شاهدت نورا وشهيرة بثلاثة رجال يدخلون الغرفة ويتقدمون نحو نورا. تراجعت نورا للخلف بخوف، لكنهم أمسكوا بها وجذبوها للخارج بعنف. صرخت نورا محاولة الاستغاثة بشقيقتها التي ركضت خلفهم صارخة: "واخدين أختي ورايحين على فين؟ سيبوها!
أسرع زكي، الذي دخل الغرفة، وتبعه رجاله الذين قبضوا على ذراع طاهر ولَوَوه خلف ظهره بقسوة، مقيدين حركته. ما إن هم بالتحرك نحو الرجال الذين يسحبون نورا للخارج، حتى هرع أحد الحرس نحو شهيرة وأمسك بها هي الأخرى. انهارت شهيرة وهي تصرخ باكية باسم شقيقتها. اتخذ داغر عدة خطوات نحو مدخل الغرفة، ويده لا تزال تمسك بيد داليدا. أمر الرجال الذين يسحبون نورا بالتوقف.
توقفوا بالحال. بدأت نورا تتطلع إليه بأعين تلتمع بالأمل. تحدث داغر بصوت هادئ وواضح في ذات الوقت، وعيناه مركزتان على عينيها: "نورا محمد محسن الدويري، أنتِ طالق، طالق، طالق بالثلاثة." أكمل متجاهلاً صراخ نورا التي انهارت باكية: "ورقتك هتوصل لأختك." ثم أشار برأسه للرجال بسحبها للخارج.
حاولت شهيرة الوصول إليها مرة أخرى واللحاق بها، لكن منعها رجال داغر الذين حاصروها. التفتت تتطلع بغل وحقد نحو داليدا الواقفة بجانب داغر بوجه شاحب، تتابع كل هذا بأعين متسعة بالصدمة. صرخت بها شهيرة وهي تحاول الإفلات من بين حصار الحرس: "كله بسببك يا حرباية، كله بسببك. وديني لهقتلك وأندمك على اليوم اللي اتولدت فيه."
حدقت بها داليدا بخوف، وأرعبها لهيب الكراهية الذي يلتمع بعينيها. اقتربت لا إرادياً من داغر تستمد منه الاطمئنان والحماية. أحاط داغر كتفيها بيده وضَمَّها إليه، هامساً بأذنها: "متخافيش، أنا معاكي." صرخت شهيرة وهي تتلوى محاولة الإفلات من ذراعي رجال الحراسة الذين يحيطون بها: "فاكرة هترمي أختي في مستشفى المجانين وهسكتلك؟ هخرجها يا ابن الدويري، أنا اللي مسئولة عنها بعد طلاقك لها، مش انت." قاطعها داغر بهدوء، مشدداً
ذراعيه حول داليدا: "المستشفى ملك لرجل أعمال بيني وبينه شغل، يعني استحالة يخرجها إلا بإذني." ليكمل وهو يتطلع إليه بعينين تلتمع بالتحدي والغضب في ذات الوقت: "يعني مش هتخرج من هناك إلا بإذني أنا." صاحت شهيرة به من بين بكائها الحاد: "هرفع عليك قضية، مش هسيبك يا داغر." هز كتفيه ببرود، وجلس على الأريكة مجلساً داليدا بجانبه
وهو لا يزال يحيطها بذراعه: "المحاكم حبالها طويلة. ربنا يديكِ ويدينا طولة العمر." ليكمل وهو يتطلع إليها ببرود، وهي تتلوى على الأرض باكية، وغصة من الألم تسيطر عليه. فطوال حياته كان يعتبر شهيرة شقيقته الكبرى التي يكن لها الاحترام، لكن بعد ما فعلته بزوجته هي وأختها، لن يتهاون معهما أبداً، فقد كادوا أن يتسببوا بمقتلها. قبض على يده بجانبه محاولاً
عدم التأثر بمشهدها هذا: "ده غير إن معايا شهادة من الدكتور إنها هي اللي أجهضت نفسها." صاحت شهيرة بغل وعيناها حمراء كالدماء: "كداااااب! مراتك هي اللي سقطتها، أنت بتعمل كل ده عشان تنقذها، مش كده؟ بس وديني يا داغر، لحصرك عليها." انتفض واقفاً، هاتِفاً بغضب وحدة اهتزت لها أرجاء المكان: "لا انتي ولا عشرة زيك تقدروا تعملوا حاجة." ليصرخ هاتِفاً
بزمجرة شرسة: "زكي، ارمي الاتنين دول بره القصر. ولعلمك، الحساب اللي كنت فاتحه لكِ انتي وأختك، وكنت بتصرفوا منه بالملايين من غير ما أسألكم حتى بتعملوا إيه، اتقفل." تطلعت نحوه شهيرة بأعين تتقافز منها شرارات الكراهية والغضب، بينما كان رجاله يسحبونها للخارج هي وزوجها. ظل واقفاً بمكانه يتطلع إلى أثرهم عدة لحظات، والغضب مشتعل بصدره كنيران موقدة.
