كان داغر يحتوي جسد داليدا بين ذراعيه يرقصان ببطء على نغمات الموسيقى الهادئة بساحة الرقص المخصصة بحفل زفاف زكي وسارة، زوجته التي تصادقت عليها داليدا مؤخرًا. مررت داليدا يديها برفق على ظهر داغر العريض قائلة بابتسامة مشرقة: = شوفت زكي وسارة فرحوا إزاي بالإجازة اللي أدتها لزكي؟ شهرين في جزر الكاريبي. ثم أكملت وهي تضع يدها على خده: = حبيبي أبو قلب طيب. قبل داغر باطن يدها قائلاً:
= معملتش حاجة. ودي أقل حاجة زكي يستاهلها. معايا أكتر من 10 سنين وعمره ما طلب إجازة يوم لنفسه. وتعتبر روحي في إيديه. أي حد عايز يوصل لي كان زمانه وصل لي عن طريق زكي. بس زكي راجل وأنا عارف إني أقدر أعتمد عليه. وعارف برضه إنه وقت الجد هيفيدني برقَبته. علشان كده أنا موصيه عليكي وعلى يامن لو حصلي أي حاجة ياخد باله منكم. وضعت داليدا يدها على فمه تمنعه من تكملة جملته هاتفة بصوت مختنق: = بعد الشر عليك. ليه كده يا داغر؟
حرام عليك. دفنت وجهها بصدره تضمّه بقوة إليها، تشعر بقلبها ينقبض بداخلها فور سماعها كلماته القاسية هذه. ضمّها هو الآخر إليه مقبلاً رأسها قائلاً بمرح: = خلاص يا ديدا بلاش دراما. إحنا في فرح. ثم أخذ يتحدث معها بلطف ومرح، أخراجها من حالة الحزن التي تملكتها، لينجح في هذا بصعوبة في نهاية الأمر. بعد أن قاموا بتوصيل زكي وزوجته إلى المطار، قاد داغر سيارتهما بنفسه، بينما تتبعه السيارة الخاصة بالحرس.
لكن في أثناء الطريق، تطلعت داغر بالمرآة الجانبية للسيارة، لم يجد سيارة الحرس تتبعه. ليجد سيارة نقل كبيرة تعارض سيارة الحرس من العبور، ليفهم داغر على الفور بأن هناك مكيدة قد نُصبت لهم. أمر داليدا الجالسة بجانبه بصوت حاد: = انزلي براسك تحت ومتطلعيش إلا لما أقولك. تطلعت داليدا إليه بارتباك وهي لا تفهم شيئًا مما يحدث قائلة بخوف: = فيه إيه يا داغر؟ قاطعها داغر بغضب، بينما يضع يده على رأسها يخفضه لأسفل: = واطي راسك. قلتلك.
أطاعته داليدا سريعًا، وقد بدأ قلبها يخفق برعب عندما رأته يزيد من سرعة السيارة. راقبته يتحدث في الهاتف بغضب: = انتوا فين يا متولي؟ أجابه متولي بصوت مرتفع، بينما كان يوجد في الخلفية صوت لإطلاق أعيرة نارية: = عربية نقل وقفت في نص طريقنا وفيها مسلحين نزلوا منها. وإحنا بنحاول نخلص منهم. ليكمل صارخًا بصوت: = كمل طريقك يا داغر باشا ومتقفش. ده كمين ومعمول لك.
ألقى داغر الهاتف من يده وهو يطلق لعنة حادة، بينما يزيد من سرعة قيادته للسيارة، لكنه أوقفها بقوة عندما ظهرت أمامه فجأة سيارة نقل ضخمة أغلقت الطريق أمامه. أخفض عينيه بعجز نحو داليدا التي كانت تبكي برعب ووجهها قد شحب بشدة. أمسك يدها بيده يقبض عليها بقوة، وهو يفكر بأنه لا يمكنه جعلهم يلمسوا شعرة واحدة منها.
