الفصل 15 | من 51 فصل

رواية قلبه لا يبالي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هدير نور

المشاهدات
39
كلمة
2,510
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

دفع نورا بعيداً بحده قبل أن يتجه سريعاً نحو داليدا. جلس على عقبيه أمامها ممسكاً بيديها التي كانت باردة كبرودة الثلج. همس بصوت مرتجف متألم وهو يرفع يديها يقبلهما: = دليدا، ما تعيطيش. نفضت يديه بعيداً عنها كما لو كانت لا تطيق لمسته، وهاتفت بغضب من بين شهقات بكائها: = ابعد عني، ابعد عني. متلمسنيش.

لصرخت بهسترية أكبر عندما مد يده نحوها مرة أخرى محاولاً مساعدتها عندما حاولت النهوض وانهارت جالسة مرة أخرى بسبب ارتجاف قدميها. = قولتلك متلمسنيش، متلمسنيش. أسرعت فاطمة نحوها تضمها إليها بلهفة، متمتمة بأذنها بكلمات حنونة محاولة تهدئة شهقات بكائها التي تمزق أنياط من يسمعها. بينما وقف داغر يشعر بكتلة حادة تعتصر قلبه وهو يشاهدها بتلك الحالة. ساعدتها فاطمة على النهوض من ثم ساندتها وصعدوا الدرج.

لحق بهم داغر، لكن توقفت فاطمة مستديرة تطلع نحوه بغضب. = خليك عندك. لتكمل وعيناها مسلطة بغضب على نورا التي كانت تقف خلفه. = عروستك مستنياك، روح لها. من ثم أخذتها وصعدوا الدرج، تاركة داغر يقف كالمشلول يراقبهم حتى لم يعد يستطيع الوقوف هكذا يشاهدها تنهار أمامه دون أن يتحدث إليها ويخبرها بحقيقة الأمر. ولكن ما أن هم بصعود الدرج، وقفت شهيرة بجانبه هامسة بصوت مرتبك. = داغر، أنت رايح فين؟ أنت هتطلع وراها، وتسيب نورا؟

أنت عايز الناس تقول إيه؟ بعدين متنساش لازم تبات النهاردة في أوضة نورا. لكنها ابتلعت باقي جملتها، متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما قاطعها داغر صائحاً بغضب اهتز له أرجاء المكان. = تعرفي تخرسي وتغوري من وشي أنتِ وأختك بدل ما أرتكب جريمة. ثم تركها وصعد الدرج سريعاً لكي يلحق بداليدا، تاركاً شهيرة تتلفت حولها بخوف من أن يكون أحد سمع كلماته الغاضبة تلك.

لتتنفس براحة عندما وجدت البهو خالياً إلا من نورا التي كانت جالسة تطلع نحوها ببرود. اقتربت منها هامسة بصوت منخفض بينما تطلع إليها بقسوة. = مشوفتش في برودك، قاعدة ولا على بالك، ولا كأنك سبب المصايب اللي إحنا فيها دي. هزت نورا كتفيها قائلة ببرود. = عايزاني أعملك إيه يعني، ما اللي حصل، حصل. لتكمل بحدة محاولة التأثير على شقيقتها بينما تتصنع البكاء.

= تحبي أقوم أرميلك نفسي من البلكونة علشان ترتاحي أنتِ وسي داغر بتاعك، وأهو ترتاحي من عاري وقرفي. أسرعت نحوها شهيرة تضمها إليها قائلة بلهفة وخوف. = لا، لا يا نورا، إياكي أسمعك تقولي كده تاني. همست نورا من بين شهقاتها المصطنعة. = أنا زهقت من معاملتكم ليا بالطريقة دي، وكل شوية أنتِ كمان تسمعيني كلام زي السم. قاطعتها شهيرة بينما تمرر يدها فوق شعرها.

= خلاص، خلاص يا نورا، مش هفتح بوقي تاني، وننسى اللي فات، ونبدأ صفحة جديدة. أنتِ دلوقتي بقيتي مرات داغر، حتى لو كان الجوازة صوري ومش شرعي، إلا إنك قدام الناس مراته، وده المهم يا حبيبتي. ضمتها نورا هي الأخرى، راسمًة فوق وجهها ابتسامة متسعة، فقد وصلت إلى كسب عاطفة أختها مرة أخرى، وهذا بداية ما ترغب الوصول إليه.

دلف داغر إلى الجناح الخاص به هو وداليدا، وهو يعد نفسه للصراخ الذي يواجهه من قبلها، لكنه صدم عندما وجد الجناح يغرق بالصمت فارغاً. ليدرك على الفور بأن والدته قد أخذتها إلى غرفتها. خرج مسرعاً متجهاً نحو الجناح الغربي من القصر حيث تقع غرفة والدته. وقف خارج الغرفة عدة لحظات يشعر بالتردد، بينما قلبه يقصف بعنف داخل صدره. زفر بقوة قبل أن يطرق الباب بتردد. وعندما هم بفتح الباب ويدخل.

