تحميل رواية «قلبه لا يبالي» PDF
بقلم هدير نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بقصر الدويرى. كانت داليدا مستلقيه فوق الفراش تتصفح هاتفها كعادتها بملل عندما فتح باب الغرفة فجأة ودلف زوجها داغر الدويرى إلى الغرفة. انتفضت واقفه بتعثر على قدميها وكعادتها عند رؤيتها له تثاقلت انفاسها التي انحبست داخل صدرها، بينما اخذت ضربات قلبها تزداد بقوة جنونية. اخفت يديها خلف ظهرها سريعا حتى تخفي ارتجافها الواضح عنه. فقد كانت هذه هي ردة فعلها عندما رأته أول مرة في حياتها ولم تتغير حتى الآن، فلا يزال كيانها بأكمله يهتز عندما تراه أمامها. بينما كان هو كعادته التي لم تتغير منذ أن عرفته. بارد،...
رواية قلبه لا يبالي الفصل الأول 1 - بقلم هدير نور
بقصر الدويرى. كانت داليدا مستلقيه فوق الفراش تتصفح هاتفها كعادتها بملل عندما فتح باب الغرفة فجأة ودلف زوجها داغر الدويرى إلى الغرفة.
انتفضت واقفه بتعثر على قدميها وكعادتها عند رؤيتها له تثاقلت انفاسها التي انحبست داخل صدرها، بينما اخذت ضربات قلبها تزداد بقوة جنونية. اخفت يديها خلف ظهرها سريعا حتى تخفي ارتجافها الواضح عنه.
فقد كانت هذه هي ردة فعلها عندما رأته أول مرة في حياتها ولم تتغير حتى الآن، فلا يزال كيانها بأكمله يهتز عندما تراه أمامها. بينما كان هو كعادته التي لم تتغير منذ أن عرفته.
بارد، صلب في تعامله معها، فلم يظهر يوما اهتماما أو أي رد فعل يدل على تأثره بها. وكعادته أيضا، دلف إلى الغرفة دون أن يلتفت نحوها ودون أن يوجه إليها حتى لو كلمة واحدة، مفضلا اعتبارها غير موجودة معه بهذه الغرفة.
راقبته بشرود وهو يتوجه بصمت نحو خزانة الملابس مخرجا ملابسه الخاصة بالنوم، وفوق وجهه يرتسم قناعه البارد. رغبت كثيرا لو كان لديها الجرأة لتصرخ بواجهه وتخبره بمدى تأثرها والألم الذي يسببه لها معاملته إياها بتلك الطريقة، لكنها حتى الآن لم تمتلك تلك الجرأة لفعلها.
تنفست بعمق بينما تحاول نفض تلك الأفكار بعيدا، محاولة رسم ابتسامة على وجهها وعدم إظهار ما يدور بداخلها من صراع، لكن خانتها شفتيها وارتجفت قليلا بسبب توترها. اتجهت بخطوات مرتجفة نحو الطاولة المجاورة للفراش، نازعة عنها الغطاء ليظهر أطباق مختلفة مليئة بالطعام الشهي. همست بصوت منخفض بينما تفرك يديها بتوتر وعيناها مسلطة عليه، تراقبه بأعين متسعة وأنفس متثاقلة وهو ينزع ببطء سترة بدلته.
"أنا حضرت الأكل علشان نتعشا سوا..."
التفت إليها ببطء كما لو أنه لم ينتبه إلى وجودها إلا الآن. ظل واقفا بمكانه يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، وعينيه تمر ببطء عليها متأملا منامتها الواسعة التي تغلق أزرارها حتى عنقها، لكن رغم ذلك رفعت يدها تتمسك بخجل بعنق منامتها المغلق جيدا.
هز رأسه برفض بينما يجيبها ببروده المعتاد معها، بينما يلتف مرة أخرى ويولي اهتمامه للخزانة متناولا ملابسه.
"اتعشيت في المكتب..."
أومأت رأسها بصمت محاولة محاربة خيبة الأمل التي غمرتها بعنف، فقد قضت الكثير من الوقت في صناعة تلك الأطعمة من أجله خصيصا، في محاولة منها لجذب انتباهه إليها ولو قليلا، وبدأ زواجهم كما كان يجب أن يبدأ منذ أول يوم.
تابعته بأعين تلتمع بالدموع بينما يدلف إلى الحمام الملحق بجناحهم، شاعرة بألم حاد يعصف بقلبها بسبب معاملته تلك التي لم تتغير أبدا منذ أول يوم في زواجهم، فقد مضى أكثر من أسبوعين على زواجهم ورغم هذا لم تتحسن معاملته لها.
اتجهت بخطوات مرتجفة نحو الفراش مرة أخرى، منهاره جالسة ببطء عليه، تتطلع بأعين شارده بباب الحمام الذي أغلقه خلفه، وقد بدأت تتساقط من عينيها دموع المرارة التي لم تعد تستطع حبسها أكثر من ذلك. فهي عند زواجها منه لم تكن تتوقع أن تكون حياتها معه بهذا الشكل.
فقد كانت تعتقد أنه سيكون عوض الله لها عن كل ما قاسته في حياتها، خاصة وأنها كانت واقعة في حبه عندما تقدم لخطبتها، وكان ذلك أشبه بمعجزة قد تحققت من أجلها هي فقط.
شعرت برجفة حادة من الألم داخل صدرها عند تذكرها أول يوم رأت به داغر. كانت في هذا اليوم جالسة كعادتها أمام نافذة غرفتها التي لا تفارقها إلا نادرا، تنظر من خلال التلسكوب الخاص بوالدتها الراحلة تراقب القمر المشع في السماء الحالكة والنجوم التي تحاوطه بمشهد يخطف الأنفاس. فقد كان هذا روتينها اليومي منذ وفاة والدتها التي كانت عالمة فلك. فقد كانت تأخذها دائما معها لمراقبة النجوم ومسارها بهذا التلسكوب فوق سطح بنايتهم.
كانت والدتها مقربة منها للغاية، فقد كانت تحاول تعويضها دائما عن حرمانها من والدها الذي توفي وهي لازالت لم تتخط الثانية من عمرها. أحبت داليدا هذا المجال كثيرا بسبب والدتها، كما أصبح هذا التلسكوب أغلى ما لديها، فهو ما بقي لها من والدتها التي كانت تشجعها دائما على اكتشاف كل شيء وبث بها روح المغامرة.
حتى توفيت والدتها وتركتها وهي بعمر الثانية عشر من عمرها، تاركة إياها تحت وصاية شقيق والدتها الأصغر مرتضى الراوي، الذي كان يبلغ وقتها من العمر 22 عاما، فقد كان خالها وكذلك ابن عم والدها.
كان خالها مرتضى حاد الطباع دائما معها، وكان ترجع سبب ذلك إلى الفجوة العمرية التي بينهم، لكن زادت سوء معاملته لها بعد وفاة والدتها، فقد كان عندما يغضب منها أو عندما يأمرها بفعل شيء وترفض فعله يقوم بحبسها داخل غرفتها لعدة أيام حتى ترضخ أخيرا وتنفذ ما يطلبه منها. فقد كان يتعامل معها كما لو أنها لا تزال طفلة لا يمكنها التصرف بمفردها أو الاعتماد على نفسها، متدخلا في كافة شؤون حياتها.
فقد منعها بعد وفاة والدتها من الخروج خارج الفيلا، جاعلا إياها تكمل دراستها من داخل المنزل، آتيا إليها بمدرسين يعطونها دروسا خاصة، متحججا بأنه يشعر بالخوف عليها بسبب نوبات الذعر التي أصبحت تنتابها منذ وفاة والدتها. كانت وقتها طفلة فلم تستطع معارضته أو فعل شيء حيال ذلك.
ولكن عند بلوغها سن الثامنة عشر تمردت وطلبت منه أن تذهب للجامعة حتى تبدأ تتأقلم مع الذين هم في سنها، لكنه رفض بشدة. وعندما أصرت على موقفها وافتعلت معه العديد من المشاجرات العنيفة، وافق في النهاية على مضض أن يجعلها تذهب للجامعة تحت حراسة مشددة من رجاله الذين كانوا لا يجعلونها تستطيع حتى التنفس على راحتها.
لكن بعدها تطورت نوبات الذعر التي كانت تنتابها وأصبحت تصيبها بطريقة مبالغ بها. ففي بادئ الأمر عندما كانت تخاف من شيء أو تحزن كان تأتيها رجفة بسيطة بقدميها وذراعيها، لكن أصبحت أعراض تلك النوبات أقوى من قبل.
فقد أصبح جسدها بأكمله يبدأ بالارتجاف وتتخلله برودة كالصقيع تصل إلى عظام جسدها، من ثم تصبح كما لو أنها تدخل عالما آخر لا تدري شيئا مما يدور حولها.
وعندما أصابتها تلك الحالة ذات مرة أثناء تشاجرها مع إحدى زميلاتها، شعرت وقتها بحرج لم تشعر به من قبل عندما وقف الجميع يتطلعون إلى يدها وقدميها المرتجفة كما لو كانت شيئا غريبا لم يروا مثله من قبل. لذا عادت يومها إلى المنزل مقررة أن تكمل دراستها بالمنزل كما كان يرغب خالها، عائدة إلى قوقعتها مرة أخرى.
محاولة تجنب خالها بقدر الإمكان، فقد كانت العلاقة بينهم دائما مليئة بالتوتر. فقد كان يتعامل معها كما لو أنها السبب في وفاة والدتها.
تساقطت الدموع من عينيها عند تذكرها اليوم الذي توفيت به والدتها، فقد كانوا بسيارة والدتها ذاهبتان لكي يشتروا ملابس لها لكي تحضر بها حفل تقيمه مدرستها. فقد أخذ خالها مرتضى يقنع والدتها بعدم الذهاب مشيرا بأنها مجرد حفل أطفال لا تستدعي اهتمام والدتها، لكن والدتها رفضت وأصرت أن تذهب وتشتري لها ملابس جديدة حتى تسعدها.
ولكن هم بالطريق ودون سابق إنذار ظهرت أمامهم سيارة نقل بضائع كبيرة ضربتهم من الأمام مما جعل سيارة تنقلب عدة مرات. توفيت والدتها في الحال، بينما ظلت داليدا راقدة بالمشفى في غيبوبة لمدة 3 أشهر.
وعند استيقاظها لم تر أمامها سوى وجوه غريبة عليها للأطباء والممرضات. أخذت تبحث بعينيها عن والدتها وعندما لم تجدها شعرت وقتها بخوف لم تشعر به من قبل، فقد كانت والدتها كهفها الآمن الذي تختبئ به من أي شيء يخيفها، فلم تفارقها أبدا منذ أن جاءت إلى هذه الدنيا.
وعندما سألت عنها لم يستطع الطبيب أن يخبرها بالحقيقة ويتسبب بصدمتها وهي بتلك الحالة الضعيفة، فاخبرها كاذبا بأنها ترقد بمشفى آخر بسبب أن المستشفى لم يكن بها أماكن أخرى شاغرة وأنها عندما تفيق سوف تحضر إليها.
ظلت داليدا أيام وأيام تنتظر قدوم والدتها، وعندما لم تأت أصرت أن تذهب هي إليها. رفض الأطباء متحججين بحالتها التي لم تكن مستقرة بعد. وبعد أن استقرت حالتها وعندما سألت عنها أخبرها الطبيب بأكثر طريقة لطيفة لديه بخبر وفاة والدتها.
انهارت وقتها داليدا داخل في حالة هستيرية من البكاء، وعندما هدئت بعد عدة أيام كانت بهذا الوقت بحاجة إلى خالها مرتضى الذي كان الشخص الوحيد المتبقي من عائلتها لكي يهدئها ويطمئنها بأنها ليست بمفردها، لكنها كانت بمفردها.
بمفردها تماما، وعلمت من الأطباء أنه لم يأت لزيارتها ولو لمرة واحدة طوال فترة غيبوبتها تلك. ومنذ هذا اليوم وتلك النوبات لا تتركها.
تنهدت ببطء بينما ترجع بذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي رأت به داغر لأول مرة. كانت داليدا قد تشاجرت مع خالها كالعادة، وعندما احتد الشجار بينهما أمرها كعادته أن تذهب إلى غرفتها وإلا تراه وجهها حتى اليوم التالي. كانت وقتها جالسة تراقب النجوم من فوق سطح الفيلا، لكن لوقت ما شعرت بالملل مما جعلها تدور بالتلسكوب بأنحاء الحي الفاخر الذي تسكن به. أخذت تضحك بينما تراقب إحدى الكلاب يطارد قط صغير، لكن القط وقف بالنهاية أمام الكلب مصدرا صوتا شرسا مما جعل الكلب يرتعب ويفر هاربا من أمامه.
أخذت تكمل بحثها عن شيء آخر قد يجذب انتباهها ويخفف عنها ما تشعر به من ملل وفتور.
وبالفعل وجدته، فقد جذب انتباهها شخص ما يمارس الرياضة في الحديقة الخلفية للقصر الذي يبعد عن فيلاتهم بعدة أمتار. تعجبت وقتها من هذا الذي يمارس رياضته بهذا الوقت المتأخر من الليل. قربت عدسة التلسكوب حتى تستطيع رؤيته جيدًا. لكنها صدرت شهقة قوية عندما رأته بوضوح. شعرت وقتها بقلبها ينبض داخل صدرها بجنون بطريقة غريبة. لأول مرة، أخذت تتفحص بانبهار نصف جسده العلوي العاري الذي كان مغطى بالعرق نتيجة الرياضة القاسية التي كان يمارسها، بينما تتأمل بعينين تلتمع بالشغف ملامحه الرجولية. فقد كان وسيماً للغاية، ذو جسد طويل رياضي صلب رائع، بينما شعره القصير فحمي اللون الذي كان ينحدر منه عدة خصلات مبتلة فوق جبينه. ظلت تراقبه بأنفاس محبوسة، لم تتحرك من مكانها قيد خطوة واحدة، متجاهلة الألم الذي ينبض بقدميها من طول المدة التي وقفت عليها، حتى انتهى ودخل إلى القصر وهو يجفف عرقه بمنشفة حول عنقه.
بعد هذا اليوم، ظلت داليدا طوال السبعة أشهر التالية تضبط منبهها على الثالثة صباحًا، حتى تستيقظ وتستطيع مراقبته أثناء ممارسته رياضته اليومية. وخلال هذه الأشهر، وقعت داليدا في حبه بجنون. حاولت الوصول إلى أي معلومات تخصه، لكن للأسف لم تستطع نتيجة الحراسة المشددة التي تتبعها بكل مكان. ظلت تحاول كثيرًا الوصول إلى معلومة عنه، لكن لم تستطع الوصول إلى شيء سوى الاسم المكتوب فوق لافتة صغيرة فوق القصر الخاص به، فقد كان مكتوبًا عليه بخط فاخر "قصر الدويري". يأست من الوصول إلى اسمه أو أي معلومة تخصه، حتى جاء اليوم الذي جاءها اتصال من خالها مرتضى، أمرها بارتداء ملابسها وأن تأتي إلى شركة العائلة. في بادئ الأمر، تعجبت كثيرًا من طلبه هذا، خاصة وأنها منذ تخرجها وهي تطلب منه العمل معه في الشركة، لكنه كان يرفض، غير سامحًا لها حتى بزيارته بها.
وبالفعل ذهبت إلى الشركة، لكن فور دخولها إلى المكتب الخاص بخالها، تسمرت قدماها، شاعرة بقلبها يكاد يقفز من مكانه عند رؤيتها للشخص الجالس مع خالها، فقد كان جارها الذي عشقته حد الجنون دون حتى أن تعرف اسمه. شعرت وقتها بالارتباك والتخبط، لكن أسرع خالها بتعريفهم على بعضهم البعض، وها هي أخيرًا قد حصلت على اسمه: داغر الدويري. قد علمت من كلامهم أنه شريك شقيقها بإحدى المشاريع التجارية. ظلت طوال الوقت جالسة بصمت تتطلع نحوه بعينين ملتمعتين بالشغف، منبهرة بوسامته الفائقة، فالتلسكوب لم يوضح وسامته الفائقة تلك. وزاد حبها عند سماعها صوته العميق الرجولي، فقد كان يبدو ذا شخصية قوية. تحدث معها قليلاً، سألها عن مجال دراستها، وأجابته هي بصوت منخفض مرتعش. وبرغم أنهم لم يتحدثوا كثيرًا، إلا أنها بهذا اليوم شعرت بسعادة لم تشعر بمثلها من قبل.
وبعد انصرافه، ظل خالها جالسًا يتطلع إليها بهدوء. وعندما سألته عن سبب طلبه إياها لكي تحضر إلى مكتبه، أجابها بأنه كان يرغب أن يذهب معها إلى الغداء بالخارج وقضاء اليوم سويًا. مما جعلها تندهش أكثر وأكثر، فهو لم يخرج معها من قبل إلى أي مكان. وبعد هذا اليوم بأسبوع واحد، جاء خالها وأخبرها بأن داغر الدويري طلب منه يدها للزواج. وقتها ظلت داليدا صامتة، شاعرة بكامل المشاعر التي تكنها له تعصف داخلها، لكن تغلب قلقها وخوفها على تلك المشاعر. وعندما سألت خالها كيف هذا وهو لم يراها سوى مرة واحدة، أجابها بأنه كان يبحث عن عروس مناسب، وعندما رآها أعجب بها على الفور. ثم بدأ بإقناعها من وجهة نظره هو بأنها سوف تصبح زوجة أكبر ملياردير بالبلد. لكن بداخلها لم يكن المال ما تهتم به، فقد كانت تهتم به هو فقط، فهي تحبه، لذا وافقت، آملة بأن إعجابه بها قد يتحول إلى حب بعد تعرفه عليها جيدًا.
وبالفعل تمت خطبتهم على الفور، وتم تحديد الزواج بعد شهر واحد من إعلانهم خطوبتهم، لكن أثناء هذه الخطوبة القصيرة لم يلتقوا سويًا إلا مرتين فقط، متحججًا بانشغاله بعمله. لكن حتى أثناء مقابلتهم تلك، كان دائمًا صامتًا، مقتضب الوجه. وعندما حاولت التحدث مع خالها مرتضى عن ذلك، قال بأن هذه طبيعته، وأنه بعد الزواج وبعد تعرفهم على بعضهم البعض سوف يتغير. كانت تشعر بالخوف والتردد من هذه الزيجة رغم حبها له، لكن تغلب حبها على خوفها هذا، مقنعة نفسها بأن كل هذا سوف يتغير بعد زواجهم كما قال شقيقها.
ثم سافر داغر إلى أمريكا في رحلة عمل، ولم يعد إلا قبل موعد زفافهم بيوم واحد فقط. وأقيم حفل زفافهم في أفخم القاعات، حضره أكبر شخصيات البلد. كان حفلًا أسطوريًا تحدثت عنه جميع الصحف. وكان داغر طوال الحفل يبدو سعيدًا، لم تفارق الابتسامة وجهه، معاملًا إياها كما لو كانت ملكة، مما جعل قلبها يتراقص فرحًا. لكن جاءت أكبر صدمة لها بعد انتهاء حفل الزفاف ودخولهم إلى الجناح الخاص بهم في قصره. فقد اختفت ابتسامته تلك، تاركًا إياها تقف بمنتصف الغرفة بفستان زفافها، مختفيًا بصمت إلى داخل الحمام الملحق بالجناح.
وقفت وقتها شاعرة بالخوف والارتباك، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله. لكنها أخيرًا تحركت ببطء وذهبت إلى خزانة الملابس، ساحبة إحدى منامتها المحتشمة، فلم يكن لديها الجرأة لارتداء إحدى قمصان النوم التي ابتاعتها من أجل زواجها. وعندما انتهت من ارتداء ملابسها، خرج داغر من الحمام عاريًا، لا يرتدي سوى شورت أسود قصير. احمر وجهها بشدة عند رؤيته لصدره العضلي العاري. ظلت واقفة مكانها تتطلع نحوه بخجل، شاعرة بالخوف مما سيحدث بينهم. لكنها شعرت بدلو من الماء البارد ينسكب فوق رأسها عندما رأته يمر بجانبها متجاهلًا إياها تمامًا، كما لو أنها ليست موجودة بالغرفة، واتجه نحو الفراش ليستلقي فوقه، مولّيًا ظهره لها. وقتها ظلت تتطلع إليه بصدمة، لا تدري ما الذي يجب عليها قوله أو فعله، فقد رفضها ورفض إتمام زواجهم بكل برود.
وكان هذا هو الحال بينهم في الأيام التالية، ففي كل ليلة يولي ظهره لها، معلنًا صراحة عدم رغبته بها أو بإتمام زواجهم، فلم يقم بلمس شعرة واحدة منها حتى الآن. كل ليلة تعتقد بأن هذه الليلة هي التي سيكمل بها زواجهم ويجعلها حقًا ملكة، لكن تنتهي الليلة بخيبة أملها، مديرًا ظهره لها، تاركًا إياها غارقة في حزنها وبؤسها، تبكي طوال الليل، كاتمة شهقات بكائها بوسادتها حتى لا تصل إلى مسمعه، حتى تسقط نائمة من كثر التعب. أما باقي اليوم، فيستيقظ مع أوائل خيوط الصباح، يذهب إلى عمله، ولا يعود منه إلا بعد منتصف الليل. وعندما يعود، يتعامل معها كما لو كانت هواء، كما لو كانت غير موجودة بالغرفة، لا يوجه إليها الحديث إلا عند الضرورة القصوى.
جلست داليدا تتأمل باب الحمام الذي اختفى خلفه، وعيناه تلتمع بالدموع. لكنها سرعان ما استلقت فوق الفراش، جاذبة الغطاء فوق جسدها حتى عنقها عندما شعرت به يخرج من الحمام. أغلقت عينيها بقوة، مصطنعة النوم، لكن تشدد جسدها بالتوتر وتثاقلت انفاسها عندما شعرت به يقف بجانبها بصمت عدة لحظات طوال، قبل أن يتحرك بصمت مرة أخرى نحو جانبه من الفراش، مستلقيًا فوقه، مغلقًا الضوء ليعم الغرفة ظلام يشبه الظلام الذي بداخلها.
في الصباح... تلملمت داليدا في نومها، شاعرة بدفء غريب يجتاحها وثقل غريب حول جسدها. فتحت عينيها ببطء، محاولة استيعاب ما يحدث، لكن انتفض جسدها بمفاجأة عندما اكتشفت أنها مستلقية بين ذراعي داغر، الذي كان يحيط خصرها بذراعه، ضامًا إياها إليه وهو مستغرقًا بالنوم. انحبست أنفاسها بصدرها، شاعرة بالحرارة تجتاح جسدها بسبب قربها الشديد من جسده الصلب الملتصق بها. لا تعلم كيف انتهى بهم الأمر حتى تصبح مستلقية بين ذراعيه بهذا الشكل. ارتسمت ابتسامة بطيئة فوق وجهها، شاعرة بالسعادة، فهذه المرة الأولى التي يضمها إليه، متناسية غضبها منه بالليلة السابقة. أخذت تتأمل بعينين تلتمع بالشغف ملامح وجهه الوسيم. لم تستطع مقاومة أن تنحني وتطبع بشفتيها قبلة خفيفة فوق خده، ثم ابتعدت عنه ببطء، والابتسامة التي فوق شفتيها تتسع بالفرحة. مرت أصابعها بخفة بشعره الأسود الفحمي، بينما تتنفس أنفاسه الدافئة بشغف، شاعرة بقلبها يكاد يقفز من داخل صدرها من شدة دقاته المرتفعة. فهي لا تحبه فقط، لا بل تعشقه حد الجنون. تنهدت بسعادة، مغمضة عينيها، مستمتعة بملمس شعره الحريري أسفل يدها.
لكنها انتفضت، فاتحة عينيها بذعر عندما شعرت به يتلملم في نومه. شعرت بتجمد أطرافها عندما رأته يفتح عينيه ويتطلع إليها عدة لحظات بصمت، كما لو أنه لا يزال لا يستوعب ما يحدث من حوله. لكن سرعان ما ذبلت ابتسامتها التي كانت تتطلع إليه بها عندما رأت الغضب الذي اندلع بعينيه. قبض بقوة مؤلمة على يدها التي كانت لازالت بشعره، معتصرًا إياها، مما جعلها تطلق صرخة منخفضة. نفض يدها، مبعدًا إياها عنه بحركة قاسية، كما لو كانت شيئًا قذرًا يرفض لمسه. قبل أن ينتفض ناهضًا بغضب من الفراش، مبتعدًا عنها كما لو أنها تحمل وباء ما. ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها، مخفضة رأسها، بينما تضغط أسنانها بشفتيها بطريقة دامية في محاولة منها للسيطرة على الدموع الحارقة التي تراكمت بعينيها، شاعرة بألم حاد يكاد يمزق قلبها بسبب رفضه لها وابتعاده عنها بهذه الطريقة القاسية. راقبته بينما يتجه نحو الحمام بصمت، مغلقًا خلفه بابه بقوة اهتزت لها أرجاء المكان. دفنت وجهها بوسادتها، مطلقة العنان لدموعها، بينما الألم الذي ينبض بقلبها لم تعد تستطع تحمله.
رواية قلبه لا يبالي الفصل الثاني 2 - بقلم هدير نور
قلبه لا يبالى 🦋🦋
البارت الثانى 🦋🤎
بعد مرور اسبوع...
كانت داليدا واقفه امام المرأه تقوم بتعديل ملابسها قبل النزول إلى الاسفل لتناول طعام الغداء مع العائله فبرغم ان هذه ليست المره الاولي التي تتناول بها الطعام معهم الا انها هذه المره تشعر بالتوتر و الارتباك
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
فالليله هي المره الاولي التي سيتناول معها داغر العشاء بحضور العائله بأكملها فمنذ زواجهم و هو دائم الانشغال باعماله و شركاته فلم يتناول معها ولو وجبه واحده حتى الان.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
.مررت يدها حول خصلات شعرها ناري اللون قبل ان تقوم بجمعه وعقده فوق رأسها من ثم تناولت حجابها الذي كان بلون عينيها الرماديه و ارتدته... اخذت تتأكد من ثبات عقدته حول رأسها قبل ان تنهض ببطئ و تتأمل مظهرها في فستانها البسيط ذو اللون الاسود المطعم بورود رقيقه و الذي يبرز جمال قوامها بطريقه محتشمه...انتقلت عينيها ببطئ إلى صورة زوجها المنعكسه بالمرأه و الذي كان يجلس باقصي الغرفه على احدي المقاعد فقد انتهي من ارتداء ملابسه منذ فتره وجلس يراقب اعماله عبر اللاب توب الخاص به. شعرت برجفه حاده تمر باسفل عمودها الفقري عندما تقابلت نظراتهم بالمرأه فقد كانت نظرته قاتمه يتأملها بهدوء مريب... تلملمت في وقفتها بعدم راحه عندما اخذت عينيه تمر فوق جسدها ببطئ يتفحصها بهدوء و ببروده المعتاد...همست بصوت مرتجف بينما تمرر يدها المرتجفه فوق فستانها تحاول ان تداري ارتباكها عنه =انا، انا، خلصت. اومأ لها برأسه قبل ان ينهض بهدوء و يتجه نحو الباب يفتحه و يغادر تبعته داليدا إلى الخارج بقدمين مرتجفه و عينيها كانت مسلطه على ظهره العضلي المحتجز داخل بدلته الفاخره فقد كان معتاد دائماً على ارتداء ذلك النوع من البدلات لم تراه قطاً بملابس عاديه سوا تلك المرات التي كانت تراه يمارس الرياضه بها..
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
تعثرت خطواتها حتى كادت ان تصطدم به عندما استدار اليها دون سابق انذار و تناول يدها شابكاً اياه بيده قابضاً عليها بلطف. كاد قلبها ان يغادر صدرها فور ان شعرت بلمسته تلك فقد كانت قبضته حول يدها دافئه قويه كما ان هذه هي المره الاولي التي يبادر بلمسها بمثل تلك الطريقه.اخذت تحاول تهدئت ضربات قلبها المتسارعه و على وجهها ترتسم ابتسامه مرتجفه بينما تتأمله بعينين تلتمع بالشغف و الفرح و خطواتهم تتواكب معاً بهدوء وهم يهبطون الدرج سوياً.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
فور دخول داغر و داليدا إلى غرفه الطعام تسلطت الانظار عليهم على الفور متفحصين اياهم باهتمام شديد. غمغم طاهر زوج شهيره ابنة عم داغر بينما ينظر بتأفف إلى الساعه المعلقه بالحائط =اخيييراً كل ده بتعملوا ايه... لو يجيبه داغر متجاهلاً اياه و اتحه بهدوء نحو احدي المقاعد ساحباً اياه لداليدا التي ساعدها بلطف على الجلوس عليه من ثم جلس بجانبها على المقعد الذي يرأس الطاوله...
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
شعرت داليدا بجو من القلق والتوتر يسود المكان تلاقت نظراتها بكلاً من نورا ابنة عم داغر و شقيقتها شهيره ليرمقونها بنظرات تمتلئ بالازدراء و النفور كعادتهم لكنها قامت بتجاهلهم كعادتها فمنذ قدومها إلى هذا القصر و هي تتفادي التعامل معهم.
ارتسمت ابتسامه لطيفه فوق وجهها عندما شعرت بيد فطيمه والدة داغر الجالسه بجانبها تربت بلطف فوق يدها بحنان و هي تهمس لها بصوت منخفض والفرحه تلتمع بعينيها.=اخيراً. شوفتكوا مع بعض. مش فاهمه ازاي متجوزين بقالكوا اكتر من 3 اسابيع و دي اول مره تعقدوا فيها معانا انتوا الاتنين على سفرا واحده... اجابتها داليدا بصوت منخفض و قد احمر خديها بشده =ما انتي عارفه يا ماما ان داغر على طول مشغول في الشركه... قاطعتها فطيمه بصوت منخفض حاد.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
=للاسف ابني و عارفاه. و عارفه ان الشغل دايماً اهم حاجه عنده...كانت تستمع اليها بصمت لا تدري بما تجيبها لكنها انتفضت بمكانها مجفله عندما شعرت بيد داغر تقبض بلطف على يدها الموضوعه فوق الطاوله استدارت نحوه تنظر اليه باعين متسعه بالصدمه لكن اتسعت عينيها اكثر عندما رأت وجهه يقترب منها متمتماً بهدوء و فوق وجهه ترتسم ابتسامه =مش بتاكلي ليه يا حبيبتي،؟!اخذت تتطلع اليه وعينيها لازالت متسعه من الصدمه فقد كان عقلها يجد الصعوبع في استعاب انه يتحدث اليها هي بتلك الطريقه المحببه. لكن فور ان نطق باسمها مقطباً جبينه بتعجب =داليدا،؟! ادركت انه يقصدها هي بالفعل تنحنحت هامسه بصوت ضعيف غير قادره على التحكم بالارتجاف الذي به =ن. عم،؟! غمم ممرراً يده فوق جبينها مدخلاً بحنان خصله شعر الشارده التي خرجت من حجابها =مش بتاكلي ليه،؟!شعرت بتيار من الكهرباء يسري بانحاء جسدها فور ان شعرت بلمسته تلك تناولت بيد مرتجفه شوكة الطعام غارزه اياها باحدي قطع اللحم واضعه اياها بفمها بينما تغمغم بارتباك واعيه لانظار الجميع المنصبه عليهم =باكل، باكل اهو... مرر اصبعه فوق خدها بحنان مما جعلها تشعر بمعدتها تنعقد بقوه شاعره بالارتباك من تعامله معها بهذا اللطف و الاهتمام الذي غير معتاده عليه منه...
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
خرجت من افكارها تلك عندما هتفت شهيره ابنة عم داغر الكبري و التي كانت جالسه تراقب اهتمامه هذا باعين تلتمع بغضب لم تحاول اخفاءه. =اول مره نشوفك مع عروستك في مكان واحد من يوم جوازكوا... لتكمل بصوت ممتلئ بالسخريه كما لو كانت تطلق دعابه ما لكن كلماتها كانت ممتلئه بالسم والحقد =الواحد كان قرب يصدق، انها طفشتك من البيت من اول يوم جواز.شعرت داليدا بنيران الغضب تندلع بداخلها فور سماعها كلماتها تلك و زاد غضبها اكثر و اكثر ضحكتها الساخره التي رافقت كلماتها تلك همت بالرد عليها... لكن فاجأها داغر عندما اجابها هو بهدوء =لا طبعاً، بس كل الحكايه ان احنا في اخر السنه وده وقت جرد كل الشركات و الجرد واخد كل وقتي، و داليدا عارفه اني مشغول و مقدره ده كويس...ليكمل موحهاً حديثه إلى داليدا بينما يرفع يدها إلى شفتيه طابعاً قبله عميقه براحة يدها مما جعل جسدها يرتجف باكمله فور ملامسة شفتيه لجلدها الحساس = بكره افضا و اعوضك يا حبيبتي عن كل ده... شعرت داليدا بموجه من الفرحه تنتابها فور سماعها كلماته تلك اومأت له برأسها بصمت بينما الامل بدأ يتراقص بداخلها... تابعته باعين ملتمعه بالشغف عندما نهض من فوق مقعده قائلاً موجهاً حديثه للجميع.=معلش يا جماعه هستأذن انا عندي اجتماع مهم... ليكمل بينما يلتفت نحو داليدا مغمغماً بصوت منخفض بعض الشئ بينما ينحني مقبلاً اعلي رأسها... =عايزه حاجه يا حبيبتي.؟! اجابته بصوت مرتجفبينما تجذب انفاسها بارتجاف وهي لازالت لا تصدق تقربه منها بهذا الشكل. =س. لامتك...ربت بحنان فوق خدها قبل ان يلتف و يغادر الغرفه تاركاً اياها بجسد مهتز و انفس متسارعه متلاحقه بينما تراقب ظهره العريض وهو يغادر الغرفه باعين متسعه ملتمعه بالشغف...
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
كانت داليدا جالسه على احدي المقاعد تضم ركبتيها إلى صدرها بينما تسند رأسها عليهم تفكر فيما حدث اليوم بالاسفل و معاملة داغر لها التي تغيرت كلياً من البرود وعدم اللامبالاه إلى الاهتمام و الحنان الذي لم يعاملها بهم من قبل... اخذت كلماته عن تعويضها عن تقصيره معها تتردد برأسها معطيه اياها الامل في ان يتغير الوضع بينهم في المستقبل...و ان يكون سبب معاملته لها بتلك الطريقه واهماله لها هو انشغاله في اعماله حقاً...اعتدلت في جلستها فور سماعها طرقاً فوق باب الجناح لتدلف بعدها فطيمه والدة داغر إلى الغرفه و على وجهها ترتسم ابتسامه لطيفه.
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
لا تنكر داليدا انها منذ خطبتها لداغر و ان والدته تعاملها كأبنه لها معوضه اياها عن والدتها التي فقدتها منذ الصغر، تعاملها بود و حنان عكس معظم باقي افراد الاسره التي حتى الان لا تفهم سبب معاملتهم السيئه تلك...
خرجت من افكارها تلك عندما جلست بجانبها فطيمه و هي تهتف بمرح.=سرحانه في ايه،؟! اجابتها داليدا بينما ترسم هي الاخري ابتسامه فوق وجهها =ابداً و لا حاجه... اقتربت منها فطيمه قائله بمرح بينما تهمس باذنها كما لو انها تخبرها بسر عظيم =تعرفي ان داغر مضي النهارده. اكبر عقد توريد في تاريخ شركاته... هتفت داليدا بحماس بينما عينيها تتراقص بها الفرح =بجد يا ماما... اومأت لها فطيمه قائله بحماس مماثل =لسه طاهر راجع من الشركه و قايلنا على الخبر...لتكمل بينما تنكز داليدا في ذراعها بخفه قائله بنبره ذات معني =شوفي بقي هتحتفلي ازاي معاه بالمناسبه دي هزت داليدا رأسها هامسه بارتباك =احتفل معاه ازاي مش فاهمه. ظلت فطيمه تتطلع نحوها بثبات و فوق وجهها ترتسم ابتسامه واسعه ظناً منها ان داليدا تتصنع عدم الفهم لكن تلاشت ابتسامتها تلك
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
هاتفه بصدمه فور ان ادركت انها لا تفهم بالفعل ما تقصده =بقى مش عارفه هتحتفلي مع جوزك ازاي يا داليدا،؟!تخضب وجه داليدا بالحمره بينما تهز رأسها بالنفي بصمت مما جعل فطيمه تربت بحنان فوق وجنتيها مدركه ان والدتها قد توفت منذ صغرها وانها كانت ابنه وحيده كما ان خالها كان لا يسمح لها بالخروج كثيراً لذلك كانت تعاملها كأبنه لها محاوله تعويضها عن والدتها. =داليدا. انتي بتعتبرني زي ماما مش كده... اومأت لها داليدا مجيبه اياها على الفور =طبعاً يا ماما...اقتربت منها فطيمه حتى اصبحت جالسه ملتصقه بها شابكه ذراعها بذراع داليدا من ثم بدأت تخبرها بهدوء بما يجب عليها فعله تراجعت داليدا إلى الخلف بعيداً
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🤎🤎
هاتفه بصوت مختنق و قد اصبح وجهها بلون الجمر من شدة الخجل عند تخيلها انها تفعل ما اخبرته به مع داغر... =لا يا ماما مش هقدر اعمل كده... قاطعتها فطيمه بحده.=يعني ايه مش هتقدري تعملي كده. ده جوزك بعدين المفروض انكوا خدتوا على بعض خلاص هتفضلي خايبه كده لحد امتي...
