخيل داليدا داخل تلك النيران المستعرة. = واقفين تعملوا إيه؟
واقفين تتفرجوا... أجابته شهيرة بينما تتراجع إلى الخلف بارتباك وعينيها مسلطة بذعر على الباب المحترق: = عايزنا نعمل إيه يا داغر. طلبنا المطافي، وزمانها جاية. وأكيد مش هدخل طاهر في النار، مش مستغنية عنه... لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما رأت النظرة الشرسه التي رمقها بها، فقد جعلت الدماء تتجمد في عروقها. راقبته بذعر بينما يتجه يهتف بغضب بصافية: = هاتيلي بسرعة بطانية وبليها بالمية...
أسرعت صافية بتنفيذ أمره هذا، بينما اتجه إلى الباب المحترق و ضربه بقدمه عدة ضربات حتى انكسر وانفتح. صرخت شهيرة بوجه شاحب فور إدراكها ما ينوي فعله: = إنت. إنت بتعمل إيه داغر، مينفعش تدخل جوا، ممكن يحصلك حاجة... لكنه تجاهلها واختطف سريعًا من صافية البطانية المبللة التي أحضرتها، هاتفا بقسوة: = اتصلي بزكي وخليه يجي بسرعة...
ثم دلف إلى داخل الغرفة المشتعلة بعد أن أحاط رأسه بالغطاء المبلل، متجاهلاً صرخات شهيرة التي كانت تحاول منعه من الدخول. فكل ما كان يهمه الآن هو أن يصل إلى داليدا وينقذها. ففكرة أنه قد يفقدها إلى الأبد تجعله يريد إلقاء نفسه إلى تلك النيران لكي تلتهمه.
فور أن دلف إلى الداخل، تراجع إلى الخلف خطوة، فقد كانت النيران تملأ كل مكان بالغرفة ذات المساحة الواسعة. أخذ يبحث بالغرفة عن داليدا وقبضة حادة تعتصر قلبه. أخذ يصرخ باسمها بينما يبحث بلهفة عنها، لكنه كان لا يستطيع أن يرى جيدًا بسبب عينيه الزائغة من شدة الدخان المتصاعد من النيران.
انتفض جسده بتأهب فور أن استطاع أن يرى من وسط الدخان الذي يملأ الغرفة الجسد المتكوم بإحدى أركان الغرفة، حيث كانت تضم جسدها إلى صدرها بينما تخفي رأسها بين ساقيها بخوف. اتجه نحوها على الفور متجاوزًا بصعوبة النيران المشتعلة بالأثاث المنتشر بالغرفة.
لكنه فور أن وصل إليها صاح اسمها بصوت متحشرج ملهوف، والخوف يسيطر عليه من أنه قد أصابها شيء. لكن عندما لم تجيبه، أسرع بإلقاء الغطاء المبلل عليها الذي كان معه لكي يحميها من النيران التي كانت تلتهم كل ما بطريقها بوحشية، قبل أن يحملها بين ذراعيه ويتجه بصعوبة نحو باب الغرفة.
بينما النيران أوشكت أكثر من مرة أن تصيبهم، لكنه استطاع تجاوزها سريعًا. فكل ما كان يهمه أن يخرج بها من هنا حتى تحصل على الأكسجين النقي. فور أن خرج بها، قابله رجاله الذين أسرعوا يحاولون إخماد النيران، بينما صوت سيارات الإطفاء المرتفع يملأ المكان، مما يدل أن قد أتوا أخيرًا.
اتجه داغر إلى الخارج يضع جسد داليدا التي كانت تسعل بقوة على الأرض، بينما أسرع برفع الغطاء بيد مرتعشة عن وجهها لكي تستطيع التنفس. لكن لصدمته، كانت التي أمامه تمارا ابنة صافية الخادمة وليست داليدا. تمارا التي ما أن رأتها والدتها بهذا الوضع، أطلقت صرخة فازعة وهي تسرع منتحبة نحوها تحتضنها بقوة محاولة تهدئة سعالها المختنق. تراجع داغر إلى الخلف بتعثر حتى سقط على الأرض من شدة الصدمة. همس بصوت مختنق وعينيه
متسعة بالذهول على تمارا: = فين داليدا... بدأت الأرض تميد به، شاعرًا بالدماء تفر من جسده فور أن أدرك بأنه ترك داليدا بداخل الغرفة المشتعلة.
