في اليوم التالي... كانت داليدا جالسة على الأريكة بجناحها الخاص تشاهد التلفاز بأعين زائغة وعقلها شارد. تتذكر كل ما حدث بالأمس، فقد عاد داغر بعد أن غاب لأكثر من أسبوع، يتعامل معها بكل هدوء كما لو أنه لم يقذفها بأسوأ الاتهامات بأنها من أرسلت تلك الصورة إلى خطيب نورا. لكنها تعلم جيدًا بأنه هو من قام بإرسالها، فقد اعترف بنفسه أن تلك الصورة غير موجودة إلا بهاتفه الشخصي.
ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها، بينما تضغط بأسنانها على جانب خدها الداخلي محاولة منع الدموع الكثيفة التي تجمعت بعينيها من السقوط. عند تذكرها لوضعهم الحميمي بتلك الصورة، فقد كانت نورا تقبله براحة، معانقة إياه بتملك. لم يكن من حقها هي زوجته الشعور به نحوه، لكنها تعلم جيدًا بأنه ملك لنورا التي لا يزال يعشقها.
تنفست بقوة، ماسحة الدمعة التي تسربت فوق خدها، معنفة نفسها بقوة. فهي لن تبكي من أجله مرة، فيكفي ما ذرفته من دموع خلال الأسبوع الماضي. فقد وعدت نفسها بأنها لن تجعل حبها له يضعفها بعد الآن، فسوف تعامله مثل معاملته اللامبالية الباردة.
اعتدلت في جلستها سريعًا، مسلطة عينيها على التلفاز متصنعة المشاهدة عندما سمعت باب الجناح يفتح، لتعلم أن داغر قد عاد من عمله. لكن تغضن وجهها بالتفكير، فلا يزال الوقت مبكرًا على انتهاء عمله، فالساعة لم تتجاوز الـ 5 مساءً بعد. راقبته بطرف عينيها وهو يدلف إلى الغرفة، فقد كان شعره مبعثرًا ويرتسم على وجهه الاقتضاب. لكنها حولت انتباهها إلى شاشة التلفاز عندما رأته يتجه نحوها.
جلس داغر بجانبها على الأريكة، لكن تشدد جسدها بصدمة عندما جذبها من ذراعها بصمت بين ذراعيه، محتضناً إياها بقوة، دافناً وجهه بعنقها. همست بتردد عندما شعرت بجسده يرتجف: "مش، مش قولتلك متلمسنيش." لكنه لم يجيبها وظل محتضناً إياها فترة طويلة قبل أن يزفر ببطء مبتعداً عنها. راقبته داليدا بقلق قبل أن يردف بهدوء وقد استعاد قناعه الهادئ: "داليدا عايز اتكلم معاكي."
ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها قبل أن تتمتم بحدة، محاولة عدم التأثر بقربه منها، مذكرة نفسها بوعدها لنفسها: "نتكلم في ايه؟! أجابها بينما يقبض على يديه بجانبه بقوة دلالة على توتره: "عن جوازنا." غمغمت داليدا بحدة بينما تقبض بقوة على جهاز التحكم الخاص بالتلفاز، وقد تبخر قلقها عليه، فقد كانت تعلم ما يرغب بقوله: "ايه نويت تطلقني خلاص مش ك... قاطعها داغر بقسوة وحدّة: "طلاق إيه اللي بتتكلمي عنه." عقدت ذراعيها أسفل صدرها
مجيبة إياه بقسوة مماثلة: "ما هو مفيش حاجة بيني وبينك ممكن نتكلم فيها غير الطلاق." زمجر داغر بحدة بينما يضيق عينيه عليها: "انتي شايفه إن مفيش أي حاجة بيني وبينك ممكن نتكلم فيها غير الطلاق اللي... أجابته ببرود يعاكس النيران المشتعلة داخل صدرها: "لا إزاي طبعاً فيه، فيه فلوس. والعقد اللي معاك والـ 20 مليون جنيه." لتكمل بينما تنحني تلتقط صحن المقرمشات من فوق الطاولة التي أمامها:
"ومدام مش هتتكلم في الطلاق فمعلش يا داغر خليني أركز في الفيلم أحسن." لتردف بينما ترسم ابتسامة واسعة على وجهها: "ما تتفرج معايا ده فيلم تحفة هيعجبك." من ثم سلطت انتباهها على التلفاز متصنعة مشاهدة الفيلم، بينما تحاول السيطرة على الدموع التي تجمعت خلف عينيها حتى لا تزعزع قوتها الهشة التي رسمتها أمامه. ظل داغر يتطلع إليها عدة لحظات وعلى وجهه يرتسم تعبير غريب، قبل أن يغمغم بصوت مختنق أجش:
"مدام مش شايفني غير شوية فلوس وعقد بيني وبينك يبقي اللي كنت هقولهولك ميخصكيش ولا يهمك في حاجة اللي هعمله." ثم انتفض ناهضاً، تاركاً الغرفة، مغلقاً الباب خلفه، تاركاً إياها تتطلع إلى أثره بحسرة قبل أن تنفجر في بكاء مرير. بعد عدة ساعات...
كانت داليدا واقفة أمام المرآة تعدل من حجابها حتى تنزل للأسفل وتحضر شيئاً تأكله حتى تسكت معدتها الثائرة، فهي لم تتناول أي طعام اليوم. عندما سمعت طرقاً على الباب لتدلف بعدها صافية بوجه محتقن متغضن قائلة بصوت منخفض: "شهيرة هانم عايزاكي تحت يا داليدا هانم." عقدت داليدا حاجبيها قائلة بينما تضع الحجاب على رأسها: "ودي عايزاني في إيه؟! اقتربت منها صافية كما لو كانت تهمس لها بشيء ما، لكنها تراجعت مرة أخرى قائلة بتردد:
"مش عارفة يا هانم، هي مستنياكي تحت." أومأت داليدا برأسها قائلة: "طيب يا صافية روحي انتي وأنا جايه وراكي." لتهمس وهي تتأكد من أن حجابها يغطي شعرها بأكمله خوفاً من نظرات طاهر التي تلاحقها: "يا ترى العقربة دي عايزة مني إيه."
تنهدت ببطء قبل أن تتناول هاتفها وتهبط إلى الأسفل. لكن تجمدت خطواتها فور أن وصلت إلى آخر الدرج عندما رأت ما جعل الدماء تفر من عروقها، فقد كان داغر جالساً بجانب أحد الرجال، بينما نورا تجلس بالجهة الأخرى من هذا الرجل الذي كان يمسك بيده دفتراً كبيراً مناولاً إياه لها قائلاً ببشاشة: "امضي هنا يا عروسة." من ثم التف إلى داغر بعد أن مضت نورا على الدفتر: "امضي هنا يا عريس." ثم ختم كلامه بابتسامة واسعة بعد أن مضى
داغر على الدفتر هو الآخر: "بارك الله لكما، وبارك عليكم." فور فهمها ما يحدث، شعرت كما لو عالمها بأكمله ينهار من حولها. انهارت جالسة على الدرج، وقد بدأت الأرض تميد تحت قدميها، بينما أنفاسها أصبحت ثقيلة متباطئة. شعرت بها تنسحب من داخل صدرها كما لو المكان يطبق بجدرانه عليها، ودقات قلبها تتباطأ حتى ظنت أنها ستسقط أرضاً مغشياً عليها. وضعت يدها فوق قلبها محاولة تخفيف الألم الحاد الذي يعصف به، وفكرة واحدة
تعصف بها معذبة إياها: داغر تزوج نورا، تزوج حب عمره، وفقدته هي، فقدته إلى الأبد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!