غرزت داليدا اسنانها بشفتيها بقوه لا تدري كيف تخبرها بان داغر حتى الان لم يقم بلمسها ولم يتمم زواجهم حتى الان و ان اول مره قام بلمسها بها كانت اليوم اثناء مسكه ليدها اثناء ذهابهم للعشاء. خرجت من افكارها تلك عندما رأت فطيمه تنهض و تتجه نحو خزانتها نهضت داليدا هي الاخري تتبعها مغمغمه بارتباك.=بتعملي ايه يا ماما،؟! اجابتها فطيمه وهي تتفحص ملابس داليدا المصفوفه بخزانتها =بشوف حاجه حلوه تلبسيها... لتكمل بينما تهتف بحماس مخرجه احدي قمصان النوم الذي كان بلون الاحمر الدامي
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
=هو ده... لتكمل بينما تضعه بين يدي داليدا =البسي ده النهارده و اعملي شعرك و ظبطي نفسك...وقفت داليدا متجمده تنظر برعب إلى قميص النوم الذي بين يديها فبرغم انها من قامت بشراء ذلك القميص ضمن قمصان اخري اثناء تجهزيها لملابس عرسها الا انها لم ترتدي حتى الان ولا واحد منهم امام داغر فقد كانت ترتدي دائماً منامات محتشمه تغلقها حتى العنق... خرجت من افكارها تلك على تربيت من فطيمه فوق ظهرها =متنسيش تعملي اللي اتفقنا عليه... لتكمل بينما تتجه نحو باب الغرفه تستعد للمغادره =هسيبك علشان تجهزي براحتك...اومأت داليدا برأسها بصمت بينما تراقب والدة زوجها تغادر المكان بينما ظلت هي واقفه متجمده بمكانها في منتصف الغرفه و القميص لايزال بين يديها...
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
بوقت لاحق... كانت داليدا جالسة بجمود فوق الاريكه و عينيها منصبه برعب فوق قميص النوم الذي اخرجته لها والدة زوجها، لا تدري ما يجب عليها فعله.
فكيف لها ارتداء مثل هذا الشيء الفاضح وزوجها منذ بداية زواجهم لم يلمسها حتى الآن، مظهرًا بوضوح تجاهله لها وعدم اهتمامه أو تأثره جسديًا بها، فربما لا يجدها جميلة أو جذابة بما يكفي. شعرت بنيران الألم تحترق داخل قلبها عند هذه الفكرة، فهل يمكن حقًا أن يكون هذا هو سبب عدم إتمامه زواجه بها حتى الآن؟ هل يكون لا يجدها جميلة أو يشعر بالنفور منها!
لذلك لم يستطع حتى الآن لمسها، لكن إذا كان الأمر هكذا، فلماذا تزوجها منذ البداية؟
نهضت سريعًا، ملتقطة قميص النوم من فوق الطاولة، وصدرها يعلو وينخفض بقوة بينما تكافح لالتقاط أنفاسها، مقررة ارتداءه كتجربة لكي ترى مظهرها به فقط، محاولة تضميد الجرح الذي تسببت به أفكارها تلك، فبرغم معرفتها مدى جمالها الذي يبهر كل من يراه، إلا أن ثقتها بنفسها قد اهتزت كثيرًا منذ زواجها بداغر، الذي أعلن بوضوح وصراحة عدم مبالاته بها أو بجمالها هذا. مجرد التفكير فقط بأنه لا يراها جميلة أو ينفر منها قد جرحها وألمها بشدة.
بعد عدة لحظات...
وقفت داليدا أمام المرآة بعد ارتدائها لقميص النوم، تتأمل باعين متسعة وأنفس منقطعة مظهرها به، فقد كان القميص قصيرًا للغاية يصل إلى منتصف فخذيها، مظهرًا جمال قوامها وسيقانها البيضاء الحريرية، عارية الصدر والظهر. ابتسمت بفرح بينما تقوم بفك عقدة شعرها لينسدل بنعومته الرائعة فوق ظهرها مثل شلال من ألسنة النيران الملتهبة بسبب لونه المشتعل. تناولت بيد مرتجفة قلم أحمر الشفاه، واضعة القليل منه فوق شفتيها لتصبح أكثر بروزًا وإثارة. أخذت تتأمل ذاتها والفرحة تملأ صدرها. تمنت لو كان داغر يستطيع رؤيتها بمظهرها هذا، لكنها تعلم بأنها لن تستطيع الوقوف أمامه بهذا الشكل الفاضح. تنهدت بحسرة بينما تلقي نظرة أخيرة على مظهرها الخاطف للأنفاس هذا، قبل أن تستدير وتتجه نحو خزانة الملابس لكي تخرج بيجامتها حتى تقوم بتبديل ملابسها قبل قدوم داغر.
لكن تسمرت قدماها شاهقة بذعر فور أن وقعت عيناها على ذاك الواقف يستند إلى باب الغرفة، بينما عيناه مسلطة عليها، تمر ببطء فوق جسدها بهذا القميص. أخذت تلملم بيدها المرتجفة أطراف قميص نومها، محاولة أن تستر جسدها عن عينيه، شاعرة بالنيران تحترق بخديها، ترغب بأن تنشق الأرض وتختفي أسفلها من شدة الحرج. لا تدري متى دخل داغر الغرفة، ومنذ متى وهو واقف بهذا الشكل يراقبها. دب الرعب أوصالها عندما رأته دون سابق إنذار يعتدل في وقفته ويقترب منها، شعرت برجفة حادة من الخوف تمر أسفل عمودها الفقري عندما رأت النظرة المرتسمة بعينيه، بينما يشق طريقه نحوها بخطوات سريعة، وتلك النظرة السوداء لازالت مرتسمة بعينيه.
شهقت بقوة عندما شعرت بذراعه تلتف حول خصرها، جاذبًا إياها بقوة نحوه، ليصطدم جسدها الغض الناعم بصلابة صدره القوي العضلي. شعرت بالصدمة تجتاحها عندما أخفض رأسه دون سابق إنذار، وتناول شفتيها في قبلة حارة مشتعلة. هزتها رجفة قوية مرت بسائر جسدها عندما شعرت بملمس شفتيه فوق شفتيها التي كان يقبلها بشغف، لكن سرعان ما تبادلت هذه الصدمة إلى مشاعر أخرى غريبة تسري بأنحاء جسدها لأول مرة في حياتها تشعر بها، مما جعلها ترتجف بقوة بين ذراعيه. زاد ضغط شفتيه فوق شفتيها بتملك حارق، وبرغم قلة خبرتها، إلا أنها حاولت مجاراته في قبلته تلك. رفعت ذراعيها تدس يديها بشعره الأسود الحالك، تجذب بلطف خصلاته الحريرية. ظلوا عدة لحظات على حالتهم تلك، لكنه اضطر أخيرًا إلى فصل شفتيهما عندما شعر بحاجتها إلى الهواء. همست داليدا بصوت مرتجف لاهث ضعيف، بينما تنزع يدها من بين خصلات شعره، ممررة إياه بحنان فوق خده.
"داغر..."
ظل يتطلع إليها عدة لحظات ونظرة غريبة بعينيه، لكن فجأة تحولت نظرته تلك إلى قسوة وغضب فور أن سمعها تتمتم اسمه بشغف، كما لو أنه قد استوعب أخيرًا ما قام بفعله. نفض يدها من فوق خده بغضب، دافعًا إياها بعيدًا عنه بحدة حتى كادت أن تسقط فوق الأرض، لكنها أسرعت التمسك بطرف الفراش محاولة المحافظة على توازنها. زمجر بقسوة بينما يتخذ خطوة إلى الخلف بعيدًا عنها.
"إيه القرف اللي انتي لابساه ده؟!"
تراجعت داليدا إلى الخلف بوجه محتقن وعيون متسعة بذعر، واضعة يدها المرتعشة فوق عنق قميصها، وهي تدرك مدى عريها أمامه، لكنها انتفضت بذعر وقد بدأ جسدها بالارتجاف بقوة عندما صاح بوحشية قاتلة وعينيه تلتمع بازدراء، بينما يلتقط مأزرها الموضوع فوق الفراش، ملقيًا إياه نحوها بحدة ليرتطم بوجهها بقسوة ويسقط بجانب قدميها على الأرض.
"آخر مرة أشوفك بمنظرك الوسخ ده، فاهمة..."
ثم التف مغادرًا الغرفة بخطوات عاصفة، كما لو أن هناك شياطين تطارده، مغلقًا الباب خلفه بقوة اهتزت لها أرجاء المكان. بينما سقطت داليدا منهارة فوق الفراش، دافنة وجهها به، وشهقات بكائها أخذت تزداد وتتعالى، شاعرة بألم حاد بقلبها يكاد يزهق أنفاسها.
في اليوم التالي...
كانت داليدا تهبط الدرج بخطوات بطيئة متثاقلة، فلولا إصرار فطيمة، والدة زوجها، على نزولها لتناول العشاء مع باقي أفراد الأسرة، ما كانت خرجت من غرفتها أبدًا بعد ما حدث. فقد ظلت حبيسة غرفتها طوال اليوم لا تفعل شيئًا سوى البكاء والتفكير فيما حدث بليلة أمس مع داغر، فحتى الآن لا تصدق أنه قام برفضها وإهانتها بتلك الطريقة، فإذا كان حقًا يكرهها إلى هذا الحد، لما تزوجها منذ البداية.
فقد تحملت منذ أول يوم في زواجهم تجاهله لها، وبروده، وتعاملها اللا مبالي معها كما لو كانت شيئًا غير موجود بحياته، وبسبب حبها له أعطته الكثير من الأعذار مثل انشغاله بعمله وصفقاته الخاصة. لكن ما حدث بالأمس كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، فبعد تقبيله لها كما لو كانت أكثر شيء يرغبه بهذه الحياة، دفعها بعيدًا عنه كما لو كانت شيئًا قذرًا قد لوثه.
خرجت من أفكارها تلك فور أن هبطت إلى الأسفل، وشعرت برجفة حادة تمر بجسدها لتعلم بأن داغر قد وصل. التفت ناحية باب القصر لتجده يدلف إلى داخل القصر، وعلى وجهه يرتسم تعبير حاد مقتضب، مما جعلها تلتف هاربة سريعًا وتدخل أول غرفة قابلتها، وكانت لحظها غرفة الاستقبال، فقد كانت لا ترغب بمواجهته بعد ما حدث بينهما، فلازالت تشعر بالإهانة والألم يعصفان بداخلها.
ارتمت جالسة فوق الأريكة بجسد مرتعش، بينما تفرك يديها بقوة.
"مالك يا داليدا؟ في إيه؟"
انتفضت فازعة بمكانها فور سماعها تلك الكلمات، التفت برأسها لتجد فطيمة، والدة زوجها، تجلس على إحدى المقاعد وبين يديها هاتفها. أجابتها داليدا بصوت حاولت جعله ثابتًا قدر الإمكان.
"أبدًا. مفيش حاجة."
رمقتها فطيمة بنظرات ثاقبة متفحصة باهتمام وجهها الشاحب، قبل أن تردف.
"مفيش حاجة إزاي ووشك أصفر كده ليه؟"
لتكمل وهي تنهض من فوق مقعدها وتجلس بجوار داليدا فوق الأريكة.
"في حاجة حصلت ضايقتك؟"
غمغمت داليدا بصوت مرتجف محاولة عدم إظهار شيء لها.
"لا أبدًا. مفيش حاجة يا..."
لتبتلع باقي جملتها منتفضة واقفة بارتباك عندما رأت داغر يدلف إلى الغرفة. كانت نظراته القاتمة مسلطة عليها بطريقة جعلت أنفاسها تنحبس داخل صدرها من شدة الارتباك والحرج. غمغمت سريعًا بينما تتجه نحو باب الغرفة.
"هروح أشوف زينات خلصت العشا ولا لسه..."
لكن فور أن مرت بجانب داغر، زمجر باسمها بصوت حاد محاولًا إيقافها، كما لو أدرك أنها تهرب منه غير راغبة بأن تتواجد معه في مكان واحد، لكنها تجاهلته وفرت هاربة من الغرفة، تتجه بخطوات متعثرة نحو المطبخ، لكن تجمدت خطواتها عند وصولها بقرب باب المطبخ عندما وصل إليها صوت مروة، ابنة زينات الخادمة، تغمغم باستياء.
"داغر بيه ده مش وش نعمة بقى. مش عاجباه مراته اللي شبه الملايكة القمر دي. ولسه قلبه متعلق بالعقربة نورا، ده أول ما دخل من الباب سألني عليها، هي فين..."
لتكمل بصوت يملؤه الازدراء.
"زي عادته متغيرش. حتى بعد ما سابته وراحت اتخطبت لواحد غيره وخلت سيرته على كل لسان. كلنا عارفين وفاهمين إنه لسه بيحبها ومتجوز داليدا هانم بس عشان يداري على الفضيحة اللي سببتهاله العقربة نورا."
لتكمل بغيظ وحدة.
"أنا عارفة بيحبها على إيه، دي بني آدمة أنانية ومدلعة."
قاطعتها زينات، والدتها، بقسوة.
"مروة آخرسي خالص ومسمعش ليكي نفس. انتي عارفة لو داغر باشا سمعك بتتكلمي كده هيقطع رقبتك ورقبتي. لمي لسانك، إحنا مالناش دعوة بالكلام ده."
غمغمت مروة بارتباك.
"خلاص. سكت. سكت أهو مش هفتح بوقي تاني."
استندت داليدا إلى الجدار الذي خلفها، وقد بدأت تميد الأرض تحت قدميها، شاعرة بعالمها بأكمله ينهار من حولها فور سماعها تلك الكلمات. تباطأت أنفاسها التي بدأت تنسحب من داخل صدرها، شاعرة كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حولها، وقد بدأت البرودة تسري في أنحاء جسدها، ودقات قلبها تتباطئ حتى ظنت أنها ستسقط أرضًا مغشياً عليها. وضعت يدها فوق قلبها محاولة تخفيف الألم الحاد الذي يعصف به، وظلت تهمس دون وعي من بين شهقات بكائها المريرة بكلمات متقطعة غير مترابطة بصوت مكتوم باكٍ والقهر ينبثق منه.
"بيحب نورا. بيحب نورا..."
لكن تجمدت كلماتها تلك على شفتيها عندما رفعت رأسها ورأت الشخص الواقف على بعد خطوات منها يتطلع إليها بأعين متسعة بالذعر، وجه شاحب يملؤه الصدمة.
رواية قلبه لا يبالي الفصل الثالث 3 - بقلم هدير نور
استندت داليدا إلى الجدار الذي خلفها وقد بدأت تميد الأرض تحت قدميها. شعرت بأن عالمها بأكمله ينهار من حولها فور سماعها تلك الكلمات. تباطأت أنفاسها التي بدأت تنسحب من داخل صدرها، وشعرت كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حولها، وقد بدأت البرودة تسري في أنحاء جسدها ودقات قلبها تتباطأ حتى ظنت أنها ستسقط أرضاً مغشياً عليها. وضعت يدها فوق قلبها محاولة تخفيف الألم الحاد الذي يعصف به، وظلت تهمس دون وعي من بين شهقات بكائها المريرة بكلمات متقطعة غير مترابطة بصوت مكتوم باكي والقهر ينبثق منه.
"بيحب نورا. بيحب نورا..."
لكن كلماتها تلك تجمدت على شفتيها عندما رفعت رأسها ورأت الشخص الواقف على بعد خطوات منها يتطلع إليها بعينين متسعتين بالذعر، وجه شاحب يملؤه الصدمة. اندفعت نحوها فاطمة ما إن رأتها بحالتها تلك مقتربة منها، هاتفة بقلق ولهفة وهي تمرر يدها فوق ذراعها بحنان.
"مالك يا حبيبتي. مالك بتعيطي ليه؟ إيه حصل؟"
هزت داليدا رأسها بقوة غير قادرة على الإجابة بشيء، فقد كان الألم الذي يعصف بقلبها يكاد يمزقها. ازدادت شهقات بكائها مما جعلها تضع يدها فوق فمها تحاول كتم شهقات بكائها التي أخذت تتعالى بقوة، مما جعل فاطمة تجذبها إلى داخل إحدى الغرف الخلفية.
أجلستها ببطء على إحدى الأرائك هامسة بصوت يملؤه القلق، بينما تجلس بجانبها هي الأخرى.
"فهميني إيه اللي في بالك؟ حصل إيه؟"
لم تجبها داليدا وظلت منحنية الرأس تنتحب بصوت يقطع أنياط قلب من يسمعه. ظنت فاطمة في البداية أنها لم تسمعها، وهمت بسؤالها مرة أخرى عندما رفعت داليدا رأسها فجأة هامسة بصوت منخفض مرتعش من بين شهقات بكائها.
"داغر ونورا كانوا مخطوبين لحد إمتى؟"
شحب وجه فاطمة فور سماعها كلماتها تلك، بللت شفتيها بارتباك قبل أن تجيبها بتردد.
"وإنتي... وإنتي عرفتي منين إنهم كانوا مخطوبين؟"
قاطعتها داليدا بصوت مرتعش بينما تحاول السيطرة على دموعها التي لا تزال تنهمر على خديها.
"كانوا مخطوبين لحد إمتى يا ماما فاطمة؟"
غمغمت فاطمة بانفعال وقد احتقن وجهها من شدة الغضب، بينما تنهض محاولة مغادرة الغرفة.
"أكيد دي لعبة من ألعاب شهيرة أنا..."
قاطعتها داليدا هاتفة بحدة، عالمة بأنها تحاول الهرب من إجابتها على سؤالها.
"جاوبتي. كانوا مخطوبين لحد إمتى؟"
تنهدت فاطمة ببطء قائلة باستسلام، بينما تعاود الجلوس بمكانها مرة أخرى.
"سابوا بعض من مدة كبيرة يا داليدا..."
قاطعتها داليدا بنبرة مختنقة بالدموع، بينما تهز رأسها بقوة.
"بس اللي سمعته إنها مش مدة كبيرة زي ما بتقولي..."
لتكمل بارتجاف وهي تبتلع الغصة التي تشكلت والتي كانت على وشك أن تختنق بها.
"سابوا بعض إمتى؟"
أخذت فاطمة تتطلع إليها عدة ثوانٍ بتردد، عالمة بأنه لا مفر من قول الحقيقة لها، فمن الأفضل أن تخبرها هي قبل أن تعلم من شخص آخر، فقد كانت في بداية خطبتها لداغر تعتقد بأنها تعلم بالعلاقة التي كانت تربط بين داغر ونورا ابنة عمه، لكن بعد فترة من زواجهما أدركت أنها لا تعلم شيئًا عن هذا الأمر، لذا فضلت أن تصمت حتى لا تقوم بجرحها.
تَحَنّحت هامسة بصوت منخفض.
"من شهرين..."
شعرت داليدا بألم حاد يعصف بقلبها يكاد أن يحطم روحها إلى شظايا فور سماعها كلماتها تلك التي تؤكد شكوكها، فقد تزوجها فقط لأجل إثارة غيرة ابنة عمه، تزوجها هي الحمقاء، الساذجة التي يسهل التلاعب بها من أجل أن يحافظ على كرامته التي اهتزت بالتأكيد عندما تركته ابنة عمه وفضلت رجلاً آخر عليه.
هدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها عندما أدركت أنه قام بخطبتها بعد أسبوع واحد من ترك نورا له، مسرعاً بخطبتها لكي يحفظ ماء وجهه ونكاية بابنة عمه. ضغطت بيدها على قلبها للتخفيف من الألم الذي لا يعصف به والذي أصبح لا يطاق، بينما تشعر بالمرض والغثيان مما جعلها تنتفض واقفة مترنحة على قدميها التي أصبحت كالهلام غير قادرة على حملها.
انتفضت فاطمة واقفة هي الأخرى مقتربة منها سريعاً، هاتفة بلهفة وهي تمسك ذراعها.
"داليدا..."
لكن داليدا نفضت يدها بعيداً عنها، بينما تتراجع إلى الخلف بتعثر هامسة بصوت مرتعش ضعيف.
"أنا... أنا كويسة، متقلقيش."
راقبت فاطمة بقلق وجهها الشاحب الذي لا ينذر بالخير، شاعرة بالخوف والقلق عليها. أمسكت بيدها تقبض عليها بقوة بين يديها قائلة بصوت يملؤه الألم.
"أنا عارفة إنك فهمتي إنه اتجوزك علشان يرد كرامته، علشان سابته واتخطبت لغيره، بس صدقيني يا حبيبتي الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة..."
لتكمل بيأس عندما بدأ على وجه داليدا عدم تصديقها.
"هما أصلاً كانوا في حكم الخطوبين، مش مخطوبين رسمي زي ما إنتي فاهمة."
ابتعدت عنها داليدا متراجعة إلى الخلف بقوة رغم ترنحها وشعورها بالإغماء، غير راغبة في استماع أي شيء أو أي من مبرراتها تلك. همست بصوت ممزق عاجز وقد بدأت بالانتحاب مرة أخرى.
"أنا... أنا عايزة أمشي من هنا..."
لتكمل بينما تتلفت حولها كما لو كانت تائهه تبحث عن منفذ يمكنها الهرب منه.
"أنا... أنا لازم أطلق منه..."
أسرعت فاطمة فور سماعها كلماتها تلك بجذبها من يدها، مجلسة إياها بلطف فوق الأريكة مرة أخرى، هاتفة بذعر بينما تجلس بجانبها.
"طلاق؟ طلاق إيه يا داليدا؟"
هتفت داليدا بصوت مرتفع بعض الشيء من بين شهقات بكائها الحادة.
"اومال عايزاني أعمل إيه؟ أفضل عايشة مع واحد بيحب واحدة غيري، واحد اتجوزني بس علشان يغيظ واحدة تانية..."
شعرت فاطمة بالشفقة والألم عليها، فقد كانت تعلم بأن ما تمر به الآن ليس من السهل على أي امرأة تحمله. زفرت ببطء محاولة تهدئة ذاتها قبل أن تتمتم بهدوء.
"أنا عارفة إنه صعب عليكي، بس فكري، إنتوا اتجوزين بقالكوا 3 أسابيع، يعني ممكن تبقي حامل."
توقفت داليدا عن البكاء فور سماعها ذلك، وقد تجمدت عينيها على حماتها تتطلع إليها عدة لحظات بثبات وجمود، قبل أن تنفجر فجأة بالضحك. ليتحول بكائها إلى ضحك مرتفع هستيري. ارتمت للخلف على الأريكة ممسكة ببطنها التي بدأت تؤلمها وهي لا تزال تضحك وعينيها تنحدر منها الدموع في ذات الوقت مغرقة وجنتيها الشاحبتين.
هتفت فاطمة بحدة بينما تتابع ضحكها الانفعالي وبكائها في ذات الوقت بارتياب وخوف.
"داليدا اهدي. مش كده."
هزت داليدا رأسها بينما تستمر بالضحك ودموعها لا تزال تتساقط من عينيها. هتفت بصوت متقطع.
"حامل؟ أنا حامل؟"
أرجعت رأسها إلى الخلف مستندة إلى ظهر الأريكة، بينما أخذت ضحكاتها تزداد بقوة، لكنها نهضت مقتربة من فاطمة التي كانت تحدق بها بنظرات ممتلئة بالقلق والخوف. همست بالقرب من أذنها بصوت متقطع.
"أنا لسه بنت ابنك لحد دلوقتي ملمسنيش..."
لتكمل بصوت ممزق ممتلئ بالألم وقد توقفت ضحكاتها، وقد فهمت أخيراً لماذا لم يتم إتمام زواجهم حتى الآن، لماذا يعاملها كما لو أنها غير موجودة بحياته، غير واعية إلى تلك الجالسة بجانبها بوجه شاحب ترتسم عليه الصدمة.
"دلوقتي فهمت ليه. قد إيه أنا غبية، إزاي مفهمتش إنه مكنش قادر يلمسني لأنه بيحب واحدة تانية..."
نهضت مرة أخرى ببطء، ولم تمنعها هذه المرة فاطمة التي كانت لا تزال داخل صدمة ما سمعته منها. شاهدتها فاطمة تغادر الغرفة بخطوات بطيئة مترنحة، ترغب في اللحاق بها وإيقافها، لكنها لا تستطيع. كيف يمكنها ذلك؟ فلا يوجد شيء قد يقنعها من البقاء مع داغر أو أن يداوي الألم الذي تسبب به لها. لكنها لن تسمح بأن ينتهي زواج ولدها بهذا الشكل، خاصة وأنها تعلم جيداً بأن داغر لن يجد بحياته زوجة مثل داليدا، فهي تمتلك طيبة قلب لم تجدها بأي شخص في حياتها. يجب أن تجعلهم يعطون زواجهم فرصة أخرى.
نهضت مسرعة تركض لكي تلحق بداليدا التي وجدتها تخطو ببطء وترنح بالرواق المؤدي للبهو الداخلي للقصر. هتفت بينما تقبض على ذراعها بلطف.
"داليدا اسمعيني يا حبيبتي، أنا عارفة إنه صعب عليكي، بس علشان خاطري ادي لجوازك فرصة، ادي لداغر فرصة تانية. هو لسه ميعرفكيش..."
قاطعتها داليدا بحدة بينما تلتف إليها وهي تمسح بتصميم وجهها الغارق بالدموع بكف يدها.
"ادي لمين فرصة؟ ادي فرصة لواحد ضحك عليا، لواحد اتجوزني وعاملني زيي، زي أي كرسي مرمي في البيت ده، واحد خلاني كل يوم أنام وأنا دمعتي على خدي وبحاول أفهم أنا فيا إيه غلط علشان جوزي ميلمسنيش ولا يقرب مني، ويعاملني بالشكل ده، وفي الآخر طلع متجوزني بس علشان يغيظ بنت عمه..."
همست آخر كلماتها تلك لتنفجر بعدها في بكاء مرير. أسرعت فاطمة باحتضانها بين ذراعيها، بينما تبكي هي الأخرى، مربتة فوق ظهرها بحنان محاولة التخفيف عنها. بعد أن هدأت داليدا قليلاً، حاولت الابتعاد من بين ذراعي فاطمة هامسة بصوت أجش من أثر بكائها.
"أنا هطلع ألم هدومي وأمشي من هنا..."
شدت فاطمة يديها من حولها غير سامحة لها بالذهاب، بينما تتمتم برجاء.
"طيب ممكن تصبري بس لبكرة..."
لتكمل برجاء عندما هزت داليدا رأسها بالرفض.
"علشان خاطري يا داليدا. لو فعلاً معتبراني زي مامتك..."
قاطعتها داليدا بصوت مرتعش.
"إيه الفرق دلوقتي. أو بكرة أنا كده كده همشي."
ربتت فاطمة على ظهرها هامسة برجاء بينما عينيها غارقتين بالدموع.
"ومعزتي عندك تصبري لبكرة."
وقفت داليدا تتطلع إليها عدة لحظات بتردد، لكنها هزت رأسها بالموافقة ببطء وهي تفكر، فاليوم أو غداً لن يفرق كثيراً، فهي ستغادر هذا المنزل ولن تعود إليه مرة أخرى.
خرج أحد الخدم من غرفة الطعام التي كانوا يقفون بعيداً عنها بعدة أمتار قليلة، اقترب منهم معلماً إياهم بأدب بأن العشاء أصبح جاهزاً وأن باقي العائلة تنتظرهم. صرفته فاطمة بهدوء، ثم التفتت إلى داليدا مربتة على يدها بحنان هامسة.
"يلا يا حبيبتي ندخل، الكل مستنينا، وحاولي متبينيش لحد أي حاجة."
أومأت داليدا رأسها، ثم تبعتها إلى غرفة الطعام بصمت وهي تمسح وجنتيها من أي دموع قد تكون عالقة بها.
فور دخول داليدا غرفة الطعام، تجمدت قدماها بمكانها عندما وقعت عينيها على داغر الذي كان جالساً على رأس الطاولة بوجه متجهم، بينما يستمع إلى ما تقوله ابنة عمه شهيرة. شعرت بألم حاد يعصف بداخلها عند رؤيتها له، وبرغبة بالبكاء تتصاعد داخلها مرة أخرى. همت أن تستدير وتغادر المكان، ولكن أدركت فاطمة ما تحاول فعله، وربتت بحنان على ظهرها تحثها على التقدم لداخل الغرفة، لكن قدمي داليدا أبت التحرك، مما جعلها تقترب منها هامسة بأذنها.
"اتحركي يا حبيبتي. اتحركي علشان خاطري."
ابتلعت داليدا غصة الألم التي تشكلت بداخلها وتقدمت معها لداخل الغرفة. جلست بمقعدها المعتاد بجوار داغر، الذي شعرت بنظراته تنصب عليها بتركيز، لكنها تجاهلته وركزت نظراتها على الصحن الذي أمامها.
انتفضت بقوة في مقعدها عندما شعرت بيده تمر فوق رأسها بينما يغمغم باهتمام:
"مالك يا حبيبتي؟ انتي تعبانة؟"
شعرت داليدا بالغضب يندلع بداخلها، وقد كانت تدرك الآن أن الاهتمام الذي يظهره لها أمام عائلته ليس سوى اهتمام كاذب. فقد فهمت أخيراً سبب تحوله من الزوج البارد غير المبالي داخل غرفتهم الخاصة، إلى الزوج المحب المهتم الحنون الذي يظهر دائماً أمام عائلته. فقد كان يحاول أن يثير بها غيرة ابنة عمه نورا، محاولاً إثبات نجاح زواجهم للجميع.
شعرت بالغضب يندلع بداخلها كبركان ثائر، مما جعلها تبعد رأسها إلى الخلف بحدة بعيداً عن يده، بينما تجيبه بقسوة:
"مش تعبانة."
شعرت بجسده يتوتر في مقعده بسبب رد فعلها غير المتوقعة تلك، بينما كانت أنظار جميع أفراد الأسرة تنصب عليهم. رأته بطرف عينيها يزفر بحدة وعلى وجه يرتسم تعبير حاد قاتم، ضاغطاً بقوة فوق شوكة الطعام التي بيده حتى ابيضت مفاصل أصابعه. لكنه من ثم أخذ يشرع بتناول طعامه بصمت.
أجبرت نفسها على تناول الطعام هي الأخرى، والذي كان مذاقه كالتراب على لسانها، متجاهلة معدتها التي أخذت بالاعتصار صارخة بالاعتراض والرفض. تجمدت معلقة الطعام على فمها عندما سمعت داغر يلتفت إلى شهيرة قائلاً باقتضاب:
"أومال فين نورا؟ منزلتش تتعشى معانا ليه؟"
أجابته شهيرة بينما ترسم ابتسامة هادئة فوق شفتيها:
"نورا خرجت النهاردة تتعشى مع خطيبها."
أخفت داليدا يديها التي أخذت بالارتجاف بقوة أسفل الطاولة حتى لا يلاحظها أحد، بينما تراقب باهتمام رد فعل داغر على هذا الخبر. رأته يومأ برأسه ببطء بينما يشرع مرة أخرى في تناول طعامه بهدوء. لكن لم يغفل عنها انقباض فكيه بقوة أو العرق الذي انتفض بقوة بجانب عنقه. فقد بدا كما لو كان يحاول التحكم برد فعله أمام الآخرين حتى لا يظهر تأثره أمامهم.
تجمعت دموع غبية كثيفة في عينيها، حاولت الضغط على شفتيها في محاولة منها لكبت دموعها تلك وعدم فضح أمرها أمام الآخرين، لكنها فشلت. لذا يجب عليها أن تنفرد بنفسها حتى لا تنفجر بالبكاء أمامهم. انتفضت واقفة مما جعل كرسيها يسقط للخلف بقوة، لكنها لم تأبه بأي شيء، حتى لم تأبه بنظرات باقي الجالسين الذين كانوا يرمقونها بصدمة. فكل ما يهمها الآن أنها يجب أن تغادر هذا المنزل الآن في الحال، لا يمكنها الانتظار إلى الغد كما وعدت حماتها.
وقف داغر هو الآخر هاتفا بقلق بينما يحيط كتفيها بيديه:
"إيه يا حبيبتي مالك؟"
لم تتحمل أن تستمع إلى كذبه أو نفاقه هذا أكثر من ذلك. انتفضت مبتعدة عنه متراجعة بحدة إلى الخلف بعيداً عن يديه، كما لو كانت لمسته تحرقها، هاتفة بقسوة:
"متلمسنيش."
ثم التفتت سريعاً مغادرة الغرفة، تاركة إياه واقفاً متصلباً بمكانه، بينما شهيرة ابنة عمه التي كانت تتابع المشهد بنظرات ممتلئة بالشماته، مغمغمة بخبث وبصوت مرتفع:
"أوووبس..."
لكن داليدا لم تأبه لها وغادرت الغرفة وجسدها يرتجف بقوة، كما لو أن صاعقة قد ضربتها، شاعرًة بقبض حادة تعتصر قلبها داخل صدرها. وكل ما يدور بعقلها بأنها يجب أن تتركه وتترك هذا المنزل في الحال قبل أن تنهار أمامهم وتفقد ما تبقى من كرامتها، فالجميع يعلم سبب زواجه منها، حتى الخدم يعلمون. التفتت على عقبيها صاعدة إلى غرفتها لتقوم بجمع أشياءها وترحل عن هنا، متجاهلة هتاف فطيمة التي أدركت على الفور لما تنوي داليدا فعله. تجاهلتها واستمرت الصعود إلى غرفتها، تاركة باقي العائلة تتهامس من خلفها، بينما داغر كان واقفاً بمكانه وقد كان شبه البركان الذي على وشك الانفجار بأي لحظة.
فور دخولها إلى غرفتها اتجهت مباشرة إلى خزانة ملابسها، تخرج حقيبتها وتلقي بها كل ما يقع تحت يدها من ملابسها بإهمال، وجسدها كله يرتجف بعنف، بينما عقلها غير واعٍ لما يدور من حولها. فمعرفتها بحبه لامرأة أخرى غيرها وخداعه لها بهذا الشكل يمزق قلبها. أخذت تخرج ملابسها وتلقيها بإهمال بحقيبتها، حتى وقعت يدها على قميص النوم الذي ارتدته ليلة أمس ورآها داغر به. انهارت مرتمية فوق الأرض وهي لازالت ممسكة به بين قبضتيها، وقد اشتدت يديها عليه بقوة عند تذكرها لقبلته لها، ثم دفعه لها بعيداً عنه كما لو كانت تحمل وباء قد يعديه منه. انهمر عليها بكلمات رفضه لها القاسية. خرج نشيج حاد منها، بينما بدأت الآن بفهم لما فعل معها هذا، فقد كان مظهرها العاري لا يمكن لأي رجل أن يرفضه، خاصة وأنها كانت تعرض نفسها عليه. وبعد أن قام بتقبيلها أفاق وأدرك ما فعله، مما جعله يدفعها بعيداً عنه. فهو لم يرغب بها هي، فقد كان يرغب بالمرأة التي يحبها، نورا ابنة عمه. انفجرت ببكاء مرير، بينما بدأت بهستيرية جنونية بتمزيق قميص النوم الرقيق الذي بين يديها، وفكرة جنونية تسيطر عليها بأنه عندما قبلها كان يتخيل نورا مكانها هي. لم تتوقف حتى أصبح القميص قصاصات بالية من القماش متنثرة حولها. انهارت مرتمية فوق الأرض مطلقة صرخات متألمة تمزق أنياط من يسمعها.
بعد عدة دقائق. نهضت داليدا مرة أخرى واتجهت نحو حقيبة ملابسها، وقد استعادت أخيراً سيطرتها على ذاتها. كانت تغلق سحاب حقيبتها عندما انفتح باب الغرفة فجأة، مما جعله يرتطم بقوة بالجدار. التفتت حول نفسها لتجد داغر يدلف إلى الغرفة بوجه قاتم غاضب، والنيران تثور بعينيه التي تركزت على حقيبة ملابسها الموضوعة فوق الفراش. راقبته بجمود وهو يتقدم نحوها حتى أصبح يقف أمامها مباشرة.
رفعت رأسها نحوه تتطلع نحوه ببرود يعاكس للنيران التي تشتعل بداخلها محرقة إياها بقسوة. أشار داغر برأسه نحو الحقيبة قائلاً من بين أسنانه:
"إيه؟ خوفتي من عملتك الوسخة وقررتي تهربي؟"
أجابته داليدا بصوت حاد لأول مرة يسمعه منها:
"العمايل الوسخة دي. إنت اللي بتعملها مش أنا."
احتقن وجهه بالغضب فور سماعه كلماتها تلك، قبض على ذراعها بقسوة هاتفا بشراسة بينما قبضته يزداد ضغطها على ذراعها:
"عارفة اللي عملتيه تحت ده قدامهم ده فيه موتك."
شعرت بالرعب يجتاحها فور رؤيتها لوجهه الذي اسود من شدة الغضب، فقد كان أشبه ببركان ثائر على وشك الانفجار بأي لحظة. انطلقت منها صارخة متألمة فور أن قبضت يده الأخرى على شعرها بقبضة مؤلمة، هاتفا بشراسة:
"مش داغر الدويري اللي مراته تقف قصاده تزعق وصوتها يعلي عليه قدام الناس."
ليكمل بقسوة وهو يزيد من قبضته حول شعرها يجذبه بعنف:
"لو اللي عملتيه تحت ده اتكرر تاني هدفنك مكانك."