تراجع بالسيارة إلى الخلف بقوة ينوي الهرب، لكن اصطدمت سيارته بسيارة أخرى كانت تسد الطريق على سيارته. ليعلم وقتها أنه لا يوجد مفر أمامه من الأمر المحتوم. انحنى على داليدا قائلاً بصرامة: = مهما حصل، إياكي تخرجي من العربية. أمسكت داليدا بيده تتشبث بها بقوة وهي تبكي بهستيريا: = داغر انت رايح فين؟ لا، علشان خاطري متخرجش. هيموتوك.
قبل رأسها بحنان محاولاً بث الاطمئنان بها، لكن كان هذا أقصى شيء يستطيعه فعله لها، فليس معه الوقت لكي يهدئها. أسرع بتناول سلاحه من درج السيارة، ثم دلف ببطء من السيارة قبل أن يهاجموها وداليدا بداخلها. أطلق الرصاص سريعًا على رجل قد دلف من السيارة التي أمامه، ليسقط صريعًا في الحال.
ثم بدأ بتبادل إطلاق النيران مع اثنين آخرين من المسلحين الذين دلفوا من السيارة، نجح داغر بقتلهم، لكنه استدار على الفور عندما شعر بأحدهم خلفه، ليجد رجلاً ضخم يقف خلفه مباشرة. هم داغر أن يطلق عليه النيران، لكن نفذت ذخيرة مسدسه. فلم يجد أمامه إلا أن يهجم عليه ويطيح بقدمه مسدسه الذي كان بيده. أخذوا يتبادلون الضربات حتى سقط الرجل أرضًا، غارقًا في دمائه.
لكن لم يكتفِ داغر بذلك، حيث قبع فوقه يسدد له الضربات بوجهه حتى غاب تمامًا عن وعيه. لكن وقع قلبه داخل صدره بفزع فور أن وصل إليه صوت صراخ داليدا. ارتفع على قدميه سريعًا، متجهاً نحو سيارته، ليجد أحد الرجال يحاول إنزالها من السيارة، لينجح بالأمر ملقيًا إياها بقسوة على الأرض. اندفع داغر نحوهم يهاجم هذا الرجل، يسدد له الضربات، لكن فجأة شعر بضربة قوية على رأسه تأتيه من الخلف.
شعر داغر بالعالم يدور من حوله، لكنه حاول التماسك من أجل زوجته التي كانت ملقية على الأرض. شاهدها بأعين زائغة وقد تشوش بصره.
4 من الرجال يتجهون نحوها، ليسرع داغر بخطوات مبعثرة ملقيًا بجسده فوق جسد داليدا محاولاً حمايتها، ليشعر بعدها بالضربات تصيب جسده من جميع الاتجاهات، لكنه لم يبالِ، حيث غطى بجسده جسد زوجته يحميها هي وطفله من أي ضربة قد تصيبها. توالت الضربات القاسية على أنحاء جسده، لكنه رغم ذلك حاول التماسك، وفكره تسيطر عليه بأنه سيفقد زوجته وطفله إذا استسلم وأغلق عينيه.
لكنه لم يستطع الصمود أمام إحدى ضرباتهم التي أصابت رأسه، حيث كانت القاضية بالنسبة إليه. لينهار جسده كالجثة الهامدة فوق جسد زوجته التي كانت تصرخ بأعلى صوت لديها بفزع وخوف عليه عندما رأت دماءه تسيل مغرقة جسدها والأرض من حولهم. كانت داليدا جالسة بجانب فراش المشفى الذي يرقد عليه داغر، الذي كان غارقًا في غيبوبة منذ يوم الحادث، أي منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.
ارتجف جسد داليدا بالخوف فور تذكرها لأحداث هذا اليوم الذي كادت أن تفقد به حياتها وحياة زوجها. فبعد أن سقط داغر غائبًا عن الوعي بعد تلقيه لضربات هؤلاء الرجال، دفعوا جسده من فوق جسدها، ساحبين إياها رغم مقاومتها لهم وصراخها إلى السيارة الخاصة بهم محاولين خطفها.