نهض سريعًا بتعثر على قدميه حتى أنه كاد أن يسقط، لكنه لم يبالي واتجه مرة أخرى نحو الغرفة التي لازالت مشتعلة والخوف يسيطر عليه بأنه قد تركها بالداخل وسط تلك النيران. لكن أسرع طاهر وشهيرة بإمساكه ومنعه من الدخول. صاح بغضب منفضا أيديهم التي كانت ممسكة به، مبعدًا إياهم عنه، وصدره كان يعلو وينخفض بعنف مكافحًا لالتقاط أنفاسه بحدة. = ابعدوا... نجح بالفعل من التحرر منهم وأسرع نحو الغرفة مرة أخرى.
لكن أوقفه صوت تمارا المختنق التي استعادت قوته بعد أن هدئ سعالها: = داليدا هانم مش جوا يا داغر باشا اطمن... تراجع داغر إلى الخلف فور سماعه كلماتها تلك، هاتفا بغضب: = اومال هي فين، وليه قولتوا أصلاً إنها جوا؟ إنتوا عايزين تجننوني... همست صافية التي كانت تحتضن ابنتها بحماية وهي لازالت تنتحب بشدة:
= أنا افتكرتها جوا لأن لما طلعت أوضتها علشان أبلغها بالحريقة وأنها تنزل تحت علشان لا قدر الله المطافي مقدرتش تسيطر على الحريقة نلحق نطلع برا القصر، لكن ملقتهاش في أوضتها ودورت عليها في الجنينة وفي كل مكان بتعقد فيه ملقتهاش، فعرفت أنها جوا خصوصًا أنها معظم وقتها بتقضيه في أوضة المكتبة. ده غير صوت الواحدة اللي كانت بتصرخ جوا... لتكمل بصوت متقطع يمتلئ بالقهر بينما ازداد انتحابها وهي تشدد من احتضانها لابنتها:
= مكنتش أعرف إن اللي بتصرخ دي بنتي، بنتي اللي جوا... زمجر طاهر الذي كان يتابع ما يحدث بوجه شاحب فور اكتشافه اختفاء داليدا وفشل خطته: = إنتي يا زفتة إنتي كنتي بتهببي إيه في أوضة المكتبة بليل كده... همست تمارا بينما تحاول التقاط أنفاسها المختنقة: = كنت عايزة كتاب أقرأه... لتكمل سريعًا عندما رأت الغضب الذي ارتسم على وجه طاهر: = داغر بيه، داغر بيه اللي سمح لي أبقى آخد كتب من المكتبة أقرأها وأرجعها تاني.
ثم ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها، وقد سيطر الرعب عليها من أن يكتشف أحد ما الذي كانت تفعله حقًا داخل المكتبة بهذا الوقت. فقد اعتادت من حين لآخر سرقة أحد الكتب القيمة التي تملأ المكتبة وبيعها. لكن لسوء حظها، ما أن دخلت المكتبة اليوم وهمت أن تأخذ كتابًا ما، شعرت بخطوات شخص ما يقترب من باب الغرفة، لذا أسرعت بالاختباء خلف الأريكة.
ثم رأت داليدا زوجة داغر الدويري تدلف إلى الغرفة بوجه شاحب وأنفس لاهثة، وقد كان مظهرها غريب. كانت ترتدي منامتها وشعرها مشعث، فقد كانت تبدو كما لو كانت تهرب من شيئًا ما. لكنها وقفت في الغرفة أقل من دقيقة قبل أن تتجه نحو باب الغرفة تفتحه مرة أخرى، لكنها لم تفتحه بالكامل. أخذت تطلع منه إلى الخارج عدة لحظات قبل أن تلتف وتغادر المكتبة سريعًا مرة أخرى.
وقتها نهضت تمارا حتى تأخذ الكتاب وتفر هاربة قبل أن تعود داليدا مرة أخرى. لكن فجأة ودون سابق إنذار، رأت النيران تشتعل بأرضية الغرفة من حولها. اندفعت مسرعة نحو باب الغرفة تحاول الخروج، لكنها لم تستطع حيث كان الباب محكم الغلق، برغم أنها تأكدت بأن هذا الباب ليس له قفل من الخارج أو الداخل. لذا أخذت تصرخ محاولة أن ينقذها أحد، حتى سقطت مغمي عليها من شدة الخوف.