صرخت داليدا متألمة بينما تحاول مقاومته والإفلات من بين قبضته، لكن ما أصابها من ذلك إلا أنه قد شدد من قبضته حول شعرها يجذبه بعنف أكثر، مما جعلها تهتف من صرخات ألمها:
"متقلقش. أكيد مش هيتكرر تاني. لإن هسيبك وهطلق منك."
أفلت داغر شعرها من يده محيطاً خدها بقبضته يعتصرها بقسوة، هامساً بهسيس مرعب بينما يقرب وجهه من وجهها حتى كادت شفتيهما أن تتلامس:
"متقدريش تسبيني أو تطلقي مني. وإنتي عارفة ده كويس."
همست بصوت مرتعش وقد ألمها مدى ثقته من حبها وضعفها نحوه:
"هسيبك يا داغر. ولو ده آخر حاجة هعملها في حياتي هسيبك وهطلق منك."
لكنها ابتلعت باقي جملتها بخوف عندما رأت الغضب الذي ثار بعينيه. زمجر بقسوة بالقرب من أذنها:
"متقدريش. يوم ما هتخرجي من هنا هتخرجي جثة على ظهرك. مش على رجلك."
شهقت بقوة عندما اندفع نحوها يحكم قبضته القاسية فوق ذراعها يجذبها نحوه مرة أخرى ليصبح جسدها مضغوطاً بقسوة على جسده الصلب. همس بفحيح لاذع بأذنها:
"عايزة توصلي لإيه باللي بتعمليه ده."
ليكمله بينما يده تحيط خلف عنقها مقرباً وجهها من وجهه حتى أصبحوا شبه متلامسين، بينما أنفاسه الحارة المشتعلة تلامس وجهها:
"عايزة تلفتي نظري مش كده؟ فكرك لما تعملي كده إنّي هكمل اللي حصل بينا امبارح..."
تراجع رأس داليدا بحدة إلى الخلف كما لو قام بصفعها عند سماعها كلماته تلك، شاعرًة بها كما لو كانت نصل حاد انغرز بقلبها. فقد كان يذكرها بإذلاله لها عندما قام بتقبيلها ثم رفضها بعدها بقسوة. همست بصوت مرتجف والالم الذي تشعر به يكاد يحطمها روحها:
"إنت مريض..."
لتكمل بقسوة عندما رأت الابتسامة الملتوية التي ارتسمت على شفتيه، بينما تدفعه بقوة بصدره حتى تحررت من بين ذراعيه متخذة عدة خطوات للخلف:
"إنت مش بس مش مريض. لا إنت مريض ومهووس..."
لتكمل بشراسة غير آبهة بوجهه الذي اشتعل كبركان ثائر من الغضب:
"أيوه مهووس. اللي يتجوز واحدة علشان بس يغيظ بنت عمه اللي سابته علشان واحد تاني يبقى مهووس ومجنون."
أردفت لاهثة بحدة وغضب بينما ترمقه بازدراء مخرجة كل الغضب والألم الذي يعصف بها:
"اتجوزتني بس علشان تبين للكل إنها مش فارقة معاك. إنت مريض ومنعدكش ريحة الكرامة أو الدم. إنت..."
وقبل أن تنهي جملتها قذفها داغر بحدة على الفراش الذي كان خلفها، مما جعل جسدها يرتطم بقوة به. ارتمي فوقها محاصراً إياها أسفل جسده. كان يتطلع إليها بعينين تعصفان بالغضب. رفع يده عالياً كما لو كان على وشك ضربها، مما جعلها تصرخ بخوف مغطية وجهها بيديها حماية.
سمعته يطلق زمجرة شرسة بينما أخذ يضرب الفراش بقبضته بجانب رأسها كما لو كان يفرغ غضبه بالفراش. ظل على حالته تلك عدة لحظات متجاهلاً شهقات بكائها وصراخها الفازع. أبعد يدها عن وجهها قابضاً على وجهها يعتصره بيده مزمجراً بجانب أذنها:
"وديني لاندمنك. على كل حرف قولتي."
ثم دفعها بقسوة مبتعداً عنها وهو يتطلع نحوها بأعين تلتمع بغضب أعمى. قبض على يديه بقوة بجانبه بينما يراقب انتحابها الذي أخذ بالازدياد عندما صدح رنين هاتفه الذي أخرجه. يتطلع إليه عدة لحظات قبل أن يلتف ويغادر الغرفة سريعاً، مغلقاً الباب خلفه بقوة اهتزت لها أرجاء المكان.
بعد عدة دقائق. نهضت داليدا أخيراً من فوق الفراش بجسد مترنح، بينما لازالت تبكي بحرقة. لا تصدق بأنه كان على وشك ضربها وبعثرة ما تبقى من كرامتها أسفل حذائه. يجب عليها أن تترك هذا المنزل سريعاً. التقطت حجابها من فوق المقعد تعقده حول رأسها بيد مرتجفة، ثم غادرت الغرفة سريعاً، تاركة خلفها حقيبة ملابسها ملقاة فوق الفراش، غير آبهة بها. فكل ما يهمها الآن هو أن تغادر هذا المنزل بأقصى سرعة لديها قبل أن تنتابها إحدى نوباتها، فقد بدأ جسدها بالارتجاف بقوة وحرارة جسدها كانت تنخفض وأصبح لون جلدها شاحباً للغاية. فهذه الحالة.
هبطت إلى الأسفل فلم تجد أحد ببهو القصر، فقد كان الجميع لا يزالون بغرفة الطعام.
خرجت داليدا من القصر متجاهلة نظرات الحرس التي انصبت عليها بالدهشة عندما رأوها تخرج سيراً على الأقدام.
لكنهم خرجوا من حالتهم تلك وفتحوا لها البوابة سريعاً لتخرج منها إلى الطريق.
تخطو ببطء بقدمين ترتجف بقوة تتجه نحو فيلا خالها التي كانت تبعد عن هنا بعدة أمتار قليلة.
لكنها لم تستطع مواصلة الطريق، انهارت قدماها تماماً من شدة الارتجاف مما جعلها تجلس على الرصيف الذي بجانب الطريق.
تحيط جسدها بذراعيها بقوة محاولة إيقافه عن الارتجاف وبث بعض الدفء به.
فقد كان الطقس بالفعل بارداً، لكن لم يكن بذات قسوة البرودة التي تشعر بها.
اخفضت رأسها بقوة بينما تنتحب على حالتها تلك.
ضغطت بيدها فوق قلبها للتخفيف من الألم الذي تشعر به والذي أصبح لا يطاق.
فقد أهانت نفسها منذ البداية عندما قبلت الزواج منه بهذه السرعة.
فقد تزوجته بعد تقدمه لخطبتها بشهر واحد فقط.
فقد كانت مدة قصيرة للغاية، وأثناء تلك الخطبة القصيرة لم يلتقوا سوياً إلا مرتين.
فقد كان يتحجج بعمله، لكن حتى أثناء مقابلتهم تلك كان دائماً صامتاً، مقتضب الوجه.
وعندما حاولت التحدث كان يجيبها ببرود.
لكنها ظنت أن هذه طبيعته ومع الوقت ستستطيع تغيير طبعه هذا خاصة وأنها سوف تصبح زوجته.
لكنها كانت حمقاء، كيف لم تفهم؟
كيف لم تفهم أنه لم يكن يريدها؟
خاصة بعد رفضه للمسها بليلة زفافهم.
فهي لم تكن بالنسبة إليه سوى بديلة يحاول بها إثارة غيرة ابنة عمه التي تركته من أجل رجل آخر.
نهضت ببطء من فوق الرصيف وجسدها لا يزال يرتجف بقوة بينما تشعر ببرودة قارسة كما لو أن هناك صقيعاً يسري بدمائها.
لكن رغم ذلك أجبرت ذاتها على أن تكمل السير.
فلا يمكنها البقاء جالسة بهذا الشكل أكثر من ذلك، كما أن الفيلا خطوات أصبحت على بعد عدة خطوات قليلة.
وصلت أخيراً إلى منزل خالها، دقت الجرس بيد مرتعشة.
وخلال ثوان قليلة فتح الباب.
وما أن رأت داليدا أمامها الدادة منيرة التي قامت بتربيتها منذ الصغر.
ألقت بجسدها المرتجف بين ذراعيها تحتضنها بقوة بينما تنتحب.
شهقات بكائها أخذت تزداد بقوة.
شدت منيرة من احتضانها لداليدا وهي تهتف بفزع: مالك؟ مالك يا حبيبتي، في إيه؟
قاطعت جملتها سرعان ما انتبهت لجسد داليدا المرتجف بين يديها لتدرك بأن قد انتابتها إحدى النوبات التي كانت تصيبها منذ الصغر.
أخذتها سريعاً و دلفت إلى داخل غرفة الاستقبال.
أجلستها على الأريكة واتجهت إلى الطابق العلوي لكي تجلب لها عدة مفارش حتى تغطيها بها.
عادت منيرة مرة أخرى إلى داليدا تعقد المفرش السميك حول جسدها محاولة بث الدفء بها.
وعندما بدأ ارتجافها يقل قليلاً، اتجهت إلى الأعلى لكي تخبر مرتضى خال داليدا حتى يأتي ويعلم ما حدث لها.
كانت داليدا جالسة فوق الأريكة بوجه محتقن من شدة بكائها بينما تعقد الشرشف الذي أتت به الدادة منيرة حولها، تشعر بالامتنان لها.
لكنها ليست هذه أول مرة تقوم بها برعايتها، فقد قامت بتربيتها بعد وفاة والدتها معوضة إياها ولو قليلاً عن حنان والدتها التي فقدته وهي لازالت طفلة صغيرة.
اعتدلت في جلستها ببطء عندما رأت خالها يدلف إلى الغرفة وتتبعه جيجي إحدى صديقاته التي كانت معروفة بسوء السمعة.
أخذت تمسح الدموع العالقة على خديها بيد مرتجفة.
بينما وقف مرتضى يتطلع إلى مظهر ابنة شقيقته المزري هذا عدة ثوان قبل أن يتمتم بقسوته المعتادة: إيه اللي حصل؟
أجابته داليدا بينما تشدد من قبضتها حول الشرشف الذي يحيطها: عايزة أتكلم معاك لوحدنا.
هزت منيرة التي كانت واقفة بجانبها رأسها بتفهم قبل أن تربت على كتفها بحنان وتغادر الغرفة.
لكن ظلت جيجي واقفة بمكانها بجانب مرتضى رافضة التحرك.
مما جعل داليدا تنظر إليها بارتباك.
غمغمت محاولة تنبيهها: ممكن تسيبنا لوحدنا.
لكنها ابتلعت باقي جملتها بينما تتبع بعينين متسعتين بالصدمة ذراع مرتضى التي التفت حول خصر جيجي جاذباً إياها بجانبه بينما يتمتم بصوت حاد: جيجي مش غريبة.
ليكمل بقسوة بينما تسند جيجي رأسها على كتفه بينما تتطلع نحو داليدا بنظرات تملؤها الوقاحة: جيجي تبقي مراتي.
انتفضت داليدا تعتدل بمكانها فور سماعها كلماته تلك تمرر نظراتها المتسعة بالصدمة بينهم.
همست ببطء بينما تحاول التأكد مما سمعته، فجيجي تلك تعمل كراقصة كما أنها ذات سمعة سيئة للغاية، تفتح بيتها لممارسة القمار والرذيلة: مراتك؟ مراتك إزاي؟
قاطعها مرتضى مزمجراً بقسوة بينما يده تشدد حول خصر زوجته التي كانت تنظر إليها بسخرية: ميخصكيش.
وأخلصي، جاية في الوقت ده ليه؟ وفين داغر؟ إزاي سمحلك تمشي في وقت متأخر كده لوحدك؟
تراجعت فوق الأريكة وهي تشعر بأن قدميها غير قادرتان على حملها، فكم الصدمات التي تعرضت لها الليلة تكاد تزهق روحها.
ظل مرتضى يتطلع إليها عدة لحظات ليدرك بأنها لن تتحدث أمام زوجته.
فانحنى وهمس ببضع كلمات إلى جيجي التي هزت رأسها بالموافقة.
لتستدير وتغادر الغرفة بعد أن رمقت داليدا بنظرة تمتلئ بالشماتة والخبث.
غمغم مرتضى بصوته الجهوري بحدة بينما يكتف ذراعيه فوق صدره: هااا؟ إيه اللي حصل؟
أجابته داليدا بصوت منخفض مرتجف: أنا، أنا عايزة أطلق من داغر.
لكنها انتفضت في مكانها بذعر فور أن اندفع نحوها وهو يهتف بشراسة: عايززززه إيه؟
ليكمل بغضب عارم بينما يقبض على معصمها بقسوة جاذباً إياها من فوق الأريكة.
ينظر إليها بعينين تلتمع بالوحشية مما جعلها ترتجف من شدة الخوف.
فدائماً ما كانت تخاف منه وتهابه كثيراً بسبب غضبه هذا: سمعيني تاني كده، عايزة إيه؟
بللت شفتيها بطرف لسانها بتوتر بينما تهمس مجيبة إياه بصوت يمتلئ بالذعر: ع، عايزة أطلق.
صاح مرتضى بقسوة بينما يلوي معصمها بين قبضته: إنتي اتجننتي.
عايزة تطلقي من داغر الدويري ده على جثتي إنه يحصل.
تغلب غضبها على خوفها منه لتهتف وعينيها تلتمع بالشراسة والغضب: مش تسألني حتى داغر الدويري العظيم عمل فيا إيه.
لتكمل بتعثر وقد بدأت عينيها تمتلئ بالدموع: طلع متجوزني بس علشان يغيظ بنت عمه اللي سابته واتخطبت لواحد تاني.
كان مرتضى يستمع إلى ابنة شقيقته وعينيه مسلطة عليها ببرود كما لو أنها تخبره عن حالة الطقس وليس بمصيبة تهز أركان حياتها.
تطلعت نحوه بعينين متسعتين والدموع تتدفق منها بغزارة وقد بدأت تدرك الذي يحدث.
فخالها كان يعلم؟ نعم بالطبع يعلم، فقد كان شريك داغر بإحدى الشركات وبالطبع يعلم عن خطبته لابنة عمه التي تركته.
تراجعت إلى الخلف بينما تجذب يدها بحده من قبضته بينما تهمس بأنفاس محتبسة: كنت عارف مش كده.
أجابها مرتضى بحدة ولم يحاول الإنكار أو حتى يظهر بعض الأسف أو الندم: أيوه كنت عارف.
وإيه المشكلة؟ المهم إنه اتجوزك إنتي مش هي.
صاحت داليدا مقاطعة إياه بقسوة بينما تضرب بيدها فوق صدرها مشيرة إلى نفسها: أنا؟ أنا مكنتش أعرف.
إزاي؟ إزاي قدرت تخدعني معاه؟ إزاي قدرت تعمل فيا كده؟
أجابها بينما نظراته تزداد قسوة: كان لمصلحتك متعرفيش.
بعدين كان هيفرق إيه لو عرفتي.
قاطعته داليدا بحدة بينما تعقد ذراعيها حول جسدها بقوة محاولة السيطرة على ارتجاف جسدها الذي أصبح خارج عن السيطرة تماماً: كان هيفرق كتير.
عمري ما كنت هوافق أتجوز واحد شايفني بديلة لواحدة تانية.
علشان كده هطلق منه.
لتكمل بإصرار يعاكس اهتزاز صوتها والدموع التي تغرق عينيها: هطلق منه، حتى ولو فيها موتى.
اندفع نحوها مرتضى فجأة يقبض على ذراعها يلويه بقسوة خلف ظهرها صائحاً بشراسة وعينيه تثور بغضب أعمى: على جثتي.
إيه؟ عايزة الناس تقول بنت عيلة الراوي اطلقت بعد 3 أسابيع من جوازها؟ عايزة تحطي اسم الراوي في الأرض.
صاحت داليدا بغضب مقاطعة إياه غير آبهة بغضبه هذا: بقي لما أنا أطلق هحط اسم الراوي في الأرض؟
لكن انت لما تتجوز من واحدة رقاصة وسمعتها اللي دي الزفت على كل لسان في مصر مش هتحط اسم الراوي في الأرض.
لم يجعلها تكمل جملتها وأسرع بصفعها بقسوة على خدها بقوة مما جعل رأسها يرتد إلى الخلف بقسوة: اقفلي بوقك بدل ما أموتك بإيديا.
ليكمل بينما يزيد من لويه لذراعها خلف ظهرها مما جعلها تصرخ متألمة بينما تحاول تحرير ذراعها من قبضته القاسية تلك.
صاح بها من بين أسنانه المطبقة: هترجعي لجوزك ورجلك فوق رقبتك.
يشتمك؟ يضربك.
إن شاء الله حتى يخلص عليكي.
هتفضلي معاه فاهمة؟
هتفت وهي تحاول جذب ذراعها من بين قبضته الصلبة وقد بدأت في البكاء بهستيرية شاعرة بألم حاد يضرب ذراعها التي بين قبضته: مش هرجعله ومش هعيش معاه ولو دقيقة واحدة حتى لو اضطريت أهرب منك.
قاطعت جملتها بينما تطلق صرخة متألمة عندما دفعها إلى الخلف لتسقط بقسوة على الأرض.
وانهال عليها يضربها على وجهها بصفعات قوية متتالية، وقد اسودت عيناه كما لو أنه أصبح وحشاً طليقاً.
أخذ يصفعها سابباً إياها بأفظع الألفاظ والشتائم.
ثم قبض على شعرها من أسفل حجابها.
رواية قلبه لا يبالي الفصل الرابع 4 - بقلم هدير نور
قبض مرتضى على شعرها من أسفل حجابها يجذبها منه إلى باب المنزل بينما يهتف بأنفاس لاهثة:
= هرجعك بإيديا له. وابقي شوفي هتهربي إزاي منه لما يعرف اللي عملتيه. مش بعيد يدفنك حية وأخلص منك...
أخذت داليدا تقاومه بشدة، محاولة أن تتشبث بأي شيء على الأرض حتى لا تذهب معه، لكنه سحبها بقسوة من حجابها الذي انفك، جاذبًا إياها إلى الخارج ليعيدها إلى قصر الدويري، متجاهلاً صراخها المعترض المتألم.
هتفت داليدا من بين شهقات بكائها الحادة، بينما تتمسك بيده التي تسحب جسدها بقوة:
= علشان خاطري، علشان خاطري يا مرتضى بلاش ترجعني لهناك...
لكنه لم يستمع إليها واستمر بسحبها من يدها، يجر جسدها جراً فوق درجات الفيلا، غير آبهٍ بصراخها المتألم، دافعاً إياها بقسوة داخل سيارته. من ثم التف صاعداً بجانبها، مما جعلها تهتف بهستيرية وجسدها قد بدأ بالارتجاف، بينما تلتف تتمسك بمقبض الباب محاولة فتحه، وقد عاودتها نوبة الذعر من جديد:
= بلاش علشان خاطري تعمل فيا كده. أنا ورحمة أمي عندك بلاش تعمل فيا كده. بلاش ترجعني هناك. لو رجعت ممكن أموت.
صاح مرتضى بقسوة بينما يبعد يدها بقسوة من فوق مقبض الباب، مغلقاً إياه إلكترونياً:
= يا ريت يا شيخة تموتي، علشان أخلص بقى منك ومن قرفك...
ليكمل بشراسة عندما بدأ انتحابها يتحول إلى شهقات متقاطعة خافتة، بينما أخذ جسدها يرتجف بطريقة ملحوظة:
= أيوه ابدأي يلا ارتعشي واعمليلي فيها تايهة. التمثيلية اللي بتعمليها كل ما حاجة مش بتعجبك...
أردف عندما لم يجد منها ردة فعل على كلماته تلك، هامساً من بين أسنانه بينما يرمقها بازدراء وكراهية:
= حيوانة. غبية...
من ثم ظل يقود السيارة بصمت، متجاهلاً تلك التي انطوت بمقعدها ترتجف بقوة، بينما تنظر أمامها بأعين زائغة، حتى أوقف السيارة أمام بوابة قصر الدويري، الذي لم يكن يبعد عن فيلته كثيراً. هبط من السيارة، من ثم التف إلى بابها وفتحه، جاذبًا إياها بقسوة إلى الخارج عندما ظلت بمكانها جامدة لا تظهر أي ردة فعل. أخذ تناول حجابها الساقط من على رأسها، حيث كان متشبثاً حول رقبتها بإهمال، وضعه حول رأسها بطريقة عشوائية حتى يستر به شعرها. من ثم انحنى مهسهساً في أذنها بصوت منخفض مرعب، حتى لا تصل كلماته إلى الحراس الذين كانوا واقفين أمام بوابة القصر وأعينهم منصبه عليهم بتركيز وفضول:
= لو داغر عرف إن اللي على وشك ده بسببي محدش هيرحمك من اللي هعمله فيكي. لو سألك هتقولي وقعتي ولا اتنيلتي حصلك أي حاجة وأنتي عندي. فاهمة...
ظل عدة ثوانٍ يتطلع إليها منتظراً رداً منها، لكنها لم تجبه، ليدرك بأنها قد دخلت بالفعل بإحدى نوباتها وأصبحت بعالمها المظلم الخاص بها الذي تغرق به عندما تتنابها تلك النوبة. غمغم بسخرية لاذعة بالقرب من أذنها، بينما يسحبها من ذراعها بقسوة إلى داخل بوابة القصر:
= قال يعني لو عرف اللي حصلك هيهتم؟ زيك زي أي كرسي معفن في قصره ولا ليكي أي لازمة...
دفعها أمامه بقسوة حتى كادت أن تسقط، لكنه أسرع بتشديد قبضته حول جسدها المترنح، حتى وقف بها أمام أحد الحرس قائلاً بتعجرفة معتادة:
= وصل الهانم لحد جوه لأنها تعبانة ومرهقة.
أومأ له الحارس باحترام، من ثم انتظر أن تتحرك داليدا معه للداخل، هامساً بتعثر:
= اتفضلي معايا يا داليدا هانم...
لكن عندما وجدها جامدة بمكانها بصمت ولم تتحرك قيد أنملة واحدة، وضع يده بحرس شديد يتغلله الخوف على ذراعها، مرافقاً إياها إلى داخل القصر كما أمره مرتضى الراوي.
في ذات الوقت...
كان داغر جالساً بالبهو الداخلي للقصر مع طاهر زوج شهيرة، يحاولون إيجاد ذلك الشخص الذي يسرب معلومات عن الصفقات الخاصة بشركاته.
غمغم طاهر الذي كان يجلس بالمقعد المقابل له:
= هنعمل إيه يا داغر؟ الكلب ده مش عارفين نوصله ولا قادرين نعرف هو مين بالظبط.
زمجر داغر بقسوة بينما يقبض يده بقوة:
= هنلاقيه، متقلقش. بس وقتها محدش هيرحمه من تحت إيدي...
ليكمل بغضب بينما يشير إلى الأوراق التي أمام طاهر:
= خسرنا كام في الصفقة دي؟
أجابه طاهر بتردد بينما يقوم بفحص الورق بارتباك:
= حوالي. 10 مليون جنيه وكنا...
لكنه ابتلع باقي جملته، وقد تجمدت على شفتيه حافة فنجان القهوة الذي كان يهم أن يرتشف منه، بينما كانت عيناه مسلطة بصدمة على باب القصر الذي كان يولي داغر ظهره له. همس سريعاً بينما يضع فنجان القهوة من يده على الطاولة بصخب، مما جعل القهوة تنسكب عليها، مشيراً برأسه إلى خلف داغر:
= داغر...
التف داغر بتجهم ينظر إلى ما جذب اهتمامه بهذا الشكل، لكنه انتفض واقفاً بفزع وجسده يهتز بقوة كما لو ضربته صاعقة، عندما رأى داليدا تدلف من باب القصر بصحبة أحد الحرس بوجه باكي متورم بشدة به علامات حمراء آثار ضرب واضحة. اتجه نحوها على الفور، قابضاً على ذراعها جاذباً إياها خلف ظهره بحماية، قبل أن يندفع نحو الحارس الذي قبض على عنقه هاتفا بشراسة، بينما يزيد من اعتصاره لعنقه، معتقداً بأن أحد الحراس قد تعرض إليها:
= مين اللي اتجرأ وعمل فيا كده، انطق؟
أجابه الحارس بصوت يملؤه الذعر وهو يكاد أن يختنق بسبب قبضته التي حول عنقه:
= والله يا داغر باشا معرفش حاجة أكتر من إن مرتضى بيه الراوي وصل حضرتها لحد بوابة القصر اللي بره وطلب منا إن حد فينا يوصلها لحد عندك جوه...
غمغم داغر بصدمة بينما يرخي قبضته من حول عنقه، دافعاً إياه للخلف:
= مرتضى؟
من ثم التف إلى داليدا الواقفة خلفه ليجدها تتطلع أمامها بأعين متسعة، شارده، الدموع تنساب منها بصمت، كانت تبدو كما لو كانت بعالم آخر لا تدري بما يدور حولها. اقترب منها محيطاً كتفيها بيده، مغمغماً بنبرة جعلها هادئة قدر الإمكان:
= داليدا، إيه اللي حصل؟
لم تجبه وظلت على حالتها تلك من الصمت، بينما جسدها كان يرتجف بطريقة غير طبيعية. زفر بحنق عندما لم يحصل منها على إجابة، ابتعد عنهم عدة خطوات مولياً ظهره لهم، مخرجاً هاتفه واتصل بمرتضى الراوي، لكنه وجد هاتفه مغلقاً. أطلق سباباً حاداً بينما يعتصر الهاتف في قبضته بغيظ. زمجر بقسوة بينما يضع هاتفه مرة أخرى بالجيب الداخلي لسترته:
= طاهر خد حد من رجالتك واطلع شوف مرتضى الراوي مختفي في أي داهية...
ليكمل بينما يلتف إليه عندما لم يجبه، هاتفاً بقسوة:
= إيه بكلم نفسي؟
لكنه ابتلع باقي جملته عندما وجد كلا من طاهر والحارس يقفان بجمود في مكانهما كالمسحورين، وعينيهما مسلطة فوق داليدا التي كانت تقف خلفه، يرمقونها بنظرات تلتمع بالإعجاب والانبهار في ذات الوقت. انتقلت نظراته إليها على الفور لتشتعل بداخله نيران الغضب تغلي بعروقه، عندما وجد حجابها قد تراخى وسقط من فوق رأسها مظهراً شعرها الذي كان ينسدل فوق ظهرها بحرية كشلال من ألسنة النيران. زمجر بشراسة بينما يتجه نحوها سريعاً، يقبض على حجابها رافعاً إياه بتعثر فوق رأسها، بينما يهتف بغضب وحدة جعلت كلا من طاهر والحارس ينتفضان في مكانهما بفزع وخوف:
= اطلعوا برا. مش عايز أشوف وش أي مخلوق هنا. اطلعوا برا.
شحب وجه كلا من طاهر والحارس، وقد أدركوا فضاحة ما فعلوه للتو. أسرع الحارس بمغادرة المكان منفذاً أمره على الفور. بينما وقف طاهر بوجه أحمر كالدماء، مغمغماً بتلعثم وخوف:
= داغر، أنا، أنا والله مكنتش أقصد اللي ح...
قاطعه داغر مزمجراً بشراسة:
= ولا كلمة زيادة. اطلع برا.
من ثم انحنى رافعاً بين ذراعيه داليدا التي كانت لا تزال على حالتها من الارتجاف والجمود في ذات الوقت. أومأ له طاهر رأسه بخضوع، بينما يراقبه وهو يصعد الدرج سريعاً بجسد متصلب وخطوات غاضبة، وهو يحمل بين ذراعيه زوجته الشبه غائبة عن الوعي.
همس طاهر وشفتيه تلتوي بسخرية:
= حقك. حقك طبعاً تعمل أكتر من كده...
ليكمل وعينيه تلتمع بالشهوة، متذكراً جمال داليدا الصارخ. فمنذ أول يوم رآها به بخطبتها على داغر، تمنى أن تكون له، فقد كانت ذات جمال لم ير مثله من قبل. لكن ما لم يتخيله هو جمال شعرها الناري الذي خطف أنفاسه منذ قليل، فقد كانت تخبئه دائماً أسفل حجابها. همس بحسرة:
= صحيح الدنيا حظوظ. بقا هو يقع تحت إيده الفرسة دي، وأنا تقع تحت إيدي شهيرة البومة.
من ثم خرج، ولكي ينفذ ما أمره به داغر حتى لا يصيبه غضبه، فيكفي فعلته الحمقاء منذ قليل، والتي يعلم جيداً بأنه لن يمررها له مر الكرام.
وضع داغر داليدا بلطف فوق الفراش، مساعداً إياها على الاستلقاء عليه، من ثم ابتعد عنها ببطء وهو يتطلع إليها بعجز، لأول مرة يشعر به في حياته. فقد كان يشعر بداخله بالارتباك، لا يدري ما الذي يجب عليه فعله من أجلها. فقد كان جسدها بأكمله يرتجف بقوة، بينما عينيها مسلطة بجمود. اقترب منها منحنياً عليها، ممرراً يده فوق رأسها بحنان، محاولاً اختراق جمودها هذا:
= داليدا...
لكنه لم يتلقى منها أي إجابة. تنهد بيأس بينما ينهض ويجذب الغطاء السميك فوق جسدها الضعيف الذي كان لا يزال ينتفض مرتجفاً.
ظل واقفاً يراقبها، واليأس يسيطر عليه، فقد كانت لا تزال ترتجف بقوة وأسنانها تصطك ببعضها البعض. أسرع نحو غرفة تبديل الملابس وأخرج منها أكثر من غطاء سميك، من ثم عاد إلى الغرفة وقام بتغطيتها بهم. جلس على عقبيه على الأرض بجانبها، ممسكاً بيدها يفركها بين يديه الدافئتين محاولاً بث الدفء بها، حتى رآها تغلق عينيها ببطء ساقطة بالنوم، وقد توقف جسدها عن ارتجافه.
غادر القصر بعد أن اطمئن عليها، وفور صعوده إلى سيارته أخرج هاتفه وحاول الاتصال مرة أخرى بمرتضى الراوي، ولكن وصلت إليه ذات الرسالة بأن هاتفه مغلق. صاح داغر بقسوة تاركاً له رسالة بالبريد الصوتي:
= مرتضى يا راوي، قسماً بالله لو اكتشفت إن الضرب اللي على وش داليدا ده بسببك، هدفنك مكانك...
من ثم ألقى هاتفه بغضب على المقعد المجاور له، بينما يأمر السائق بالانطلاق إلى فيلا الراوي.
عندما وصل إليه رسالة من طاهر الذي أبلغه بأن مرتضى بمنزله. فور دخوله لفيلا الراوي هتف داغر بشراسة وعينيه تبحث بأرجاء المكان بحثاً عن مرتضى:
= فين مرتضى؟
أجابته منيرة التي هلعت من مظهره الغاضب هذا:
= في أوضة الصالون يا داغر باشا اتفضل...
ولكن وقبل أن تنهي جملتها كان قد اقتحم الغرفة بالفعل. انتفض مرتضى الذي كان يجلس يشاهد إحدى المباريات على قدميه، هاتفاً بذعر فور رؤيته لداغر:
= داغر باشا. حصل إيه...
لكن داغر لم يدعه يكمل جملته، واندفع نحوه قابضاً على تلابيب قميصه جاذباً إياه بعنف نحوه، بينما يهتف بشراسة:
= أنت إزاي تتجرأ وتمد إيدك على مراتي...
شحب وجه مرتضى فور سماعه كلماته تلك، همس بتلعثم بينما يحاول الإفلات من قبضته بتعثر:
= أنت، أنت مش فاهم اللي حصل، ومتعرفش هي عملت إيه. لما أقولك هتفهم...
قاطعه داغر بقسوة بينما يترك قميصه ويقبض على عنقه يعتصره بقوة بيديه:
= مش عايز أعرف هي عملت إيه. وأيا كان اللي عملته إيدك الوسخة دي متتمدش عليها...
صاح مرتضى بصوت مختنق وهو يحاول الإفلات من بين قبضته التي تكاد أن تزهق روحه:
= كانت عايزة تهرب. كانت عايزة تهرب منك...
أفلت داغر من قبضته متراجعاً للخلف بصدمة، ليكمل مرتضى منتهزاً هذه الفرصة:
= وأنا اللي لحقتها ومنعتها.
اشتعلت نيران الغضب داخل داغر فور سماعه كلماته تلك، تمتم من بين أسنانه المطبقة بصوت منخفض كما لو كان يحدث نفسه:
= عايزة تهرب.
هز مرتضى رأسه قائلاً بخبث، بينما يفرك عنقه المتألم والذي يظهر عليه بوضوح آثار أصابع داغر:
= شوف بقي اللي كان هيحصل لو كنت ملحقتهاش وهربت.
قاطعه داغر مزمجراً بغضب وعيناه تلتمع بشراسة:
= مش عايز أسمعلك صوت.
ليكمل بحده زاجراً إياه بقسوة:
= أوعى تفتكر إن اللي قولته ده هيبرر عملتك الوسخة، وإيدك دي لو طولت عليها مرة تانية أنا مش هرحمك. هخليك تندم على اليوم اللي اتولدت فيه.
غمغم مرتضى بصوت منخفض متردداً، بينما لا يزال يفرك عنقه المتألم:
= أنا بصراحة مش فاهمك يا داغر باشا، أنت ناسي إن داليدا دي تبقى...
قاطعه داغر بقسوة بثت الرعب بداخل مرتضى:
= داليدا تبقى مراتي، فاهم يا مرتضى؟ مراتي. وكلمة زيادة مش هرحمك.
ليكمل بسخرية لاذعة عندما دلف إلى الغرفة زكي رئيس الأمن الخاص به، الذي أشار له برأسه باحترام:
= معلش بقى يا مرتضى، طبع فيا مقدرش أسيب حقي. يعني زي ما ضربتها. هتضرب.
شحب وجه مرتضى بشدة، بينما يراقب برعب رئيس أمن داغر يتجه نحوه، هامساً بصوت مرتجف متراجعاً للخلف بخطوات متعثرة:
= داغر باشا أنت بتقول إيه.
تجاهله داغر، مشيراً برأسه أمراً بصمت رئيس الأمن الخاص به لكي ينفذ ما اتفق معه عليه. اتجه زكي نحو مرتضى بينما يقوم بضم قبضتيه كإشارة للاستعداد للانقضاض عليه. غادر داغر المكان تاركاً رئيس أمنه يقوم بعمله، فقد أمره أن يكتفي ببعض اللكمات بالوجه حتى يتورم بالكامل كما قام بتوريم وجه زوجته بسبب ضرباته.
بعد مرور ساعة.
هبطت الدرج داليدا التي استيقظت من النوم وقد غادرتها النوبة التي أصابتها، لتقرر أنه يجب عليها أن تهرب من هنا على الفور. لذا ارتدت أول شيء وقع أمامها، ومن ثم هبطت الدرج وهي تتلفت حولها خوفاً من أن يراها أحد، بينما تحمل بين يديها حقيبة صغيرة تحتوي على بعضاً من ملابسها وبعض المال الذي تملكه. فقد كان تنوي ترك المنزل والاختفاء تماماً من حياة كلا من داغر ومرتضى شقيق والدتها، الذي ذهبت إليه لكي تستنجد به ظناً منها بأنه سوف يقوم بحمايتها وأخذ حقها من زوجها، لكن بدلاً من ذلك اتضح لها أنه شريك معه في جريمته، فقد قام بضربها وطردها من منزله كما لو كانت شريدة، وما يؤلمها أكثر وأكثر أنه كان يعلم السبب الذي تزوجها داغر من أجله.
انفلتت دموعها فور تذكرها لداغر، فبرغم كل ما فعله بها إلا أنها لازالت تحبه، لكنها لن تستطيع الاستمرار معه بهذا الزواج بعد أن عاملها بتلك الطريقة، خاصة وهي تعلم بأنه يعشق امرأة أخرى غيرها، وأنه ما تزوجها إلا نكاية بها. تركته وتركت منزله وهي لا تعلم إلى أين تذهب، فليس لديها أي مكان آخر يمكنها أن تذهب إليه.
أخذت تحسب بعقلها الأموال التي تملكها، فوجدتها قليلة للغاية، لكن رغم ذلك فهي تكفي لكي تقضي بها يومين بأحد الفنادق المتوسطة، ومن ثم يمكنها بعد ذلك أن ترى ما يمكنها فعله، فأهم شيء الآن هو أن تهرب من هنا قبل عودة داغر.
خرجت من بوابة القصر تحت أنظار الحرس الذين عرضوا عليها مساعدتها بحمل حقيبتها وتوصيلها، خاصة وأن الوقت قد تجاوز منتصف الليل، إلا أنها رفضت مساعدتهم تلك بأدب وأكملت طريقها إلى الخارج.
أخذت تمشي محاولة إيجاد سيارة أجرة تقلّها إلى أحد الفنادق، أخذت تتلفت حولها شاعرة بالرعب، فقد كان الطريق مظلم لا ينيره إلا الأنوار المنخفضة المتسربة من الأعمدة المنتشرة على طوله.
شدت يدها حول حقيبتها، وقد بدأت البرودة تزحف داخلها عندما شعرت بأنه يوجد أحد ما يمشي خلفها، أسرعت من خطواتها حتى كادت أن تركض، التفت برأسها تنظر خلفها، لكن هدأت خطواتها عندما لم تجد أحد سوى قطة التي كانت تتهادى في خطواتها. تنهدت ببطء، واضعة يدها فوق صدرها تتنفس براحة، أخذت تكمل طريقها بحثاً عن أي سيارة أجرة حتى تنتهي من عذابها هذا، لكن لم تعبر سيارة أجرة حتى الآن.