لكن أتتها المساعدة من الله في آخر لحظة، حيث ظهر رجال الحرس الخاصين بداغر، الذين ما انتهوا من الرجال الذين اعترضوا طريقهم، انطلقوا إلى موقع سيارة داغر الذي حدده جهاز التعقب الذي بها. ليبدأوا على الفور بالتشابك مع هؤلاء البلطجية المرتزقة، وقد أسرع أحد الحرس بالركض نحو داليدا حيًا، قام بإدخالها إلى السيارة الخاصة بهم حتى يحميها من تلقي أي ضربات.
ولم يستغرق التشابك بينهم لوقت طويل، حيث أنهى رجال داغر أمر هؤلاء الرجال في أقل من 5 دقائق. ليسرعوا بعدها باصطحاب داغر، الذي كان لا يزال فاقد للوعي، إلى المستشفى. ليشخص الطبيب بوجود عدة إصابات ورضوض منتشرة بأنحاء جسده، كما أصيب بارتجاج بالمخ أدى إلى دخوله في غيبوبة، والتي لم يفق منها حتى الآن. أما هي، فقد أصيبت ببعض الكدمات فقط، وتم فحص طفلها، حيث أكد الطبيب لها أنه بخير ولم يصب بأي أذى.
ومنذ تلك الليلة، لم تفارق داليدا داغر ولو لدقيقة واحدة، رافضة مغادرة المستشفى، حتى اضطر الطبيب، الذي أخبرها أنه كان صديقًا لوالد داغر، عندما يأس من إقناعها من المغادرة والعودة إلى المنزل. حيث أمر الممرضات بوضع مقعد يتم فرده ليصبح كالسرير، حتى تستطيع النوم عليه بغرفة داغر.
وكانت داليدا تظل طوال الوقت قابعة بجانبه، تمسك بيده بين يديها، تتحدث إليه كما لو كان واعيًا ويستمع إليها. فقد كانت تحدثه عن ذكرياتهم ومواقفهم سوياً، وعن كل شيء يحدث من حوله، فقد أخبرها الطبيب أن هذا الأمر ينجح في كثير من الأحيان. كما كانت في كثير من الأحيان تضع يده على بطنها المنتفخة حتى يشعر بحركة طفلهم. رفعت داليدا يده الممسكة بها، مقبلة إياها بحنان، وهي تهمس بصوت مختنق: = فوق يا حبيبي... فوق عشان خاطري...
يامن خلاص قرب يجي... أفلتت شهقة ممزقة منها، وقد بدأت تنهمر دموعها على خديها، وهي تكمل بصوت باكي ممزق: = يرضيك يجي... وما يلاقش بابا مستنيه... أخذت تقبل يده قبلات متتالية، مسندة جبهتها عليها، وهي تدعو الله بأن يعيده إليها وإلى طفلهم.
لكنها انتفضت في مكانها، ملطقة صرخة منخفضة، عندما شعرت بألم حاد يضربها أسفل بطنها. وضعت يدها فوقها، محاولة التنفس بقوة، لكن ازداد الألم، مما جعلها تنحني على نفسها، ممسكة ببطنها المنتفخة، والرعب قد زلزل داخلها خوفًا من أن يكون طفلها قرر القدوم في هذا الوقت. فهي لا تزال في بداية الشهر الثامن من الحمل، كما أنها لا يمكنها الولادة الآن، فيجب أن يكون داغر معها وبجانبها في هذا الوقت.
شهقت بقوة، وهي تهمس من بين أنات ألمها، وقد بدأ العرق يتصبب من عنقها: = لا... لا عشان خاطري.. يا حبيبي استحمل شوية..... لسه بدري... دلف الطبيب عزت إلى الغرفة ليجد داليدا على حالتها تلك، غمغم بقلق: = خير يا داليدا هانم.. مالك في إيه؟ أجابته داليدا بأنفاس لاهثة، والالم يزداد بقوة عليها: = بطني... بطني مش قادرة...