واستيقظت بعدها لتجد النيران تحاوطها من كل اتجاه. أخذت تصرخ بأعلى ما لديها حتى يأتوا وينقذوها. خرجت من شرودها هذا على صراخ داغر الدويري الحاد الذي كان يزرع الأرض ذهابًا وإيابًا كالأسد المحبوس داخل قفصه، ووجهه محتقن يظهر عليه علامات الفزع والهلع بادية عليه بوضوح. فلأول مرة تراه بهذه الحالة، فدائمًا يظهر أمامهم بقناعه الحاد الجليدي. = إنتوا هتفضلوا ترغوا؟ اقلبولي المكان ده لازم أعرف داليدا فين... ليكمل ملتفتًا
إلى حازم رئيس أمنه: = 5 دقايق و داليدا تبقى قدامي فاهم؟ لو ملقتهاش اعتبر نفسك وكل اللي موجودين هنا مطرودين... ثم التف وتوجه للخارج ليشاهد كاميرات المراقبة، لعله يجد أنها قد خرجت من المنزل.
كانت داليدا جالسة منزويه في إحدى أركان غرفة فاطمة والدة زوجها. فبعد أن حاول طاهر أن يعتدي عليها، هربت منه واتجهت نحو غرفة المكتبة لكي تختبئ بها. لكن فور أن دخلتها، أدركت أنه من السهل عليه أن يعثر عليها بها، إن بابها لم يكن يحتوي على مفتاح داخلي يمكنها غلقه جيدًا عليها، كما يمكن أن يكون بالفعل قد اتبعها إلى هنا.
فتحت ببطء وهدوء باب غرفة المكتبة، تطل من شقها البسيط المفتوح باحثة عن طاهر. لتشهق بصوت منخفض، وقد بدأ جسدها بالارتجاف من شدة الخوف فور إدراكها هويته. فور ان رأته يقف خارج الغرفة يمسك بذراعه المصاب، بينما يتطلع بشرود إلى الأرض كما لو كان يفكر في أمر ما.
لكنه سرعان ما رآه يلتف ويتجه نحو المخزن الخلفي، وعلى وجهه يرتسم تعبير جعل الدماء تجف في عروقها. فور تأكدها من اختفائه، أسرعت بالخروج من الغرفة واتجهت نحو الجناح الغربي للقصر حيث توجد غرفة فاطمة والدة داغر التي كانت مسافرة منذ أكثر من أسبوع لدى شقيقها.
فقد كانت غرفتها هي آمن مكان لها، حيث لن يأتي بعقله أنها تختبئ هنا. لكن رغم ذلك، ظلت في مكانها جالسة بإحدى أركان الغرفة وعينيها مسلطة فوق الباب بخوف، متوقعة أن يدخل طاهر عليها في أي لحظة، رغم إغلاقها للباب جيدًا. كان جسدها يرتجف بقوة أثر النوبة التي قد أصابتها بوقت سابق بعد هروبها من طاهر.
تنفست بعمق محاولة تهدئة خوفها. فأول شيء ستفعله فور بزوغ النهار هو أنها ستغادر هذا القصر لحين عودة داغر الذي ستخبره بكل ما فعله طاهر بها. حتى وإن لم يكن سيصدقها، فعلى الأقل طاهر سوف يتراجع عما يفعله بها خوفًا من أن ينكشف أمره لداغر.
انتفضت في مكانها فازعة فور سماعها أصوات أبواق الإنذار التي تأتي من خارج القصر. فعادة يكون هذا الصوت تابعًا لسيارات الإسعاف أو الإطفاء. أسرعت بالنهوض والتوجه نحو النافذة تنظر منها حتى تفهم ما يحدث. لتجد أنه بالفعل يوجد سيارات إطفاء ضخمة تقف بالخارج، لتعلم بأنه يوجد حريق بالقصر.
شعرت بالخوف يدب في أوصالها، ركضت مسرعة خارج الغرفة تتجه إلى الأسفل، فإذا كان يوجد حريق فيجب عليها الخروج فورًا من هنا. كانت تركض بالرواق عندما اصطدمت بقوة بشخص ما كان يأتي من الاتجاه المعاكس. تراجعت سريعًا للخلف بخوف، والدماء قد انسحبت من جسدها فور إدراكها هوية الشخص الذي اصطدمت به. اقترب منها طاهر على الفور قابضًا على ذراعها بقسوة مانعًا إياها من الهروب، جاذبًا إياها بحدة لتصبح واقفة أمامه مباشرة.
همس بالقرب من أذنها بينما قبضته تشدد حول ذراعها: "لسه كنتِ مستخبية هنا يا ملعونة... ليكمل بقسوة وعيناه محتقنة بشدة، فقد كانت تشبه بعين شيطان خرجت للتو من الجحيم: "الحريقة اللي تحت دي كانت من نصيبك، بس فلتي منها. بس المرة الجاية صدقيني مش هتفلتّي لو بوقك ده اتفتح ونطقتي بحرف واحد لداغر عن اللي حصل، أو بكل بساطة ممكن أدبر لحبيب القلب اللي قالب الدنيا عليكي تحت حادثة عربية ولا رصاصة تخلص عليه عشان أضمن إن...