كانت تائهة بأفكارها عندما شعرت فجأة بيد شخص ما تلتف حول خصرها يجذبها إلى الخلف، وعندما همت بالصراخ، وضع يده فوق فمها يكتم صراخها. أخذت تنتفض بين ذراعيه محاولة جعله يقوم بإفلاتها، لكن أسرع هذا الشخص بسحبها بقسوة نحو إحدى السيارات التي كانت متوقفة بجانب الطريق، دافعاً إياها بداخلها، من ثم جلس بجانبها شاهراً مسدساً نحو رأسها قائلاً بصوت غليظ حاد جعل الدماء تتجمد داخل جسدها:
= مش عايز أسمعلك نفس، فاهمة.
تراجعت داليدا إلى الخلف في مقعدها منكمشة حتى التصق ظهرها بباب السيارة، الذي ما إن شعرت به حتى انتفضت بذعر، لكن سرعان ما أتتها فكرة جعلتها تسرع بوضع يدها فوق مقبض الباب محاولة فتحه والقفز من السيارة التي كانت تسير بسرعة كبيرة للغاية، فحتى إن كانت محاولتها هذه قد تتسبب بمقتلها، إلا أن الموت أهون عليها بكثير من أن يتم خطفها من قبل رجال لا تعرف ما ينون فعله بها. لكن لسوء حظها، كان الباب مغلقاً.
أخذت تهز مقبض الباب محاولة فتحه تحت أنظار خاطفها الذي أطلق ضحكة غليظة ساخرة:
= فكرك كنت هسيبلك الباب مفتوح.
ليكمل بحده بينما يشهر المسدس بوجهها:
= حركة كمان، وهفرغ المسدس ده في دماغك.
انكمشت مرة أخرى بأقصى مقعد السيارة، تحيط جسدها بذراعيها بخوف، بينما تقاوم بصعوبة الدموع التي قفزت بعينيها حتى لا تظهر أمامهم ضعفها. بدأت تراقب محيطها لتلاحظ أنه يوجد رجلين آخرين يجلسون بالمقعد الأمامي للسيارة، لا يختلفون كثيراً عن الرجل الجالس بجانبها. لا تعلم سبباً يجعلهم يقومون بخطفها من أجله، سوى سبباً واحداً جعل الدماء تجف داخل عروقها. أخذت ترتجف بقوة، شاعرة بالرعب يكاد يخطف أنفاسها. أغمضت عينيها بقوة وهي تتضرع وتدعي الله بأن ينقذها من بين أيديهم.
بعد مرور ساعة.
كانت داليدا جالسة فوق الأرض بإحدى الأماكن التي لم تستوعب ماهيتها، فقد كان مكان رديء تفوح منه رائحة الرطوبة. كان جسدها يرتجف بقوة من شدة الخوف الذي تشعر به، بينما تنتحب بشهقات منخفضة، لكنها أسرعت بوضع يدها فوق فمها تمنع شهقات تلك من الخروج، بينما يصل إليها صوت خاطفيها من الخارج.
أغمضت عينيها بقوة، بينما تضع يديها فوق أذنيها محاولة منع أصواتهم من الوصول إليها، بينما جسدها يهتز بقوة، لكنها انتفضت صارخة بفزع، بينما تتخبط بقوة في مكانها عندما شعرت بيد ما تحيط ذراعيها، أخذت تدفع بهستيرية تلك اليد بعيداً عنها، لكن تجمدت حركتها المقاومة عندما وصل إليها صوت تعرفه جيداً:
= اهدي، اهدي.
رفعت عينيها إليه لتجد داغر جالساً على عقبيه أمامها، أخذت تتطلع إليه عدة لحظات بأعين متسعة، والذعر والخوف لا يزالون يسيطرون عليها، أخذت ترفرف بعينيها غير مصدقة بأنه بالفعل أمامها، وعند تأكدها بأنه بالفعل متواجد معها وأنها لا تتخيل وجوده، دون تفكير للحظة واحدة، ارتمت عليه تلقي بجسدها المرتجف بين ذراعيه تحتضنه بقوة في محاولة منها أن تستمد منه بعض الاطمئنان الذي تنشده، متناسية كل ما عانت منه على يديه، فكل ما يهمها الآن أنه معها وأنها ليست بمفردها مع هؤلاء الرجال.
همست باسمه من بين شهقات بكائها التي أخذت تزداد، بينما تتشبث بيديها بقميصه من الخلف، بينما تدفن وجهها بصدره. شعرت بذراعيه تلتف حولها، يحيطها بجسده الصلب، ضاماً إياها بقوة إلى صدره، بينما يربت بحنان فوق ظهرها هامساً بأذنها عدة كلمات محاولاً تهدئتها.
ابتعدت عنه ببطء عندما هدأت بعض الشيء، هامسة بصوت منخفض يملؤه الخوف، بينما انتبهت إلى خاطفيها الذين كانوا يقفون بالخلف يراقبونهم:
= هتعمل إيه معاهم؟ هنطلع من هنا إزاي؟ دول معاهم أسلحة؟
أخذ يتطلع إليها عدة لحظات بصمت قبل أن يلتف إلى أحد الرجال الذين قاموا بخطفها قائلاً بصرامة:
= اطلعوا برا.
أومأ الرجل رأسه بخضوع:
= أوامرك يا داغر باشا.
من ثم غادر الغرفة على الفور، يتبعه باقي الرجال بصمت. كانت داليدا تراقب كل هذا بأعين متسعة بالصدمة، وأنفاسها تكاد تنسحب من داخل صدرها كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حولها، وقد بدأت تدرك أخيراً ما يحدث. تراجعت للخلف بعيداً عن جسده بخطوات متعثرة، هامسة بتلعثم وأنفس متلاحقة:
= دول تبعك.
شعرت بالغضب كحمم من البركان تثور بداخلها عندما ظل يتطلع إليها بصمت دون أن يجيبها، ليصل إليها إجابته. لم تشعر بنفسها إلا وهي تندفع نحوه، تضربه بقبضتيها بضراوة في صدره، بينما تهتف بهستيرية من بين شهقات بكائها الحادة:
= أنت. أنت اللي عملت فيا كده.
لتكمل صارخة بغضب من بين شهقات بكائها:
= أنت إيه؟ أنت صنفك إيه بالظبط.
كانت تصرخ بكلماتها تلك وهي تسدد له الضربات في كل مكان تستطيع الوصول إليه، مستخدمة أظافرها وقبضتيها في ذلك، بينما كان داغر واقفاً ثابتاً غير مظهراً أي تأثر بضرباتها تلك. ظلت تضربه حتى خارت قواها تماماً، مما جعلها تتوقف عن ضربه، مسندة جبهتها بضعف وتعب فوق صدره، وقد أصبح وجهها أحمر مثل الجمر من شدة الانفعال، بينما صدرها كان يعلو وينخفض بقوة، بينما تلهث محاولة التقاط أنفاسها المتثاقلة.
رفعت رأسها عن صدره، بينما تهم بضربه مرة أخرى، لكنه قبض على يديها مقيداً إياها بقبضته، مزمجراً بقسوة، بينما يديرها بين ذراعيه ليصبح ظهرها مستنداً إلى صدره الصلب. أخذت تنتفض محاولة التحرر، لكنه شدد من ذراعيه حولها، هامساً بإذنها بصوته القوي الثابت:
= ششش. اهدي.
ليكمل بهدوء بينما يحاول أن يسيطر على جسدها الثائر:
= اللي حصل ده كان مجرد درس صغير ليكي، علشان تاني مرة تفكري تسيب البيت وتهربي. وتمشي لوحدك في نص الليل. تعرفي إن في ألف واحد هيكون مستنيكي برا علشان يحط إيده عليكي ويخطفك.
ليكمل بقسوة، بينما أصبح حصار ذراعيه حول جسدها يشتد حتى كادت أن تشعر بالاختناق:
= انتي مرات داغر الدويري. يعني كنز وماشي على الأرض، وأي حد كان هيشوفك لوحدك بالشكل ده كان هيستغل الفرصة من غير حتى ما يفكر مرتين. ولولا إن الحرس بلغني بخروجك لوحدك في وقت زي ده، كان زمان مصيرك مخطوفة. بس مخطوفة بجد من ناس متعرفيش وقتها كانوا ممكن يعملوا فيكي إيه.
ضربت صدره الصلب بمرفقها بقوة، هاتفة بشراسة بينما عينيها تعصفان بحمم من الغضب:
= أنت مجنون.
شعرت بأنفاسه الدافئة تلفح عنقها، بينما يهمس ببطء بأذنها:
= ما أنا أكيد مجنون.
أدارها بين ذراعيه لتصبح تواجهه، بينما يكمل بصوت أجش:
= هو أنا لو مش مجنون كنت اتجوزت كلبة فلوس زيك، اشتريتها بـ 20 مليون جنيه، علشان تمثل بس إنها مراتي الجميلة السعيدة قدام الناس.
ليكمل بسخرية، بينما يقوم بفك حجابها من فوق رأسها، غافلاً عن وجهها الذي شحب بشدة فور سماعها كلماته تلك:
= بس عارفة، المفروض ترجعيلي 5 مليون من تمن الصفقة. أنتي بقالك يومين منكدا عليا.
شعرت بأنفاسها تنسحب من داخل صدرها كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حولها فور سماعها كلماته تلك، بينما أخذت الأرض تميد تحت قدميها. همست بصوت مرتجف ضعيف، بينما تحاول أن تتماسك بصعوبة أمامه:
= ات. فاق. و20 مليون إيه؟
أجابها بهدوء، بينما يقوم بنزع مشبك رأسها لينسدل شعرها الحريري فوق ظهرها، ممرراً يده به:
= إيه، جا لك زهايمر ومش فاكرة أنا اتجوزتك ليه.
هزت رأسها بقوة، مؤكدة لنفسها بأن ما قاله ليس إلا محاولة منه لتشتيتها عن خطفه لها. هتفت بغضب، بينما تحاول إبعاد يده بعيداً عن شعرها الذي كان يمرر يده بين خصلاته:
= لا فاكرة كويس اتجوزتني ليه، متقلقش. فاكرة إنك اتجوزتني بس علشان تغيظ بنت عمك اللي سابتك واتخطبت لواحد غيرك.
وانت علشان معندكش كرامه قررت تتجوز...
لم تكمل جملتها مطلقة صارخة الألم عندما قامت يده التي كان يمررها بين شعرها بالقبض على خصلاته بقوة مرجعاً رأسها بحده إلى الخلف مقرباً وجهه منها حتى أصبح يلاصق وجهها ينظر إليها بعينين تلتمع بوحشية بثت الرعب بداخلها مما جعلها تخفض عينيها بخوف.
وأنتي واحدة رخيصة قبلت إنها تبيع نفسها، وأنا ببساطة اشتريت...
ليكـمل بقسوة مرمقاً إياها بازدراء بينما يقبض على شفتيها الناعمة بإصبعيه يعتصرها بحده.
ومادام بعتي نفسك، يبقى تخرسي وتقفلي بوقك ده ومسمعش ليكي صوت...
دفعت يده بعيداً محررة شفتيها من بين أصابعه، مرجعة رأسها للخلف بحده محاولة تحرير رأسها أيضاً من قبضته، لكنها أطلقت صرخة متألمة عندما رفض تحريرها وشدد قبضته حول شعرها مما جعلها تصرخ متألمة، شاعرة بخصلات شعرها تكاد أن تقتلع من جذورها في أي لحظة بيده، لكن رغم ألمها هذا هتفت به بشراسة.
أنت كداب، أنا مبعتش نفسي لا ليك ولا لغيرك...
لكنها توقفت عن تكملة جملتها، تبتلع لعابها بخوف فور أن قرب وجهه منها ورأت لهيب الغضب الذي يشتعل بعينيه.
زمجر من بين أسنانه بقسوة.
أنتي عارفة كويس إني مش كداب، خالك عرض عليا الاتفاق اللي أنتي بنفسك طلبتي منه إنه يعرضه عليا وأنا وافقت. والفلوس اتحولت على حسابك يوم كتب كتابنا، يبقى مين فينا الكداب...
اهتز جسدها بعنف فور سماعها كلماته تلك، لا تصدق ما يقوله، كيف يمكن أن يكون زواجها منه كان اتفاقاً بينه وبين خالها كما يدعي، والأكثر من ذلك أنه يعتقد أنها وافقت على هذا الاتفاق بل هي من اقترحته بنفسها.
همست بصوت مرتجف بينما تهز رأسها بقوة محاولة التركيز، فقد كانت على وشك أن تصاب بسكتة دماغية من كثرة الصدمات التي تتعرض لها.
أنا... أنا معرفش حاجة عن اللي بتقول ده...
قاطعها بقسوة بينما يدفعها بعيداً عنه محرراً إياها، مما جعلها تتراجع إلى الخلف متعثرة حتى كادت أن تسقط على الأرض، لكنها استعادت توازنها بآخر لحظة.
متعرفيش حاجة؟!
ليكـمل بسخرية لاذعة بينما برمقها بحده وقسوة.
طيب لو افترضت إنك فعلاً متعرفيش حاجة. إزاي وافقتي تتجوزي واحد متعرفيهوش ومقابلتيهوش غير مرة واحدة، وإزاي وافقتي تتجوزي منه في أقل من شهر...
امتقع وجهها بشدة، لا تعلم بما تجيبه، فكيف يمكنها أن تخبره أنها وافقت على الزواج منه بهذه السرعة لأنها كانت وقتها واقعة بحبه حتى من قبل أن يقابلها بشركة شقيقها. ظلت صامتة غير قادرة على إجابته.
أردف دون رحمة أو شفقة عندما طال صمتها.
بالظبط، يبقى متحاوليش تلعبي دور البريئة، لأني عارف وحافظ نوعك ده كويس...
قاطعته ناطقة بصوت مكتوم باكٍ والقهر ينبثق منه، بينما تبتلع الغصة التي تشكلت بحلقها بصعوبة، محاولة السيطرة على ارتجاف جسدها حتى لا تنهار أمامه، فقد كانت تشعر بأنها على حافة هاوية قد تسقط بها بأي لحظة.
أنا... أنا عايزة أروح لمرتضي، عايز أعرف منه حقيقة اللي أنت بتقوله.
أقرب منها بهدوء ممرراً يده بشعرها الذي كان ينسدل فوق ظهرها كشعلات نارية قائلاً بسخرية.
لسه برضه عايزة تعيشي دور الضحية البريئة....
ليكـمل متنهداً بإحباط عندما أرجعت رأسها للخلف بعيداً عنه مانعة إياه من لمسها.
تمام. موافق تروحيله، بس هكون معاكي، مينفعش أفوت مشهد زي ده...
لكنه قاطع كلامه مطلقاً سباباً حاداً جعلها تنتفض في مكانها بخوف، بينما انحنى سريعاً ملتقطاً حجابها الذي ألقاه على الأرض بوقت سابق، واضعاً إياه فوق شعرها بتخبط عندما دخل فجأة أحد الرجال الذين قاموا بخطفها إلى الغرفة، بينما يغمغم بلهث حاد.
داغر باشا، طاهر بيه مستني بره من بدر ومس...
قاطعه داغر هاتفاً بشراسة وعيناه تعصف بغضب أعمى، بينما يحاول أن يحتوي شعرها المتناثر فوق ظهرها بيده وإخفاءه أسفل الحجاب الذي على رأسها.
اطلع برا، برا يا حيوان أنت هتنحلي...
ارتبك الرجل سريعاً، بينما يلتف عائداً إلى الخارج مرة أخرى بوجه شاحب من شدة الخوف، وهو لا يعلم ما الخطأ الذي ارتكبه.
التف داغر إليها مزمجراً بقسوة وغضب.
وأنتی البسي الزفت ده على راسك، وداري شعرك اللي فرحانة بيه ده تالت راجل النهارده يشوف شعرك.
اتسعت عينا داليدا بصدمة من حدته تلك، أخذت تعقد حجابها حول رأسها بيد مرتجفة، بينما تجيبه بغضب وحدّة.
أنت اللي قلعتهولي، ومش فاهمة ليه أصلاً...
وقف داغر يتطلع إليها عدة لحظات بصمت قبل أن يلتف ويغادر الغرفة وهو يتمتم بصوت مختنق يملؤه الغضب.
خلصي، وحصليني على بره...
أخذت داليدا تثبت حجابها فوق رأسها بيد مرتجفة، وقد بدأت الدموع التي كانت تحبسها أمامه تنهمر فوق خديها، بينما هربت منها شهقة حادة، لكنها أسرعت بوضع يدها فوق فمها هامسة لنفسها بصوت مرتجف، معنفة ذاتها على ضعفها هذا.
بس، بس، إياكي، بس...
لكنها لم تستطع التحكم في شهقات بكائها التي أخذت تتابع بقسوة ألمت صدرها من شدتها عندما أدركت بأنه سوف يتم تحديد مصيرها بالكلمات التي سيقولها خالها مرتضي بعد قليل.
رواية قلبه لا يبالي الفصل الخامس 5 - بقلم هدير نور
في فيلا الراوي... كان كل من داليدا وداغر ينتظران بغرفة الاستقبال في الفيلا الخاص بخالها، حيث قد ذهبت زينات لاستدعائه.
بعد عدة دقائق، دلف إلى الغرفة مرتضى، الذي ما إن رأته داليدا شهقت بصدمة. فقد كان وجهه بأكمله متورمًا، ملئًا بالكدمات الزرقاء والحمراء. وإحدى يديه، كما يبدو، مكسورة، حيث يضمها إلى صدره بجبيرة معلقة بعنقه، بينما يعرج بإحدى قدميه ببطء، والألم مرتسم على وجهه. فقد كان كما لو أنه قد تعرض للضرب المبرح من قبل شخص ما.
لكن داليدا لم تهتم بأمره، وشعرت بداخله بالشماتة، فهو لم يرحمها في وقت سابق عندما قام بضربها وسحلها على الأرض، غير مراعيًا صلة الدم التي بينهم. فلما هي ستهتم؟
غمغم مرتضى بصوت ناعس، بينما يفرك رأسه، فقد كان يبدو عليه أنه كان نائمًا واستيقظ لتوه.
"خير، خير يا داغر باشا. في إيه؟"
ولكن قبل أن يجيبه داغر، اندفعت نحوه داليدا بخطوات مترددة، مغمغمة بصوت مرتجف بعض الشيء.
"جوازي من داغر كان اتفاق بينك وبينه؟!"
ارتد مرتضى إلى الخلف بصدمة فور سماعه كلماتها تلك، حيث لم يتوقع أن يكون الأمر يتعلق بزواجهم أو بهذا الاتفاق. خاصة، أخذ يمرر نظراته القلقة بينها وبين داغر، الذي كان يجلس باسترخاء على إحدى المقاعد بنهاية الغرفة، ونظراته الثاقبة مسلطة عليهما، يستمع إليهما باهتمام.
غمغم مرتضى سريعًا، محاولًا السيطرة على الخوف الذي دب بداخله.
"بتسألي ليه؟ ما أنتي عارفة حوار الاتفاق ده كويس. إيه فيه؟"
صاحت داليدا باهتياج، مقاطعة إياه، بينما تلوح بيدها فوق صدرها كإشارة إلى نفسها.
"بقي أنا؟ أنا كنت عارفة؟!"
لتكمل بصوت متقطع من شدة الاختناق، وقد اشتعل الغضب بداخلها كبركان ثائر من الغضب.
"كنت عارفة إيه؟ كنت عارفة إنك هتبعني له وتقبض التمن، زيك زي أي قواد من اللي ماشيين معاهم."
اندفع مرتضى نحوها على الفور، بوجه أسود من شدة الغضب، رافعًا يده عاليًا، ينوي ضربها كما اعتاد دائمًا أن يفعل عندما يغضب منها، وقد نسي تمامًا وجود داغر معهم في ثورة غضبه تلك. لكنه توقف أمامها متجمدًا في مكانه، ويده لا تزال متعلقة بالهواء، وقد تجمدت الدماء في عروقه عندما وصل إليه صوت داغر الحاد، الذي انتفض واقفًا على قدميه فور رؤيته لما كان ينوي فعله.
"مرتضى..."
استدار إليه مرتضى، مبتلعًا بصعوبة غصة الرعب التي تشكلت في حلقه، عندما رآه واقفًا بجسد متصلب ووجه متشدد، متصلب من شدة الغضب، بينما يتطلع نحوه بعينين تنبثق منهما الشراسة والقسوة.
اتخذ مرتضى عدة خطوات للخلف، مبتعدًا عن داليدا، التي كانت واقفة أمامه بوجه شاحب كشحوب الأموات، وعينيها المتسعتان بالخوف، متسلطتان فوق يده التي كان ينوي ضربها بها.
همس بصوت مختنق، محاولًا تبرير فعلته عندما رأى داغر يتقدم نحوه بخطوات سريعة حادة، تنم عن مدى غضبه.
"هي... هي اللي خرجتني عن شعوري بسبب قلة أدبه..."
ابتلع مرتضى جملته، متراجعًا للخلف بخوف، عندما قبض داغر على قميصه، جاذبه إياه منه، معصرًا ياقته بقسوة، بينما يغمغم بفحيح حاد بالقرب من أذنه.
"شكلك نسيت العلقة اللي خدتها من شوية، ومحتاج واحدة تانية تفكرك وتعرفك حدودك."
همس مرتضى بصوت متلعثم منخفض، حتى لا يصل إلى مسامع داليدا.
"أبوس إيدك يا داغر باشا، لا. كفاية، أنا خلاص عرفت حدودي كويس وحفظتها، واعتبر اللي حصل دلوقتي كانت ذلة ومش هتتكرر تاني."
نفض داغر يده بعيدًا عنه، دافعًا إياه بقوة إلى الخلف، مما جعله يتعثر ويسقط بقسوة فوق الأريكة التي كانت خلفه. لكنه أسرع بالنهوض على الفور، يعدل بإحراج من ملابسه، مغمغمًا بصوت لاهث، محاولًا إنقاذ نفسه.
"بس برضه هي بتكذب، ومعرفش بتعمل الفيلم ده ليه، وعايزة توصل لإيه باللي بتعمله ده."
تطلعت داليدا نحوه بعينين غائمتين، وهي لا تزال تشعر بالصدمة تجتاحها، فهي لا تصدق أن داغر قد قام حقًا بحمايتها من خالها. هزت رأسها بقوة، مخرجة نفسها من صدمتها تلك، واقتربت بخطوات بطيئة من مرتضى، وقد طمأنها وقوف داغر بالقرب منه، هاتفة بغضب ردًا على كلماته الكاذبة.
"مفيش غيرك هنا كداب. أنت اللي بعتني وقبضت تمني، وخونت أمانة ماما ليك."
هتف مرتضى بقسوة، بينما يحاول قلب الطاولة عليها، فقد بدأ الخوف يسيطر عليه، فقد كانت خطته التي قام بها على وشك أن تنكشف وينفضح أمره.
"عايزة توصلي لإيه باللي بتعمليه ده؟ فاهميني؟ أنتِ من يومك مش سهلة، عاملة زي الحرباية، تلدعي اللدعة وفي نفس الوقت تباني بريئة وغلبانة، بس مكنتش متوقع إنه يوصل بيكي الأمر إنك..."
قاطعته داليدا، هاتفة بشراسة وقد صدمها وصفه لها بتلك الطريقة الشنيعة.
"أنا؟ أنا حرباية؟ ولا أنت اللي..."
صاح داغر بغضب، مقاطعًا إياهما، وقد بدأ يشعر بالاختناق من الأمر برمته.
"اخرسوا ومش عايز أسمع نفس منكوا."
ليكمل، بينما يتجه نحو داليدا، التي تراجعت بتعثر إلى الخلف عدة خطوات بعيدًا عنه، لكنه أسرع بالقبض على ذراعها، مانعًا إياها من الابتعاد. أخرج هاتفه، ثم أداره نحوها، قائلاً بهدوء يعاكس الغضب المشتعل بداخله.
"ده رقم حسابك البنكي."
تطلعت داليدا إلى الرقم المتواجد بشاشة هاتفه، أخذت تتمعن فيه عدة لحظات قبل أن تومئ برأسها بالموافقة، فقد كان رقم حسابها بالفعل.
ناولها هاتفه، قائلاً بصرامة، آمرًا إياها.
"ادخلي وافتحي حسابك من تليفوني."
همست بارتجاف، بينما تطلع بارتباك إلى هاتفه.
"مش... مش فاكرة الباسورد، أصل مش متعودة أفتحه لأنه فاضي."
لكنها أسرعت بالقول، وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها، تعبث به بتوتر عندما لاحظت الغضب الذي ارتسم على وجهه، فقد كان يبدو عليه أنه لا يصدقها.
"بس... بس أنا فاكرة إني حافظاه على موبيلي."
أخذت تبحث بهاتفها عدة لحظات حتى وجدته أخيرًا، ومن ثم فتحت الحساب من هاتف داغر، الذي ما إن رأى صفحة معلومات حسابها البنكي تظهر على شاشة هاتفه، اختطفه من بين يديها، تصلب فكيه بقسوة، بينما يتفحص صفحة حسابها تلك.
أدار الهاتف نحوها أخيرًا، وتعبير من الغضب يرتسم فوق وجهه.
أخذت داليدا تتطلع إلى شاشة الهاتف باضطراب عدة لحظات، وعقلها غير قادر على ترجمة المعلومات التي أمام عينيها من شدة الخوف والارتباك. لكن انسحبت الدماء تنسحب من جسدها عندما بدأت تقرأ وتستوعب المكتوب بنهاية الصفحة. فقد كان هناك ما يوضح أن حسابها البنكي قد تم استلام به مبلغ 20 مليون جنيه في تاريخ يوافق لتاريخ يوم كتب كتابها على داغر.
همست بصوت منخفض مرتجف، وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة، بينما أنفاسها تنسحب ببطء من داخل صدرها، كما لو أن المكان أصبح يطبق بجدرانه عليها.
"معرفش... حاجة عن الفلوس دي."
لتكمل بصوت مختنق، وقد بدأ عقلها يستوعب حجم المصيبة التي وقعت بها، بينما تدير عينيها بشك بين داغر ومرتضى.
"دي... دي أكيد لعبة بينكم انتوا الاتنين علشان... علشان تبرر خداعك ليا وجوازك مني بسبب نورا، انتوا اكي..."
قاطعها داغر بقسوة، بينما يحيط خصرها بذراعه، جاذبًا إياها بجانبه، هامسًا في أذنها بهسيس مرعب.
"اخرسي... اخرسي ومسمعش ليكي صوت."
ليكمل، بينما يشير بهاتفه أمام وجه مرتضى، الذي كان يتابع ما يحدث بينهما براحة، فقد بدأ الأمر يثبت على ابنة شقيقته.
"مذكور هنا إن في الحساب فيه 14 مليون جنيه بس. الفلوس دي ناقصة 6 مليون جنيه. راحوا فين؟"
أجابه مرتضى بصوت جعله هادئًا قدر الإمكان، بينما يحاول السيطرة على الخوف والقلق الذي عاد ينبضان بداخله.
"داليدا اشترت فيلا في الساحل."
ليكمل بسخرية، وهو يتطلع نحو داليدا.
"ولا ناوية تنكري ده كمان."
صرخت داليدا بحدة، وهي تشعر بأنها على وشك فقد وعيها، فما يحدث أكثر بكثير من قدرتها على التحمل. فخالها يكذب، بينما يتطلع إلى عينيها بكل برود وقاحة.
"كدااااب والله كداب."
لتكمل، بينما تستدير إلى داغر، هاتفة بهستيريا، بينما تتشبث بذراعه بقوة.
"والله العظيم كداب يا داغر، متصدقهوش."
قاوم داغر الاضطراب الذي انتابه عندما تشبثت به وهي تتطلع نحوه بهذا الضعف المرتسم داخل عينيها. تنحنح بصوت مختنق، قبل أن يلتف إلى مرتضى، قائلاً بحدة.
"إيه اللي يثبت إنها اشترت فعلاً الأرض دي؟"
أجابه مرتضى بهدوء، بينما يشعر بالرضا، فقد وصل أخيرًا إلى مفتاح خلاصه. تناول هاتفه سريعًا.
"أيووه معايا طبعًا، واللي يثبت كدبها هو ورق الأرض. أنا دلوقتي هكلم محامي العيلة، معاه الأوراق لأنه كان بيوثق العقد في الشهر العقاري."
أخذ يتحدث بالهاتف عدة لحظات إلى شخص ما، من ثم اتجه نحو ماكينة الفاكس التي أخرجت عدة أوراق، التي أرسلها له المحامي. ألقى بها نحو داغر، الذي التقطها منه بوجه متجهم، أخذ يتفحص أوراق مليكة فيلا الساحل عدة لحظات، من ثم دفعها نحوها، قائلاً بجمود.
"ده توقيعك."
تطلعت داليدا إلى الأوراق التي بيده بعينين متسعتين زائغتين، وقد مادت الأرض تحت قدميها، وفرت الدماء من جسدها عندما رأت توقيعها بخانة المشتري بأسفل الورقة. شعرت برغبة ملحة بالموت والاختفاء من هذه الحياة حتى تتخلص مما هي فيه الآن.
أرادت أن تهز رأسها بالنفي، لكنها تعلم بأن داغر لن يكشف كذبها هذا بكل سهولة، مما سيجعل موقفها أصعب مما هو صعب في الواقع. همست بصوت ضعيف، بينما شفتيها ترتجف بقهر دفين.
"أيوه توقيعي."
لتكمل بهلع، عندما أطلق سبابًا حادة، بينما يعصر الورقة التي بيده، ملقيًا إياها بعنف على الأرض أسفل قدمه، مما جعل داليدا تنتفض، متخذة عدة خطوات إلى الخلف بخوف، عندما رأت لهيب الغضب الشرس الذي يلتمع بعينيه.
"بس والله مشترتش حاجة، ولا أعرف حتى شكل الفيلا دي إيه."
صاح مرتضى بسخرية، مقاطعًا إياها، بينما يشعر بالراحة والاطمئنان عندما رأى الغضب المرتسم على وجه داغر، مدركًا بأنه قد نجح في خطته.
"مشوفتش في بجاحتك بجد."
ليكمل بقسوة، بينما يرمقها بازدراء.
"مش عارف إزاي بشخصيتك الواطية تبقي بنت ليلى أختي."
شعرت داليدا بالغضب ينفجر بداخلها فور سماعها كلماته تلك. فلما تشعر بنفسها إلا وهي تندفع نحوه، ملتقطة الأشياء ذات الوزن الثقيل من فوق مكتبه، تضربه بها، وبكل ما تستطيع يدها أن تصل إليه من فوق مكتبه. من ثم اندفعت نحوه تضربه بيدها، ممزقة وجهه بأظافرها، بينما تهتف بهستيريا، وقد فقدت سيطرتها على نفسها تمامًا.
"أنت اللي زي أخوها."
ده انت شيطان، شيطان. ربنا ينتقم منك. ربنا ينتقم منك.
شعرت بيد داغر تحيط خصرها من الخلف، تجذبها بقوة بعيداً عن خالها الذي كان واقفاً بجسد متصلب ووجهه محتقن بشدة. كان يمارس السيطرة على نفسه بصعوبة حتى لا يندفع ويخنقها بيديه، مشبعاً إياها ضرباً. فهذه هي المرة الأولى التي تتخطى بها حدودها معه.
أخذت داليدا تتخبط بين ذراعي داغر بينما تحاول دفع يده بعيداً. حاولت بكل طاقتها الإفلات من قبضته حتى تعود إلى مرتضى مرة أخرى وتكمل تمزيق وجهه. فهذه المرة الأولى التي تتجرأ بها وتقف أمام خالها الطاغية. فقد تحملت أفعاله من ضرب وإهانة لها طوال السنوات الماضية كثيراً، حتى حبسه إياها داخل المنزل ورفضه خروجه تحملته. لكن ما يفعله الآن هو أقصى الجحود والظلم الذي لا يمكنها السكوت عنه.
ضربت داغر بمرفقها من الخلف محاولة جعله يفلتها، لكنه أسرع بحملها مشدداً ذراعيه حولها، جاذباً إياها بعيداً عن مرتضى. محاولاً السيطرة على غضبها الذي خرج عن السيطرة تماماً.
شعر مرتضى بشيء لزج دافئ ينزلق على خده. فقام بمسحه بيده ليرتجف جسده بغضب عندما وقعت عيناه على الدماء التي تلطخت بها يده. عصف بشراسة بينما يعصر قبضتيه بجانبه بغضب، مكشراً عن أنيابه، بينما يزجر داليدا بنظرات تمتلئ بالكراهية والغضب:
"قسماً بالله أنا ماسك نفسي بالعافية، وإلا كان زمانك مدفونة مكانك."
قاطعه داغر مزمجراً بشراسة، زاجراً إياه بنظرات شرسة قاتلة جعلت الدماء تجف بعروق مرتضى من شدة الخوف الذي دب بأوصاله:
"مرتضى يا رواي، حاسب على كلامك بدل ما أدمنك أنت مكانك."
ليكمل بقسوة، بينما يوجه اهتمامه إلى تلك التي لازالت تنتفض بين ذراعيه محاولة الإفلات من بين قبضته، هامساً بصوت منخفض حاد ممتلئ بالغضب، مقرباً وجهه منها، ينظر إليها بعينين تلتمع بوحشية مما جعلها تخفض عينيها في ذعر وقد هدأت حركتها تماماً:
"وأنتي اتهدي ومسمعش ليكي نفس، لأن رصيدك خلاص جاب آخره معايا."
من ثم جذبها معه نحو الخارج، تاركاً مرتضى واقفاً بمكانه وجسده يهتز بقوة من شدة الغضب، والدماء لازالت تسيل من وجنتيه. أطلق صرخة غاضبة وقد بدأ يطيح بكل ما بالغرفة، منفثاً عن غضبه، بينما يطلق سباباً قاسية، بينما يتوعد داليدا بمعاقبتها على تجرئها معه بسحقها أسفل حذائه قريباً.
بعد مرور نصف ساعة...
فور دخولهم إلى جناحهم، التفتت داليدا إلى داغر قائلة بصوت حاد بينما تعقد يديها المرتجفة أسفل صدرها بحماية:
"أنا عايزة أطلق..."
لتكمل بصوت مرتجف بينما تتابعه وهو يتجه نحو الطاولة متناولاً من فوقها كوباً من الماء، أخذ يرتشف منه بتمهل:
"وإن كان على فلوسك فأنا هرجعها لك ومش عايزة منك أي حاجة."
ظلت تطلع إليه عدة لحظات بتوتر تنتظر منه إجابة أو رد فعل على ما قالته، لكنه ظل يرتشف بهدوء وبرود من كأس الماء متجاهلاً إياها كما لو أنها لم تتحدث، مما جعلها تهتف بحده:
"سمعتني؟"
لكنه تجاهلها مرة أخرى، متلاعباً ببرود بكأس الماء الذي بين يديه، مما جعل الدماء تثور بغضب في عروقها بسبب تجاهله هذا الذي تحملت كثيراً. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تدفع بحدة كوب الماء الذي كان يتناول منه بعيداً عن فمه، مما جعل بعض الماء يسقط فوق قميصه مغرقاً إياه، لكنها لم تهتم وصاحت به بغضب:
"سمعتني بقولك طلقني، إيه هتعمل..."
لكنها قاطعت جملتها، مطلقة صرخة فازعة مرتفعة عندما أطلق لعنة قاسية وهو يضرب بغضب الكأس الذي كان في يده بالحائط ليحدث ضجة مرتفعة وهو يسقط على الفور متهشماً على الأرض كشظايا من الزجاج.
زمجر بقسوة من بين أسنانه المطبقة بغضب، بينما يلتف إليها:
"سمعتك، سمعتك من أول مرة كويس، بس بحاول أعمل نفسي مسمعتكيش عشان مطبقش على رقبتك وأخنقك وأخلص منك ومن قرفك."
اتخذت داليدا خطوة مرتجفة إلى الخلف عند سماعها كلماته القاسية تلك، لكنها سرعان ما ثبتت قدميها بالأرض مرة أخرى، محاولة استجماع شجاعتها، رافضة الفرار من أمامه بخوف مثل كل مرة. هزت رأسها بقوة قائلة باصرار:
"أنا مش هكمل لعبة الجواز السعيد دي، عشان بس ترضي غرورك وتخلي بنت عمك اللي سابتك تندم."
اعتصر داغر قبضتيه بقوة بجانبه، محاولاً تمالك نفسه وعدم الإقدام على شيء قد يندم عليه. غمغم بهدوء يعاكس النيران المشتعلة بداخله:
"تمام، وأنا موافق أطلقك، بس تدفعيلي الـ 100 مليون جنيه اللي عليكي."
صاحت داليدا بصدمة:
"100 مليون؟!"
لتكمل بصوت مرتجف وقد بدأ يتكون فوق جبينها عرق بارد كالجليد من شدة الخوف:
"هما، هما مش 20 مليون جنيه؟ جبت منين الـ 80 مليون الزيادة دول منين؟"
أجابها بسخرية، بينما يخرج حافظة أوراقه من جيب سترته، بحث بهارحتي عثر على ورقة ألقاها نحوها:
"بما إنك بقيتي تنسي الأيام دي، إنتي بتوافقي على إيه وبتمضي على إيه، فده اتفاق قبل الجواز اللي إنتي ماضية عليه وقبلتي إنك في حالة طلبتي الطلاق تدفعيلي 100 مليون جنيه."