ضغط سريعًا على الزر الذي بجانب فراش داغر، لتدخل الممرضة على الفور إلى الغرفة، ليأمرها بأن تصطحب داليدا إلى طبيب النسا التي تتابع معه، لكي يقوم بفحصها في الحال. بعد عدة دقائق. كانت داليدا مستلقية على الفراش، تراقب الطبيب المتخصص بأعين متسعة بالخوف، وهو يقوم بفحصها. همست بصوت مرتجف عندما رأته قد انتهى من فحصه لها: = ده طلق مش كده.. هولد دلوقتي؟ أجابها الطبيب بهدوء وهو يبتسم، محاولاً طمأنتها، فقد كان يعلم الحالة التي
تمر بها بسبب مرض زوجها: = لا... متقلقيش لسه بدري.. بس انتي محتاجة ترتاحي... مينفعش اللي انتي بتعمليه في نفسك ده... وافقته الممرضة التي اصطحبتها إلى هنا بوقت سابق: = قولي لها يا دكتور... دي مبتنمش.. ولا بتاكل، دايما قاعدة متصلبة جنب جوزها.... هز الطبيب رأسه قائلاً: = مينفعش... مينفعش يا داليدا هانم... كده مش كويس لا علشانك ولا علشان البيبي... انتي محتاجة ترتاحي فترة... لازم تروحي البيت. هزت داليدا رأسها
قائلة بصوت مختنق بالدموع: = لا مش هسيب داغر لوحده... مش هينفع أسيبه. زفر الطبيب بإحباط، بينما يتطلع بشفقة إلى وجهها الشاحب، والدموع المحتبسة بعينيها المحتقنة: = خلاص هحجز لك أوضه هنا علشان تبقي جنب داغر بيه في نفس الوقت... بس توعديني مترهقيش نفسك وتاكلي وتنامي كويس. أومأت له داليدا بالموافقة، فهي يجب عليها أن تهتم بصحتها من أجل طفلها، ومن أجل زوجها عندما يفيق ويعود إليها. بعد مرور عدة أيام.
كانت داليدا خلال تلك الأيام تتردد باستمرار على غرفة داغر، تطمئن عليه، وتجلس تحدثه كما اعتادت دائمًا. لكنها كانت تحاول في ذات الوقت أن تحصل على عدة ساعات من النوم والراحة من أجل طفلها. وفي ذات يوم، كانت نائمة على الفراش بغرفتها في المستشفى، تحاول الحصول على بضع ساعات من النوم حتى تعود مرة أخرى لزوجها، عندما سمعت طرقًا على الباب، لتدلف بعدها الممرضة بوجه مبتسم مشرق، هاتفة بسعادة: = داغر بيه فاق يا داليدا هانم.
فور سماع داليدا تلك الكلمات، انتفضت واقفة من فوق الفراش، هاتفة: = بجد.... داغر... فاق...
أومأت لها الممرضة بالإيجاب، مبتسمة بتعاطف، عندما رأت داليدا تنفجر باكية، وهي تحاول بتعثر ارتداء معطفها وعقد حجابها حول رأسها. لتقترب منها مساعدة إياها في عقده، فقد كان جميع العاملين بالمستشفى يتعاطفون معها، فلم يروا امرأة في وضعها المتقدم هذا من الحمل، وترفض مفارقة زوجها طوال شهر كامل، وكلما دخلوا إلى غرفة زوجها يجدوها تبكي أو تتحدث إليه كما لو كان مستيقظًا ويستمع إليها. ربتت الممرضة على ذراعها برفق، قائلة بمرح،
محاولة تهدئتها: = اهدي يا داليدا هانم... ولا عايز داغر بيه أول لما يصحي يشوفك منهارة كده. محت داليدا الدموع العالقة بوجهها، قائلة بابتسامة مشرقة: = صح عندك حق.. مفيش دموع خلاص الحمد لله إنه قام بالسلامة، ده عندي بالدنيا وما فيها. أسرعت بارتداء حذائها سريعًا، ثم خرجت من الغرفة شبه راكضة بالممر، وقلبها يرتجف بداخل صدرها من شدة اشتياقها ولهفتها إليه.