لكنه التفت بحدة نحو داليدا عندما سمع صوت شهقات بكائها. اتجه نحوها، يجلس بجانبها، مغمغماً بقلق: "بتعيطي ليه يا داليدا؟ هزت رأسها رافضة إجابته، دافنة وجهها بين يديها، وشهقات بكائها تتعالى بقوة. سحبها بلطف بين ذراعيه يحتضنها، مربتاً على ظهرها بحنان محاولاً تهدئتها، بينما دفنت هي وجهها بصدره تنتحب بصمت. ظلوا على حالتهم تلك حتى هدأت تماماً. رفع وجهها إليه ببطء: "في إيه يا حبيبتي، بتعيطي ليه؟
أخذت داليدا تتطلع إليه بتردد عدة لحظات قبل أن تنطق أخيراً بصوت مكتوم باكي: "هقولك بس مش عايزك تزعل مني." غمغم بهدوء مشجعاً إياها على التحدث، وهو يمسح بيده دموعها العالقة بوجنتيها: "قولي يا حبيبتي، ومش هزعل." همست بصوت مرتعش ضعيف وهي تتطلع بتردد إلى وجهه: "بصراحة، أنا خوفت منك." قاطعها داغر هاتِفاً بصدمة: "خوفتي مني أنا؟ أومأت برأسها وهي تبلل شفتيها المرتجفتين بطرف لسانها،
قبل أن تهمس بصوت منخفض: "اللي حصل النهارده هيخليني دايماً خايفة إني أعمل أي حاجة غلط عشان متطردنيش بره حياتك بسهولة." اختنقت في نهاية جملتها لتنفجر باكية مرة أخرى. أحاط وجهها بيديه، مسنداً جبهته فوق جبهتها، يتشرب أنفاسها بشغف، قبل أن يهمس بصوت رقيق لطيف: "داليدا، أنا عمري ما أقدر أستغنى عنك. ولو عليهم، فهم مش عملوا غلطة عادية ممكن أسامحهم عليها."
"دول عصابة حاولوا يقتلوكي. المفروض كنت سلمتهم للبوليس، بس للأسف مفيش دليل واحد عليهم." وضعت يدها فوق خده تتحسس وجهه برقة، هامسة بصوت منخفض وهي تشعر بالخجل من نفسها: "آسفة يا حبيبي، والله مقصدتش. بس أنا خوفت تبعدني عنك، أنا مقدرش أعيش من غيرك." ابتسم داغر بلطف وهو يطبع قبلة حنونة على رأس أنفها المحمر من أثر البكاء: "ولا أنا أقدر أعيش من غيرك." نهض واقفاً على قدميه، ثم انحنى حاملاً إياها بين ذراعيه، قائلاً بمرح محاولاً
التخفيف عنها: "أعيش من غير جنانك إزاي بس، فاهميني؟ صرخت داليدا ضاحكة عندما دغدغ وجهه بطنها، مما تحاول دفع رأسه بعيداً بيدها وهي تهتف من بين ضحكاتها: "كفاية يا داغر، عشان خاطري." ارتفع برأسه، دافناً إياه بعنقها، يقبله برقة، قبل أن يصعد بها إلى جناحهم الخاص.
بعد مرور أسبوع، كانت داليدا جالسة بغرفتها تتطلع بصدمة إلى يديها التي كانت ترتجف بقوة بدون أي سبب. يداها أو جسدها لا يرتجفان بهذا الشكل إلا إذا انتابتها إحدى النوبات، لكنها الآن بخير، فلما يداها ترتجف بهذا الشكل؟ أخذت تقبض عليها بقوة وتعيد فتحها مرة أخرى، لعل تلك الرجفة ذهبت، لكنها للأسف لم تختفِ.
انتفضت في مكانها بذعر عندما رأت داغر يخرج من الحمام يجرّف شعره بمنشفة، بينما يعقد منشفة أكبر حول خصره. عقدت ذراعيها أسفل صدرها حتى تخفي عنه ارتجافة يدها تلك، فلا تزال تشعر بالحرج والخوف من أن يعلم بتلك النوبات التي تعاني منها، لكنها لم تصبها منذ أن أصبحت علاقتها بداغر جيدة.