ليكمل بسخرية لاذعة عندما لاحظ شحوب وجهها وعينيها التي اتسعت على مصرعيها، بينما تتفحص الورقة التي بين يديها المرتجفة:
"إيه نسيتيها هي كمان؟!"
وضعت داليدا يدها فوق عنقها، شا
عرة بالاختناق الحاد يسيطر عليها. همست بصوت مرتجف بينما تهز رأسها بقوة برفض:
"انت كداب، انتوا كلكم كدابين، دي أكيد لعبة بينك وبين مرتضى عشان تخليني أستمر في لعبتك القذرة دي."
لتكمل بحده بينما تلقي الورقة بوجهه:
"أكيد مرتضى قالك إني عرفت سبب جوازك مني، وطبعاً خوفت إني أسيبك والناس تقول مراتي سابته بعد أقل من شهر جواز زي ما بنت عمتك ما سابتك وفضلت راجل تاني علي..."
صرخت مبتلعة باقي جملتها عندما اندفع نحوها قابضاً على ذراعها، لوياً إياه خلف ظهرها بقسوة، مزمجراً في أذنها بهسيس لاذع:
"دماغك سم ولسانك ده عايز قطعه."
ليكمل معتصراً ذراعها بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت مرتفع لم يثير به الشفقة، ليزيد من اعتصاره لذراعها أكثر وهو يتمتم بصوت قاس حاد:
"مفيش طلاق، ولو فكرتي بس تهربي أو تخرجي برا باب القصر من غير إذني، ساعتها هوريكي الوش التاني لداغر الدويري، ووقتها هتتمني الموت ومش هطوليه."
أنهى جملته تلك، دافعاً إياها بحدة بعيداً عنه، لتتعثر وتسقط بقسوة على الأرض. ظلت داليدا جامدة بمكانها، منحنية الرأس، تغلق عينيها بقوة محاولة منع الدموع التي التساقط، ضاغطة على شفتيها بقوة حتى وصل إلى سماعها صوت إغلاق باب الجناح الذي أغلقه خلفه كالعاصفة، لتنهار على الفور منفجرة في بكاء مرير، بينما تنحني على نفسها على الأرض، متشبثة بذراعها الذي يؤلمها، تحتضنه إلى صدرها، بينما أخذت شهقات بكائها الحادة تمزق السكون من حولها، غافلة عن ذاك الذي لا يزال يقف خلف باب الجناح من الجهة الأخرى يستمع إلى شهقات بكائها تلك، شاعراً بها كسكين حاد يمزق قلبه.
رواية قلبه لا يبالي الفصل السادس 6 - بقلم هدير نور
بعد مرور ساعة... كان داغر جالساً بمكتبه الخاص بالقصر يتطلع بشرود إلى الأوراق التي أمامه، وهو لا يستطيع التركيز في حرف واحد منها. فلا يزال عقله منشغلاً بأحداث اليوم، وبتلك التي تركها باكية في غرفتها. فلا يزال صوت شهقات بكائها المتألمة يتردد داخل رأسه معذباً إياه. ولا يعلم لماذا هو متأثر بهذا الشكل بها.
فهو لم يهتم بدموع أحد من قبل، خاصة إذا كانت دموع امرأة. فبالنسبة إليه، المرأة دائماً تستعمل دموعها وضعفها كسلاح للوصول إلى ما ترغب به بسهولة. لكن دموع داليدا كانت شيئاً آخر تماماً. فهي لم تكن تحاول الوصول إلى شيء بالبكاء وحيدة في غرفتها، حتى أنها لم تكن تعلم بأنه لا يزال واقفاً خارج الباب يستمع إليها.
زفر بضيق، ملقياً القلم الذي بيده بحِدة فوق مكتبه، قبل أن يتراجع في مقعده إلى الخلف، فاركاً عينيه بتعب. وقد بدأ يتذكر بداية كل هذا. تذكر الوعد الذي قطعه لعمه وهو بفراش الموت، بأن يهتم بكلا ابنتيه شهيرة ونورا، وأن يستمر بالإنفاق عليهما حتى بعد وفاته. فقد أنفق عمه إرثه بالكامل، عكس والد داغر الذي استعمل إرثه في إنشاء شركة مقاولات كبيرة، والتي أصبحت على يد داغر مجموعة شركات لا تُعد ولا تُحصى داخل وخارج مصر. بالطبع، طمأن عمه بأن شهيرة ونورا مسؤوليته التي لن يتخلى عنها أبداً.
لكن عندما طلب منه عمه بأن يتزوج من نورا ابنته حتى يستطيع أن يطمئن عليها، رفض داغر ذلك بشدة. لم يحب أن يتزوج بتلك الطريقة. لكن ما إن اشتد المرض بعمه وطلب منه مرة أخرى بأن يتزوج منها، لم يتمكن داغر من الرفض هذه المرة، فقد كان عمه على وشك الموت. كما أنه فكر بأنه سيأتي يوم ما ويضطر لأن يتزوج حتى يصبح له أولاد، فلما لا تكون ابنة عمه، فقد كانت يتوافر بها جميع مواصفات الزوجة التي يمكن أن يرغب بها. كما أنه كان يعلم جيداً أنه لن يقع في الحب. فقد كان الحب بالنسبة إليه ليس إلا كلمة تافهة يرددها الناس ليبرروا ضعفهم تجاه شخص أو شيئاً ما.
وبالفعل، أصبح الجميع في محيطهم يعلمون أن نورا خطيبته، برغم أنهم لم يقيموا خطبة بالفعل. فقد كانوا ينتظرون انتهائها من سنتها الأخيرة في تحضير الماجستير، لكنه كان يصطحبها معه إلى جميع المناسبات الاجتماعية. فأينما ذهب، كانت ترافقه. ظلوا على هذا الحال لأكثر من ستة أشهر، حتى جاء اليوم الذي اضطر به أن يذهب لرحلة عمل ما لمدة شهرين.
وحينما عاد، انقلب كل شيء. فور وصوله، أخبرته والدته أن نورا قد خطبت لأحد المخرجين السينمائيين المشهورين. شعر وقتها بغضب عارم لم تشعر بمثله من قبل. لكن غضبه هذا لم يكن سببه فقدانها أو خطبتها لغيره، بل كان سببه كبرياؤه الذي جُرح، والوضع المحرج الذي وضعته به، والتفافها من خلف ظهره لفعل ذلك.
فإذا كانت أتت وأخبرته بأنها لا ترغب الزواج منه، لتركها وزوجها بنفسه إلى من تريد بعد أن يتأكد بالطبع من أنه مناسب لها. لكنها فضلت أن تطعنه بظهره، جاعلة منه أضحوكة في مجتمعهم. وعندما حاولت هي وشهيرة أن يبرروا فعلتها تلك بسبب شعورها بأنه لا يحبها ويتعامل معها كأنها أمر مسلم به في حياته، وأنها وقعت في حب ذاك المخرج، وقتها داغر تعامل ببرود يعاكس الغضب المشتعل به، رافضاً إظهار غضبه حتى لا يتم تفسير غضبه هذا بشكل خاطئ من قبلهما.
فعلى العكس، فإن كان صريحاً مع نفسه، فلا يمكنه أن ينكر مدى الراحة التي شعر بها عندما انتهت خطبتهم تلك. فقد كان يشعر بها دائماً كسلاسل حول عنقه تخنقه. ولكن، بدأ تصبح خطبتها إلى ذلك المخرج لعنة تلاحقه في كل مكان. فور ذهابه لشركته باليوم التالي، أصبح الموظفون يتهامسون فور رؤيته، وهم ينظرون إليه بنظرات ممتلئة بالتعاطف. فقد كانوا يظنون أنه حزين وجريح بسبب ترك ابنة عمه له وخطبتها لغيره من وراء ظهره.
لكنه فضل وقتها تجاهل الأمر. لكن تفاقم الوضع في إحدى الحفلات التي كان يحضرها بسبب عمله. فقد كانت نظرات جميع الحاضرين بالحفل تنصب عليه باهتمام، فمنهم من كان ينظر إليه بتعاطف، ومنهم من ينظر بشماتة وفرح. بالإضافة إلى تهامسهم الذي كان يصل، مما جعله يرغب وقتها في خنق ابنة عمه وخطيبها وإشعال النيران في كل ما يحيطه.
فكل هذه الضجة قد أثرت على سير الصفقة الذي يعمل عليها منذ أكثر من سنة. فقد كانت تلك الصفقة من أكبر وأهم صفقات حياته، ومثل هذه الثرثرة حوله قد تضعف موقفه في السوق، مما يجعل أطراف الصفقة يرفضون التعامل معه. ترك الحفل وغادر كبركان ثائر من الغضب. وعندما أصر مرتضى الرواي أن يرافقه، وافق على مضض.
اتجه داغر إلى إحدى النوادي الرياضية، حيث بدأ وقتها ينفث غضبه بلكم إحدى الحقائب الرملية المعلقة. بينما كان مرتضى واقفاً يراقبه بصمت، عالماً جيداً ما يعانيه وما مر به بالحفل. ظل داغر يتلاكم مع الكيس الرملي حتى تورمت يده، وسقط على الأرض يجلس بمحاولة التقاط أنفاسه اللاهثة.
وقتها اقترب منه مرتضى قائلاً:
=عندي حل للي إنت فيه...
ليكمل بصوت مرتجف عندما رفع داغر رأسه المتعرق إليه، يتطلع إليه بأعين تطلق شرارات غاضبة جعلت أطراف مرتضى ترتجف بالخوف. لكنه أكمل، متنحنحاً:
=علشان تقطع كلام الناس ده وميأثرش عليك في السوق، لازم تتجوز، وتتجوز في أسرع وقت كمان...
أردف سريعاً عندما رأى أن داغر يهم بالرفض:
=هيبقى جواز صوري طبعاً...
قاطعه داغر بحدة لاذعة، بينما يقوم بحل الشريط الملفوف حول يديه المتورمتين:
=جواز صوري، إزاي؟! عايزني أظلم واحدة مالهاش ذنب في الليلة دي كلها.
أجابه مرتضى قائلاً سريعاً:
=لأ طبعاً، مش هتتظلم. لأنك هتبقى متفق معاها على كده، وفي آخر الجواز تديها مبلغ...
قطب داغر حاجبيه قائلاً، وقد بدأ الأمر يروقه، فقد كانت أهم صفقة في حياته على وشك أن تتدمر:
=ومين دي اللي هتقبل بوضع زي ده؟!
أسرع مرتضى قائلاً بلهفة:
=داليدا بنت أختي...
ليكمل بارتباك عندما تطلع إليه داغر بأعين تمتلئ بالشك:
=على فكرة هي اللي طلبت مني أقترح عليك الحل ده. إنت يمكن متعرفهاش، لكن هي تعرفك كويس. وكانت معانا في الحفلة النهاردة وسمعت وشافت كل اللي حصل...
عقد داغر حاجبيه مفكراً بابنة شقيقته تلك، محاولاً تذكرها، لكنه لم يستطع، فهو متأكد أنه لم يقابلها من قبل.
=وإنت إيه اللي يخليك توافق بنت أختك على حاجة زي دي؟ مش شايف إنها حاجة يعني...
قاطعه مرتضى، زافراً باستسلام، بينما يتصنع الحزن:
=عارف إنت بتفكر إزاي. بس فاكر لما كنت ببيع أسهمي في الشركة، ولما كنت بتسألني عن السبب، كنت بقولك ظروف عائلية. كنت ببيعها بسبب بنت أختي داليدا.
ليكمل بصوت حاول جعله بائساً قدر الإمكان حتى لا ينكشف كذبه، راسماً الحزن على وجهه بإتقان:
=داليدا أنا اللي مربيها من وهي عيلة صغيرة ودلعتها كتير. لو كانت طلبت لبن العصفور، كنت لازم أجيبهولها. ودلع ده بوظها، اتعودت تصرف بهبل وبتضيع فلوسها على حاجات تافهة. منكرش إن بقيت معاها آخر فترة قاسي علشان أخليها تهدأ شوية وتعقل في تصرفاتها، لكن خلاص هي اتعودت على كده، ومهما أعمل، ده بقي خلاص أسلوب حياتها. ده غير إن الأسهم قربت تخلص ومش هلاحق على طالبتها ولا زنها، علشان كده دي فرصة هتاخد فيها مبلغ من جوازها منك وتبدأ تعتمد على نفسها وتشوف حياتها.
هز داغر رأسه قائلاً بحزم، وقد بدأ يمل من الأمر:
=بقولك إيه، انسي الكلام الفارغ اللي بتقول عليه ده...
تنهد مرتضى بيأس عندما رأى التصميم في أعين داغر الرافض للأمر:
=طيب استنى لبكرة ولما تقابلها، يمكن تغير رأيك...
نهض داغر واتجه نحو باب صالة النادي، يستعد للمغادرة دون أن يجيبه، فالأمر كان مرفوضاً بالنسبة إليه نهائياً. لكن لاحقه مرتضى وظل يحاول إقناعه بإلحاح شديد، مما جعل داغر يوافق أخيراً بمقابلتها حتى يتخلص منه ومن إلحاحه هذا.
وفي اليوم التالي، اتجه داغر إلى مكتب مرتضى لكي يخبره بأن يلغي مقابلته بتلك المدعوة داليدا، فلا يعلم كيف وافق على مثل هذه المهزلة. لكن ما إن جلس بمكتب مرتضى يهم بإخباره بقراره هذا، قاطعه طرق على الباب، ثم دلفت إلى المكتب فتاة.
فور أن رآها داغر، تصلب كامل جسده وانحبست أنفاسه داخل صدره، بينما يراقبها وهي تخطو إلى الداخل بخطوات بطيئة مترددة. ظل يتطلع إليها عدة لحظات، ظناً منه أنه يحلم. فها هي ملاكه الذي كان يبحث عنه طوال الأشهر الماضية، ملاكه الذي منذ أن رآها لأول مرة، ظلت تقتحم أحلامه طوال الأشهر الماضية.
تذكر أول مرة رآها بها، كان الوقت لم يتجاوز السابعة صباحاً، حيث كان يركض على طول الطريق المؤدي إلى قصره، ممارساً رياضته الصباحية المعتادة، عندما سمع صوت خطوات خلفه. توقف ملتفتاً خلفه ليجد فتاة محجبة تركض خلفه، فعلى ما يبدو أنها تمارس الرياضة هي الأخرى. لكنه توقف متجمداً بمكانه عندما دقق النظر إليها، فقد كانت ذات جمال خطف أنفاسه، لم يرى بمثله من قبل، فقد كانت ذات بشرة بيضاء ناصعة كريمية، ووجنتين محمرتين أثر المجهود التي كانت تبذله، بينما عينيها خليط غريب من الأزرق والرمادي.
رأى خطواتها تتعثر وتتباطأ عندما لاحظت أنه يقف يراقبها، وعندما هم أن يقترب منها، التف متعثراً إلى الخلف عندما سمع صوت زمور سيارة حاد من خلفه كادت أن تصطدم به. تراجع مبتعداً عن طريق السيارة حتى تستطيع العبور. وعندما التفت إلى الفتاة مرة أخرى، كانت قد اختفت من المكان. شعر وقتها بإحباط ويأس لم يشعر بمثلهما من قبل. وظل عدة أيام يذهب إلى ذات المكان وفي ذات الوقت، لعله يراها مرة أخرى، لكن فشلت محاولته تلك.
كما أمر رجاله بالبحث عنها، لكنه لم يكن يعرف أي شيء عنها حتى يسهل البحث عليهم، لذا فشلت أيضاً محاولات البحث التي أجراها رجاله، فقد اختفت كما لو كانت سراباً لم يره غيره. ظل طوال الأشهر التالية لذلك اليوم يراها كل ليلة بأحلامه، وعندما يستيقظ، يشعر بيأسه يزداد أكثر وأكثر، عالماً بأنه لن يستطيع إيجادها. ولكن ها هي تجلس أمامه بجمالها الذي خطف أنفاسه منذ أول مرة رآها بها.
تأملها بأعين تلمع بالشغف، بينما تجلس بالمقعد المقابل له بمكتب مرتضى، ورغبة ملحة تسيطر عليه بأن يجذبها نحوه ويتذوق تلك الشفاه الكرزية التي سلبت النوم من عينيه طوال الأشهر الماضية. لكنه خرج من أفكاره تلك على صوت مرتضى الغليظ عندما تحدث إليها:
=اتأخرتي ليه يا داليدا؟!
شعر داغر بالدماء تنسحب من جسده فور سماعه هذا الاسم، داليدا. أحقاً تلك هي داليدا؟ ابنة شقيقة مرتضى، الفتاة الجشعة التي وافقت على بيع نفسها مقابل بعض المال. ضغط على فكيه بقوة، شاعراً بغضب وخيبة أمل لم يشعر بمثلهما من قبل. لا يصدق بأن الملاك الذي ظل يراود أحلامه منذ تلك المرة التي رآها بها، هو تلك الفتاة المدللة الجشعة.
لم يستطع الجلوس أمامها وكل هذا الغضب يشتعل بداخله. نهض يهم بالمغادرة وتركهم سوياً، وكان قد اتخذ قراره النهائي برفض هذا الاتفاق. لكن لا يعلم لماذا، عندما اتصل به مرتضى مساء ذلك اليوم حتى يعلم قراره، قال له إنه موافق على أن يتزوجها. ظل يبرر لنفسه وقتها أنه ما وافق إلا لكي ينقذ الصفقة التي بها سوف يجعل من شركة والده المتوفي شركة عالمية تنافس أكبر الشركات الأجنبية. كما أنه خلال طوال المدة التي عرفها بها، لم يذكر ولو لمرة واحدة معها اتفاقهم أو تناقش معها حوله، ربما رغبة منه أن ينسى لماذا تزوجها أو هروباً من حقيقتها التي هي عليها. فرك وجهه بعصبية، بينما يتذكر العذاب الذي مر به خلال هذه الأسابيع الثلاثة الأخيرة.
منذ زواجهم، لا يمكنه إنكار الرغبة التي تشتعل بجسده ما إن تقع عيناه على داليدا. فقد حاول منذ أول يوم في زواجهم تمالك نفسه وعدم الاقتراب منها. فشعوره بجسدها الدافئ بكل ليلة يرقد بجانبه على الفراش دون أن يستطيع لمسها يجعله يكاد أن يجن. فقد كان من أسوأ الآلام الجسدية التي تعرض إليها. حتى كان يصل به الأمر ببعض الأحيان الاستيقاظ فجراً من شدة حاجته لها. يظل يتأمل جمالها الذي كان محرماً عليه لمسه أو الاقتراب منه حتى يصل إلى حافة انهياره، مما يجعله ينهض ويأخذ حماماً مثلجاً لعله يطفئ النيران المشتعلة به.
فبرغم أنه كان ذا علاقات كثيرة بالنساء، إلا أنه بحياته لم يشعر بمثل تلك الرغبة الملحة تجاه امرأة من قبل. ولا ينكر أنه حاول بعد زواجه أن يقيم علاقة مع إحدى النساء التي كانت في حياته من قبله حتى يتخلص من هوسه المتعلق بها، لكنه لم يستطع فعلها. فلم يشعر بأي شيء تجاه تلك المرأة، لم يشعر سوى بالبرودة نحوها. فامرأة واحدة فقط التي يرغبها حد الجنون، وهي داليدا زوجته التي ممنوع عليه لمسها أو الاقتراب منها.
لذا نهض تاركاً تلك المرأة بالمطعم بمفردها، متحججاً بعمل طارئ ما قد ورده. وعندما عاد إلى المنزل ودخل الجناح الخاص به، رأى أمامه ما جعل الدماء تغلي بعروقه كحمم من البركان الثائرة. فقد كانت داليدا واقفة أمام المرآة تتطلع إلى نفسها بينما ترتدي قميص نوم بلون الدماء قصير للغاية يظهر جمال بشرتها الشاحبة الكريمية وجمال قوامها الممشوق. بينما شعرها الذي جعله يفقد النطق عندما رآه لأول مرة بليلة زفافهم من شدة جمال لونه المميز، فقد كان بلون النيران المشتعلة حريري يصل إلى أسفل ظهرها. فقد كان ينسدل الآن فوق ظهرها كشلال من النيران المشتعلة.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يتجه نحوها، آخذاً إياها بين ذراعيه، متناولاً شفتيها في قبلة جعلت كامل جسده يرتجف برغبة قوية جعلته يكاد يسقط على ركبتيه من قوتها. لكن فور أن ابتعد عنها وسمعها تنطق اسمه بتلك الطريقة التي جعلته يفيق ويدرك الخطأ الذي فعله. فهو لم يكن عليه لمسها، فزواجهم صوري من أجل المظاهر فقط كما كان هذا اتفاقهم، ألا يلمسها مما جعله يدفعها بعيداً عنه، ملقياً عليها كلمات قاسية حتى يخفي الضعف الذي أصابه نحوها.
من ثم فر هارباً من الغرفة قبل أن يضعف ويعود إليها مرة أخرى، جاذباً إياها بين ذراعيه. لكن هذه المرة لن يتركها حتى يشبع جوعه لها. كما لا يمكنه أن ينكر أيضاً الأمل الذي نبض بداخله اليوم عندما تصنعت أمامه عدم معرفتها باتفاق زواجهم هذا. لكنه انهار أمله ذلك عندما أراه مرتضى كافة الأدلة التي تدينها وتثبت عدم براءتها التي تدعيها. شعر وقتها بخيبة أمل وإحباط أكثر من ذلك اليوم الذي عرف به حقيقتها المخادعة. مرر يده بعصبية بشعره مبعثراً إياه بغضب، بينما يتناول الملف الذي ألقاه بعيداً، محاولاً إبعاد أفكاره تلك والتركيز بعمله الذي أهمله طوال اليوم بسببها.
بعد مرور ساعتين...
كانت داليدا جالسة على إحدى المقاعد بالجناح الخاص بها هي وداغر، تضم ساقيها إلى صدرها بقوة، دافنة رأسها بينهما بينما تنتحب بصمت، شاعرة بألم يعصف بقلبها لم تشعر بمثله من قبل. فقد بين ليلة وضحاها تحولت من زوجة مهملة إلى زوجة مشتراة بالمال، زوجة ليست لها أي حقوق على زوجها. ازدادت شهقات بكائها عند تذكرها لداغر، فهي الآن تدرك لماذا كان يعاملها بمثل هذا البرود والتجاهل، فهو لم يعتبرها أبداً زوجته. فقد كانت مجرد شيء اشتراه بأمواله يستعمله في غرض معين، ألا وهو إثارة غيرة ابنة عمه.
لكن ما كان يجعلها تكاد أن تجن هو كيف وقعت على اتفاقية الزواج وعلى أوراق ملكية تلك الفيلا. أطلقت شهقة منخفضة وقد شحب وجهها عند تذكرها اليوم الذي يسبق كتب كتابها على داغر، عندما جاء خالها وأخبرها أنها يجب أن توقع على بعض الأوراق المتعلقة بالفحص الطبي الذي يسبق الزواج. في هذا الوقت كانت منشغلة في تحضيرات الزفاف، وعندما حاولت قراءتها وفهم ما بتلك الأوراق، منعها مرتضى من ذلك متحججاً بأن موظف الصحة ينتظر بالخارج وفي عجلة من أمره، مما جعلها توقع سريعاً عليها. بالتأكيد تلك الأوراق هي اتفاق الزواج وأوراق الفيلا التي بالتأكيد قام بدفع أموالها من ماله الخاص على أن يجعل تاريخ العقد ما بعد تاريخ زواجها حتى يأمن نفسه في حالة داغر شك بالأمر.
لا تعلم كيف أمكنه فعل ذلك بها، وكيف وقعت هي بتلك السهولة في هذا الفخ. همست بصوت مرتجف بينما تجذب بغضب خصلات شعرها: "يا غبية... يا غبية."
لكن ارتفع رأسها بحدة عندما سمعت صوت باب الجناح يفتح، أخذت تمسح بتعثر وجهها من الدموع العالقة به سريعاً حتى لا يراها داغر بحالتها تلك.
دلف داغر الجناح ليجد داليدا جالسة بإحدى المقاعد بوجه محتقن وأعين حمراء، ليدرك أنها كانت لا تزال تبكي. جعل إدراكه لهذا يشعر بالضيق، لكنه نفض شعوره هذا بعيداً بغضب. عندما رآها تنتفض واقفة ما إن رأته، جاذبة طرحتها من فوق إحدى المقاعد، واضعة إياها بتعثر فوق رأسها مخفية شعرها بأكمله عن عينيه.
جعلته حركتها تلك يشعر بغضب عاصف يشتعل بداخله. هو يدرك ما تقصده بإخفاء شعرها عنه. زمجر بهسيس حاد وشرارات الغضب تتقافز من عينيه: "إيه اللي انتي عملتيه دلوقتي ده؟!"
أجابته بصوت أجش بعض الشيء من أثر البكاء، بينما تطلع نحوه بارتباك: "عملت إيه؟!"
اقترب منها حتى أصبح يقف أمامها، وتعبير شرس يرتسم فوق وجهه، مشيراً بيده نحو رأسها المغطي بالحجاب: "لبستي الطرحة دي ليه أول ما شوفتني بدخل الأوضة؟!"
أجابته بهدوء بينما تهز كتفيها ببرود: "أنا واحدة محجبة وطبيعي لما أشوف راجل غريب أغطي شعري..."
قاطعها مزمجراً بشراسة بينما يضيق عينيه عليها، محدقاً بها بتركيز وقد بدأ جسده يهتز من شدة الغضب: "راجل إيه؟! سامعيني تاني كده؟!"
كتفت داليدا ذراعيها أسفل صدرها حتى تخفي عنه ارتجاف يديها، قائلة بصوت جعلته بارداً قدر الإمكان، يعاكس تماماً الارتباك والخوف الذان يعصفان بداخلها: "راجل غريب..."
لكنها أطلقت صرخة متفاجئة عندما قبض على كتفيها بقوة، جاذباً إياها نحوه ليصطدم جسدها بجسده. حاولت بتخبط التراجع إلى الخلف بعيداً عنه، لكنه شدد من قبضته حولها، مزمجراً بقسوة بثت الرعب بداخلها: "راجل غريب مين؟! انتي شكلك اتجننتي. أنا جوزك..."
هتفت داليدا مقاطعة إياه بقسوة، وقد انفجر بداخلها كل الغضب الذي كانت تحاول التحكم به منذ بداية زواجها منه بسبب تجاهله لها ومعاملته السيئة لها ومعرفتها لحقيقة زواجهم: "جوزي؟! دلوقتي بقيت جوزي..." لتكمل بقسوة بينما تحاول التحكم في ارتجاف جسدها: "جوزي اللي أنا بالنسباله مجرد واحدة اشتراها بفلوسه علشان يخلي بنت عمه اللي ساب..."
أسرع داغر بوضع يده فوق فمها، مكمماً إياه حتى يمنعها من تكملة جملتها التي كان يعلمها جيداً، والتي لم تترك فرصة إلا وقذفتها بوجهه، مما قد يجعله يفقد السيطرة على غضبه وقتها. فهو لن يسمح لها بإهانته أكثر من ذلك.
همس بالقرب من أذنها بهسيس منخفض حاد، بينما يزيد ضغط يده على فمها: "اخرسي. اخرسي أحسنلك بدل ما تخليني أفقد
قاطعته داليدا بحده بينما تهز رأسها بقوة رافضة.
=مش هنام جنبك على سرير واحد تاني يا داغر.
انحنى رأسه نحوها مما جعلها ترجع رأسها إلى الخلف بخوف، ظناً منها أنه سيقبلها. لكن اقتربت شفتيه من أذنيها هامساً بصوت حاد لاذع.
=لا هتنامي يا داليدا، وغصب عنك.
ليكمل بقسوة محاولاً تبرير ما يصر أن تنام بجانبه على الفراش. لكنه في الحقيقة لم يكن يبرر لها أكثر مما كان يبرر الأمر لنفسه، محاولاً إقناع ذاته بأن الغضب الذي انتابه عند رؤيتها مستغرقة بالنوم على تلك الأريكة وليس بفراشهم الذي اعتادت أن تنام عليه بجانبه كل ليلة منذ زواجهم. إنه لا يرغب بأن يراها الخدم بهذا الشكل عند قدومهم صباحاً إلى الغرفة.
=زبيدة بتدخل كل يوم الجناح علشان تصحيكي تنزلي تفطري، أكيد مش هسمح بأنها تشوفك نايمة هنا.
همست داليدا بارتباك بينما لازالت منكمشة بأقصى الأريكة بعيداً عن يده، متمسكة بحافة الأريكة بقوة.
=خلاص، انت تصحى الصبح قبل ما تروح الشغل صحيني وأنا هقوم أنام على السرير.
قاطعها داغر بحده.
=أنتي تصحي الساعة 7 الصبح.
ليكمل بسخرية لاذعة.
=أنتي لو القصر كله اتهد مش هتصحي، يا داليدا. نومك تقيل بلبس والنور مفتوح، وساعات بيجيلي مكالمات وبضطر أرد عليها، وأنتي برضه بتفضلي نايمة مكانك، مبيتهزش ليكي رمش واحد حتى.
احتقن وجهها من شدة الخجل، فقد كانت تعلم بأنها ذات نوم ثقيل، خاصة إذا نامت بوقت متأخر للغاية ليلاً. لكن ورغم ذلك هزت رأسها بحدة قائلة بعناد.
=برضه مش هنام جنبك، واللي يشوف يشوف.
لكنها قاطعت جملتها تلك صارخة بفزع، متشبثة بقوة بيديها الاثنين بظهر الأريكة عندما قبض على ذراعها محاولاً جذبها من فوق الأريكة، وعلى وجهه يرتسم تعبير صارم حاد. أخذت تركله بقدميها بشراسة في أعلى ساقه محاولة دفعه بعيداً، بينما لازالت تتشبث بظهر الأريكة بقوة رافضة تركها. أطلق لعنة حادة عندما أصابته في ساقه بحدة، مما جعله يشدد من يده حول ذراعها جاذباً إياها بقوة حتى جعلها تنهض رغماً عنها.
وقفت داليدا بين ذراعيه تتخبط بشراسة محاولة جعله يتركها، لكنه كان أقوى منها. فلم تجد أمامها سوى أن تخفض رأسها وتقبض بأسنانها الصغيرة على يده التي كانت على كتفها. عضته بقوة، غارزة أسنانها بقسوة بيده، مما جعله يطلق صراحها على الفور، مصدراً زمجرة متألمة بينما يلعن بقسوة. أفلتت يده من بين أسنانها أخيراً عندما قام بإفلاتها.
تراجعت إلى الخلف بخطوات متعثرة حتى سقطت جالسة فوق الأريكة التي تعثرت بها من الخلف، بينما عينيها مسلطة برعب على داغر الذي كان يتطلع بشراسة إلى أثر عضتها الواضحة بيده. رفع رأسه نحوها، وعينيه تشتعل بها نيران الغضب، مما جعلها تبتلع بخوف الغصة التي تشكلت بحلقها.
زمجر بقسوة من بين أسنانه المطبقة.
=أنتي اللي جبتيه لنفسك.
من ثم اتجه نحو إحدى الخزائن يفتحها ويخرج منها إحدى الحبال الرفيعة بعض الشيء.
همست داليدا بصوت مرتجف بينما عينيها مسلطة برعب فوق الحبل الذي بين يديه، بينما يقترب منها بخطوات متكاسلة بطيئة. حاولت النهوض والفرار لكنها لم تستطع، فقد أصبحت محاصرة بسبب جسد داغر الصلب. الذي أصبح يجلس على عقبيه أمامها مباشرة. لصدمتها شعرت بيده تمر برقة فوق وجهها يرسم ملامحها بإصبعه ببطء، من ثم انحنى دافناً وجهه بعنقها مقبلاً إياه بلطف، مما جعلها تكتم تأوهاً كاد أن يفلت من بين شفتيها. ما إن شعرت بلمسة شفتيه الحارة فوق جلدها الحساس، لكن انقشعت متعتها تلك عندما شعرت بشيء قاسٍ يقيد يديها بشدة.
ابتعد داغر عنها ببطء، وفوق وجهه ترتسم ابتسامة ملتوية.
صرخت داليدا برعب عندما رأت ما فعله بها، فقد قام بتقييد يديها بالحبل الذي كان بين يديه. أخذت تهز يديها بقوة محاولة فك العقدة التي حولها، بينما تهتف بغضب.
=إيه اللي أنت عملته ده؟ فك إيدي، أنت اتجننت.
ابْتَلَعَتْ بَاقِي جُمْلَتِهَا شَاهِقَةً بِقُوَّةٍ مُتَرَاجِعَةً إِلَى الخَلْفِ عِنْدَمَا انْحَنَى عَلَيْهَا وَقَامَ بِحَمْلِهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ وَاتَّجَهَ بِهَا نَحْوَ الفِرَاشِ وَاضِعًا إِيَّاهَا فَوْقَهُ وَتَعْبِيرٌ حَادٌّ يَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهِ.
اتسعت عينيها برعب، وقد تجمدت الدماء في عروقها عندما رأته يتناول طرف الحبل المتدلي من بين يديها المقيدة، وعقده بظهر الفراش، لتصبح يديها مقيدة وعالقة فوق رأسها بظهر الفراش.
هتفت داليدا بذعر بينما تهز يدها بقوة محاولة فك وثاقها، وحالة من الهسترية المرعبة سيطرت عليها.
=فكني، فكني بقولك.
لتكمل عندما تجاهلها ببرود وأمسك بساقيها المتدلية خارج الفراش وقام برفعها لتصبح مستلقية بكامل جسدها على الفراش.
همست بصوت مرتجف بينما تراقبه بأعين متسعة بالرعب وهو يقوم بنزع قميصه ليظهر صدره الهري الممتلئ بالعضلات الصلبة القاسية، قبل أن يلتف ويستلقي بجانبها على الفراش.
=أنت، أنت شكلك سادي.
لتكمل بينما تهز رأسها بتأكيد وقد بدأ الرعب يدب في أوصالها.
=أيوه. أيوه أنت أكيد سادي.
صرخت بهسترية بينما تهز يديها بقوة محاولة فك عقدتهما.
=فكني بدل ما أصرخ وألم عليك البيت كله، وشوف هيقولوا إيه لما يدخلوا ويشوفوا اللي أنت عامله فيا. هتتفضح وهيِعرفوا إنك سادي مجنون.
ألْمعَ الأمل بداخلها عندما رأته يتطلع نحوها بأعين متسعة كما لو أنه صدم من كلماتها تلك. لكن اشتعل الغضب بداخلها مرة أخرى عندما رأته ينفجر ضاحكاً بينما كان مستلقياً باسترخاء وعينيه مسلطة عليها بمرح كما لو أنه يستمتع بما يشاهده.
صرخت بانفعال ويأس.
=والله سادي ومش طبيعي فعلاً.
اشتعل الغضب أكثر وأكثر بداخلها عندما رأته ضحكه يزداد بقوة كما لو كان يتسلى حقاً بما عنته تلك. لكن دب الرعب في أوصالها عندما رأته في أقل من ثانية أصبح مستلقياً فوقها، ينحني عليها هامساً بالقرب من أذنها بصوت هامس أجش بينما يقضم طرف أذنها بلطف.
=ليه حاسس إنك بتتمني فعلاً إن أكون سادي.
اتسعت عينيها بصدمة فور سماعها كلماته تلك. همست بغضب بينما تبعد رأسها بحدة عنه، جاذبة أذنها من بين أسنانه.
=أنت قليل الأدب.
لكنه أسرع بوضع شفتيه فوق شفتيها مبتلعاً باقي جملتها داخل فمه، مقبلاً إياها بشغف. لكن أخذت داليدا تحاول إرجاع رأسها للخلف رافضة قبلته تلك، بينما تهز يديها المقيدة محاولة فك حصارها. لكن سرعان ما تحولت قبلتهما تلك إلى نيران مشتعلة بينهم، فقد بدأ يخفف من حدة ضغط شفتيه. همهم برضا عندما شعر بها تستجيب له، معمقاً قبلته أكثر، محيطاً جسدها بذراعيه جاذباً إياها نحو جسده حتى أصبحت ملاصقة به.
فصل شفتيهما قبل أن يفقد سيطرته كلياً، وفي تلك الحالة لن يتركها تفلت من بين يديه حتى يروي عطشه لها. أسند جبهته بجبهتها بينما يلهثان بقوة. راقب احمرار وجهها وخديها من شدة الخجل، مما جعل قلبه يرق على مظهرها الضعيف هذا. أخذ يطبع قبلة لطيفة على وجهها، لكنها أبعدت وجهها بعيداً عنه، هامسة بأنفاس لاهثة مرتجفة، بينما ترغب بأن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الحرج، فقد استجابت له كما لو أنها سوف تموت لو لم تفعل.
همست بقسوة بينما تدير وجهها بعيداً عنه.
=برضه سادي.
شعرت بصدره يهتز، التفتت إليه لتجده يضحك عليها. همت أن تطلق عليه غضبها مرة أخرى، لكنه أحاط وجهها بيديه مقرباً وجهه، ضاغطاً على شفتيها يقبلها بلطف قبل أن يتركها. همس بالقرب من أذنها بصوت حاد.
=لو سمعتك بتنطقي كلمة سادي دي تاني هفهم وقتها انتي عايزاني أعمل إيه.