دلفت إلى الغرفة الخاصة به، وعينيها الجائعة تبحث عنه، لتشعر بقلبها يكاد أن يقفز من داخل صدرها فور رؤيتها له جالسًا على الفراش مستيقظًا، يتحدث إلى الطبيب عزت، صديق والده، غافلاً عن وجودها. اقتربت من الفراش بخطوات مرتجفة، هامسة باسمه. رأته بأعين متلهفة يدير رأسه نحوها، قائلاً وهو مقطب الحاجبين: = أيوه....
ارتبكت داليدا من ردة فعله الباردة تلك، فلم تكن تتوقع أن تكون هذه رد فعله عندما يراها، لكنها تجاهلت هذا، فكل ما يهمها أنه استيقظ وأصبح بخير. اقتربت منه أكثر، ممسكة بيده، تضغط عليها برفق: = حمدلله على سلامتك... مش متخيل أنا...... قاطعها داغر، نازعًا يده من يدها، قائلاً بصوت مرتبك، بينما يلتف إلى الطبيب عزت: = هو في إيه مين دي يا دكتور عزت؟
شعرت داليدا بقلبها يهوي داخل صدرها فور سماعها كلماته تلك، وهي لا تصدق بأنه نطق بها. ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها، هامسة بصوت مرتعش: = هو انت... انت مش عارفني؟ تطلع إليها داغر بتركيز عدة لحظات، قبل أن يغمغم ببرود: = لا مش عارفك... إيه هو المفروض إن أعرفك ولا حاجة...... رفعت داليدا وجهها الشاحب للطبيب، قائلة بنبرة ممزقة، وهي على وشك الانهيار، وقد بدأت الأرض تميد من تحتها: = بيقول مش عارفني.... إزاي... مش عارفني....
اقترب منها الطبيب، هامسًا لها بصوت منخفض، حتى لا يصل إلى داغر: = اسبقيني على برا يا داليدا هانم، وأنا هفهمك كل حاجة. ثم أشار برأسه إلى الممرضة التي كانت تقف خلف داليدا، والتي أسرعت بالإمساك بها قبل أن تنهار على الأرض، مساعدتها في الخروج من الغرفة. بينما راقب داغر انهيار تلك المرأة بعقل مشوش، هتف بحدة لعزت: = مين دي يا عزت ما تفهمني في إيه بيحصل. أجابه عزت بارتباك: = اهدي بس يا داغر بيه. ليكمل بتردد:
= الظاهر كده إنك...... إنك عندك مشكلة في الذاكرة. ليكمل سريعًا، عندما رأى وجه داغر يحتد بغضب: = إيه آخر تاريخ انت فاكره؟ أجابه داغر بعد تفكير قليل: = كان آخر حاجة 3/5/2020. أومأ الطبيب برأسه، مهمهمًا بصوت منخفض، وهو يسجل شيئًا بالدفتر الذي بيده: = فهمت. قاطعه داغر بحدة، وهو يلوح بيده في وجه عزت: = فهمت إيه بالظبط... ما تقول في إيه؟ أجابه عزت بارتباك: = داغر بيه، تاريخ النهاردة هو 1/8/2021. ليكمل موضحًا له:
= يعني في أكتر من سنة و3 شهور مفقودين بالنسبالك ومش فاكرهم. اتسعت عينا داغر بالصدمة فور سماعه هذا، وعقله المشوش المتعب يجد الصعوبة في فهم معنى كل هذا. أغمض عينيه، وهو يرجع برأسه التي اشتد ألمها إلى الخلف، يستند إلى الوسادة، فاركًا بيديه جبينه، محاولًا التخفيف من الألم الذي عصف به. مما جعل الطبيب يأمر الممرضة الواقفة بجانبه أن تحقنه بمسكن ومهدئ، وتتركه يرتاح. في ذات الوقت. كانت داليدا جالسة في ممر المستشفى تبكي،
وهي تهمس بصوت ممزق بالألم: = مش فاكرني.... داغر مش فاكرني... طيب إزاي.... ده آخر حاجة كان معايا..... إزاي ينساني. احتضنتها الممرضة، التي أخذت تربت على ظهرها، شاعرة بالأسف على حالتها تلك. لكن انتفضت داليدا مبتعدة عنها، واقفة على قدميها، عندما رأت الطبيب عزت يقترب منهم. اتجهت إليه، هاتفة من بين شهقات بكائها: = إزاي مش فاكرني... ده أنا مراته.... لتكمل بشبه هستيريا، وهي تضع يدها فوق بطنها المنتفخة: = حتى يامن...