قاطعته داليدا هامسة بصوت مرتعش وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الهلع، فهي لن تتحمل أن يحدث لداغر أي مكروه بسببها: "مش هقوله حاجة... مش هقوله حاجة... هز طاهر رأسه وعلى وجهه ترتسم ابتسامة راضية: "ما نشوف... ثم دفعها بقسوة بعيدًا عنه قبل أن يكمل طريقه لنهاية الرواق. اندفعت داليدا على الفور راكضة والخوف يسيطر عليها، وهي لا تصدق بأنه حاول حرقها، لتعلم بأنها تواجه مريضًا نفسيًا ويجب أن تتخلص منه.
فور وصولها أعلى الدرج، تسمرت مكانها وقد بدأت الأرض تميد بها فور رؤيتها للغرفة المحترقة، بينما رجال الإطفاء يحاولون إخماد النيران. اهتز جسدها بقوة فور تخيلها ما الذي كان سيحدث لها لو لم تهرب من هذه الغرفة. جذب انتباهها عن الغرفة صوت صراخ داغر الواقف بمنتصف بهو القصر، يصرخ بحزم: "يعني إيه اختفت؟ راحت فين؟ انطقواااا...
كان يبدو بحالة مزرية لم تره بها قبل، فقد كان وجهه شاحبًا، بينما شعره المنظم دائمًا مبعثر الآن باهمال، وسترة بدلته قد اختفت، بينما قميصه الأبيض ملطخ ببقع سوداء كبيرة. لم تشعر بنفسها إلا وهي تهبط الدرج بقدمين مرتجفتين تتجه نحوه، محاولة أن تستمد منه بعض الاطمئنان للخوف الذي يلتهم قلبها.
فور أن أصبحت أمام داغر، الذي كان يمرر يده بشعره بشدة وعيناه للأسفل، همست بصوت مرتعش متردد، وقد بدأت دموعها التي كانت تحبسها لمدة طويلة تتساقط من عينيها، داعية من الله أن يظهر لها ولو بعض اللطف، فهي بأشد الحاجة إلى حنانه: "داغر... رفع داغر رأسه بحدة فور أن سمع صوتها، أخذ ينظر إليها عدة لحظات بأعين فارغة متسعة، كما لو كان يحلم أو يرى سرابًا أمامه.
همت داليدا بالتحدث إليه مرة أخرى، شاعرة بالقلق عندما وجدته لا يبدي أي ردة فعل، ولكن وقبل أن تنطق بحرف آخر، اندفع نحوها دون سابق إنذار، يضمها بين ذراعيه بقوة، دافنًا وجهه بعنقها، بينما ذراعيه تحيط خصرها، جاذبًا إياها ليلتصق جسدها بجسده بشدة، هامسًا باسمها بصوت مختنق متألم.
شدد من احتضانه لها، مستنشقًا بقوة رائحتها، والذعر والخوف من فقدانها لا يزال يعصفان بداخله. مرر يده بلهفة فوق ظهرها، متلمسًا إياها حتى يطمئن نفسه بأنها بالفعل سالمة وبين يديه، لا يصدق بأنه كاد أن يفقدها، فعند تخيله لها ملقاة كجثة هامدة داخل تلك الغرفة المشتعلة، كاد أن يفقد عقله. لا يعلم سبب ما يحدث له، لكن ما يعلمه جيدًا أنه غير مستعد أن يفقدها.
هبط جالسًا على أولى درجات الدرج الذي كان خلفه، وهو لا يزال يحتضنها، قبل أن تخونه قدماه التي أصبحت كهلام، غير قادرتين على حمله. دفن وجهه بعنق داليدا، التي كانت تستقر جالسة بحضنه، مستنشقًا بقوة رائحتها، وهو لا يزال يهمس باسمها بصوت منخفض، كما لو كانت تعويذة يحاول أن يهدئ ذعره بها. ضمته داليدا هي الأخرى، ممررة يدها بحنان فوق ظهره، محاولة تهدئته، فقد كان كامل جسده يرتجف بقوة.
قبل داغر جانب عنقها بقوة من أسفل حجابها، بينما يجذبها إلى جسده أكثر حتى أصبحت ملتصقة به، كما لو كان يرغب بتخبئتها داخل صدره، بينما هي الأخرى أحاطت ظهره بذراعيها، تضمه بقوة، متشبثة يديها بقميصه من الخلف، تدفن به الخوف الذي تشعر به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!