حاولت فك يديها المعلقة فوق رأسها، شاعرة بالخوف يشل تفكيرها عند سماعها كلماته تلك، متوقعة منه أن يقدم على فعل شيء آخر. لكن ولدهشتها رأته يبتعد عنها، من ثم استلقى باسترخاء على جانبه الخاص من الفراش قائلاً بسخرية.
=نامي.
ليكمل بمرح بينما يطفئ الضوء الذي بجانب الفراش.
=تصبحين على خير يا مجنونة.
ظلت صامتة، لم تجبه، مبتلعة الغصة التي تشكلت بحلقها، بينما تزفر براحة عندما رأته يغلق عينيه بينما يوليها ظهره، فقد أرعبها ما فعله بها حقاً، فقد ظنت أنه سوف يقدم على فعل شيء من الأشياء التي تخص السادية والتي قرأت عنها من قبل.
بعد مرور ساعة.
كانت داليدا لازالت مستلقية على ظهرها، ويديها مقيدة فوق رأسها بظهر الفراش، شاعرة بألم حاد بها، حيث كان الحبل الذي كان يقيد يديها قاسياً للغاية حول يديها، بينما الجوع يكاد يمزق بطنها، فلم تأكل شيئاً منذ ليلة أمس.
أدارت عينيها نحو داغر الذي كان مستغرقاً بالنوم بجانبها.
زفرت بغضب، بينما تغلق عينيها محاولة استدعاء النوم، وهي تلعنه بغضب، فقد كان نائماً باسترخاء بينما هي تتعذب هنا. لكنها خرجت من أفكارها تلك، مطلقة صرخة منخفضة عندما شعرت بيد تمر فوق وجهها بلطف. فتحت عينيها لتجد داغر مستيقظاً، وأصبح يشرف فوقها.
همست برعب بينما تراقبه يقترب منها.
=أنت، أنت بتعمل إيه؟ والله العظيم يا داغر المرة دي هصوت بجد ومحدش هي.
ابتَلَعَتْ بَاقِي جُمْلَتِهَا عِنْدَمَا وَجَدَتْهُ يَقُومُ بِفَكِّ الحَبْلِ مِنْ حَوْلِ يَدَيْهَا لِتَسْقُطَ إِلَى الأَسْفَلِ مُتَحَرِّرَةً مِنْ عُقْدَتِهَا القَاسِيَةِ.
راقبته بأعين متسعة بالصدمة، بينما يقوم بفرك يديها بحنان مكان أثر الحبل. من ثم انحنى مقبلاً جبينها بحنان، هامساً بصوت أجش من أثر النوم.
=نامي، نامي يلا يا داليدا.
من ثم تركها وعاد إلى مكانه بالفراش مرة أخرى، مستغرقاً بالنوم سريعاً.
ظلت داليدا تطلع نحوه بصدمة مما فعله، لا تصدق بأنه فك وثاقها بهذه السهولة. ظلت مستلقية مكانها عدة دقائق قبل أن تنهض ببطء من جانبه، وتتجه نحو الأسفل حتى تحضر لنفسها أي شيء تسد به الجوع الذي يمزق بطنها.
بعد عدة دقائق.
كانت واقفة في المطبخ منشغلة في تحضير شطيرة بسيطة لها لكي تتناولها، من ثم سوف تذهب للنوم على الفور، فقد كان كامل جسدها يؤلمها.
لكنها أطلقت صرخة فازعة عندما شعرت بذراعين تلتفان حول خصرها من الخلف، تجذبَانها بقوة ليستند ظهرها إلى صدر دافئ.
هتفت بغضب بينما تستدير بين ذراعيه التي تحتضنها بقوة إلى جسده الصلب.
=داغر. مش هتبطل اللي بتعمله.
لكنها ابْتَلَعَتْ بَاقِي جُمْلَتِهَا وَقَدْ شَحَبَ وَجْهُهَا بِشِدَّةٍ عِنْدَمَا رَأَتْ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي كَانَ يَحْتَضِنُهَا بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الحَمِيمِيَّةِ لَيْسَ دَاغِرَ، بَلْ طَاهِرَ زَوْجَ شَهِيرَةَ، الَّذِي كَانَ يَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا بِأَعْيُنٍ تَلْمَعُ بِالشَّهْوَةِ.
هتفت داليدا بغضب بينما تدفعه بقوة في صدره محاولة إبعاده عنها.
=أنت بتعمل إيه؟ أنت مجنون. ابعد عني.
قاطعها طاهر بصوت لاهث بينما يقترب منها أكثر، ملصقاً جسده بها.
=أبعد عنك؟ ده أنا ما صدقت إنك وقعت بين إيديا.
دفعته داليدا بقوة في صدره محاولة دفعه بعيداً عنها، لكنها شعرت بالرعب يشل جسدها عندما رأت وجهه يقترب من وجهها، وأنْفَاسُهُ المُقَزِّزَةُ تَلَامِسُ وَجْهَهَا، مِمَّا جَعَلَهَا تَكَادُ أَنْ تَتَقَيَّأَ. بَلْ مَا أَرْعَبَهَا أَكْثَرَ رُؤْيَتُهَا للشَّهْوَةِ الَّتِي تَلَمَّعَتْ بِعَيْنَيْهِ المُسَلَّطَةِ فَوْقَ شَفَتَيْهَا مُعْلِنَةً بِوُضُوحٍ عَنْ نِيَّتِهِ نَحْوَهَا.
رواية قلبه لا يبالي الفصل السابع 7 - بقلم هدير نور
قلبه لا يبالى
كانت داليدا واقفه بالمطبخ تحضر شطيره بسيطه لتسد جوعها. كان جسدها يؤلمها، وتنوي الذهاب للنوم فورًا.
فجأة، شعرت بذراعين تلتفان حول خصرها من الخلف. استند ظهرها إلى صدر دافئ. هتفت بغضب وهي تستدير:
= داغر. مش هتبطل اللي بتعمله...
لكنها ابتلعت باقي جملتها. شحب وجهها حين رأت أن من يحتضنها ليس داغر، بل طاهر، زوج شهيرة. كان يتطلع إليها بعينين تلتمعان بالشهوة.
هتفت داليدا بغضب وهي تدفعه بقوة:
= انت بتعمل ايه؟ انت مجنون. ابعد عني...
قاطعها طاهر بصوت لاهث وهو يقترب منها أكثر:
= ابعد عنك؟ ده أنا ما صدقت إنك وقعت بين إيديا...
دفعه داليدا بقوة محاولة إبعاده، لكن الرعب شل جسدها حين رأت وجهه يقترب. أنفاسه المقززة تلامس وجهها، وكادت تتقيأ. ما أرعبها أكثر هو الشهوة التي لمعت في عينيه وهو ينظر إلى شفتيها، معلنًا عن نيته.
ضربت وجهه بكفيها هاتفة بصوت مرتعش:
= ابعد عني! ابعد عني يا حيوان، هصوت وألم عليك البيت.
حاولت تهديده وبث الرعب فيه، بينما لا تزال تدفع وجهه الذي لا يبعد سوى بوصات قليلة. كان يحاول بضراوة تقبيلها.
= داغر مش هيرحمك لو عرف إنك اتحرشت بمراته...
قاطعها طاهر بسخرية لاذعة وهو يحاول تكتيف إحدى يديها خلف ظهرها:
= مراته؟ مراته إيه يا آنسة. انتي فاكرة إني معرفش اللي فيها؟
أكمل بصوت يقشعر له الأبدان، مارًا بعينيه ببطء على جسدها بنظرات شهوانية:
= من أول يوم شوفتك فيه وأنا هتجنن عليكي، بس اللي كان مانعني إنك مرات داغر الدويري. لحد ما سمعت كلامكوا في المخزن لما عمل فيلم إنه خاطفك، وعرفت إنه شاريكي بفلوسه عشان تمثلي دور مراته اللطيفة الجميلة...
انسحبت أنفاسها من صدرها، وكأن جدران المكان تطبق من حولها. بدأ جسدها يرتجف بقوة، فعلمت أنها على وشك الدخول في نوبات ارتجافها، وبعد قليل ستفقد السيطرة على جسدها ووعيها، مما سيجعله قادرًا على فعل ما يريده بها.
راقبت بذعر شفتيه التي أصبحت على بعد نفس من شفتيها. رفعت إحدى ساقيها راكلة إياه بقسوة بين فخذيه، وغرزت أظافرها في جانبه عنقه.
تراجع طاهر إلى الخلف مطلقا صرخة متألمة، وانحنى ممسكًا بجزئه السفلي. انتهزت داليدا الفرصة وهربت بسرعة نحو باب المطبخ، متجاهلة صراخه الحاد.
= لو نطقتي بحرف واحد لداغر، هقول إنك إنتي اللي أغرتيني وحاولتي معايا، ولما رفضتك عملتي التمثيلية دي. وشوفي بقى هيصدقني أنا ولا هيصدق واحدة رخيصة زيك قبلت تبيع نفسها عشان شوية فلوس...
ركضت داليدا للخارج دون أن تلتف، صاعدة الدرج كل درجتين معًا من شدة الذعر، وهي تنظر خلفها خوفًا من أن يلاحقها. كان جسدها يرتجف بشدة بسبب النوبة التي أصابتها، مما جعلها تتعثر وتسقط بقسوة على إحدى الدرجات، متسببة بألم لا يطاق بساقها. لكنها لم تكترث، ونهضت مسرعة راكضة نحو غرفتها.
دخلت الغرفة بعد ثوانٍ، وقلبها يقفز في صدرها من شدة الرعب، وأنفاسها متلاحقة بلهث حاد. كان وجهها شاحبًا كشحوب الأموات. استلقت منهارة على الفراش بجانب داغر، الذي كان لا يزال مستغرقًا في النوم، وجاذبة الغطاء فوق جسدها الذي كان يرتجف بقوة.
أحاطت بذراعيها جسدها البارد كالثلج، محاولة بث بعض الدفء فيه، لكن لم يؤثر أي من هذا. اقتربت بإعياء من جسد داغر، وكان وعيها شبه غائب، تدس جسدها المرتجف بالقرب من جسده الدافئ، محاولة استمداد بعض الدفء والأمان والطمأنينة من الخوف الذي يسيطر عليها.
تلملم داغر في نومه حين شعر بشيء بارد مرتجف بالقرب منه. فتح عينيه فورًا، لكنه انتفض صاعقًا متراجعًا إلى الخلف حين وجد أن ذلك الشيء البارد المرتجف الملتصق به ليس إلا داليدا.
شعر بالقلق فور انتباهه إلى حالتها، فجسدها يرتجف بقوة ووجهها شاحب كشحوب الأموات. مرر يده فوق وجهها بلهفة، شاعرًا بقبضة حادة تعتصر قلبه حين شعر ببرودة جسدها كبرودة الثلج.
انحنى عليها هامسًا بصوت أجش يملؤه القلق:
= داليدا، مالك؟ فيكي إيه؟
أكمل بلهفة وهو يمرر يده فوق جسدها:
= تعبانة؟ أطلب الدكتور؟
وصل إلى داليدا صوت داغر كما لو أنه يأتي من مكان بعيد. استوعبه عقلها بصعوبة بالغة. هزت رأسها بضعف هامسة:
= مش تعبانة، بردانه بس.
راقب داغر رفضها، ضاغطًا على شفتيه بقوة، شاعرًا بعجز لم يشعر به من قبل. انحنى عليها متحسسًا جبهتها باحثًا عن ارتفاع حرارة، لكن جلدها كان باردًا بشدة. زفر براحة، ثم نهض واتجه إلى الخزانة جاذبًا أحد الأغطية الثقيلة، واضعًا إياه فوق جسدها المرتجف.
ثم استلقى بجانبها مرة أخرى، مراقبًا بقلق جسدها الذي لا يزال يرتجف بقوة. اقترب منها جاذبًا إياها نحوه، ضامًا جسدها المرتجف إلى جسده الصلب.
ظل منتظرًا لعدة ثوانٍ أن تعترض داليدا على احتضانه لها، لكن لمفاجأته اندست بجسدها المرتجف بين ذراعيه أكثر، مهمهمة ببعض الكلمات غير المترابطة وعيناها لا تزالان مغمضتين. شعر داغر بالراحة، وزاد من قبضته حولها، محتضنًا إياها بقوة أكبر، مارًا بيده بحنان فوق ظهرها.
بعد مرور ساعة...
كان داغر لا يزال مستيقظًا، محتضنًا جسد داليدا بقوة. كانت يده لا تزال تدلك ظهرها بحنان حتى شعر بجسدها يهدأ ويسترخي تمامًا بين ذراعيه، وأنفاسها أصبحت منتظمة.
ابتعد عنها قليلاً ببطء، متأملاً بشغف ملامح وجهها الملائكي، شاعرًا بالراحة حين رأى أن اللون قد عاد إلى بشرتها. لم يستطع مقاومة أن يمرر بلطف شفتيه فوق شفتيها الناعمتين الوردتين.
أخذ يمرر شفتيه فوق وجهها طابعًا قبلات صغيرة حنونة، شاعرًا برغبته بها التي تكاد تفتك به. لكنه حاول السيطرة على ذاته والتحكم بنفسه حتى لا يزعجها بنومها.
ظل يتأملها وهي نائمة بين ذراعيه حتى شعر بها تتلملم في نومها، قبل أن ترفع ساقها وتحيط ساقه لتصبح متشابكة معه.
أصدر هسيسًا حارًا حين قامت بدفن وجهها في عنقه، مما جعل جسده يتصلب بقوة حين شعر بأنفاسها الدافئة المنتظمة تلامس جلد عنقه. زفر بقوة واليأس يسيطر عليه، قبل أن يدفن وجهه في شعرها الذي كان ينسدل فوق ظهرها وكتفيها.
شعر بنبضات قلبه تزداد بقوة، فهذه هي المرة الأولى التي يحتضن بها امرأة بهذا الشكل الحميمي. كان الأمر دائمًا معها مختلفًا. تنفس بعمق رائحتها، وقبل جانب عنقه الدافئ، قبل أن يغمض عينيه ويستغرق بنوم عميق، وقلبه لا يزال مستيقظًا يرتجف بشدة.
بعد عدة ساعات...
تلملمت داليدا في نومها، شاعرة بدفء غريب يحيط بها. فتحت عينيها ببطء، مصدومة حين اكتشفت أنها مستلقية بين ذراعي داغر ورأسها مندس في عنقه. انحبست أنفاسها، وشعرت بالحرارة تجتاح جسدها.
شهقت بصدمة حين حركت يدها التي كانت تستكين فوق صدره وشعرت بملمس جلده العاري. تراجع رأسها إلى الخلف بعيدًا عنه، لكنها تسمرت مكانها حين رأت وجهه الوسيم المستغرق بالنوم.
أخذت تتأمل ملامح وجهه، شاعرة بقلبها الخائن يعصف بداخلها. مدت يدها نحوه، ماررة إياها بلطف فوق خده وذقنه غير الحليق. شعرت برجفة حادة تسري بسائر جسدها. تنهدت ببطء، وارتسمت على وجهها ابتسامة حنونة.
لكنها سرعان ما أدركت ما تفعله. نزعت يدها بعيدًا عن وجهه، لاعنة ضعفها نحوه. شحب وجهها بشدة عند تذكرها لآخر مرة استيقظ ووجدها بين ذراعيه يحتضنها. قام بإبعادها عنه بقسوة. لذا يجب عليها أن تنهض سريعًا قبل أن يستيقظ ويجدها بين ذراعيه، فلن تتحمل احتقاره لها بهذا الشكل مرة أخرى.
تراجعت بجسدها ببطء للخلف بعيدًا عنه، ساحبة جسدها بلطف من بين ذراعيه، خائفة من إيقاظه. لكن جسدها تجمد عن الحركة حين شعرت به يتلملم على أثر حركتها تلك.
راقبت بذعر ذراعه التي تحركت محيطة بخصرها مرة أخرى، مقتربًا منها في نعاسه، دافنًا وجهه في عنقها. توتر جسدها، وأصبح وجهها مشتعلًا من شدة الانفعال.
حاولت مرة أخرى أن ترفع بخفة ذراعه المحيط بخصرها، بينما تسحب جسدها بعيدًا عنه، لكن لصدمتها تشددت ذراعه المحيطة بها، مقربًا إياها من جسده مرة أخرى.
تراجعت بحدة هاتفة بغضب فور استيعابها ما يحدث:
= ده انت صاحي بقى...
همس داغر الذي كان لا يزال يدفن وجهه في عنقها، وكان مستيقظًا قبل داليدا منذ مدة طويلة بالفعل، يتنعم بشعوره بجسدها الناعم بين أحضانه. لكنه حين شعر بها تستيقظ، تصنعت النوم ليرى ما الذي ستفعله.
همس بالقرب من أذنها حين شعر بها تحاول الابتعاد عنه:
= نامي يا داليدا، لسه بدري، إحنا الفجر...
هتفت داليدا بغضب بينما تستدير بين ذراعيه لتصبح في مواجهته، مبعدة رأسها للخلف حتى تبعد رأسه الذي لا يزال مندسّاً بعنقها.
"ابعد عني. انت حاضني كده ليه؟"
لتكمل بقسوة عندما تجاهلها وقرب وجهه منها، بينما تدفعه بيديها في صدره وهو لا يزال يتصنّع النوم.
"قولتلك ابعد عني. إيه مبتفهمش؟"
أقرب منها أكثر بعناد وهو مغمض العينين، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة ملتوية محاولاً إثارة غضبها، فقد كان يستمتع كثيراً بمشاغبتها.
صاحت داليدا بحدة بينما لازالت تحاول دفعه بعيداً عنها.
"انت هتعملي فيها نايم؟ قولتلك ابعد عني."
رفع ذراعه المحيط بخصرها، مما جعلها تتنفس براحة ظناً منها أنه سوف يتركها، لكن تصلّب جسدها عندما احتضنها مرة أخرى، وبدأ يمرر يده بلطف فوق ظهرها، مما جعل نيران الغضب تشتعل بصدرها. فلم تشعر إلا وهي تغرز أسنانها الصغيرة بذراعه المحيط بها، تنوي عضه كعادتها، لكنها تجمدت حركة أسنانها فوق جلده، متراجعة عما تنوي فعله عندما وصل إليها زمجرة داغر المهددة بالقرب من أذنها.
"اعمليها، اعمليها وأنا أردها لك بس بطريقتي."
أبعدت داليدا أسنانها ببطء عن ذراعه، بينما تبتلع غصة الخوف التي تشكلت بحلقها، فقد كانت تعلم جيداً أنه قادر على تنفيذ تهديده هذا.
غمغم داغر في أذنها بصوت أجش مثير.
"خسارة..."
لهثت داليدا بينما تضع يدها على فمه مبعدة إياه عن أذنها، بينما تتطلع إليه بأعين متسعة ممتلئة بالحنق والغضب.
هامسة بصوت مرتجف وهي ترمقه بازدراء.
"سادي."
أخفى داغر وجهه بشعره محاولاً أن يداري الابتسامة التي ملأت وجهه مستمتعاً بإغاظتها. رفع رأسه مرة أخرى نحوه فور تذكره الحالة التي كانت عليها بوقت سابق.
غمغم بهدوء وهو يبعد خصلات شعرها المتناثرة على عينيها.
"انتي كان في حاجة مضايقاكي امبارح؟"
شحب وجه داليدا بشدة فور سماعها كلماته تلك.
همست بصوت مرتجف بعض الشيء.
"حاجة؟ حاجة إيه؟"
أجابها داغر بينما لا يزال ممسكاً بخصلة من شعرها بين أصابع يديه مستمتعاً بملمسها الحريري.
"كان جسمك كله بيرتعش، وده نفس اللي كان حصلك يوم ما مرتضى ضربك."
ظلت داليدا تتطلع إليه بأعين متسعة، شاعرة باللون يتدفق خلال وجنتيها عند إدراكها أنه قد رآها بحالتها تلك. كما كيف يمكنها إخباره عن تحرش طاهر بها؟ فهو لن يصدقها، فهي بالنسبة إليه ليست سوى امرأة رخيصة قام بشرائها بأمواله.
همست وهي تخفض عينيها عن نظرات عينيه المسلطة عليها باهتمام.
"أبداً، مفيش حاجة."
لتكمل محاولة تبرير الارتجاف الذي يصيبها، فلا يمكنها أن تجعله يعلم بحالتها المرضية، فقد يسخر منها كما كان يسخر منها خالها مرتضى.
"أنا بس كنت بردانة مش أكتر."
تطلع نحوها داغر عدة لحظات قبل أن يزفر ببطء، مغمغماً بمرح.
"بردانة وأنا دفيتك، وحاسس إنك لسه بردانة، مش عارفة ليه."
أنهى حملته جاذباً إياها منه، بينما يجذبها نحوه، متناولاً شفتيها في قبلة حارة. حاولت داليدا دفعه بعيداً بينما تصرخ معترضة، لكنه حبس صرختها تلك بفمه. لكن رعبها قد ازداد فور تذكرها هجوم طاهر عليها بالأمس.
دفعت وجهه بعيداً، صارخة بفزع.
"ابعد عني! هتغتصبني؟"
تجمد داغر مكانه بصدمة فور سماعه كلماتها تلك.
غمغم بينما يحاول الاقتراب منها.
"اغتصبك؟"
هتفت بارتعاش وهستيريا وقد سيطر عليها الخوف. دفعته بعيداً عنها بقسوة، منتفضة مبتعدة لأقصى الفراش بتعثر حتى كادت أن تسقط من عليه.
"ابعد عني بقولك!"
اشتعل الغضب بداخله فور أن رآها تبتعد عنه بهذا الشكل، كما لو كان وحشاً على وشك افتراسها.
زمجر بغضب من بين أسنانه.
"انتي شكلك اتجننتي. مش داغر الدويري اللي يغصب واحدة على حاجة."
ليكمل بقسوة، مرقماً إياها بنظرات تنطلق منها شرارات الغضب، وكرامته المجروحة من رفضها له واتهامتها الباطلة تجعل الدماء تغلي بعروقه.
"وأنا فعلاً غلطت لما لمستك. واديني بقولك أهو، لو انتي آخر ست في الدنيا، استحالة المسك تاني."
ثم انتفض ناهضاً من الفراش، متجهاً نحو غرفة الحمام، مغلقاً الباب خلفه بقوة جعلت داليدا تنتفض في مكانها، منفجرة في البكاء، وقد أدركت فداحة ما فعلته للتو.
كان داغر جالساً في مكتبه الخاص بشركته، يتفحص إحدى الملفات بذهن شارد، فقد كانت لازالت الدماء تغلي بعروقه بسبب اتهامات داليدا له. لا يعلم كيف صدقت بأنه يمكنه أن يقوم باغتصابها، فهو لم يقترب منها إلا عندما تأكد أنها منجذبة له كما هو منجذب لها تماماً، حتى تجاوبها المشتعل لقبلاته يدل على ذلك.
أطلق لعنة حادة وهو يخفف من ربطة بدلته من حول عنقه، فقد كان يشعر بالاختناق، لكنه عدل من وضعه سريعاً عندما سمع طرقاً على الباب، يتبعه دخول زكي، رئيس الأمن الخاص به.
"داغر باشا، في حاجة مهمة حصلت ولازم حضرتك تعرفها."
انعقد حاجبا داغر فور سماعه ذلك.
ليكمل زكي بارتباك.
"الفلوس اللي في حساب داليدا هانم اتسحبت كلها، والحساب بقى فاضي."
تصلّب جسد داغر فور سماعه ذلك، وغمغم بصوت جعله هادئاً قدر الإمكان.
"اتسحبت امتى؟"
أجابه زكي وهو يفتح هاتفه.
"امبارح الساعة 2 الصبح. وده معناه حضرتك إن الفلوس اتحولت على حساب تاني، لأن مفيش بنوك بتبقى فاتحة في الوقت ده."
زمجر داغر بقسوة، قابضاً على القلم الذي بيده بقوة حتى سمع صوت تكسره.
"اعرفلي الفلوس دي اتحولت على حساب مين."
أردف بعينين شاردة.
"ومرتضى الراوي، خليك مستمر في مراقبته."
أومأ زكي رأسه قائلاً بطاعة.
"أوامرك يا باشا. بس موضوع إن أعرف اتحول على حساب مين ده هياخد وقت شوية، انت عارف طبيعة النظام الأمني في البنوك."
ليكمل بارتباك عندما ظل داغر صامتاً يتطلع أمامه بشرود.
"تؤمرني بحاجة تانية يا باشا؟"
التف إليه داغر قائلاً وهو يحاول السيطرة على الغضب المشتعل بداخله.
"لا، اتفضل انت."
أومأ زكي برأسه قبل أن يلتف ويغادر الغرفة.
تراجع داغر في مقعده بحده، مطلقاً لعنة قاسية، فهو لا يصدق أنها قامت بخداعه. فقد كان ارتجافها بالأمس بين ذراعيه ليست إلا لعبة حقيرة منها حتى تخفي ما فعلته، فقد قامت بتحويل الأموال إلى حساب آخر غير حسابها حتى لا يستطيع مراقبتها. أو أن هناك لعبة أخرى تحيك من خلفه، وسوف يكتشفها قريباً.
مرر يده بغضب بشعره عندما اندلع في أنحاء الغرفة رنين هاتفه. التقطه وهو يزفر بحنق، أجاب بصوت حاول إخفاء غضبه منه.
"أيوه يا شهيرة."
وصل إليها صوت شهيرة عبر الجانب الآخر من الهاتف.
"معلش يا حبيبي عارفة إني بعطلك، بس كنت عايزة أسألك على حاجة مهمة."
لتكمل سريعاً.
"طبعاً انت عارف إن النهارده الحفلة الخاصة بـ مضيك عقد أكبر صفقة للشركة، فكنت..."
أطلق داغر لعنة حادة من بين أنفاسه، فقد نسي أمر تلك الحفلة تماماً، رغم أهميتها الشديدة لأعماله.
همست شهيرة بارتباك فور سماعها لعنته تلك.
"في حاجة يا داغر ولا إيه؟"
غمغم داغر سريعاً وهو يحاول السيطرة على غضبه.
"لا أبداً. كملي، كنت عايزة تقولي إيه؟"
تنهدت شهيرة قبل أن تجيبه.
"أنا كنت راحة أشتري فستان للحفلة من هادي المؤمني، فايه رأيك لو أخد داليدا معايا تختار لها فستان هي كمان؟ انت عارف إن الحفلة دي مهمة ومش عايزين فيها أي غلط."
ضغط داغر على فكيه بقوة فور سماعه اسم داليدا، بينما عادت نيران الغضب تشتعل بداخله، لكن رغم ذلك أجاب بهدوء.
"اعملي اللي عايزاه يا شهيرة."
ليكمل سريعاً متهرباً منها، فهو يعلم أنها لن تكف عن الثرثرة، وعقله لن يتحمل ثرثرتها تلك.
"هقفل عشان داخل اجتماع مهم. سلام."
ثم أغلق الهاتف على الفور، غير متاح لها فرصة للرد. القي بهاتفه بحده على مكتبه، وعقله مشغول بتلك التي رفضته، متهمة إياه بأقذر تهمة قد تتهمها المرأة للرجل.
كانت داليدا واقفة في غرفتها بجسد متوتر، بينما تمسك بهاتفها بين يديها، تحاول الاتصال بداغر الذي لم يجب على أي من اتصالاتها، فقد كانت ترغب بأن تخبره بأن شهيرة طلبت منها أن تذهب معها لشراء فستان لتحضر به حفل الليلة، لكنها لا تملك أي مال، ولا تعلم ما يجب عليها فعله. فعندما أخبرتها شهيرة بالأمر، شعرت داليدا بحرج لم تشعر بمثله من قبل، لكنها تحججت بأنها سوف تذهب معها، لكن عليها أولاً إجراء مكالمة هاتفية ما، حتى تمنح نفسها الوقت لكي تتصل بداغر لكي ينقذها من هذا الموقف المحرج.
هتفت داليدا بغيظ من بين أسنانها، بين تهز هاتفها الذي بين يديها بقوة.
"رد، رد بقي."
زفرت بقسوة وهي تلقي الهاتف على الفراش بإحباط عندما لم يقم بالرد عليها كالمرات السابقة، لكنها التفت بلهفة نحو باب الغرفة الذي انفتح دون سابق إنذار، ليدلف بعدها داغر إلى الغرفة بوجه مكفهر حاد.
اقتربت منه داليدا على الفور، هاتفة بلهفة.
"داغر، انت فين؟ بتصل بيك من بدري ومش بترد."
أجابها داغر ببرود وهو يتجاوزها ويتجه نحو الخزانة.
"خير."
وقفت داليدا تطلع بتردد إلى ظهره العريض الذي ولاه إليها، بينما يقوم بإخراج بدلة أخرى من الخزانة، فقد كانت تعلم بأنه لا يزال غاضباً منها بسبب اتهاماتها له، لكنها لن تعتذر عما قالته لها.
تنحنت هامسة بصوت منخفض.
"شهيرة، شهيرة طلبت مني أروح معاها علشان أشتري فستان للحفلة."
أومأ برأسه وهو ينزع سترة بدلته.
"عارف."
همست بحرج وهي تشيح بعينيها بعيداً عندما وجدته بدأ ينزع ملابسه.
"طيب، طيب أنا مش هقدر أروح معاها، أنا مش معايا أي فلوس علشان أقدر أشتري بيها."
لوي داغر فمه وهو يلقي بإهمال قميصه الذي كان يرتديه على المقعد، مغمغماً بسخرية لاذعة.
"ليه؟ والفلوس اللي معاكي في البنك دي تبقى إيه؟"
شحب وجه داليدا فور سماعها كلماته تلك، ارتجفت شفتيها في قهر دفين، مما جعلها تخفض رأسها ضاغطة على شفتيها بقوة في محاولة منها لمنع إظهار ارتجافها هذا، ظلت صامتة دون أن تجيبه، غير راغبة بإخباره أنها لم ولن تنفق جنيهاً واحداً من تلك الأموال.
استرد داغر ببرود عندما ظلت صامتة.
"اشتري اللي عايزاه، وكده كده الفاتورة هتتحول على حسابي."
ليكمل وهو بدأ يستبدل بدلته ببدلة أخرى، مرتدياً قميصاً أسود.
"شهيرة هي اللي هتختار لك الفستان على ذوقها."
رفعت داليدا رأسها بحدة وقد انتفض جسدها بغضب عند سماعها كلماته تلك.
هتفت بحدة وعينيها تلتمع بقسوة.
"ليه إن شاء الله؟ هلبس على ذوقها؟ شايفني عيلة صغيرة ومامتها هتختار لها لبسها؟"
قاطعها داغر بصرامة، ضاغطاً بقوة على فكه محاولاً التحكم في غضبه الذي لا يزال مسيطراً عليه.
"شهيرة، أنا بثق في ذوقها، وهتبقى عارفة كويس إيه اللي يناسبك في مناسبة مهمة زي دي."
هزت رأسها هاتفة بصوت لاهث رافض.
"أنا مش هلبس على ذوق حد."
لتكمل بصوت قاطع حاد وهي تخطو عدة أقدام نحوه والغضب يتطاير من عينيها.
ناكزه إصبعها بقسوة في صدره العضلي الصلب.
"مش هسمحلك تلغي شخصيتي. أنا ليا ذوقي اللي أقدر أختار بيه اللي ألبسه كويس. فاهم؟"
قبض داغر على إصبعها الذي كانت تنكز صدره به، معتصراً يدها بقسوة في قبضته، مغمغماً من بين أسنانه بغضب، متجاهلاً صرختها المتألمة.
"وأنا ذوقك ده مبثقش فيه، ولا يهمني."
هتفت داليدا وهي تحاول جذب يدها من قبضته القاسية التي كانت تعتصر يدها.
"يبقى أنا مش هحضر حفلات، ومش..."
قاطعها داغر مزمجراً بخشونة مرعبة، ونيران غضبه تزداد لهيبها أكثر وأكثر داخل صدره.
"هتحضري، والجزمة فوق رقبتك. انتي شكلك نسيتي نفسك."
ليردف دون رحمة أو شفقة، بينما قبضته تزداد قسوة حول يدها مما جعلها تطلق صرخة متألمة.
"انتي مجرد لعبة اشتريتها بفلوسي علشان تمثلي الدور اللي أنا اخترتهولها. 10 دقايق وتكوني تحت."
فهمه إنهي جملته، حرر يدها من قبضته، دافعًا إياها بقسوة إلى الخلف، مما جعلها تترنح مكانها. بينما التقط هو سترة بدلته مسرعًا لمغادرة الغرفة، مغلقًا الباب خلفه بقوة اهتزت لها أرجاء المكان.
وقفت داليدا تضم يدها المتألمة إلى صدرها، منفجرة في بكاء مرير بشهقات متألمة حادة. فقد قام بتذكيرها جيدًا بمكانتها المتدنية في حياته، فهي بالنسبة إليه ليست امرأة رخيصة قبلت أن تبيع نفسها مقابل ماله، لذا يجب عليها أن تنفذ أوامره التي يرغب بها طوال المدة التي يريدها أن تستمر في حياته.
رفعت يدها تتفحصها لتجدها قد بدأت بالتورم بعض الشيء، مما جعل بكاءها يزداد بقوة. لكنها أسرعت منتفضة بمكانها بذعر عندما صدح طرق على باب الغرفة، يتبعه صوت الخادمة:
"داليدا هانم، شهيرة هانم بتبلغ حضرتك إنها مستنية تحت."
قامت بمسح وجهها الغارق بالدموع بيد مرتجفة، غير راغبة بأن يراها أحد بحالتها تلك. بينما تجيبها بصوت لاهث، جعلته هادئًا قدر الإمكان:
"طيب يا أنعام، 5 دقايق وهكون معها."
من ثم اتجهت إلى الحمام لكي تغسل وجهها، وقد وصلت أخيرًا إلى قرارها بأنه إذا كان يرغب بها أن تصبح دمية يحركها كيفما يشاء، فهي ستلبي له رغبته تلك، فهي لم يعد لديها طاقة حتى تحاربه.
وقفت داليدا تطلع إلى الفستان الذي تصر شهيرة على شراءه لها باشمئزاز، فقد كان أقل ما يقال عليه أنه بشع. التفتت إليها قائلة باقتضاب:
"بس ده وحش أوي يا شهيرة، هلبس حاجة زي دي إزاي."
رمقتها شهيرة بطرف عينيها كما لو أنها تشعر بالملل من حديثها هذا:
"قولتلك دي الموضة."
لتكمل مرمقة إياها من أعلى رأسها لأسفلها بازدراء:
"بعدين إنتي محجبة وده اللي يليق عليكي."
قاطعتها داليدا بغضب:
"إيه علاقة الحجاب بإن البس فستان بشع زي ده؟ مين عنده ذوق يلبس حاجة زي دي أصلًا؟ ولو على الحجاب ففي فساتين للمحجبات كتير حلوة وشيك."
رسمت شهيرة ابتسامة باردة على وجهها قبل أن تقترب منها مقررة تغيير لهجتها السابقة معها:
"طبعًا يا حبيبتي، أنا مقصدش حاجة. أنا قصدي إن في وسطنا محدش بيبص على تصميم الفستان قد ما بيبص على ماركته والمصمم اللي عمله."
لتكمل بينما تمرر يدها ببطء فوق طيات الفستان الذي اختارته:
"اللي مش عاجبك ده تمنه 100 ألف دولار."
هزت داليدا رأسها بقوة بينما تتفحص الفستان بعينين متسعتين بالصدمة، غير مصدقة بأنه يمكن دفع مبلغ ضخم بهذا الشكل من أجل فستان بهذا القبح:
"ليه 100 ألف دولار على إيه أصلًا؟"
أطلقت شهيرة ضحكة مصطنعة رنانة قبل أن تجيبها بتعالٍ:
"علشان اسم المصمم اللي عليه. هو ده الحال في وسطنا."
لتكمل بخبث، راسمًة على وجهها ابتسامة هادئة:
"بعدين إنتي ليه محسساني إنك من عالم تاني؟ ما إنتي أكيد حضرتي حفلات كتير وعارفة كل اللي بقوله ده كويس."
ارتبكت داليدا فور سماعها كلماتها تلك، مرت يدها فوق حجابها متصنعة انشغالها بتعديله، فكيف يمكنها أن تخبرها أنها لم تحضر من قبل أي من حفلات هذا الوسط، فقد كان شقيقها يحضر دائمًا الدعوات التي كانت ترسل إليهم بمفرده أو برفقة إحدى نسائه.
استدارت شهيرة متناولة فستانًا آخر قائلة بينما تشير به نحو داليدا:
"أومال لو شفتي فستاني بقى هتقولي إيه."
تطلعت داليدا بصدمة نحو الفستان الذي بين يديها، فقد كان أبشع بكثير من فستانها. همست بدهشة غير مصدقة بأنها سترتدي مثل هذا الشيء:
"إنتي هتلبسي ده؟!"
هزت شهيرة كتفيها قائلة بثقة:
"طبعًا، وكل ستات الحفلة هيتجننوا عليه كمان، لأن فستاني وفستانك متصمم لنا مخصوص، مفيش زيه. كفاية إن اسم هادي المؤمني عليه ده أكبر مصمم عالمي."