حتى يامن مش فاكره، طيب إزاي.... ربت الطبيب عزت على كتفها بهدوء: = اهدي.. يا داليدا هانم وتعالي. معايا.. وأنا هفهمك على كل حاجة. ثم قادها نحو غرفتها بالمستشفى، حيث اتبعته داليدا، وهي شبه مغيبة من شدة الصدمة والبكاء. أجلسها بهدوء على الفراش، بينما جلس بالمقعد أمامها. = داليدا هانم داغر بيه بيعاني من فقدان مؤقت بالذاكرة. قاطعته داليدا بحدة، وهي تمسح الدموع العالقة بوجنتيها بيدها المرتجفة: = عارفه...
عارفه إنه عنده فقدان للذاكرة. لتكمل، وقد بدأ صوتها يتهدج بالدموع مرة أخرى: = بس إزاي ينساني ده أنا مراته... داغر روحه فيا... استحالة ينساني بالساهل كده، أكيد في حاجة غلط...... أومأ عزت برأسه قائلاً: = ما هو ده السبب... داغر كان آخر موقف له معاكي كان بيحاول يحميكي من البلطجية اللي طلعوا عليكوا...
وغصب عنه لما غاب عن الوعي، آخر حاجة ترجمها دماغه إنك هتموتي على إيد البلطجية دول، طبعًا ده على حسب كلامك ووصفك للحادثة. طبعًا هو ما يعرفش إن الحرس بتوعه تدخلوا وأنقذوكي، فلما فاق عقله عمل حاجز، وحاول ينسى خوفًا من إنه يتأذى لما يعرف إنك متتي أو حصلك حاجة. انهمرت الدموع من عينيها بغزارة فور سماعها تحليل الطبيب للأمر، هامسة بصوت مرتعش ينبثق منه القهر والألم: = يعني إيه... يعني داغر هيفضل ناسيني... مش هيفتكرني أبدًا...
ولا هيفتكر ابننا. أجابها عزت بهدوء: = لا طبعًا... بياخد شوية وقت لما يفتكر. في حالات الذاكرة بترجع له بعد يوم، بعد يومين، بعد أسبوع، شهر، سنة... انتفضت داليدا واقفة وهي تهتف بينما تتجه نحو باب الغرفة. = سنة! إيه! أنا مش هقدر أتحمل إنه يفضل ناسيني دقيقة واحدة. أنا هروح له وهقول له كل حاجة وهخليه يفتكرني. أوقفها صوت عزت الحاد. = اياكي... اياكي تعملي كده. ليكمل وهو يحاول رسم الجدية على وجهه المخادع.
= لو حاولت تفكريه بالغصب، ممكن يحصله انتكاسة ويرجع للغيبوبة من تاني. وساعتها يا عالم هيفوق منها ولا لأ. لازم الذاكرة ترجع له واحدة واحدة ومن نفسها. تجمدت خطوات داليدا عند الباب فور سماعها كلماته تلك. فهي بالطبع لن تقوم بإيذائه. فالموت أرحم بالنسبة إليها من فعل أي شيء يؤذيه.