راقبته يتجه نحو الخازنة، يخرج منها بدلة عمله، ويبدأ بارتدائها. لكنه التفت إليها وهو يرتدي القميص، يتطلع إليها قائلاً وهو يحاول مشاغبتها عندما وجدها جالسة بمكانها ولم تنهض لمساعدته في ارتداء ملابسه ككل صباح: "إيه يا ديدا، مش هتيجي تساعديني؟ أجابته وهي ترسم ابتسامة فوق شفتيها، بينما تشدد من قبضتها أسفل صدرها لتخفي ارتجاف يديها: "لأ، عايزك تعتمد على نفسك النهارده." ابتسم وهو
يعقد ربطة العنق حول عنقه: "بقي كده يا شعلتي، بتربيني يعني عشان رفضت إنك تخرجي النهاردة من غير الحرس عشان الست أميرة صاحبتك بتتوتر منهم." وقفت داليدا مقتربة منه، وهي تفرج عن يديها التي توقف ارتجافهم: "أنا نفسي بتوتر منهم. تخيلي كده، واحد أطول منك بمرتين وأد ضلفة الباب لازقلك في كل مكان تروحه."
ضحك داغر على وصفها هذا وهو يرتدي سترة البدلة، ليقرر أن يتصنع بالموافقة على أن يجعل الحرس يرافقوها ويقوموا بمراقبتها من مسافة بعيدة دون أن يجعلوها تشعر بذلك. "خلاص يا ستي، متتعصبيش. اخرجي من غير من غير حرس." بس تاخدي بالك من نفسك." صرخت داليدا بفرح وهي تقفز في مكانها، قبل أن ترمي بين ذراعيه تحتضنه، بينما ضمها هو إليها، وابتسامة واسعة تشرق وجهه على سعادتها الطفولية تلك. بعد عدة ساعات بمكتب داغر...
ضرب داغر سطح مكتبه وهو يهتف بقسوة بزكي واثنين من الموظفين الواقفين أمامه بوجهه متعرق من شدة الخوف والتوتر: "ازاااااي المناقصة دي تروح مننا؟ وإزاي الورق ده يوصل لطارق المرشدي ويخليه يقدر يكسب المناقصة بكل سهولة؟ غمغم زكي الجالس بالمقعد الذي أمامه: "يا داغر باشا، الورق ده حضرتك اللي مأمن عليه بنفسك."
رمقه داغر بحدة، بينما يتراجع إلى الخلف في مقعده وهو يطلق لعنة حادة، فبالفعل قد قام بالاحتفاظ بهذا الورق في خزنة مكتبه بالقصر منذ أكثر من شهر، لكن كيف وصلت إلى يدي طارق المرشدي؟ خرج من أفكاره تلك عندما رأى زكي يتطلع إلى شاشة هاتفه بصدمة، ثم ناوله إياه قائلاً بارتباك: "الرجالة اللي بتراقب داليدا هانم بعتت الفيديو ده."
تناوله منه داغر ليصدم عندما رأى فيديو مسجل لداليدا جالسة مع طارق المرشدي بأحد المطاعم. أخذ يتابعه، وكل لحظة به تجعل الدماء تفور وتفور بعروقه. انتفض واقفاً، يلقي الهاتف إلى زكي، مزمجراً بقسوة: "اسألهم هي فين دلوقتي؟ تحدث زكي مع أحد رجاله، ثم أخبره: "روحت البيت يا باشا." أمره داغر بإرسال الفيديو إليه وهو يغادر الغرفة كالإعصار الثائر.
أثناء قيادته الجنونية لسيارته، أتته رسالة على هاتفه من طارق المنشاوي، مما جعله يوقف السيارة ويفتحها سريعاً: "مبروك على المناقصة يا داغر بيه. مش عارف من غير تعاون المدام داليدا كنت هقدر أكسبها إزاي. بس ونعمة الزوجة بصراحة، مش خسارة فيها الـ 8 مليون جنيه اللي خدتهم تمن الورق."
ألقى داغر الهاتف من يده وهو يصرخ بغضب، ضارباً مقود السيارة بيديه، وهو يطلق لعنات وسباب حادة. ظل على حالته تلك عدة لحظات، قبل أن يتناول هاتفه مرة أخرى، ويفتح منه الحساب الخاص لداليدا، ليجد أن الأموال قد عادت إلى حسابها مرة أخرى، بالإضافة إلى 8 مليون آخرين تم إضافتهم منذ أقل من ساعة. قاد السيارة بأقصى سرعة لديه، واتجه نحو القصر وهو شبه لا يرى أمامه من شدة الغضب.
كانت داليدا واقفة أمام المرآة تمشط شعرها وهي تغني مبتسمة، عندما فتح باب الجناح فجأة ودلف داغر. ألقت الفرشاة من يدها سريعاً، وركضت نحوه تحتضنه كعادتها عندما يعود للمنزل، لتهتف وهي تتجه نحوه، تهم بعقد ذراعيها حول عنقه وتضمه إليها: "حبيبي واحشتني... ولكنها ابتلعت باقي جملتها، صارخة بألم عندما قام داغر بنفض ذراعيها بعيداً عنه، قابضاً على شعرها بيده يجذبه بقوة، وعيناه تنطلق منها شرارات الغضب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!