هزت داليدا رأسها بقلة حيلة، غير مصدقة كل هذا التملق الكاذب من أجل فساتين بهذا القبح والبشاعة. لكنها وافقتها في النهاية، بينما تشيح بوجهها بحسرة بعيدًا عن الفستان الرائع الذي اختارته بوقت سابق ورفضته شهيرة، مذكرة نفسها بقرارها السابق، فإذا كان داغر يرغب بأن ترتدي على ذوق ابنة عمه، فليكن كما يريد. كما يجب أن تكون صريحة مع ذاتها، فهي لا يمكنها أن تجادل شهيرة كثيرًا حول هذا الفستان، فهي بالفعل لا تعلم شيئًا عن تلك الحفلات، وبالطبع لا ترغب بأن تكون محل سخرية من قبل الحاضرين.
بعد مرور عدة ساعات...
كانت داليدا جالسة على الفراش تثني قدميها أسفلها، بينما تراقب من أسفل مجلتها داغر الذي كان يرتدي ملابسه استعدادًا للحفل. انحبست أنفاسها داخل صدرها فور أن وقعت عيناها عليه، فقد كان وسيماً للغاية ببدلة السهرة السوداء التي زادت من وسامته أضعافًا مضاعفة، فقد أبرزت طوله الفارع وعرض منكبيه وعضلات جسده الصلبة الرائعة.
استفاقت من تأملها له عندما استدار نحوها قائلاً بحدة:
"هتفضلي قاعدة مكانك كده كتير؟ ما تقومي تجهزي نفسك، مفضلش غير نص ساعة والحفلة تبدأ."
أجابته داليدا بحدة مماثلة، بينما تلقي المجلة من يدها فوق الفراش، وهي تلعن نفسها على غبائها وضعفها نحوه. فكيف نست كلماته القاسية لها وما فعله معها؟ فلا تزال يدها متورمة وتؤلمها بسببه.
"قولتلك لما تخلص، هبدأ أجهز."
لتكمل بنبرة ذات معنى، بينما ترمقه بازدراء:
"مش هلبس قدام واحد زيك أكيد."
وضع بحدة زجاجة العطر التي كانت بيده فوق الطاولة بصوت مرتفع، مزمجرًا بشراسة وقد اشتعل غضبه مرة أخرى:
"لمي لسانك أحسن لك، علشان أنا ماسك نفسي بالعافية."
وقفت داليدا على عقبيها فوق الفراش هاتفة بحدة، بينما تضع يدها فوق خصرها:
"فاضل إيه لسه هتعمله؟ إيه هتضربني؟ ولا هتربط إيدي المرة دي في السقف؟"
لتكمل بازدراء وقسوة:
"أقول إيه؟ ما إنت فعلًا سادي."
ابتلعت باقي جملتها صارخة بفزع، متراجعة إلى الخلف بتعثر فوق الفراش، عندما رأته يلقي الفرشاة التي كانت بيده وترتطم بحدة بالمرآة وهو يطلق لعنة حادة قاسية.
اقترب منها بخطوات مشتعلة بالغضب، ممسكًا بذراعها جاذبًا إياها بقسوة من فوق الفراش، لتصبح واقفة على قدميها أمامه لا يفصل بينهم سوى عدة إنشات بسيطة. زمجر بالقرب من أذنها وقد خرج صوته أجش بهسيس مرعب:
"قسمًا بالله يا داليدا، لو نطقتي كلمة سادي دي تاني، لهعرفك يعني إيه أكون سادي بحق. فاهمة؟"
ظلت داليدا تتطلع إلى وجهه القاتم بتعبير موحش بصمت، غير قادرة على النطق. لكنها انتفضت فازعة بمكانها عندما هتف بشراسة:
"فاهمة."
هزت رأسها بقوة بالإيجاب، وعيناها متسعة بالخوف مسلطة عليها. حرر ذراعها من قبضته متراجعًا إلى الخلف، بينما يعدل من بدلته:
"نص ساعة و تبقي تحت قدامي."
ثم تركها وغادر الغرفة، تاركًا إياها تتطلع بصدمة ووجه محتقن بالباب الذي أغلقه خلفه بقوة.
بعد ساعة...
وقفت داليدا تطلع إلى مظهرها في المرآة، شاعرة بالحنق. فقد كان الفستان لا يمكن وصفه، فكلمة بشع قليلة عليه. ترددت في أن تقوم بنزعه وارتداء إحدى فساتينها التي تملأ خزانتها، فقد كانت تهوى شراءها برغم أنها لم ترتدي أياً منها خارج المنزل.
زفرت بحنق، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله. أتقوم بتبديله بإحدى فساتينها؟ لكنها لم تكن ذات ماركة أو غالية مثل هذا الفستان. حاولت تهدئة ذاتها، فشهيرة سترتدي فستانًا أبشع من هذا بكثير، كما أن شهيرة قد أكدت لها بأن معظم النساء في الحفل سترتدي مثله أو إن لم يكن أسوأ منه.
زفرت باستسلام قبل أن تلتف وتتجه نحو باب الغرفة بخطوات بطيئة مترددة.
بعد عدة دقائق...
وقفت داليدا أمام القاعة الخاصة بالقصر التي يقام بها الحفل، شاعرة بالتردد من الدخول، غافلة عن نظرات الخدم المنصدمة التي يرمقونها بها، بينما يدلفون إلى القاعة. تنفست بعمق قبل أن تخطو داخل القاعة. شعرت بيديها ترتعش من شدة التوتر، لكنها قبضت عليها بقوة محاولة السيطرة على ارتجافها هذا.
توقف الجميع عن التحدث فور دخولها، حيث التف رؤوس الجميع نحوها. تابعتها نظرات الموجودين الذين كان يرمقونها بصدمة كما لو أنها كائن فضائي قد سقط بمنتصف الغرفة. احتقن وجهها بشدة، شاعرة برغبة في البكاء عندما رأت الفساتين التي ترتديها النساء من حولها، فقد كانت جميعها أنيقة جذابة عكس ما ترتديه هي.
بحثت عيناها بلهفة عن شهيرة، لعل هذا يقلل من حرجها، فقد كانت ترتدي مثلها. لكن فور أن وقعت عيناها عليها، خرج نشيج متألم من بين شفتيها، فقد كانت شهيرة ترتدي فستانًا آخر غير الذي قامت بشراءه معها، فقد كان فستانها أقل ما يقال عليه أنه تحفة فنية من شدة جماله وأناقته.
شعرت بأنفاسها تنسحب من داخل صدرها كما لو أن المكان يطبق جدرانه عليها، عندما بدأ يصل إليها التعليقات الساخرة التي حول مظهرها من النساء التي حولها، يتبعها ضحكات ساخرة مستهزئة. حاولت التماسك حتى لا تنهار أمامهم، لكن فرت الدماء من جسدها من شدة الخوف عندما وقعت عيناها على داغر الذي كان يقف بأقصى القاعة بوجه قاتم حاد، يحدق بها بنظرات تتطاير منها شرارات الغضب الذي ينبثق من كل خلية من جسده، فلو كانت النظرات تقتل لكانت وقعت صريعة من نظراته الموجهة إليها.
رواية قلبه لا يبالي الفصل الثامن 8 - بقلم هدير نور
وقف داغر بجسد متصلب يراقب داليدا التي ركضت هاربة من قاعة الحفل. تركت خلفها ضحكات وهمسات النساء الساخرة من حولها، بينما سعير الغضب يكوي أعماقها.
شدد قبضته بقوة بجانبيه حتى لا يرتكب جريمة. اتجه نحو شهيرة التي كانت تقف بنهاية القاعة، زمجر بغضب فور أن أصبح أمامها:
"هو ده الفستان اللي قولتلك تختاريه لها؟"
همست شهيرة بصوت مرتجف بينما بدأ الذعر يتسلل بداخلها من رؤيتها لغضبه هذا. لكنها تنفست ببطء، محاولة السيطرة على ذعرها هذا، مذكرة ذاتها بالخطة المحكمة التي وضعتها:
"لأ طبعاً، إزاي تفكر إن ممكن أختار فستان زي ده لمراتك. أنا اخترتلها فستان تاني خالص."
لتكمل سريعاً، بارتباك عندما رأت علامات الشك فوق وجهه، أخذت تبحث بهاتفها عدة لحظات قبل أن تضعه أمام وجهه المقتضب:
"لو مش مصدقني، أدي صورة الفستان اللي اخترتهولها. هتلاقيني بعتهالك الصبح عشان تشوفه وتقول رأيك فيه قبل ما أشتريه، بس أنت مش شفتش المسدج."
أخذ داغر يتفحص الصورة التي كانت تتضمن داليدا وهي ترتدي فستاناً فضياً رائعاً. بأعين حادة مشتعلة غضباً، حتى أخفضت شهيرة الهاتف، بينما تردف بعصبية:
"لو لسه مش مصدقني، هتلاقي الفستان في دولابها. أنا معرفش جابت الفستان المعفن اللي لبسته ده منين، ومعرفش عملت كده ليه أصلاً."
ابتلعت باقي جملتها عندما رأت داغر يبتعد عنها بخطوات سريعة نحو باب القاعة، وجسده متصلب ينبثق منه الغضب، مما جعلها تسرع وتلحق به، قابضة على ذراعه هامسة بلهث حاد:
"رايح فين يا داغر وسايب حفلة مهمة زي دي؟ هتروح وراها ليه؟ ما تسيبها قاعدة فوق وكفاية الفضيحة اللي حصلت بسببها."
قبض داغر على يدها التي فوق ذراعه، منفضا إياها بقسوة بعيداً وهو يزمجر بفحيح حاد:
"ميخصكيش اللي بيني وبين مراتي. ولو على الفضيحة..."
ليكمل بسخرية لاذعة بينما يشير برأسه نحو طاهر الذي كان يقف أمام إحدى الطاولات وبين يديه كأس من الخمر:
"الحقي أنتِ جوزك قبل ما يسكر زي عادته ويفضحنا."
تراجعت شهيرة إلى الخلف بعينين متسعتين تلتمع بالاهانة، كما لو قام بصفعها. التفتت تتطلع نحو زوجها الذي كان بالفعل قد أنهى نصف زجاجة من الشراب. ثم التفتت مرة أخرى إلى داغر، مغمغمة بذعر:
"داغر، الحقه قبل ما..."
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما وجدت نفسها تتحدث إلى الفراغ، فقد تركها وكان بالفعل يصعد الدرج بخطوات سريعة حادة.
فور أن دخلت داليدا إلى غرفتها، بدأت بنزع الفستان الذي ترتديه، ساحبة إياه بقوة من فوق جسدها، مما جعله يتمزق بعض الشيء. لكنها لم تبالِ، وأصبحت تسحبه بقوة أكبر، فما عاد أهم شيء في حياتها الآن هو الخروج من هذا الفستان الذي يذكرها بقسوة بمدى الحرج والإهانة الذي تعرضت له بسببه.
أطلقت صرخة حادة وهي تلقيه على الأرض، وأخذت تضربه بقدميها بهستيريا، مخرجة به كل غضبها، حتى انهارت جالسة على الأرض بإحدى أركان الغرفة، تضم ساقيها العاريتين إلى صدرها.
خرج نشيج حاد من فمها فور تذكرها نظرات الجميع التي كانت موجهة عليها، وضحكاتهم الساخرة التي لازالت تصدح بأذنها. أخرجت أنيناً متألماً من بين شفتيها، راغبة بأن تنشق الأرض وتبتلعها أسفلها، لعل هذا يريحها. فقد وقعت بكل سذاجة في مكيدة قد نصبتها لها شهيرة. لا تعلم لماذا فعلت ذلك، لماذا خدعتها وتسببت بإحراجها بهذا الشكل. فقد كذبت عليها مستغلة عدم خبرتها في حضور مثل تلك الحفلات. هزت رأسها بقوة:
"لأ، لأ. كيف يمكن لشهيرة أن تعلم بأنها لم تحضر من قبل حفلة مثل تلك... لكن هذا لا يمنع أنها قامت بالكذب عليها وأوهمتها بأنها سترتدي فستاناً مماثلاً لقبح فستانها، لكنها كانت ترتدي فستاناً آخر... فستان يخطف الأنفاس من يراه."
انتفضت بمكانها فازعة عندما انفتح باب الغرفة فجأة، ودلف داغر إلى الغرفة بوجه قاتم أرعبها، فقد أشبه لبركان ثائر يسير على قدمين. راقبت بعينين متسعتين بالذعر وجهه المقتضب الحاد، والغضب الذي ينبثق من خلايا جسده.
صرخت فازعة عندما اتجه نحوها وقبض على ذراعها بقسوة، رافعاً إياها منه لتصبح تقف بمواجهته. زمجر بفحيح غاضب:
"ارتحتي؟ ارتحتي لما..."
لكن تجمدت باقي الجملة على شفتيه فور أن رأى مظهرها الذي تقف به أمامه. اشتعلت رغبته بها على الفور، لكن تبخرت تلك الرغبة عندما وقعت عينيه على الفستان ذي اللون الفضي الذي أرته صورته شهيرة قبل قليل، موضوعاً بإهمال فوق الفراش، لتتأكد شكوكه بأنها تعمدت عدم ارتداء الفستان الذي قامت شهيرة باختياره لها، وارتدت ذاك الفستان الذي أشبه بملابس المهرجين، حتى تقوم بإحراجه أمام شركائه بالعمل.
زمجر بشراسة بينما يهزها بقوة من كتفيها:
"وصلتي للي عايزاه؟!"
شعرت داليدا بالغضب يشتعل داخل صدرها. دفعت يديه الممسكة بكتفيها بعيداً، هاتفة بأنفاس لاهثة، بينما تشير إلى الفستان ذي اللون الأسود والأحمر والألوان الأخرى المتعددة الملقي فوق الأرض ممزقاً:
"انت اللي وصلت للي أنت عايزه أنت وبنت عمك، مش أنا."
لتكمل بحدة، مشيرة إلى الفستان الممزق الملقي فوق الأرض:
"لما خليتوا كل اللي في الحفلة يضحكوا ويتريقوا عليا."
قاطعها داغر، هاتفاً بقسوة:
"لما أنتِ خايفة على شكلك كده أوي، ملبستيش ليه الفستان اللي اختارتهولك شهيرة؟"
قاطعته بشراسة، بينما تلتقط الفستان الممزق وتلقيه نحوه:
"لبسته! لبسته وخللتوني شبه المهرج قدام كل الناس."
اتجه داغر بصمت نحو الفراش، والتقط من فوقه فستاناً بلون فضي ذي تصميم رائع. تعرفت عليه على الفور، فهذا الفستان الذي أعجبت به وكانت تريد شراءه، لكن شهيرة رفضت وقالت إنه لا يناسب الحفل، كما أن ثمنه غير باهظ كالآخر حتى تشتريه وتتباهى به أمام زوجات شركاء زوجها.
أفاقت من أفكارها تلك عندما ألقى الفستان نحوها، مما جعله يرتطم بوجهها بقسوة، وهو يهتف بشراسة بثت الرعب بداخلها:
"أومال ده يبقى إيه؟"
هزت داليدا رأسها بقوة، هامسة بصوت لاهث حاد وعينيها مسلطة فوق الفستان الذي أصبح أسفل قدميها:
"الفستان ده... عجبني وكنت هشتريه، بس شهيرة معجبهاش وقالت إنه مش لايق للحفلة. إيه اللي جابه هنا؟"
قاطعت جملتها عندما اندفع نحوها، قابضاً على ذراعها بقسوة مؤلمة، هاتفا بخشونة وعصبية مفرطة:
"بطلي كدب. أنتِ إيه؟ حياتك كلها كدب في كدب؟ عايزة تفهميني إنك لبستي فستان زي ده عشان شهيرة اختارته ليكي؟ إيه مالكيش عقل ولا ذوق؟"
"بعدين غبائك صورلك إيه إن لما تعاندي وتلبسي حاجة بالقرف ده إنك كده بتحرجيني أنا."
ليردف دون رحمة أو شفقة للألم الذي ارتسم على وجهها:
"بس اللي اتريق وضحك، مضحكش عليا. ضحك على مراتي اللي كانت شبه البلايتشو."
تجمدت باقي الكلمات على شفتيه، وقد أفاق من فورة غضبه تلك، وقد تصلب بمكانه، بينما قبضة حادة تعتصر قلبه عندما رآها تنفجر باكية، بينما تتراجع إلى الخلف بخطوات متعثرة بعيداً عنه، ووجهها شاحب بشدة، واضعة يديها فوق وجهها تخفيه عنها، بينما شهقات بكائها تتعالى بقوة.
وقف عدة لحظات يتطلع بصدمة إلى مظهرها هذا، بينما الضغط الذي قبض على صدره يهدد بسحق قلبه. اقترب منها سريعاً، محيطاً كتفيها بلطف، محاولاً جذبها بين ذراعيه، لكنها فور ما أن شعرت بلمسته تلك حتى انتفضت مبتعدة عنه.
أطلق لعنة حادة، بينما يراقبها تتراجع إلى الخلف بقوة حتى كادت أن تسقط على الأرض. هتفت من بين شهقات بكائها:
"ابعد! ابعد عني."
وقف داغر بجمود بمكانه، يتطلع إليها شاعراً بالعجز والغضب في ذات الوقت من نفسه. مرر يده بقسوة بشعره، لا يصدق بأنه قد أصبح ضعيفاً نحوها بهذا الشكل. ففي أقل من ثانية تبخر غضبه منها فور أن رآها تبكي، متناسياً الإهانة التي عرضته إليها أمام شركائه في العمل.
تنفس بعمق، محاولاً تهدئة ذاته، وقد بدأ ينتبه إلى جسدها شبه العاري، مما جعل الرغبة تضرب جسده بقوة مرة أخرى. أسرع بالتقاط الفستان الفضي من فوق الأرض، ثم اقترب منها، واضعاً إياه فوق رأسها، محاولاً لبسها إياه.
أخذت داليدا تقاومه وهي تصرخ معترضة، لكنه قبض على خصرها بذراعه، مسيطراً على حركتها، بينما يكمل إنزال الفستان على جسدها. ابتعد عنها، متمتماً بحدة وعينيه منصبتان على الفستان الذي أصبح شبه ينسدل فوق جسدها:
"كملي باقي لبسك، عشان اتأخرنا على الناس تحت."
هتفت داليدا بصوت مرتعش ضعيف، بينما تمسح بحدة وجهها من الدموع العالقة به:
"مش هنزل تحت تاني. إيه مش مكفيك البهدلة اللي اتبهدلتها؟"
زمجر بحدة، بينما يقبض على ذراعها بقوة:
"مش بمزاجك. تقولي هتنزلي أو متنزليش."
ليكمل بقسوة، بينما يسرع بالقبض على يدها التي كانت تحاول الوصول إلى السحاب الخلفي للفستان لكي تفتحه:
"أنتِ اللي عليكي تنفذي اللي بقوله بس."
هتفت داليدا بحدة، بينما تحاول بضراوة نزع الفستان عنها:
"مش هيحصل. لو على رقبتي مش هنزل تحت."
اعتصر خصرها بأصابعه بقسوة حتى تأوهت متألمة بصوت منخفض، لم يثر به الشفقة، ليزيد من اعتصاره له أكثر وهو يتمتم بصوت قاسٍ حاد:
"لو مش هتنزلي قدامي بالذوق، هنزلك أنا بطريقتي، وساعتها هتعرفي إن تريقتهم على فستانك مش هاتيجي حاجة جنب اللي هيحصل."
شحب وجهها فور سماعها كلماته تلك، مدركة أنه قادر على تنفيذ تهديده هذا. همست بصوت مكتوم باكي القهر ينبثق منه، بينما تتمسك بسترة بدلته بضعف واليأس يسيطر عليها، تشعر بالموت أهون عليها من مواجهة هؤلاء الناس مرة أخرى:
"وحياة أغلى حاجة عندك يا داغر، بلاش تعمل فيا كده. مش هتحمل تريقتهم عليا تاني."
وقف يتطلع إليها عدة لحظات بتردد وضعف غريب يستولي عليه، عندما وقفت تنظر إليه بعينيها المغرورقتين بالدموع، لكنه نفض بعيداً شعوره هذا، مزمجراً بقسوة، بينما يخطو للخلف بعيداً عنها:
"قدامك 10 دقايق تجهزي نفسك فيهم."
ليكمل، بينما يتجه للخارج:
"هعمل مكالمة برا تكوني خلصتي."
ثم تركها واتجه نحو الخارج، بينما ظلت هي جامدة بمكانها عدة لحظات قبل أن تتجه نحو الحمام ببطء لكي تغسل وجهها وتتجهز مرة أخرى.
بعد مرور ربع ساعة.
دلف إلى الحفل كلا من داغر وداليدا، التي كانت تحاول السيطرة على ارتجاف جسدها، بينما الحرارة تضرب وجهها من شدة الحرج. تسلطت أنظار الجميع عليهم على الفور، مما جعلها تقبض على يد داغر الممسكة بها، هامسة بصوت منخفض، بينما عينيها تمر بارتباك وحرج بين على وجوه الحاضرين:
"داغر، علشان خاطري سبني أطلع أوضتي."
لكنه شدد قبضته حول يدها بصمت، متجها بها إلى داخل القاعة. ظنت أنه سيترك يدها ما إن يصلوا إلى المكان المخصص لهم، لكن على العكس من ذلك، ظل ممسكاً بيدها بين يديه.
كانوا يقفون مع مجموعة من شركائه في العمل، يتحدث داغر باهتمام مع الرجال عن الأعمال الخاصة بهم، بينما النساء كانوا يتحدثون في أمورهم المعتادة. حاولت داليدا رسم ابتسامة لطيفة على وجهها، وهي تتصنع الاستماع إلى حديث المرأة التي تقف بجانبها، محاولة تجاهل نظرات باقي النساء الساخرة المنصبة عليها.
غمغمت منال، زوجة أحد شركاء داغر، بصوت مرتفع جذب انتباه جميع الحاضرين:
"لكن مقولتلناش يا داليدا هانم، الفستان اللي كنتي لبساه في أول الحفلة ده تصميم مين؟"
لتكمل بخبث، وفوق وجهها ترتسم ابتسامة ساخرة، بينما تسدد إلى باقي النساء الأخريات نظرة ذات معنى:
"بصراحة متزعليش مني، الفستان كان بشع أوي. هو صحيح تصميم هادي المؤمني، لكن هادي عمل الفساتين اللي زي دي عشان يكسر بها الروتين في عروض الأزياء بتاعته، مش عشان حد يشتريها، لأن استحالة حد ممكن يلبس فستان بالبشاعة دي."
شحب وجه داليدا بشدة من شدة الحرج فور سماعها كلماتها تلك، شاعرة برغبتها في البكاء تعاود إليها.
أردفت منال بسخرية لاذعة عندما ظلت داليدا صامتة:
"شكل داليدا هانم زعلت مني، ولا إيه؟"
قاطعها صوت داغر الحاد القاطع الذي كان يتابع ما يحدث باهتمام:
= داليدا مزعلتش قد ما هي مش عارفه تقولك هي اختارت الفستان ده ليه...
رفعت داليدا وجهها إليه بصدمة، وقد ازداد شحوب وجهها أكثر من شدة الخوف من أن يخبر الجميع عن ظنونه السيئة بها. همست بصوت مرتجف محاولة منعه عن فعل ذلك:
= داغر...
لكنه تجاهلها قائلاً بهدوء وهو يحيط كتفيها بذراعه:
= أنا اللي اخترت لداليدا الفستان ده، وطبعاً مرضيتش ترفض تلبسه وتحرجني...
ليكمل بمرح وعلى وجهه ترتسم ابتسامة لعوب:
= خافت تكسفني وتقولي بصراحة إني ذوقي وحش وإنه فستان مينفعش يتلبس...
ثم انحنى مقبلاً جبينها بحنان قائلاً:
= حبيبتي الطيبة...
أخذت داليدا ترفرف بعينيها بصدمة من كلماته تلك، فلم تتوقع أبداً أن يلقي اللوم على نفسه حتى ينقذها من هذا الموقف الحرج. استمعت إلى تنهيدات النساء التي كانت ترمقها بنظرات تملؤها الحسد، بينما غمغم أحد شركاء داغر قائلاً وهو يتحدث إلى زوجته:
= شايفة الستات اللي بجد يا منال. مرضيتش تزعل جوزها ولبست فستان زي ده، مش زيك مفيش أي حاجة تعجبك...
هتفت منال بتحذير مختلط بالغضب بينما تنكزه في صدره بمرفقها بقوة:
= محمود...
لكن محمود تجاهلها ليكمل بينما يوجه حديثه لداغر وعيناه مسلطة على داليدا تلتمع بتقدير وإعجاب واضح:
= يا بختك يا داغر بيه حقيقي يا بختك...
لكنه أسرع بإبعاد نظراته بعيداً عنها عندما رأى الغضب الذي ارتسم على وجه داغر والنظرة الشرسة التي يزجره بها، متمتماً بخوف وارتباك عندما زجره:
= طبعاً، أنا أقصد إنها بتحبك ومش بترضي ترفضلك طلب...
شدد داغر من ذراعه حول جسد داليدا بتملك واضح للجميع، مقرباً إياها حتى أصبحت ملتصقة به، بينما يجيبه بحدة:
= فاهم قصدك كويس متقلقش...
لكن جذب انتباههم الهمهمات المنخفضة التي ملأت المكان، بينما جميع أنظار الحاضرين انصبت نحو باب القاعة. التفت داليدا تطلع نحو ما يجذب انتباههم لتشهق بصدمة فور أن رأت شهيرة تقف بباب القاعة وهي ترتدي الفستان البشع الآخر الذي اشترته معها وأخبرتها أنها سوف ترتديه هي أيضاً.
شعرت داليدا بالارتباك، لماذا ارتدت هذا الفستان؟ فقد كان بشعاً، ذات اللون متعددة غير متناسقة وتصميمه فضفاض. كيف ارتدته رغم معرفتها للسخرية التي تعرضت لها عندما ارتدت فستاناً أقل بشاعة بكثير من فستانها هذا، خاصة وأنها كانت ترتدي فستاناً آخر أنيقاً يخطف الأنفاس، فلماذا قامت بتغييره؟
أخذت داليدا تتفحصها وهي لازالت لا تستطيع استيعاب ما يحدث، فقد كانت شهيرة واقفة بوجه شاحب للغاية، تتلفت حولها بتوتر واضح وهي تتمسك بأطراف فستانها هذا بقبضة مشتدة، بينما تحيطها النساء الذين بدأ ضحكاتهم تتعالى، بينما تلقي بعضهم ساخرة حول مظهر شهيرة بهذا الفستان.
شعرت داليدا بالارتباك، لا تعلم أيمكن أن تكون قد أساءت الظن بها، وهي بالفعل اشترت لهم هذه الفساتين بنية صافية، بالتأكيد ظلمتها، والدليل على هذا ارتدائها هي أيضاً هذا الفستان البشع الذي ابتاعته معها.
التفتت إلى داغر الذي كان يتابع ما يحدث بوجه متصلب حاد. همست بحرج بينما ترفع وجهها إليه:
= داغر، أنا شكلي ظلمت شهيرة، هي...
قاطعها داغر الذي أحاط خصرها بذراعيه جاذباً إياها نحوه لتلتصق به بلطف. انحنى هامساً في أذنها بصوت منخفض غريب:
= شكلك طيبة فعلاً يا بنت الراوي...
أبعدت داليدا رأسها للخلف هامسة بارتباك:
= هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
قربها منه مرة أخرى محيطاً خصرها بصمت دون أن يجيبها، وقد تركزت عيناه على شهيرة التي كان يتابع معاناتها بسخرية، وهو يتذكر ما حدث بعد خروجه من غرفتهم وتركه لداليدا لكي ترتدي فستاناً آخر غير ذلك الذي كان يشبه ملابس المهرجين.
***
استدعى داغر شهيرة إلى غرفة مكتبه حتى يتأكد مما حدث، فقد كان الحرج والحزن الذي تشعر به داليدا بسبب ما تعرضت له بالحفل كان صادقاً، لا يمكنه تكذيبها. كما لا يمكنها أن تعرض نفسها لمثل هذا الحرج والسخرية من أجل أن تنتقم منه فقط. ولا يزال يؤثر به بكاؤها أمامه بهذا الضعف. فمظهرها الشاحب وهي واقفة بمنتصف قاعة الحفل والجميع يسخرون منها لا تزال ترافقه معذبة إياه، فقد كان يرغب وقتها أن يطيح بهم جميعاً خارج منزله، لكنه تمالك أعصابه بأعجوبة.
فور دخول شهيرة إلى مكتبه وهي ترتدي فستانها النبيذي اللون الرائع، هاتفه بأعين يرسم بها الحزن، بينما توجه حديثها إلى داغر الذي كان منشغلاً بالتحدث بهاتفه:
= داغر، الناس مش مبطلة ضحك وتريقة على داليدا لحد دلوقتي، مش عارفة أعمل إيه بـ...
لكنها ابتلعت باقي جملتها وقد اتسعت عيناها برعب فور أن سمعت الصوت الذي يخرج من هاتف داغر الذي كان يشغله على مكبر الصوت:
= داغر بيه، أؤمرني، معاك هادي المؤمني المساعد بتاعي، بلغني إنك عايزني، خير اتفضل...
شحب وجه شهيرة فور إدراكها أن داغر يتحدث مع صاحب دار الأزياء التي اشترت منها الفساتين، مما يمكن أن يعرض خطتها للانكشاف. أجاب داغر بينما عيناه مسلطة على شهيرة يتفحصها بأعين تلتمع بالقسوة:
= هادي، كنت عايز أعرف منك شهيرة هانم الدويري اشترت منك كام فستان النهارده...
أجابه هادي بهدوء بعد أن سأل مساعده أن يتطلع على الدفاتر الخاصة بزباين اليوم:
= اشترت 4 فساتين يا داغر بيه.
ليكمل هادي بتوتر:
= خير يا داغر بيه، فيهم مشاكل أو حاجة؟
أجابه داغر بهدوء بينما عيناه لا تزال على شهيرة التي كانت على وشك البكاء:
= لا أبداً، مفيش حاجة. بس عايزك تبعتلي صور الفساتين دي حالا...
أجابه هادي بهدوء من الطرف الآخر للهاتف:
= أوامرك، ثواني وهيكونوا عند حضرتك، أي أوامر تانية يا باشا.
أجابه داغر نافياً قبل أن يغلق معه الهاتف، ومن ثم ظل بمكانه يتطلع نحو شهيرة التي كانت واقفة بوجه شاحب مرتعِب، حتى صدح صوت تنبيه بهاتفه يدل على وصول الصور التي أسرع بفتحها على الفور. اهتز جسده بشدة فور رؤيته للفستان الذي ارتدته داليدا اليوم بالحفل، بالإضافة إلى آخر مماثل له بالبشاعة، إن لم يكن أبشع منه بكثير، وآخر رائع الذي وجده بغرفة داليدا، وآخر الذي ترتديه شهيرة الآن.
انتفض داغر واقفاً على قدميه والغضب يشتعل في كل خلية من جسده، مما جعل شهيرة تتراجع إلى الخلف هامسة بتلعثم وخوف:
= داغر، داغر أنت مش فاهم. أنا. أنا عملت كده علشان هـ...
قاطعها داغر بحدة بينما يقبض على ذراعها جاذباً إياها منه بقسوة:
= علشان تهيني مراتي وتحرجيها قدام كل اللي في الحفلة، هيكون علشان إيه يعني...
همست شهيرة بصوت مرتجف وقد أرعبها مظهره المظلم هذا:
= لا مش كده، أنا...
قاطعها بغضب بينما يشير إلى إحدى الصور بهاتفه:
= الفستان التاني ده، أنتِ أكيد اشتريتيه لنفسك علشان تقنعي داليدا إنها تلبس الفستان المعفن اللي اخترتهولها، مش كده...
ليكمل عندما ظلت صامتة تطلع نحوه بوجه يرسم عليه معالم الارتعاب، بينما شفتيها ترتجف بقوة خائفة من أن تفتح فمها وتنفي كاذبة حتى لا يصيبها غضبه:
= الفستان ده تطلعي تلبسيه حالا وتنزلّي بيه الحفلة...
خرجت شهيرة من صمتها هاتفة باستنكار ورعب:
= ألبس إيه؟ أنت عايز تفضحني يا داغر...
صاح مقاطعاً إياها مقرباً وجهه منها يتطلع إليها بأعين تلتمع بوحشية مما جعلها تخفض عينيها سريعاً بخوف:
= أيوه عايز أفضحك، زي ما فضحتِ مراتي وفضحتني...
ليكمل بينما يتجه نحو باب الغرفة:
= 5 دقايق يا شهيرة، وتكوني تحت في الحفلة بالفستان اللي قولتلك عليه، لو كلامي متنفذش يبقى متلوميش ساعتها إلا نفسك...
من ثم غادر الغرفة تاركاً شهيرة تقف بمنتصف الغرفة بوجه شاحب كشحوب الأموات، وأعين غارقة بالدموع، عالمة بأنها ليس أمامها خيار سوى أن تنفذ أوامره حتى تتقي شره، فهي تعلم جيداً كيف يكون داغر عندما يكون غاضباً.
***
راقب داغر شهيرة وهي تقترب منهم بخطوات متعثرة بسبب ضحك المدعوين على مظهرها. همست فور أن اقتربت منهم بأنفاس لاهثة وقد كان وجهها شاحب اللون:
= داغر، علشان خاطري كفاية كده، وسبني أطلع أغير هدومي، أنا اتهزقت جامد...
غمغم داغر ببرود بينما يلتف إلى داليدا التي كانت تتابع ما يحدث بوجه محتقن من شدة الغضب، وقد أدركت ما يحدث، فشهيرة ما ارتدت هذا الفستان إلا بأوامر من داغر، الذي بالتأكيد قد علم بأنها نصبت لها فخ. لكنها لا تعلم كيف علم، فهو عندما خرج من غرفتهم كان يكذبها هي ويصدق ابنة عمه.
= والله يا شهيرة دي حاجة مش في إيديا أقررها، عندك داليدا أههي، هي اللي هتقرر تغيريه، ولا تفضلي طول الحفلة به...
تطلعت شهيرة نحو داليدا بوجه عاصف من الغضب بينما تجز على أسنانها بقوة، لا تصدق بأنه يترك تحديد مصيرها بيد تلك الحقيرة الحمقاء. لكنها حاولت تهدئة غضبها هذا، راسمًة على وجهها الحزن في محاولة منها استعطاف داليدا، هامسة بصوت منخفض أظهرت به مدى بؤسها:
= داليدا، أنا عارفة إني غلطت في حقك. سامحيني علشان خاطري، وصدقيني اللي حصل ده مش هيتكرر تاني...
لتكمل بأعين تلتمع باللهفة والأمل:
= هااا، أطلع أغير الفستان ده؟
أجابتها داليدا بهدوء بينما تهز كتفيها ببرود:
= وأغيره ليه يا شهيرة؟ قصدك يعني علشان شكله وحش ويقرف...
لتكمل تعيد عليها كلماتها السابقة لها بينما ترسم على وجهها ابتسامة واسعة:
= متبصيش للشكل، المهم اسم المصمم اللي عليه ده، حتى بـ 100 ألف دولار، وكل الستات اللي هنا هتجنن عليه...
اشتعل وجه شهيرة بنيران الغضب بينما تطلعت نحوه بحقد، عالمة أنها ترد إليها ما فعلته بها. لملمت أطراف فستانها المتناثر حولها بغضب قبل أن تبتعد عنهم وهي تهمهم بكلمات غاضبة غير مفهومة، ثم اتجهت إلى آخر القاعة جالسة بأحد الأركان، محاولة بقدر إمكانها الاختباء عن أعين الحاضرين.
التفتت داليدا إلى داغر لتجده يتطلع نحوها، ونظرة غريبة ترتسم بعينيه لاول مرة تراها، بينما ترتسم على شفتيه ابتسامة رائعة خطفت أنفاسها. همست بحدة بينما تهز رأسها بتساؤل:
= بتضحك على إيه؟
جذبها نحوه دون أن يجيبها، متجهاً بها نحو قاعة الرقص، ثم أحاطها بذراعه يضمها إليه بحنان، لكنه اتخذ فجأة خطوة إلى الخلف حتى يستطيع تأملها في ذلك الفستان الخلاب الرائع الذي يرسم جسدها بطريقة تخطف الأنفاس رغم احتشامه.
= الفستان ده أنتِ اللي اخترتيه؟
أومأت له داليدا برأسها بالإيجاب، بينما ترفع حاجبها استعداداً لهجومه، لكن لمفاجأتها، رفع يدها مقبلاً إياها بحنان، ثم وضعها على صدره موضع قلبه وهو لا يزال يحيطها بيده، هامساً في أذنها بصوت منخفض أجش:
= متزعليش مني، أول وآخر مرة أخليكي تلبسي على ذوق حد...
أخذت تطلع نحوه بارتباك غير قادرة على فهم ما يحدث معه، همت أن تسأله لكنه أسرع بجذبها بين ذراعيه مشدداً من احتضانه لها، بينما يخطون ببطء على أنغام الموسيقى الهادئة.
***
بعد انتهاء الحفل...
خرجت داليدا من الحمام المرافق لجناحهم بعد أن قامت بتبديل فستانها إلى منامتها، لكن تجمدت خطواتها فور أن رأت داغر واقفاً أمام الخزانة يخرج ملابسه ويضعها بحقيبة مفتوحة وموضوعة على الفراش. ظلت واقفة تطلع نحوه بارتباك والفضول يتأكلها لكي تعرف إلى أين سيذهب بهذه الحقيبة، لكنها ظلت واقفة بصمت بمكانها رافضة أن تسأله حتى لا تظهر له اهتمامها هذا.