خرجت والدته من الغرفة سريعاً تدفعه للخارج، مغلقة الباب خلفها بقوة، بينما تقف كحائل بينه وبين الباب. = عايز إيه يا داغر. زمجر بغضب وقد بدأ يفقد السيطرة على هدوئه. = عايز أتكلم مع مراتي. لوت والدته فمها بسخرية، مغمغمة بتهكم لاذع بينما تشير برأسها نحو الأسفل. = مراتك؟! مراتك تحت يا حبيبي مستنياك علشان تقضوا شهر عسلكم، إيه هتاخدها أوروبا زي ما كنت مخططين زمان قبل ما تسيبك وتتخطب للمحرج.

زفر بحدة بينما يبعدها عن طريقه بلطف، يعاكس للنيران المشتعلة بداخله. = ماما، بلاش كلام كتير. ابعدي خليني أدخل لداليدا. لكنها تسمرت في مكانها، رافضة التزحزح من مكانها، مما جعله يهتف بغضب. = ابعدي، ابعدي، لأن قسماً بالله أنا على آخري، ومش عارف ممكن أعمل إيه. قاطعته فطيمة بحدة، بينما تشعر بالصدمة من كلماته تلك، فبحياته بأكملها لم يتحدث إليها بتلك الطريقة الوقحة.

من ثم بدأت تلاحظ الحالة التي كان عليها، فقد كان يبدو كما لو كان تائهاً بائساً لا يدري ما الذي يجب عليه فعله، فاقد السيطرة تماماً على تحكمه وبروده، وهذا ما لم تراه أبداً يعاني منه، فقد كان دائماً صلب بارد في أصعب المواقف التي مرت عليهم. = مش هينفع تدخل داليدا منهارة جوا. لتكمل مخففة من حدة نبرتها عندما رأت النظرة المعذبة التي ارتسمت بعينيه. = سيبها يا داغر دلوقتي. أنا ما صدقت إنها هديت شوية.

لكنه لم يستمع إليها ونحاها جانباً، ودلف إلى الغرفة، مغلقاً الباب خلفه كرسالة واضحة بأن لا تتبعه إلى الداخل. تصلب جسد داغر فور دخوله للغرفة ورؤيته لتلك الجالسة منكمشة على نفسها بإحدى المقاعد، بينما تسند رأسها إلى ظهر المقعد، مغلقة العينين، مستغرقة بالنوم، بينما يصدر نشيج متقطع ومنخفض من بين شفتيها من حين لآخر.

اتجه نحوها بخطوات بطيئة، جالساً على عقبيه أمامها، وقبضة حادة تعتصر قلبه عندما رأى وجهها المحمر والمبتل بالدموع. مرر يده بحنان على خدها، وشعور من الندم والإحباط يسيطر عليه بأنه السبب في انهيارها هذا. فهو كان يعتقد بعد كلماتها إليه بأن أمر زواجه من نورا لن يفرق معها ولن تتأثر به، لكن رؤية انهيارها هذا جعلته يشك في حكمه. فبالتأكيد تشعر بشيء نحوه، وإلا ما كانت انهارت بهذا الشكل.

كرفع يديها إلى فمه، مقبلاً إياها عدة قبلات، بينما يهمس بصوت مرتجف متألم باسمها. رفرفت داليدا بعينيها ببطء، خارجة من آخر أعراض النوبة التي تملكتها، لتجد داغر جالساً أمامها، دافناً وجهه بين يديها التي كان يقبلها بقبلات رقيقة. انتفضت واقفة مبتعدة عنه، مما جعله هو الآخر ينتفض واقفاً يراقبها بعينين مترددة. تراجعت إلى الخلف بحدة عندما رأته يتقدم نحوها، هامسة بصوت حاد غاضب. = اطلع برا.

اقترب منها بينما يفرد يديه أمام جسده، قائلاً بصوت منخفض في محاولة منه لجعلها تهدأ وتستمع إليه. = طيب اهدي، اهدي، وأنا هفهمك كل حاجة. هتفت به بحدة بينما تدفعه بقوة في صدره عندما أصبح يقف أمامها مباشرة، ضاربة إياه بقسوة، مخرجة كل الغضب والألم الذي تشعر به. = تفهمني إيه، تفهمني إنك اتجوزت بنت عمك بعد شهرين من جوازنا، مفكرتش الناس هتقول عليا إيه. لتكمل بقسوة وهي تستمر بضربه، غافلة عن جسده الذي تصلب فور سماعه كلماتها تلك.

= هيقولوا اتجوزتني علشان تغيظها، وأول ما هي فسخت خطوبتها طلعت تجري وراها واتجوزتها، حتى لو كان جوازنا صوري واتفاق، فمش من حقك تعرضني لإهانة زي دي. غمغم داغر بفك متصلب، بينما يقبض على يديه بجانبه، محاولاً التغلب على خيبة الأمل التي عصفت به. = يعني أنتِ، عياطك وتعبك كان بسبب كده بس. أجابته بقسوة بينما تطلع إليه بعينين تلتمع بالدموع التي لم تستطع السيطرة عليها. = طبعاً، اومال هيكون علشان إيه.