تراجعت ببطء وخطوات متهدلة نحو الفراش مرة أخرى، تنهار جالسة عليه بتثاقل. تتطلع أمامها بأعين ملبدة بالبؤس والألم. فعالمها بأكمله ينهار من حولها، ولا تعلم ما الذي يجب عليها فعله. بينما وقف الطبيب أمامها يتطلع إليها بصمت عدة لحظات قبل أن يغمغم. = داغر مش لازم يعرف إنك مراته...
لحد ما هو يفتكر بنفسه. وأي حاجة طبعاً تانية برضو هو ناسيها. بأكد عليكي تاني يا داليدا هانم، أي حاجة هتغصبيه إنه يفتكرها هتؤدي إلى دخوله في غيبوبة مرة تانية. صمت عندما هزت رأسها المنحني ببطء وهي لازالت تتطلع أمامها بعينيها المحتقنة والدموع تتسرب منها بلا حول ولا قوة. غمغم وهو يتجه نحو باب الغرفة مغادراً، وهو يتطلع إلى جهاز صغير بيده. = عن إذنك، مضطر أسيبك. في مريض محتاجني.
ثم غادر الغرفة سريعاً، متجهاً إلى مكتبه. مخرجاً هاتفه من جيب معطفه الطبي، واضعاً إياه على أذنه قائلاً. = هاااا، سمعتي بودانك يا شهيرة. اطمنتي إنها هتخاف تفكره بأي حاجة. أجابته شهيرة التي كانت على الطرف الآخر من الهاتف منذ أن خرج الطبيب من غرفة داغر وأخبرها عن حالة فقدان الذاكرة التي يعاني منها. حيث أصرت أن تظل معه على الهاتف أثناء محادثته مع داليدا، حتى تستطيع سماع ما يدور بينهم.
= أيوه سمعت. وحقك هيوصلك زي ما اتفقنا، متقلقش. ثم أغلقت الهاتف دون أن تنتظر إجابته. بعد مرور عدة ساعات. دلفت إلى غرفة داغر داليدا بوجهها الشاحب وجسدها الذي أصبح هزيل بسبب إهمالها في طعامها طوال الشهر الماضي. بخطوات هادئة حتى لا تتسبب في إيقاظه. فور أن أعلمتها الممرضة بنومه، أسرعت بإنتهاز تلك الفرصة لكي تطمئن عليه.
وقفت على بعد عدة خطوات من فراشه تتطلع إليه بأعين مشتاقة. اقتربت منه على أطراف أصابعها محاولة عدم إصدار أي صوت. وجلست بهدوء على المقعد الذي بجانب فراشه، والذي كانت تشغله طوال الشهر المنصرم. ظلت جالسة تتطلع إليه بصمت وعقلها يدور بدوائر مفرغة، لا تدري ما الذي يجب عليها فعله. فهي تشعر بأنها وحيدة تماماً. ربتت على بطنها بحنان ولطف عندما شعرت بحركة طفلها بداخلها، كما لو كان يخبرها أنه معها. سقطت دمعة من عينيها.
فقد لم يتبق سوى عدة أسابيع على موعد ولادتها. كيف ستفعلها دون داغر أن يتذكرها أو يتذكر حتى طفلهم. أغمضت عينيها تدعو الله بصمت أن يتذكرها زوجها في أسرع وقت قبل موعد ولادتها. فهي لا ترغب بأن يأتي طفلهم إلى الحياة دون أن يستقبله والده ويرحب به.
شعرت بغصة تمزق قلبها فور تذكرها مدى لهفة داغر في السابق لاستقبال طفلهم. فقد كان يأخذها بين ذراعيه ويظل يحكي لها ما الذي ينوي فعله في اليوم الذي سيحمل طفلهم بين ذراعيه. فقد كان كما لو أنه طفل صغير ينتظر يوم العيد. أسرعت داليدا بالنهوض بخوف وارتباك عندما بدأ داغر يتلملم في نومه. لتغادر الغرفة في الحال. فقد كانت خائفة من مواجهته عندما يستيقظ. فماذا ستجيبه إذا سألها من هي؟
فلم يعد لديها إجابة لسؤاله هذا بعد تحذير الطبيب لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!