أخذت تفرك يديها بقوة محاولة السيطرة على فضولها هذا، لكنها لم تستطع وخرج السؤال من فمها قبل أن تستطيع أن تتحكم به:
= هو أنت بتعمل إيه؟
أجابها بسخرية مرحة دون أن يلتفت إليها واهتمامه منصب على وضع ملابسه بالحقيبة:
= شايفة إيه؟ بحضر شنطتي...
غمغمت بتعثر بينما تتقدم بالغرفة بخطوات بطيئة وهي تلوي ذراعيها بارتباك:
= أقصد، يعني رايح فين؟
أجابها وهو لا يزال يصب اهتمامه على توضيب ملابسه بالحقيبة:
= مسافر أستراليا...
همست بصدمة بينما تهبط جالسة على الفراش بإحباط:
= أستراليا؟ دلوقتي الوقت متأخر؟
أجابها بهدوء بينما يغلق حقيبته:
=عندي اجتماع مهم كمان كام ساعة هناك...
وبعد أن أنهى غلق حقيبته، جلس بجانبها على الفراش. أخذ يتطلع إليها عدة لحظات طويلة بصمت، متفحصاً إياها بعينين تلتمعان بالشغف. فقد كانت ترتدي منامة بيضاء ذات رسومات كرتونية، بينما شعرها الناري ترفعه فوق رأسها بكعكة عشوائية يتناثر منها بعض الخصلات الشاردة فوق عنقها الأبيض الغض. شعر برجفة حادة تمر بجسده، وقد أصبح تنفسه متثاقلاً بشدة. قبض على يديه بقوة بجانبه حتى لا يقوم بتمريرها فوق ملامح وجهها الخلابة. التقط نفساً مرتجفاً قبل أن ينحني عليها هامساً بالقرب من أذنها:
=إيه مش عايزاني أسافر؟
=ا هتفت بتلعثم بينما تبتعد بحده بالجزء العلوي من جسدها للخلف بعيداً عن وجهه الذي أصبح لا يبعد عنها سوى انشات بسيطة. حتى سقطت للخلف على الفراش وأصبحت مستلقية عليه:
=و أنا مش هعوزك تسافر ليه. أنا مالي كنت...
لكنها ابتلعت باقي جملتها بينما تراقبه بعينين متسعتين بالذعر وهو يقترب منها حتى أصبح يستلقي فوق جسدها مشرفاً عليها. يستند إلى مرفقيه بجانب رأسها حتى لا يسحقها بوزن جسده.
=انت انت بتعمل إيه...
همست بذعر بينما تضع يديها فوق صدره محاولة إبعاده عنها.
=شهقت بقوة عندما شعرت بذراعه تلتف حول خصرها جاذباً إياها بقوة نحوه ليصطدم جسدها الناعم بصلابة صدره القوي العضلي.
شعرت بالصدمة تجتاحها عندما أخفض رأسه بدون سابق إنذار وتناول شفتيها في قبلة حارة. مما جعل الصدمة تجتاحها، لكن سرعان ما تبدلت هذه الصدمة إلى مشاعر أخرى تسري بسائر أنحاء جسدها. مما جعلها تستجيب له. رفعت ذراعيها تدس يديها بشعره الأسود الحالك تجذب بلطف خصلاته الحريرية، مما جعله يهمهم برضا بينما يعمق قبلته.
ظلوا عدة لحظات على حالتهم تلك، لكنه اضطر أخيراً فصل شفتيهم عندما شعر بحاجتها إلى الهواء.
=خلاص قربت أتجنن بسببك.
همس بصوت أجش من أثر العاطفة التي لا تزال تعصف به بينما يدفن وجهه بعنقها يطبع بشغف عليه قبلات صغيرة.
=داغر، كفاية...
همست داليدا بصوت مرتجف لاهث ضعيف بينما تنزع يدها من بين خصلات شعره محاولة إبعاد وجهه عن عنقها عندما شعرت بيده تمر بجرأة مبالغة فوق منحنياتها.
=داغر قولتلك كفاية...
شهقت بقوة دافعة إياه بحدف في صدره.
=رفع رأسه ببطء وقد أفاق مما كاد أن يفعله. تنفس بعمق محاولاً السيطرة على نفسه. بينما أغلقت هي عينيها سريعاً بخوف عندما رأت الرغبة المشتعلة بعينيه.
شعرت بشفتيه تمر بلطف فوق جبينها مقبلاً إياها بحنان. ثم سمعته يزفر ببطء قبل أن ينهض من فوقها. بينما ظلت هي مغلقة عينيها بقوة حتى سمعت صوت إغلاق الباب. فتحت عينيها سريعاً منتفضة جالسة على الفراش تبحث عنه، لكن كانت الغرفة خالية. حتى أن حقيبته هي الأخرى قد اختفت لتعلم بأنه قد ذهب.
شعرت بغصة بقلبها تكاد أن تقتلها عندما تذكرت بأنه سوف يغيب عنها لفترة لا تعلم مدتها. ارتمت فوق الفراش تدفن وجهها به مطلقة العنان لدموعها التي كانت تحبسها طوال اليوم.
بغرفة نورا الدويري...
=أنا زهقت منك ومن دلعك ده...
هتفت شهيرة بنفاذ صبر بينما تقف بجانب شقيقتها التي كانت تنتحب بقوة بجانب النافذة.
=لتكمل بحدة بينما تدير نورا من ذراعها لكي تواجهها:
=أعملك إيه؟ قولتلك حاولت أتنيِّل أحرجها في الحفلة واخلي شكلها زي الزفت بعد ما لبستها فستان شبه بتوع البهلونات. والغبيه فعلاً ساعدتني في ده لما صدقت إن هلبس واحد زيه ووافقت تلبسه.
=بس هو هو انقذها وطلع قال للناس إنه هو اللي اختاره وإنه ذوقه وهي مرضيتش تحرجه علشان بتحبه. يعني كل اللي عملتيه ولا له أي لازمة.
قاطعتها نورا من بين شهقات بكائها الحادة.
=وأنا أعملك إيه؟ أنا استغليت الكلام اللي عرفته من الخدامة اللي كانت شغالة في فيلا خالها. قالتلي إنها من بعد حادثة مامتها بقى بيجيلها حالة كده مفهمتش منها هي إيه بالضبط. وإن خالها كان حابسها في البيت حتى المدرسة مكنتش بتروحها لحد ما وصلت لسن الـ18 سنة. ولما حاولت تروح الجامعة مكملتش شهر فيها ورجعت اتحبست تاني في البيت. ولا كانت بتروح حفلات ولا غيره. طبيعي بعد موقف زي اللي حصل ده وكل اللي في الحفلة ضحكوا واتريقوا عليها كانت اتنيّلت اتكسرت وحبست نفسها ومنزلتش تاني. وأي حفلة تانية كانت هتخاف تحضرها مع داغر اللي كان هيكتشف قد إيه هي مش مناسبة له ولا لمكانته.
هتفت شهيرة بقسوة بينما تضرب بيديها ساقيها بغيظ:
=لتكمل بلهث حاد وعينيها تلتمع بغل:
=لكن داغر عرف اللي حصل والليلة كلها اطربقت فوق دماغي وفي الآخر أجبرني إن ألبس الفستان الزبالة اللي شبه بتاعها وخلاني تريقة لكل اللي كان في الحفلة. أنا شهيرة الدويري أيقونة الموضة في مصر يتعمل فيا كل ده بسبب واحدة جربوعة زي دي.
=وإزاي شك أصلاً في حوار الفساتين؟ انتي كنتي مرتبة كل حاجة حتى الفستان التاني اللي صورتيها بيه.
هتفت نورا بوجه محتقن بالغضب:
=زفرت شهيرة بحدة بينما تلتف وتجلس فوق الأريكة مغمغمة بشرود:
=آه ده اللي هيجنني. إزاي داغر شك؟ دي كانت كل حاجة لابسها. لابسها حتى الفستان اللي كان عاجبها وصورتها بيه من غير ما تاخد بالها وأنا رفضته وقولتلها إنه مش لايق على الحفلة وفعلاً صدقتني. بس بعد ما روحنا رجعت لوحدي المحل واشتريته. وأول ما هي نزلت الحفلة مع داغر خليت الخدامة تحطهولها في أوضتها علشان لما داغر يدخل الأوضة يشوفه أول حاجة. وساعتها هيصدق إن ده الفستان اللي أنا اخترته وإن الفستان اللي هي لبسته ده كان اختيارها هي.
=كل ده ميهمنيش. اللي يهمني داغر. انتي وعدتيني ترجعيه ليا يا شهيرة.
ارتمت نورا جالسة بجانبها مغمغمة بصوت أجش غاضب:
=قاطعتها شهيرة بغضب وقد طفح بها الكيل، فقد تعرضت للإهانة بسبب شقيقتها الأنانية تلك ولا تزال تخرج بها غضبها بكل وقاحة:
=والله ما كنا هنحتاج نقعد القعدة دي ولا نخطط إزاي نخرج الزفتة اللي اسمها داليدا دي من حياته لو انتي ما كنتيش سبتيه ورحتي اتخطبتي للمخرج الزفت بتاعك.
=لتكمل بغيظ وغضب:
=سبتي واحد في مكانة داغر وفلوسه علشان حتة مخرج زبالة قدر يضحك عليكي ويوهمك إنه هيعملك فيلم بطولتك وطلع في الآخر بيضحك عليكي. ياما حذرتك بس انتي اللي غبية.
=أيوه كنت غبية مش عارفة إزاي سبت داغر علشان واحد زي حازم طلع بيضحك عليا. ولولا إني سمعته بالصدفة بيكلم صاحبه وبيقوله إنه بيضحك عليا لحد ما أتجوزه وإنه مش ناوي يعملي أفلام مكنتش هعرف أي حاجة.
همست نورا بارتباك والندم يتأكلها من الداخل:
=لتكمل بإصرار بينما تلتف إلى شقيقتها قائلة بحماس:
=أنا بكرة هعرف داغر إني ناويه أسيب حازم وهرميله الخاتم بتاعه.
=هزت شهيرة رأسها بينما تختطف سيجارة من علبة السجائر التي أمامها مشعلة إياها.
=لا متقوليش حاجة له إلا لما نخططلها بطريقة نوصل بها للي عايزينه.
=لتكمل بشرود بينما تلوي شفتيها بابتسامة ساخرة:
=واللي عايزينه هنوصله قريب أوي متقلقيش.
كانت داليدا مستغرقة بالنوم بعد أن ظلت تبكي مدة طويلة بعد مغادرة داغر. لكنها استيقظت عندما شعرت بيد دافئة تمر فوق ساقها من فوق منامتها.
=داغر، بتعمل إيه.
همست بصوت أجش غير واعٍ من أثر النوم.
=أخذت اليد تمر فوق ساقها بينما أصبح توجد أنفاس حارة لاهثة بجانب أذنها مما جعلها تفتح عينيها بقوة وقد بدأت تفيق من نعاسها. ليدب الذعر بكامل جسدها عندما رأت وجه طاهر الذي كان قريب منها للغايه بينما كان يشرف عليها بجسده.
=يا نهار أسود، انت انت بتعمل إيه.
أسرعت بدفعه بقوة في صدره مما جعل توازنه يختل ويسقط فوق الفراش بجانبها. انتفضت جالسة بفزع وهي تهتف بأنفاس لاهثة منقطعة وقد شحب وجهها من شدة الخوف.
=من ثم حاولت القفز من فوق الفراش التي كادت أن تغادره لكن طاهر كان أسرع منها وقبض على كاحل قدمها ساحباً إياها منه فوق لتصبح مستلقية عليه مرة أخرى.
رواية قلبه لا يبالي الفصل التاسع 9 - بقلم هدير نور
صرخت داليدا وهي تتخبط بقوة فوق الفراش، تحاول الفرار من أسفله. ضربته بقسوة بصدره ضربات متتالية.
= داغر. داغر زمانه جاي لو شافك هنا هيموتك.
أطلق طاهر ضحكة ساخرة، ثم قرص خدها بأصابعه بقسوة مؤلمة.
= بتكذبي؟ بتكذبي؟ مش عارفة إن اللي بيكذب طاهر بيعاقبه.
أكمل وهو يقبض على خصلات شعرها، يجذبها بقوة كادت أن تقتلع جذورها من رأسها، مما جعلها تصرخ متألمة وهي تبكي بقوة.
= داغر زمانه راكب طيارته وطالع على أستراليا. ده أنا اللي حاجزله التذاكر بنفسي.
شعرت بأنفاسها تنسحب من داخل صدرها، كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حولها، عندما أدركت أن منفذها الوحيد للخلاص قد فلت من يديها. لكنها لم تتحمل يده المتعرقة التي بدأ يمررها على عنقها، مما جعلها تصرخ بأعلى صوت لديها، طالبة النجدة من أهل البيت لكي يأتوا وينقذوها من بين يديه.
لكنه أسرع بوضع يده فوق فمها يكتم صراختها تلك.
قرب وجهه المشتد بالغضب حتى شعرت بأنفاسه المقززة فوق أذنها، مما جعل جسدها يقشعر باشمئزاز منه. همس بالقرب من أذنها، وقد خرج صوته أجش بهسيس مرعب.
= صوتي زي ما تحبي. محدش هيقدر يسمعك. الأوضة بتاعتكوا في الجناح الشرقي اللي مفيش حد فيه غيركوا. وحتى لو سمعوا هقول إنك انتي اللي بتغريني دايماً. ومحدش هيصدق إن أنا ممكن أعمل حاجة زي دي. حتى داغر نفسه عمره ما هيكذب صاحبه عمره ويصدق واحدة رخيصة.
أكمل بصوت مرتجف لاهث، بينما عينيه تمر على جسدها بشهوة، ويعتصر خصرها بأصابعه بقسوة حتى تأوهت متألمة وهي تنتحب بشدة. لم يثر به هذا الشفقة، ليزيد من اعتصاره لخصرها أكثر وأكثر.
= علشان كده طاوعيني. طاوعيني وكل حاجة هتخلص بسرعة من غير ما تتأذي.
كانت داليدا تسمع كلماته تلك، تشعر بجسدها يبدأ بالارتجاف، وقد هدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها. وهي تدرك بأنه لا يوجد مفر من مصيرها هذا. لكن لمع الأمل بداخلها فور تذكرها للسكين الذي خبأته أسفل وسادتها. فور أن غادر داغر، هبطت إلى المطبخ، جالبتة تلك السكين، وخبأتها أسفل وسادتها بعد أن أغلقت باب غرفتها جيداً بالمفتاح، لكنها لا تعلم كيف دخل إلى هنا.
مدت يدها ببطء أسفل الوسادة حتى عثرت على السكين. قبضت عليها بقوة، منتهزة انشغاله بحل أزرار قميصه الخاص. ودون سابق إنذار، أخرجت يدها المخبأة من أسفل الوسادة، طاعنة إياه بقسوة في أعلى ذراعه، طعنتين متتاليتين، مما جعله يصرخ بقوة متراجعاً للخلف بعيداً عنها.
وفي أقل من ثانية واحدة، كانت داليدا قد قفزت من فوق الفراش وغادرت الغرفة، راكضة بأكبر سرعة لديها، هابطة الدرج سريعاً. حتى وقفت ببهو المنزل، لا تدري إلى أين تذهب. حتى رأت غرفة المكتبة، أسرعت بالدخول إليها مختبئة بها، بينما تستند إلى بابها تلهث بقوة. وهي لا تدري بذلك الذي قد اتبعها راكضاً خلفها ورآها تختبئ بهذه الغرفة.
وقف طاهر أمام باب غرفة المكتبة بتردد، بينما يقبض بيده مرتعشة على الجرح الذي ينزف في ذراعه، والغضب يعصف بداخله. فقد كان يعلم جيداً بأنه لا يستطيع لمسها هنا، فهذه الغرفة يمكن لأي أحد بالمنزل سماع الأصوات التي بداخلها، على عكس غرفة داغر المتطرفة التي تحتل الجناح الشرقي بأكمله من القصر.
شعر بالخوف يستولي عليه، فهو يعلم جيداً بأنها ستخبر داغر بما حدث، وعندها داغر لن يرحمه. فحتى وإن كان زواجهم صوري، إلا أنه لاحظ مدى اهتمامه بها. لذا يجب عليه أن يتخلص منها في الحال.
اتجه نحو الغرفة الخلفية للقصر التي يحتفظون بها بجميع الأدوات الزائدة. ظل يبحث بها بعض الوقت حتى عثر على ما يريده، ثم اتجه نحو غرفة المكتبة التي فتح بابها ببطء حتى لا يصدر صوتاً، قبل أن يلقي بداخل الغرفة بأحد الأقمشة التي كانت مشتعلة بالنيران بعد أن قام بتشبيعها بالبنزين. من ثم أغلق الباب سريعاً، فور اشتعلت النيران بمفرش الأرض، من ثم بدأت النيران تشتعل بكامل الغرفة المليئة بالعديد والعديد من الكتب التي ساعدت على انتشار النيران سريعاً.
أسرع طاهر بإمساك مقبض باب الغرفة الذي أخذ يهتز بقوة، محكماً غلقه عندما أدرك أن داليدا تحاول فتحه حتى تخرج. وهي تصرخ بقوة. ظل ممسكاً به، غير سامحاً لها بمغادرة الغرفة. حتى توقفت محاولتها تلك تماماً. من ثم ابتعد أخيراً، مغادراً المكان سريعاً، عندما بدأت صراخاتها تتلاشى ببطء حتى صمتت تماماً.
رواية قلبه لا يبالي الفصل العاشر 10 - بقلم هدير نور
دلف داغر إلى القصر بوجه مكفهر مقتضب. فقد عاد مرة أخرى بطائرته الخاصة بعد أن تذكر بمنتصف الرحلة أنه لم يأتِ بالعقود الخاصة بالصفقة التي سيتم عقدها. فقد كان يحتفظ بأوراقها بخزانة مكتبه السرية، والتي لن يستطيع أحد الوصول إليها سواه، مما جعله يضطر للعودة ليأتي بها بنفسه.
فقد جعله ما حدث مع داليدا قبل ذهابه يفقد عقله وتركيزه. فقد فر من الغرفة وقتها حتى لا يتهور ويفقد سيطرته على نفسه ويتملكها كما يشتهي، فقد أصبحت رغبته بها تؤلمه وتعذبه بقسوة.
لكنه تجمد بمكانه ما أن فتح باب القصر ورأى الجميع يقفون ببهو المنزل. صدم من الأمر، فالوقت قد تجاوز منتصف الليل، مما جعله يشعر بأن هناك شيء خاطئ يحدث.
وتأكدت شكوكه تلك عندما رأى صافية الخادمة تهرع نحوه سريعًا. ما أن رأته هاتفت بتعثر والخوف يرتسم على وجهها:
= داغر بيه، داغر بيه الحق داليدا هانم...
شعر بانفاسه تنسحب من داخل صدره كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حوله فور سماعه كلماتها تلك.
= مالها داليدا؟
أجابته بتلعثم والذعر بادٍ على وجهها، بينما تشير إلى آخر الرواق:
= أوضة المكتبة النار ولعت فيها، وداليدا هانم فيها، والحريق جامد، محدش قادر يدخل...
لم ينتظر داغر أن يستمع إلى باقي كلامها وركض نحو المكتبة وقلبه يقفز بعنف داخل صدره من شدة الذعر. لكنه وقف متجمدًا بمكانه عندما رأى النيران التي تنبثق من أسفل باب الغرفة، بينما وقف كل من طاهر وشهيرة، التي كانت تحتضن نورا بحماية، يقفون بهدوء بعيدًا يتابعان ما يحدث.
صاح بهم بشراسة بينما يندفع نحو باب الغرفة يحاول فتحه، بينما الخوف يسيطر عليه فور تخيل داليدا داخل تلك النيران المستعرة.
= واقفين تعملوا إيه؟ واقفين تتفرجوا...
أجابته شهيرة بينما تتراجع إلى الخلف بارتباك وعينيها مسلطة بذعر على الباب المحترق:
= عايزنا نعمل إيه يا داغر. طلبنا المطافي، وزمانها جاية. وأكيد مش هدخل طاهر في النار، مش مستغنية عنه...
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما رأت النظرة الشرسه التي رمقها بها، فقد جعلت الدماء تتجمد في عروقها. راقبته بذعر بينما يتجه يهتف بغضب بصافية:
= هاتيلي بسرعة بطانية وبليها بالمية...
أسرعت صافية بتنفيذ أمره هذا، بينما اتجه إلى الباب المحترق و ضربه بقدمه عدة ضربات حتى انكسر وانفتح.
صرخت شهيرة بوجه شاحب فور إدراكها ما ينوي فعله:
= إنت. إنت بتعمل إيه داغر، مينفعش تدخل جوا، ممكن يحصلك حاجة...
لكنه تجاهلها واختطف سريعًا من صافية البطانية المبللة التي أحضرتها، هاتفا بقسوة:
= اتصلي بزكي وخليه يجي بسرعة...
ثم دلف إلى داخل الغرفة المشتعلة بعد أن أحاط رأسه بالغطاء المبلل، متجاهلاً صرخات شهيرة التي كانت تحاول منعه من الدخول. فكل ما كان يهمه الآن هو أن يصل إلى داليدا وينقذها. ففكرة أنه قد يفقدها إلى الأبد تجعله يريد إلقاء نفسه إلى تلك النيران لكي تلتهمه.
فور أن دلف إلى الداخل، تراجع إلى الخلف خطوة، فقد كانت النيران تملأ كل مكان بالغرفة ذات المساحة الواسعة. أخذ يبحث بالغرفة عن داليدا وقبضة حادة تعتصر قلبه. أخذ يصرخ باسمها بينما يبحث بلهفة عنها، لكنه كان لا يستطيع أن يرى جيدًا بسبب عينيه الزائغة من شدة الدخان المتصاعد من النيران.
انتفض جسده بتأهب فور أن استطاع أن يرى من وسط الدخان الذي يملأ الغرفة الجسد المتكوم بإحدى أركان الغرفة، حيث كانت تضم جسدها إلى صدرها بينما تخفي رأسها بين ساقيها بخوف. اتجه نحوها على الفور متجاوزًا بصعوبة النيران المشتعلة بالأثاث المنتشر بالغرفة.
لكنه فور أن وصل إليها صاح اسمها بصوت متحشرج ملهوف، والخوف يسيطر عليه من أنه قد أصابها شيء. لكن عندما لم تجيبه، أسرع بإلقاء الغطاء المبلل عليها الذي كان معه لكي يحميها من النيران التي كانت تلتهم كل ما بطريقها بوحشية، قبل أن يحملها بين ذراعيه ويتجه بصعوبة نحو باب الغرفة.
بينما النيران أوشكت أكثر من مرة أن تصيبهم، لكنه استطاع تجاوزها سريعًا. فكل ما كان يهمه أن يخرج بها من هنا حتى تحصل على الأكسجين النقي. فور أن خرج بها، قابله رجاله الذين أسرعوا يحاولون إخماد النيران، بينما صوت سيارات الإطفاء المرتفع يملأ المكان، مما يدل أن قد أتوا أخيرًا.
اتجه داغر إلى الخارج يضع جسد داليدا التي كانت تسعل بقوة على الأرض، بينما أسرع برفع الغطاء بيد مرتعشة عن وجهها لكي تستطيع التنفس. لكن لصدمته، كانت التي أمامه تمارا ابنة صافية الخادمة وليست داليدا.
تمارا التي ما أن رأتها والدتها بهذا الوضع، أطلقت صرخة فازعة وهي تسرع منتحبة نحوها تحتضنها بقوة محاولة تهدئة سعالها المختنق.
تراجع داغر إلى الخلف بتعثر حتى سقط على الأرض من شدة الصدمة. همس بصوت مختنق وعينيه متسعة بالذهول على تمارا:
= فين داليدا...
بدأت الأرض تميد به، شاعرًا بالدماء تفر من جسده فور أن أدرك بأنه ترك داليدا بداخل الغرفة المشتعلة.
نهض سريعًا بتعثر على قدميه حتى أنه كاد أن يسقط، لكنه لم يبالي واتجه مرة أخرى نحو الغرفة التي لازالت مشتعلة والخوف يسيطر عليه بأنه قد تركها بالداخل وسط تلك النيران. لكن أسرع طاهر وشهيرة بإمساكه ومنعه من الدخول. صاح بغضب منفضا أيديهم التي كانت ممسكة به، مبعدًا إياهم عنه، وصدره كان يعلو وينخفض بعنف مكافحًا لالتقاط أنفاسه بحدة.
= ابعدوا...
نجح بالفعل من التحرر منهم وأسرع نحو الغرفة مرة أخرى.
لكن أوقفه صوت تمارا المختنق التي استعادت قوته بعد أن هدئ سعالها:
= داليدا هانم مش جوا يا داغر باشا اطمن...
تراجع داغر إلى الخلف فور سماعه كلماتها تلك، هاتفا بغضب:
= اومال هي فين، وليه قولتوا أصلاً إنها جوا؟ إنتوا عايزين تجننوني...
همست صافية التي كانت تحتضن ابنتها بحماية وهي لازالت تنتحب بشدة:
= أنا افتكرتها جوا لأن لما طلعت أوضتها علشان أبلغها بالحريقة وأنها تنزل تحت علشان لا قدر الله المطافي مقدرتش تسيطر على الحريقة نلحق نطلع برا القصر، لكن ملقتهاش في أوضتها ودورت عليها في الجنينة وفي كل مكان بتعقد فيه ملقتهاش، فعرفت أنها جوا خصوصًا أنها معظم وقتها بتقضيه في أوضة المكتبة. ده غير صوت الواحدة اللي كانت بتصرخ جوا...
لتكمل بصوت متقطع يمتلئ بالقهر بينما ازداد انتحابها وهي تشدد من احتضانها لابنتها:
= مكنتش أعرف إن اللي بتصرخ دي بنتي، بنتي اللي جوا...
زمجر طاهر الذي كان يتابع ما يحدث بوجه شاحب فور اكتشافه اختفاء داليدا وفشل خطته:
= إنتي يا زفتة إنتي كنتي بتهببي إيه في أوضة المكتبة بليل كده...
همست تمارا بينما تحاول التقاط أنفاسها المختنقة:
= كنت عايزة كتاب أقرأه...
لتكمل سريعًا عندما رأت الغضب الذي ارتسم على وجه طاهر:
= داغر بيه، داغر بيه اللي سمح لي أبقى آخد كتب من المكتبة أقرأها وأرجعها تاني.
ثم ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها، وقد سيطر الرعب عليها من أن يكتشف أحد ما الذي كانت تفعله حقًا داخل المكتبة بهذا الوقت. فقد اعتادت من حين لآخر سرقة أحد الكتب القيمة التي تملأ المكتبة وبيعها. لكن لسوء حظها، ما أن دخلت المكتبة اليوم وهمت أن تأخذ كتابًا ما، شعرت بخطوات شخص ما يقترب من باب الغرفة، لذا أسرعت بالاختباء خلف الأريكة.
ثم رأت داليدا زوجة داغر الدويري تدلف إلى الغرفة بوجه شاحب وأنفس لاهثة، وقد كان مظهرها غريب. كانت ترتدي منامتها وشعرها مشعث، فقد كانت تبدو كما لو كانت تهرب من شيئًا ما. لكنها وقفت في الغرفة أقل من دقيقة قبل أن تتجه نحو باب الغرفة تفتحه مرة أخرى، لكنها لم تفتحه بالكامل. أخذت تطلع منه إلى الخارج عدة لحظات قبل أن تلتف وتغادر المكتبة سريعًا مرة أخرى.
وقتها نهضت تمارا حتى تأخذ الكتاب وتفر هاربة قبل أن تعود داليدا مرة أخرى. لكن فجأة ودون سابق إنذار، رأت النيران تشتعل بأرضية الغرفة من حولها. اندفعت مسرعة نحو باب الغرفة تحاول الخروج، لكنها لم تستطع حيث كان الباب محكم الغلق، برغم أنها تأكدت بأن هذا الباب ليس له قفل من الخارج أو الداخل. لذا أخذت تصرخ محاولة أن ينقذها أحد، حتى سقطت مغمي عليها من شدة الخوف.
واستيقظت بعدها لتجد النيران تحاوطها من كل اتجاه. أخذت تصرخ بأعلى ما لديها حتى يأتوا وينقذوها.
خرجت من شرودها هذا على صراخ داغر الدويري الحاد الذي كان يزرع الأرض ذهابًا وإيابًا كالأسد المحبوس داخل قفصه، ووجهه محتقن يظهر عليه علامات الفزع والهلع بادية عليه بوضوح. فلأول مرة تراه بهذه الحالة، فدائمًا يظهر أمامهم بقناعه الحاد الجليدي.
= إنتوا هتفضلوا ترغوا؟ اقلبولي المكان ده لازم أعرف داليدا فين...
ليكمل ملتفتًا إلى حازم رئيس أمنه:
= 5 دقايق و داليدا تبقى قدامي فاهم؟ لو ملقتهاش اعتبر نفسك وكل اللي موجودين هنا مطرودين...
ثم التف وتوجه للخارج ليشاهد كاميرات المراقبة، لعله يجد أنها قد خرجت من المنزل.
كانت داليدا جالسة منزويه في إحدى أركان غرفة فاطمة والدة زوجها. فبعد أن حاول طاهر أن يعتدي عليها، هربت منه واتجهت نحو غرفة المكتبة لكي تختبئ بها. لكن فور أن دخلتها، أدركت أنه من السهل عليه أن يعثر عليها بها، إن بابها لم يكن يحتوي على مفتاح داخلي يمكنها غلقه جيدًا عليها، كما يمكن أن يكون بالفعل قد اتبعها إلى هنا.
فتحت ببطء وهدوء باب غرفة المكتبة، تطل من شقها البسيط المفتوح باحثة عن طاهر. لتشهق بصوت منخفض، وقد بدأ جسدها بالارتجاف من شدة الخوف فور إدراكها هويته. فور ان رأته يقف خارج الغرفة يمسك بذراعه المصاب، بينما يتطلع بشرود إلى الأرض كما لو كان يفكر في أمر ما.
لكنه سرعان ما رآه يلتف ويتجه نحو المخزن الخلفي، وعلى وجهه يرتسم تعبير جعل الدماء تجف في عروقها. فور تأكدها من اختفائه، أسرعت بالخروج من الغرفة واتجهت نحو الجناح الغربي للقصر حيث توجد غرفة فاطمة والدة داغر التي كانت مسافرة منذ أكثر من أسبوع لدى شقيقها.
فقد كانت غرفتها هي آمن مكان لها، حيث لن يأتي بعقله أنها تختبئ هنا. لكن رغم ذلك، ظلت في مكانها جالسة بإحدى أركان الغرفة وعينيها مسلطة فوق الباب بخوف، متوقعة أن يدخل طاهر عليها في أي لحظة، رغم إغلاقها للباب جيدًا. كان جسدها يرتجف بقوة أثر النوبة التي قد أصابتها بوقت سابق بعد هروبها من طاهر.
تنفست بعمق محاولة تهدئة خوفها. فأول شيء ستفعله فور بزوغ النهار هو أنها ستغادر هذا القصر لحين عودة داغر الذي ستخبره بكل ما فعله طاهر بها. حتى وإن لم يكن سيصدقها، فعلى الأقل طاهر سوف يتراجع عما يفعله بها خوفًا من أن ينكشف أمره لداغر.
انتفضت في مكانها فازعة فور سماعها أصوات أبواق الإنذار التي تأتي من خارج القصر. فعادة يكون هذا الصوت تابعًا لسيارات الإسعاف أو الإطفاء. أسرعت بالنهوض والتوجه نحو النافذة تنظر منها حتى تفهم ما يحدث. لتجد أنه بالفعل يوجد سيارات إطفاء ضخمة تقف بالخارج، لتعلم بأنه يوجد حريق بالقصر.
شعرت بالخوف يدب في أوصالها، ركضت مسرعة خارج الغرفة تتجه إلى الأسفل، فإذا كان يوجد حريق فيجب عليها الخروج فورًا من هنا. كانت تركض بالرواق عندما اصطدمت بقوة بشخص ما كان يأتي من الاتجاه المعاكس. تراجعت سريعًا للخلف بخوف، والدماء قد انسحبت من جسدها فور إدراكها هوية الشخص الذي اصطدمت به.
اقترب منها طاهر على الفور قابضًا على ذراعها بقسوة مانعًا إياها من الهروب، جاذبًا إياها بحدة لتصبح واقفة أمامه مباشرة.
همس بالقرب من أذنها بينما قبضته تشدد حول ذراعها:
"لسه كنتِ مستخبية هنا يا ملعونة..."
ليكمل بقسوة وعيناه محتقنة بشدة، فقد كانت تشبه بعين شيطان خرجت للتو من الجحيم:
"الحريقة اللي تحت دي كانت من نصيبك، بس فلتي منها. بس المرة الجاية صدقيني مش هتفلتّي لو بوقك ده اتفتح ونطقتي بحرف واحد لداغر عن اللي حصل، أو بكل بساطة ممكن أدبر لحبيب القلب اللي قالب الدنيا عليكي تحت حادثة عربية ولا رصاصة تخلص عليه عشان أضمن إن..."
قاطعته داليدا هامسة بصوت مرتعش وقد أخذت ضربات قلبها تزداد من شدة الهلع، فهي لن تتحمل أن يحدث لداغر أي مكروه بسببها:
"مش هقوله حاجة... مش هقوله حاجة..."
هز طاهر رأسه وعلى وجهه ترتسم ابتسامة راضية:
"ما نشوف..."
ثم دفعها بقسوة بعيدًا عنه قبل أن يكمل طريقه لنهاية الرواق.
اندفعت داليدا على الفور راكضة والخوف يسيطر عليها، وهي لا تصدق بأنه حاول حرقها، لتعلم بأنها تواجه مريضًا نفسيًا ويجب أن تتخلص منه.
فور وصولها أعلى الدرج، تسمرت مكانها وقد بدأت الأرض تميد بها فور رؤيتها للغرفة المحترقة، بينما رجال الإطفاء يحاولون إخماد النيران. اهتز جسدها بقوة فور تخيلها ما الذي كان سيحدث لها لو لم تهرب من هذه الغرفة.
جذب انتباهها عن الغرفة صوت صراخ داغر الواقف بمنتصف بهو القصر، يصرخ بحزم:
"يعني إيه اختفت؟ راحت فين؟ انطقواااا..."
كان يبدو بحالة مزرية لم تره بها قبل، فقد كان وجهه شاحبًا، بينما شعره المنظم دائمًا مبعثر الآن باهمال، وسترة بدلته قد اختفت، بينما قميصه الأبيض ملطخ ببقع سوداء كبيرة.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تهبط الدرج بقدمين مرتجفتين تتجه نحوه، محاولة أن تستمد منه بعض الاطمئنان للخوف الذي يلتهم قلبها.
فور أن أصبحت أمام داغر، الذي كان يمرر يده بشعره بشدة وعيناه للأسفل، همست بصوت مرتعش متردد، وقد بدأت دموعها التي كانت تحبسها لمدة طويلة تتساقط من عينيها، داعية من الله أن يظهر لها ولو بعض اللطف، فهي بأشد الحاجة إلى حنانه:
"داغر..."
رفع داغر رأسه بحدة فور أن سمع صوتها، أخذ ينظر إليها عدة لحظات بأعين فارغة متسعة، كما لو كان يحلم أو يرى سرابًا أمامه.
همت داليدا بالتحدث إليه مرة أخرى، شاعرة بالقلق عندما وجدته لا يبدي أي ردة فعل، ولكن وقبل أن تنطق بحرف آخر، اندفع نحوها دون سابق إنذار، يضمها بين ذراعيه بقوة، دافنًا وجهه بعنقها، بينما ذراعيه تحيط خصرها، جاذبًا إياها ليلتصق جسدها بجسده بشدة، هامسًا باسمها بصوت مختنق متألم.
شدد من احتضانه لها، مستنشقًا بقوة رائحتها، والذعر والخوف من فقدانها لا يزال يعصفان بداخله. مرر يده بلهفة فوق ظهرها، متلمسًا إياها حتى يطمئن نفسه بأنها بالفعل سالمة وبين يديه، لا يصدق بأنه كاد أن يفقدها، فعند تخيله لها ملقاة كجثة هامدة داخل تلك الغرفة المشتعلة، كاد أن يفقد عقله. لا يعلم سبب ما يحدث له، لكن ما يعلمه جيدًا أنه غير مستعد أن يفقدها.
هبط جالسًا على أولى درجات الدرج الذي كان خلفه، وهو لا يزال يحتضنها، قبل أن تخونه قدماه التي أصبحت كهلام، غير قادرتين على حمله.
دفن وجهه بعنق داليدا، التي كانت تستقر جالسة بحضنه، مستنشقًا بقوة رائحتها، وهو لا يزال يهمس باسمها بصوت منخفض، كما لو كانت تعويذة يحاول أن يهدئ ذعره بها.
ضمته داليدا هي الأخرى، ممررة يدها بحنان فوق ظهره، محاولة تهدئته، فقد كان كامل جسده يرتجف بقوة.
قبل داغر جانب عنقها بقوة من أسفل حجابها، بينما يجذبها إلى جسده أكثر حتى أصبحت ملتصقة به، كما لو كان يرغب بتخبئتها داخل صدره، بينما هي الأخرى أحاطت ظهره بذراعيها، تضمه بقوة، متشبثة يديها بقميصه من الخلف، تدفن به الخوف الذي تشعر به.