ثم أخفضت عينيها سريعاً حتى تخفي كذبها عنه، فكيف تخبره أن سبب انهيارها الألم الذي يمزق قلبها الذي يعشقه، وأن فكرة أنه أصبح لغيرها تجعلها ترغب بالموت، لكنها لن تستطيع خسارة كرامتها أمامه، فيكفي ما تعرضت له بسببه حتى الآن.

ظل داغر يتطلع إليها عدة لحظات بصمت، محاولاً ابتلاع غصة الألم التي تشكلت بحلقه بسبب مرارة خيبة الأمل التي يشعر بها، قبل أن يومأ برأسه معترفاً بخطئه الذي ارتكبه بحقها، فحتى وإن كانت لا تشعر بشيء نحوه، فهذا ليس ذنبها. ليس ذنبها أن مشاعره نحوها مختلفة. = عندك حق، أنا غلطت في حقك، بس.

همست داليدا بصوت مرتجف، تضع يديها فوق أذنيها، بينما تتراجع إلى الخلف، لا تطيق أن تستمع إلى السبب الذي جعله يسرع بالزواج من نورا، فبالتأكيد سيرجع ذلك إلى حبه لها وعدم رغبته بفقدها مرة أخرى. = كفاية، اطلع برا. غمغم داغر بلهفة، مقترباً منها وعيناه مسلطة بقلق على وجهها الذي زاد شحوباً فوق شحوبه، بينما تتأرجح بمكانها كما لو كانت ستفقد الوعي. = داليدا، مالك، في إيه.

دفعته بصدره بحدة، صارخة بهسترية وقد فقدت القدرة على التماسك أمامه أكثر من ذلك. = اطلع برا، اطلع برا. دخلت فاطمة الغرفة فور سماعها صرخات داليدا تلك، اتجهت نحوها جاذبة إياها إلى حضنها بعيداً عن داغر الذي كان واقفاً يتطلع إليها بيأس. ضمتها فاطمة إليها بقوة، مما جعل داليدا تنفجر على الفور ببكاء مرير، هامسة من بين شهقات بكائها. = خليه يطلع برا، أنا مبقتش قادرة أشوفه، أنا بكرهه، بكرهه.

أخذت تردد تلك الكلمات، غافلة عن ذاك الذي شحب وجهها فور سماعه كلماتها تلك، والألم الذي ارتسم بعينيه. أشارت إليه والدته بالمغادرة، بينما تحاول تهدئة داليدا المنهارة بين يديها. أومأ برأسه بصمت قبل أن يستدير ويغادر الغرفة بخطوات بطيئة متعبه. بعد عدة ساعات.

كانت داليدا نائمة بجانب فاطمة التي كانت تحتضنها بحنان، فلم تتركها ولو للحظة واحدة منذ انهيارها بالأسفل، مغدقة إياها بحنانها، معوضة إياها عن والدتها، فقد كانت الشخص الوحيد الذي عاملها بحنان ولطف بعد وفاة والدتها. ابتعدت عنها داليدا ببطء لتستلقي على طرف الفراش، والألم الذي يعصف بداخلها يكاد يدمر روحها.

بسبب تلك الخيالات التي لا ترغب أن تفارقها، فيمر أمام عينيها بكل لحظة مشاهد كما لو كانت حقيقية لنورا وهي بين ذراعي داغر يغدقها بحبه بليلة زفافهم. نبش الألم بمخالبه في قلبها، ممزقاً إياه، أخرجت نشيجاً متألماً، بينما دموعها تغرق وجهها، فمجرد تخيلها له معها بوضع حميمي يجعلها ترغب بالموت حتى تنتهي من حياتها البائسة تلك. نهضت ببطء من فوق الفراش دون أن تصدر صوت حتى لا تزعج فاطمة المستغرقة بالنوم.

تنفست بعمق قبل أن تمسح وجهها من الدموع العالقة بها. اتجهت نحو باب الغرفة وقد اتخذت قرارها. سوف تعود إلى غرفتها وتحزم أمتعتها وتغادر هذا المنزل، لكنها ستنتظر حتى يستيقظ داغر وتطلب منه أن يطلقها. غصة تكونت بحلقها وهي تفكر بأنه هذه المرة سيوافق على تطليقها، فلم يعد يحتاج إليها، حيث استطاع أخيراً الزواج من نورا. توجهت عبر الممر المظلم نحو الجناح الخاص بها وداغر. فتحت الباب ليقابلها الظلام الدامس الذي يغلف المكان.

بحثت بتعثر عن زر الإضاءة بالحائط حتى وجدته لتعم الإضاءة الغرفة. لكن اهتز جسدها بعنف كما لو صاعقة ضربته، عندما وقعت عينيها على نورا التي كانت تستلقي بين ذراعي داغر بفراشها الخاص بها، بينما كان هو الآخر يحتضنها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...